وهو باب في طلب العلم
والعلم إذا أطلق علم الدين، وهو ينقسم أقسامًا.
فمنها علم الأصل. وهو معرفة الباري جل ثناؤه، وقد تقدم القول عن كثير من فصولها. ومنها معرفة ما جاء من عند الله تعالى. ودخل في هذا علم النبوة، ومما تميز به الشيء من الشيء. وعلم أحكام الله تعالى وأقضيته. ومنها معرفة بطلب علم الأحكام فيه وهو الكتاب والسنة. نصوصها ومعانيها، وتمييز وجوه القياس وشروطه ومعرفة أقاويل السلف من الصحابة والتابعين ومن دونهم، وتمييز الاجتماع والاختلاف.
ومنها معرفة ما به يمكن طلب الأحكام في الكتاب والسنة، وهو العلم بلسان العرب وعاداتها، وفي مخاطباتها وتمييز مراتب الأخبار لينزل كل جزء منزلته، ويوفي بحسنها حقه، ثم أن طلب العلم من فروض الدين، إلا أنه من فروض الكفاية دون الأعيان والمقدار الذي يجب طلبه وتحصيله منه ما يقع به الكفاية للعمل.
وأفتى من لا علم له عنده ممن ينزل به ونبوته، فإن فرض أولئك مسألة العلماء وتقليدهم وذلك أن يعمل أن الدلائل الدالة على الباري ﷻ، وقدمه ووحدانيته وقدرته، ما يخرج به من معرفة الله من حدود المقلدين، ويتسع به للدعاء إلى سبيله والنصح بالحجة عن دينه، ويعلم من دلائل النبوة ما يخص منها نبينا ﷺ ما يستيقن بنبوته وصدقه ويكمل به للنصح بالحجة عنه، ويعلم من علم الكتاب ما يميز به الحكم من المتشابه، والخاص من العام، والمحمل من المفسد، والمطلق من المفيد، والظاهر من المحتمل، والناسخ من المنسوخ، والمجازي من الحقيقة، والأمر من الندب، والإباحة والنهي عن
[ ٢ / ١٨٦ ]
التنزيه، وما جاء منها بلفظ الخبر وليس بخبر. ومما جاء بلفظ الخبر وهو بالحقيقة خبر فإذا ميز وجوه الخطاب بعضها من بعض، وعرف الأكثر مما جاء في كل شيء منها، وقال الناس في تأويله، وإلا ظهر الأشبه أن يكون هو المراد، فلا عليه أن بقي وراء ذلك شيء لم يبلغه فلم يعلمه.
فإن الإحاطة بعلم الكتاب كله لم يكن إلا لمن أنزل عليه. وأما الناس بعده، فعلم الكتاب فيهم متفرق ولا يؤخذ عند أحد منهم إلا تعلمه. وعلوم الكتاب كثيرة. منها علم بألفاظه وما أريد بها، وهذا هو الذي يقال له التفسير، ويدخل في هذا القسم ما اختلف فيه من القراءات ووجوهها.
ومنها علم المكي والمدني وأسباب التنزيل، ومن نزل فيه وما نزل لأجله.
ومنها علم الحاجات التي فيه، فقد أودعه الله تعالى من البراهين والحجج ما إذا عرفت حق المعرفة لم يحتج معها ولا وراها، إلى غيرها.
ومنها علم الأحكام المثبتة فيه جملة وتفصيلًا وتمييز الثابت منها والزائل.
ومنها علم الأمثال المضروبة فيه، والوقوف على ظاهر أمثاله فيه ودلائل عليه.
ومنها علم الوعد والوعيد والمدح والذم.
ومنها علم القصص وأنباء الأولين المذكورة للاعتبار بها وتسلية النبي ﷺ وتصبيره. ومنها علم ما فيه الحث على الاعتصام بالله ﷿ والالتجاء في النوائب إليه، والدلالة على وجوه الاحتراس من شياطين الأنس والجن.
ومنها علم الأخبار بالعواقب تبيينًا للنبي ﷺ وتبيينًا للمؤمنين.
ومنها علم إعجازه ومبانيه في نظمه شعر الشعراء وخطبة الخطباء، وبلاغة البلغاء، وما بني من هذه العلوم إلا ويوجد منه في السنة مثل ما يوجد فيه في الكتاب إلا الإعجاز، فإنه يخص بالقرآن، وفيها زيادات كثيرة لأن الله ﷾ جعل نبيه ﷺ مبينًا الكتاب، ومعرفًا للناس منه بما لا يدركونه إلا ببيانه، وأوصى الله كثيرًا مما لا ذكر له في الكتاب، فبلغه عنه كما لا أن ما ينتهي من سنته إلينا، فقد تأتينا متواترة، وقد تأتينا مستفاضة غير متواترة، وقد تأتينا من قبل الاحاد، والقلة يختلفون مرة، ويتفقون أخرى، وقد يكون الناقل موثوقًا به، وقد يكون غير موثوق به، ومواقع الثقة تختلف.
[ ٢ / ١٨٧ ]
فيكون منه الجرح ألين، وقد تكون منه الشهرة بالتدليس أو الغفلة أو مخالفة الحفاظ الإثبات لمن شاركهم في الرواية، ولا يكون في منزلتهم.
ومن الأخبار ما يعارض ومنها ما يلم من التعارض، ومنها مسند ومرسل فمنقطع ومنقطع لا غنى بالمعنى من رواية الأكثر الأظهر من عامة ما وصفنا، فإن شذ عنه بعد الطلب الحثيث والعناية الشديدة بعض ما ذكرناه بلا غلبة ولكنه لا علم له أن يعتمد ما يراه مثبتًا في كتب العلماء، ويشهدوا على أنه سنة حتى يسمعها فمن يرويها له وحدثه إياها بإسناد متصل منه للنبي ﷺ بكون نقلتها عدولًا، وكلما قلت أنه لا شيء على من جهله من بيان الكتب والسنة، فإنما أريد به، إن العالم الذي حصل ما رواه، إن عمل بخلافه أو أفتى به غيره بعدما أوجبه الاستدلال عنده، فلا حرج عليه فيه ما لم يبلغه الذي قضي عنه، أو ينصح له ما كان كائنًا عليه. فإذا علم منه ما كان لا يعلمه، فقد صار محجوبًا به، والتحق بسائر ما عنده، وكذلك أقاويل السلف وما اجتمعوا عليه واختلفوا فيه لا يتهيأ أن يحاط بجميعها، ولكن أكثر ذلك قد عرف وحفظ وجلد في كتب أفردت لذلك الاختلاف ما خلد من السنن وتفسير القرآن وتأويله. فينبغي للمفتي أن يتبع ما جاء منها ولا يقتصر على ما عده منها في كتابه دون أن يسمعه ممن يبلغ وتأويله. فينبغي للمعنى به قابله، ثم يقابل بعضهما ببعض ويتحر عند العمل والفتيا أرجحهما. ولا يحل له أن يتخذ لنبيه ﷺ عديلًا من أمته، فينصبه بالانتساب إلى مذهبه، ويعادي فيه، ويوالي ويدع لقوله السنن الصحاح، ولا يبالي بل ينبغي له أن ينزل علم السلف منزلة واحدة، إلا المقدار الذي ظهر من فضل بعضهم على بعض، فإنه لا يذكره ولا يدفعه، ولا يلزم إتباع أحد منهم بعدما جهد، وتبلغ حد المجتهدين، وصار من أهل الفتوى والقضاء بين المسلمين، قد يجد قوله على الإنفراد أمامه، ولا وفاق أصوله أصله وليتبع النبي ﷺ الذي هو من أمته، ومحجوج بالكتاب الذي أنزل عليه من ربه. وما يثبت عنده من قوله وفعله وبسحر وفاقه لا زمان من دونه، وليحذر خلافه، لا خلاف من ليس مثله، وليعلم أنه هو المعصوم، المبرأ من الكذب فيما يبلغ، والخطأ فيما يحكم. والمنزه من كل قصد فيما اصطفاه الله تعالى من النبوة، وأكرمه به من الرسالة. فأما من عداه كائنًا من كان، من أفراد الصحابة والتابعين فليس أحد منهم في درايته ورأيه، معصومًا من الخطأ أو الزلل، ولا عنده من علم الدين
[ ٢ / ١٨٨ ]
لا يبغضه، وإن كانوا قد يتفاوتون، فيكون البعض الذي عند واحد منها أرجح من البعض الذي عند غيره. وينبغي لمن أراد طلب العلم، ولم يكن من أهل لسان العرب، أن يتعلم اللسان أولًا، ويتدرب فيه، ثم يطلب علم القرآن، فلن تتضح له معاني القرآن إلا بالآثار والسنن، ولا الآثار إلا بأخبار الصحابة، ولا أخبار الصحابة إلا بما جاء عن التابعين.
فإن علم الدين هكذا أدى إلينا، فبلغنا درجة بعد درجة، فمن أراده فليتدرج إليه بدرجة. فيكون قد أتى الأمر بابه، وقصده من وجهه، فإذا بلغه الله درجة المجتهدين فلينظر في أقاويل المختلفين، ويتخير منها ما يراه أرجح وأقوم، وليقس ما يحدث وينوب على أشبه الأصول وأولاها به.
فأما أن يقصد علم الدين ثم يقتصر عند المطلب على قول رجل من علماء السلف، من كان، وإن كان بعد في العلم شأوه، ويتبع ما جاء منه، ويرفض من يخالف ولا يقتديه فكل ما بلغه عنه قلبه، وكل ما بلغه عن غيره تركه، وينتصب مع ذلك داعيًا للناس من احتباه، ومنفرًا إياه عن سواه، كأنه نبه المبعوث إليه وإلى غيره. فيكون المسلم تبعًا عنده، من اتبع متبوعه، ويترك الحائدين عنه عند منزلة أهل الكتاب من المسلمين، إذ كان أهل الكتاب تمسكوا بما لا يتمسك به. وهؤلاء عنده أيضًا عدلوا إلى ما لا يعد إليه. فهذا هو النبأ العظيم الذي الناس عنه معرضون، ولنسألن يوم القيامة عما كانوا يعملون. وأقرب ما يلزم ذكره أن الذي ارتضاه لا يأمنه واتخذه قدوة لنفسه بما كان يرضى أن يكون له، دون رسول الله صلي الله عليه وسلم أمام ينتهي إليه ويقصر نفسه عليه، فلا يقتدي إلا به، ولا يأخذ إلا من علمه، ويقارب من اتبعه، ويباعد من رغب عنه، لكنه طلب العلم حيث وجده، وأخذه ممن كان عنده. فقد كان ينبغي لمن نحا نحوه، وانتهج نهجه أن يأخذ طلبه العلم عنده، كما يأخذ علمه، فلا يتبغض في بدء الأمر قوله، ولا يفسد عليه أصله، فمن يخرج في علم أحد العلماء خاصة، ولم يكن عنده علم تأويل غيره، ولا بالأبواب التي سبق ذكرها، فلا تعد منزلته أن يكون من المقلدين فإن عمل بها أخذه من علمه في خاصة نفسه، فإن كان إمامه حي فسأله عن نازلة نزلت به، وأفتاه فيها برأيه، فيحل له أن يعمل بقوله، ولا يجوز له أن يفتي به غيره، ولا أن يحكم به. ومن طلب من الوجه الذي
[ ٢ / ١٨٩ ]
ذكرناه، وحصل من علم الكتاب والسنة ما وصفنا، ومن أقاويل السلف إجماعًا واختلافًا ما شاء، وسلم عقله، وصح رأيه وفهمه بقدر على استنباط معاني الأصول، واهتدى إلى تمييز ما يتعلق الحكم به من جملة أوصاف الأصل مميزة، وكان ممن إذا أخفى المعنى واعتاض لم يصلك عن فهمه، وإذا عارضه مثله، لم يخبر عن تمييز أولاهما، بأن يقال به.
كان له أن يعمل فيما ينزل به بعلمه، وأن يفتي به غيره، وكل ما قدمت ذكره في علم الكتاب والسنة، فهو في علم لسان العرب كذلك. لأنه في الجملة لابد منه إذ القرآن إنما نزل بلسانهم وليست فيه كلمة ولا لفظة بلسان غيرهم، ولكن فيها ما كان غير عربي في أصله، فعربه الله تعالى كما كانت العرب بأسرها غير عرب، فعربهم الله تعالى. كذلك السنن كلها عربية، فلا سبيل إلى معرفة الكتاب والسنن إلا بالوقوف على اللسان أولًا، وليس يكفي من علم اللسان علم الأسماء والأفعال والصلات حتى تكون معه، ارتباص فيه ومعرفة لعادات العرب على مخاطباتها. فإن لها في الخطاب مذهبًا وفي البيان عادة، وإذا عرف من لسانها وعادتها ما تيسر به، بعلم الكتاب والسنة، فلا عليه أن يسد عنه من غرائب كلامها، وبدائع أمثالها ما لا يحتاج. وهذا جملة من القول في هذا الباب، فأما تفسيرها فيرجع فيه إلى الكتب المفردة إن شاء الله تعالى.
فصل
ونتكلم في وجوب العلم وفضله، ثم في بيان إن العلم المطلق علم الدين، وأنه أشرف، العلوم، فنقول إن من الدليل على وجوب طلب العلم قول الله ﷿:﴾ وما كان المؤمنين لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذ رجعوا لعلم يحذرون ﴿.
أراد -والله أعلم-: وما كان المؤمنون لينفروا كافة، والنبي مقيم لا ينفر، فتركوه وحده، فلولا نفر بعدما علموا إن النفر لا يسع جميعهم من كل فرقة منهم طائفة لتبقى
[ ٢ / ١٩٠ ]
بعضها عند النبي ﷺ، فيحملوا عنه الدين ويتفقهوا، فإذا رجع النافرون إليهم أخبروهم بما سمعوا وعلموا، وفي هذا إيجاب النفقة وإثباته أنه على الكفاية دون الأعيان. ويدله على ذلك أيضًا قوله ﷿:﴾ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ﴿فدخل في هذا من لا يعلم الكتاب والسنة، ليلزمه سؤال من يعلم عن ما لا يعلم ليعلمه، فيعلم كما دخل فيه من نزلت به نازلة، فلم يعلم الحكم فيها، ودل على وجوب علم التوحيد، خاصة قوله ﷿ لنبيه ﷺ:﴾ فاعلم أنه لا إله إلا الله ﴿. فأمره جل ثناؤه وبعلم وحدانيته تعالى، وذلك منزلة فوق التوحيد باللسان، ولا شك أنه قبل نزول هذه الآية، كان عالمًا أنه لا إله إلا الله، فدل على أنه أمر باستدامة العلم والثبات عليه، وذلك بالتفكر في آياته الدالة عليه، وإحضارها بالبال، كالرجل يدرس ما قد حفظه لئلا ينساه، كذلك المدرك بالاستدلال يداوم عرض أدلته على القلب لئلا يغفل عنه، ولا يذهل عن مدلوله، وإن كان استيفاء العلم واجبًا على من سبق له العلم بوحدانية الله تعالى، دل ذلك على إن اكتساب هذا العلم على السير عنده بالرجوع إلى الأدلة، والنظر مما يوجبه ليعتقده على وحيه أولى بالوجوب، وإذا وجب ذلك فإنما هو طلب علم وجب على من لم يكن عنده، فكل علم من علوم الدين لم يكن عند أحد، فعليه طلبه حيث يؤمل أن يجده إذا طلبه فيه والله أعلم.
وقد يجوز أن يعبر عن معنى هذه الآية بأن يقال بتقدير قوله تعالى﴾ فاعلم أنه لا إله إلا الله ﴿فكن عالمًا أنه لا إله إلا الله. وهذه الكلمة تصلح لابتداء العلم ولاستدامته فانصرف الأمر بها للنبي ﷺ للابتداء به ولغيره إلى ما لا يليق بحاله والله أعلم.
وفي هذا الباب عن النبي ﷺ أخبار منها ما جاء أنه قال: (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) وهذا نص جلي لا يحتاج إلى الكشف عن وجه دلالته. ومنها ما جاء في التحذير من ارتفاع العلم، وذلك تحريض على طلابه، وهو قوله ﷺ: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم
[ ٢ / ١٩١ ]
يبق عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فآمنوا بغير علم فضلوا وأضلوا) ويدل على وجوب طلب العلم من طريق المعنى، إن عبادة الله تعالى وإقامة فرائضه لا يمكن ولا يتهيأ إلا بعد العلم بما نهجه لعباده من وجوب التقرب إليه، بأن إذا ما لا يعرف غير موجب، وأوجبوا بهذه الدلالة فالعلم إن كان لا يقع للناس اتفاقًا، ولا يعية من غير طلب، بأن أن طلبه واجب والله أعلم.
ثم مما يدل على طلب العلم وشرف مقداره ﷿:﴾ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم ﴿فقرن اسم العلماء باسم ملائكته، كما قرن باسمه. فكما وجب الفضل للملائكة بما أكرمهم به، بما وصفنا بذلك بحب الفضل للعلماء بما أكرمهم به من مثله.
وقال ﷿:﴾ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴿. فأبان أن خشيته جل ثناؤه إنما تكون بالعلم، وقال في آية أخرى:﴾ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه ﴿. فأخبر في هذه الآية إن هذا الجزاء إنما هو لمن خشي ربه. وأخبر في الأولى إن العلماء الذين يخشون ربهم مكانه. قال ذلك للعلماء: وقال ﷿:﴾ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ﴿وقال لرسول الله ﷺ ممتنًا عليه:﴾ وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم، وكان فضل الله عليك عظيمًا ﴿.
وقال رسول الله ﷺ: (ما عند الله بشيء أفضل من فقه ودين). وجاء عنه ﷺ أنه قال: (ما من رجل يسلك طريقًا يطلب فيه علمًا إلا سهل الله طريقًا إلى الجنة، ومن أبطأ به عمله لا يسرع به نسبه) وعنه ﷺ: (طالب العلم يستغفر له كل شيء
[ ٢ / ١٩٢ ]
حتى الحيتان في البحر). وعنه ﷺ أنه قال: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضي بما يصنع، وأنه يستغفر له الطير في السماء والوحوش حتى الحيتان في الماء) ويحتمل أن يكون تضع الملائكة أجنحتها لطالب العلم رضي بما يصنع في الدنيا، ويحتمل في الآخرة، فإن كان في الدنيا فله وجهان: أحدهما أن يعطف عليه ويرحمه، كما قال الله ﷿ فيما أوصى به الأولاد من الإحسان إلى الوالدين:﴾ واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ﴿أي تواضع لهما وتعطف عليهما.
والآخر أن يكون المراد بوضع الأجنحة فرشها، لأن في بعض الروايات أن الملائكة تفرش أجنحتها: أي إن الملائكة إذا رأت طالب العلم فرشت له أجنحتها في رجليه وحملته عليها فمن هناك يسلم فلا يخفي إن كان ماشيًا، ولا يعني، ويقرب عليه الطريق البعيد، ولا يصيبه ما يصيب المسافرين من أنواع الضرر كالمريض وذهاب المال وضلال الطريق والحصر والله أعلم.
وإذا قلنا بالوجه الأول، فيحتمل أن الملائكة الكرام الكاتبون، أولها ينظر إلى كتبه العلم الذين وصفناهم، يعني: البهاء والجلال. فتستشعر في أنفسها تعظيمهم وتوقرهم. وجعل وضع الجناح وفرشه مثلًا لذلك. أي أنها تفعل مع طلاب العلم نحو مما كانت تفعل مع الأنبياء صلوات الله عليهم، لأن العلماء ورثة الأنبياء.
ويحتمل أن يجتمع تواضع الملائكة لهم استشعارهم في نفوسهم فضلهم وعلو مقدارهم والدعاء لهم، والرغبة إلى الله ﷿ تأييدهم وتوفيقهم وتسديدهم والله أعلم.
فإن كان ما ذكر عن الملائكة في الآخر فلا يعلم له. بمعنى إلا أن الملائكة تتلقاهم يوم القيامة معظمين إياهم متواضعين لهم، فيحيونهم تحيات شريفة ويبشرونهم بما هم لا قوه من إحسان الله ﷿ إليهم، ويكون إلقاؤهم ذلك إليهم على سبيل التصابر عنهم، لا على وجه الموقع عليهم، وذلك لما كانت ترضاه من صنعنا، الذي كان الناسخون للأعمال يرفعونه عنهم، حين كانوا في الدنيا والله أعلم.
[ ٢ / ١٩٣ ]
ويحتمل أن يكون استغفار الحيتان وطير السماء والوحوش لطالب العلم، أن يكتب لله تعالى تعدد كل من أنواع الحيوانات الأرضية استغفاره سبحانه.
وجه الحكم في هذا إن إصلاح العالم بأسره بالعلم. إلا ترى أن بالعلم يدرك الطير من السماء، لا يبغي أن يؤذي ويخرج ويقتل إلا إلى الله. ولا يجوز أن يرمي فيخرج أو يقتل نائمًا. وأنه لا يجوز إزعاجها عن مكانها للرجل يأخذ فراخها من أوكارها، وإن ما يمسك منها إذا قص جناحه، ومنع أن يطلب رزقه لم يجز تعذيبه بالجوع والعطش، ولا إمساكه في حر أو برد، ولا يحبسه حيث يناله تلف. وبالعلم يدرك إن إقرار الحيتان في الماء إذا لم يكن إليها حاجة، واجب. ولا يجوز التباهي بإخراجها من الماء والنظر إلى اضطرابها في أكبر من غير قصد إلى أكلها. وإنها إذا اصطيدت للأكل وألقيت في البحر، وجب الصبر عليها إلى أن تموت. ولم يجز وقده بالعصا أو الحجر. وبالعلم كان ينهي عنها ليالي السبت وأيامه حين كان اصطيادها في هذه الأوقات حرامًا. وبالعلم استحلت بعد ذلك، وبالعلم تفضل بين الحلال والحرام من الرجس، فيبقى الحرام ويجنب الحلال في الإحرام والحرم. وعزى كل منها إذا أصيبت، ومن الطائر بما هو جزاؤه، ولا يقبل الحلال الأكل تذكيه إلى كله ولا يؤدي من الحرام إلا ما كان ضارًا مؤذيًا. فما من شيء مما ذكر في الحديث إلا له مصلحة معقودة بالعلم. فإن كتب الله تعالى على كل نوع من الأنواع المذكورة لطالب العلم استغفاره فيجازه جزاء له عنها بعلمه المعقود به صلاحها، لم يكن ذلك مستبعدًا ولا مستنكرًا والله أعلم.
وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (لا حسد ولا ملق إلا في طلب العلم).
وجاء عنه ﷺ أنه قال: (يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء، ثم العلماء ثم الشهداء).
وعنه ﷺ: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين).
وأنه قال: (العلم للعامة والعبادة للرجل وحده).
[ ٢ / ١٩٤ ]
وأنه ﷺ قال: (العلم أحبب إلى الله من فضل العبادة، وخير دينكم الفزع).
وأنه ﷺ قال: (يوزن فيزاد العلماء على دم الشهداء).
وأنه ﷺ قال: (يقال للعابد يوم القيامة. قم فادخل الجنة. ويقال للعالم قم واشفع). والأخبار في هذا الباب كثيرة لا سبيل إلى استيفائها، ولكنه الذي يزجي له هذه المقامات هو العامل بما يعلم. قال النبي ﷺ: (لا يزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن ثلاث شبابه فيما أبلاه، وعن ماله فيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به، وأما من أخذ العلم مكسبة لنفسه وحسن السلاطين ليأكل عندهم بعلمه، فمرة يصدقهم ومرة يكذبهم. وإذا رضي عنهم نصرهم، وإذا سخط عليهم خذلهم، والخوف عليهم أكثر منه على غيره) جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: (العلماء أمناء الرسل على عباد الله ما لم يخالطوا السلطان، ويدخلوا في الدنيا، فإذا دخلوها، فقد خافوا الرسل فاعتزلوهم وأخزوهم وهذا والله أقل ما في السلطان الجائر. فأما السلطان العادل، فلا بأس بمخالطته لأجل عدله وحسن نظره). وروى أنه جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (الإمام العادل لا ترد دعوته) وسنكتب في هذا المعنى ما هو أقوى من هذا في غير هذا الباب، إن شاء الله تعالى.
فصل
وأما بيان أن العلم المطلق علم الدين. فهو إن الله ﷿ لما قال:﴾ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة أولوا العلم قائمًا بالقسط ﴿. وقال:﴾ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴿. وقال:﴾ تلك الأمثال نضربها للناس، وما يعقلها إلا العالمون ﴿. وقال﴾ بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم﴾.
[ ٢ / ١٩٥ ]
لم يفهم السامعون من هذه الآيات إلا العلماء بالدين. فبان إن العلم المطلق علم الدين، إذ كان هو الذي يبتدر إلى إفهام السامعين إذا سمعوا العلم والعلماء، وكان الله ﷿ سماه العلم إطلاقًا غير مصنف إياه إلى العلوم الذي أراده له بذلك على إن إطلاق الاسم له وغيره هو الذي يحتاج في الإنابة عنه إلى تقييد العلم وإضافته والله أعلم.
وأيضًا فإن فضل العلم بحسب فائدته وقدر عائدته، إذ كان العلم إنما يراد لما يوصل به إليه، ولا شيء أعود على العاقل من معرفة الله تعالى بصفاته ومعرفة ما يرضيه عنه ليأتيه. وأما سخطه عليه لتحبيبه، فثبت أن أشرف المعلومات الدين، وأفضل العلوم وأهمها علم الدين، ثم إن كل ما سوى الدين، فإن علمه إنما يحتاج إليه الدين، وما لا يحتاج إلى علمه الدين بوجه وعلى معنى فإن علمه كجهله، أو جهله خير من علمه. فالطب خير محتاج لإقامة الأبدان وحفظ صحتها. ودفع الأسقام عنها. فإن فرائض الله تعالى المفروضة على الأبدان، لا سبيل إلى إقامتها إلا بسلامة الأبدان واستقلالها بما يزاد دواؤه منها، فيلحق من الوجوه بما ينبغي إليه، ولا يطلق الحكم بصنعه، إلا أنه على ذلك تابع لعلم الدين إذا لم يكن مقصودًا لنفسه.
لكن المتمكن به من استعمال الأبدان بشرائع الأديان وعلم الحساب يحتاج إليه في بعض مسائل الأحكام، فيلحق ذلك منه بعلم الدين.
وأما ما وراء ذلك فليس بمحتاج إليه الدين، وإنما هو فضل يستغل به من فضل زمانه عن الفرائض والواجبات. فإن كان لا أحد يجد فضلًا من الزمان لا يحتاج ما لا أحد ينبغي له أن يصرف همه إلى قراءة المجسطي، وكتاب اقليدس وما يجري مجراهما لأن وقوف همه العالمين لا ترشد على شيء معقول عنه من أمر الدين. ولا يقدر عن معجوز عنه من جملته والاستدلال بما يظهر من أحوالها على الصانع ﷻ من غير العلم، فخفاياها ودقائقها ممكن. وأكثر ما يقوله المدعون علمها فيما لا تقع الثقة به. وقد يمكن أن يكون كما يقولون، ويمكن أن يكون بخلافه فلا فائدة فيه.
ومن العجب أن بعض الملحدين هاجم بين ظهراني المسلمين بثلب وتفضيل المجسطي عليه، وزعم أنه ليس في القرآن تنبيه على أمر معقول عنه، ولا أفاده شيء كما في المجسطي
[ ٢ / ١٩٦ ]
بيان هيئة السماء والأفلاك، ومن عقل فنظر وتأمل علم أنه لا كتاب، وخصوصًا في قدر القرآن اجمع الفوائد من القرآن لأنه ذاك على الباري ﷾، وتعليم أسمائه التي إن يدعي بها، والإنابة عن صفاته، والحث على الاستدلال والنظر والإرشاد إلى وجوه المحاجات والمجادلات، والأذكار بآلائه ونعمه، والتحريض على شكرها، والبيان لفائدة الشكر، ومضرة الكفران، والدلالة على نبوة النبي ﷺ، والأخبار على من تقدمه من الأنبياء ﵈، وتعديد أيامهم، واقتصاص من كان من قومهم ومعاملة الله إياهم ومؤاخذته للعامدين منهم بضروب من نقمة، لتعتبر بهم هذه الأمة، والإشارة إلى إعجاز القرآن، ولزوم الحجة به، وفرض للعبادة على الناس جملة، ثم نقصها وتضييعها، وتعريف شروطها وحدودها، وتحليل ما اقتضت سعة رحمة الله تحليله، وتحريم ما أوجب بالغ حكمه تحريمه، ونصب الحدود وتقديرها، ووضع الشرائع بين الناس في المعاملات والجنايات، والإيمان والنذور والكفارات، والإبانة عما يفعل به بين المتنازعين وإخبارهم بما لم يكونوا يدركونه بعقولهم من أنهم مبعوثون من بعد الموت، ومحاسبون ومجزيون بأعمالهم، والمسيء منهم يعاد إلى النار، والمحسن منهم يعاد إلى الجنة، ووصف كل من الجنة والنار مما في الجنة من أصناف النعيم، ومما في النار من العذاب الأليم، وضرب الأمثال للناس، ووعظهم. وأخبار النبي ﷺ عن أبناء الغيب ما لم يكن ولا قومه من مثل يعلمون ليزدادوا بصيرة في دين الله، وبعد فإن الكتاب الذي جاءهم به ليس إلا من عند الله، وإخباره وكوائن تكوين في المستقبل حتى إذا كانت ازداد إيمانهم وكتابهم، وتيقنوا إنه منزل من ربهم ويكون أكثر ما ذكرنا في غير موضع زيادة في البيان، وإبلاغًا في التبصير، ولا الفوائد بالحقيقة إلا ما وصفنا، ولا الفوائد إلا ما عددنا.
وقد كان الناس غافلين عنها قبل نزول القرآن، أما العرب الذين هم أولاد إسماعيل صلوات الله عليه، فقد كانوا أضلوا شريعته، وأما ولد قحطان فقد كانوا من الشرائط أهل الإلحاد فجاء القرآن هدى من الله تعالى ورحمة وشفاء لما في الصدور. فكيف يجوز الملحد الذي حكينا قوله: أن يقول إن القرآن لم ينته على أمر معقول عنه، وهو بالحقيقة إنما نزل للتنبيه عن الغفلات العظيمة التي ذكرتها. ووجدنا هذا الملحد مع قرع القرآن سمعه في أشد الغفلة عن معرفة الله تعالى. فما الظن لو لم يسمعه وأمثاله الذين سمعوا نزوله؟
[ ٢ / ١٩٧ ]
فأما المجسطي وما ذكرنا فيه فإنه على الاستئناس وكتاب الفراغ يقرأه الكسالي والمترفون والمحجوبون عن الله تعالى بسوء النيات، ودخول الظنونات الذين لا يؤهلهم الله تعالى لقراءة كتبه وإتباع سنن نبيه، ويصرف قلوبهم عن علم سعته، كما قال ﷿:﴾ وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد، ثم انصرفوا، صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون). وما منزلة هؤلاء القوم وما القوة من فصول الهندسة وهيأة العالمين، وذكر إجرام الكواكب وأبعادها وطبائعها بزعمهم، من قراء القرآن، وطلاب الآثار والمجتهدون في علم القضايا والأحكام، إلا منزلة عبيد بين مالكهم، لهم دار، أو أسكنهم إياها، وقدر لهم فيها كفاياتهم، وكتب لهم بجوامع أمره ونهيه ووعده ووعيده كتابًا. ونصب عليهم فيما يذكرهم متى نسوا، ويقومهم متى زاغوا، فامتثل بعضهم أمره وعظموا كتابه، وأطاعوا يمينه، وحكموه على أنفسهم، وصارت هذه الطائفة تشد بعضها بعضًا، ويقوم عالمهم على جاهلهم وكبيرهم على صغيرهم، ولا يغنهم الأرض مالكهم أن يسلم لهم وطاعته أن يكون منهم، ورفض الآخرون هذا كله، وأقبلوا على الدار التي أسكنوها بناء صلوبها، وينظرون كم عرضها وطولها، وما فيها من البيوت، وقدر كل بيت منها، وبعد ما بين البيت والبيت، وأنها أسخن، وأنها أروح وأنها، أقدر وأنها أيبس ويعطلون الأوقات التي تأتيهم فيها المواد. والألفاظ من عند مالكهم. وينزعون ما يأتي منها ويصفون أحوالها وطبائعها، ويتكلمون على الزمان الذي يأتيهم فيه الحر والزمان الذي فيه البرد، ويقدرون كلًا من ذلك بمقدار، ويخوضون في هذه المعاني خوضًا يشغلهم عن عهد مالكهم، وينسيهم أمرًا لضم المنصوب عليهم، ثم اختلفوا على ذلك. فقال الأول: هذا دار مولانا أسسها وأحكمها ورتب فيها دياناتنا، وأزواج بها علينا. وسيدعونا يومًا فنجيب، ويحاسبنا بأعمالنا ويجزينا بالخير خيرًا وبالشر شرًا. وقال الآخرون: إنكم مغرورون، سفهاء لا تعقلون، ما لنا مولى ولا يؤمنا أحد ولقد كانت هذه الدار قبلنا لأمثالنا، وما نرجو من أحد حسنًا ثوابًا، ولا نخاف إنسانًا عقابًا. وقال بعضهم: بلى إنا لنا مولى، ولكنه وجد إلات الدار وما فيها حاضرة، فركبها ونظم بعضها بعضًا، لم يكن يقدر على أحسن منه، ولا على صنع دار أكبر من ذلك.
[ ٢ / ١٩٨ ]
فهؤلاء الفلاسفة الذين سموا أنفسهم حكماء، وأصحاب المجسطي والاقليدسيون. والأولون في القرآن بالليل والنهار، فيتبعون السنن والآثار. فلينظر العاقل بعقله في بعد ما بين الفريقين، ولنستعذ بالله من أسوأ المثلين وما فيه العصمة.
وأما علم الألحان وتأليفها. فإن الأوائل المحتجين إلى الحكمة سموه العلم الأوسط، وعدوه ثاني علم التوحيد. وجعلوا الثالث على الأبدان والطب، وقد أبطلت الشريعة حكم العلم واسمه، وشرفه على تأليف الألحان والحقته باللهو، وحكمت عليه بحكم الباطل واللغو وهو الذي يقول: إن جهله خير من علمه. لأن الذي يعلمه من زمان صنيعه، إما بتعليم غيره، وإما باستعمال ما يعلم منه، وكل ذلك تضييع للعمر واستفاء دله بالباطل وإنما أذن للناس في تحسين الصوت بالقرآن من غير معنى فيه، ورخص في الحداء ونشيد الإعراب. فأما ما جاوز ذلك مما لا يراد به إلا للتطرب، ولا يستعمل إلا في غزل، وإذا أريدت المبالغة فيه، استعين عليه بتحريك الأوتار ونحوها، فإنه لهو باطل، وإن ما عمل كان بنفسه لهوًا وباطلًا لم يكن العلم به شرفًا والله أعلم.
وأما علم الصناعات: فإنه لمصالح المعاش الذي فيه يتمكن من العبادة، فهو تابع لعلم الدين، كما أن علم الأبدان تابع له. فثبت بجميع ما وصفنا أن العلم المطلق المستحق للشريف والتفضيل علم الدين وبالله التوفيق.
وسمعت أحد علماء الطب يدعي أن أشرف العلوم بعد علم التوحيد علم الطب، ويحتج بحجتين، أحداهما أنه علم متفق عليه، ليس في العقلاء أحد يبيحه، والثاني. أنه يشتق لله تعالى منه اسم، لأن النبي ﷺ قال: (طبيبها الذي خلقها) ولا يشتق له في الفقه واللغة والنحو والتنجيم قط. فصح إن الطب أفضل العلوم.
والجواب: إن ما ادعاه من أن علم الطب متفق عليه، فليس كذلك، وقد ذهب كثير من الناس إلى أن علم الطب لا يجري فيه القياس، وإنما هي تجارب. والتجارب قد تختلف، فربما يقع وربما قيل: واستدلوا بأنه من نوع من العلاج أشار به الأطباء في مرض إلا وقد عوفي به قوم، وهلك معه قوم. فصح أن علم ليس يجري فيه القياس ويدرك
[ ٢ / ١٩٩ ]
به أصل وقد صنف الناس في هذا كتبًا، وتكلف قوم من الأطباء الرد عليهم والنقض لقولهم، فكيف يقال: أن علم الطب متفق عليه، وعلى أنه لا اختلاف بيننا وبين مؤمني الأطباء، إن علم التوحيد أجل وأفضل وأشرف من علم الطب، وإن الخلاف معهم في علم الأحكام.
ومعلوم أن التوحيد مختلف فيه، وإن كان بطلان قول المخالف فيه ظاهر لإخفائه، ثم لم يوجب الاختلاف فيه حط علمه عن مرتبة علم الطب، الذي لا خلاف فيه، فكذلك علم الأحكام فانتقض بهذا كلامه.
والجواب: عن استدلاله بما يشتق لله تعالى من اسم الطب فيدعي طبيبًا فهو إن هذا ليس بمسلم، وليس الطبيب بموجود في أسماء الله تعالى، ولا يجوز أن يقال لله تعالى عند الدعاء يا طبيب. وإنما روى أنه كانت تظهر رسول الله ﷺ سلفه، فقالوا له: لا تدعو لك طبيبًا؟ فقال: (طبيبها الذي خلقها) أي إن الذي ترجونه من الطبيب، فإني أرجوه من الله ﷿. وهذا لا يوجب أن يكون قد سمى الله طبيبًا، كما أنه قال: (لا تسبوا الدهر) فلم يوجب ذلك تسمية الله تعالى دهرًا.
وأيضًا فإن الله تعالى سمي صانعًا، ولا يدل ذلك إن علم الصناعات أشرف من علم الأحكام. فلذلك إن جاز أن يقال لله تعالى من بعض الوجوه طبيب فذلك لا يوجب أن يكون الطب أشرف من علم الأحكام.
ويقال: إن علم الفقه علم الأحكام. ولئن كان لا يجوز أن يدعي الله فقيهًا، فإنه يجوز بل يجب أن يسمى حاكمًا وقاضيًا. فقل: إن علم القضاء والحكم أشرف مما عداه، وبالله التوفيق.
[ ٢ / ٢٠٠ ]