وهو باب في الإيمان بالبعث بعد الموت
يعيد الله تعالى الرفات من أبدان الأموات، ويجمع ما يفرق منها في البحار وبطون السباع وغيرها حتى تصير بهيئتها الأولى، ثم يجعلها حية فيقوم الناس كلهم بأمر جل ثناؤه أحياء صغيرهم وكبيرهم حتى السقط فإنه روى عن النبي ﷺ أنه قال: أن السقط ليظل محنطًا على باب الجنة وأنه يقال له: أدخل، فيقول لا يدخل أبواي، وهذا يدل على أن المراد بالسقط هو الذي تم خلقه ونفخ فيه الروح، فيكون المراد من ساعته.
وقد أخبر الله جل ثناؤه: أن الموءودة تحبس وتسأل، ﴿بأي ذنب قتلت﴾. والسقط التام خلقة قرئت منها. فأما الذي لم يتم خلقه ولم ينفخ فيه الروح أصلا، فهو وسائر الموت بمنزلة واحدة والله أعلم.
فإن سأل سائل عن الأحمال التي تضعها الحوامل يوم القيامة من قرع يومئذ، كما قال ﷿: ﴿إن زلزلة الساعة شيء عظيم، يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها﴾.
قيل له: إن أولئك الحوامل قد متن بأحمالهن مرة فإذا بعثن فأسقطن من قرع القيامة أسقطن الأحمال التي كانت أحياء فماتت بموت أمهاتها أحياء، ثم لم تمت الإسقاط لأن الموت لا يتكرر عليهن مرتين لأنه لا موت في القيامة وإنما هو يوم الحياة.
وأما الأحمال التي تكن أحياء قط وماتت الأمهات وهي في احواقهن فإنهن إذا أسقطنها من قرع القيامة أسقطنها أمواتًا كما كانت، ولا تحيى لأن الأحياء ذلك اليوم إنما
[ ١ / ٣٤٥ ]
يكون إعادة الحياة إلى من كان حيًا وأميت، ولم يكن له في الحياة الدنيا نصيب أصلا فلا نصيب له في الحياة الآخرة والله تعالى أعلم. وقد ذكر الله تعالى البعث في كتابه فقال ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا، قل: بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم، وذلك على الله يسير﴾.
وقال: ﴿يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن﴾.
وقال: ﴿ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليا الماء اهتزت وربت، إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير﴾.
وقال: ﴿وضرب لنا مثلا ونسي خلقه، قال: من يحيي العظام وهي رميم، قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم﴾.
وقال: ﴿فسقناه إلى بليد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور﴾.
وقال: ﴿قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه﴾.
فأخبر الله ﷿ عباده أنه يميت جمعهم ثم يحييهم ويبعثهم من قبورهم وبجمعهم في صعيد واحد ويحاسبهم بأعمالهم ويجزيهم بما وقرت ذلك عليهم بأشياء كثيرة منها: الإحالة على القدرة، ومنها المعارضة بالابتداء، ومنها التنبيه على ما يشاهده من لقائه أحياء وإحيائها بعد موتها. ومنها ما اخبرهم به من أرائه إبراهيم صلوات الله عليه إحياء الأموات، وقد نقله عامة أهل الملك، ومنها ما أجبتم عن الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، فقال لهم: موتوا ثم أحياهم.
ومنها ما أخبر به من شان أصحاب الكهف الذي ضرب على آذانهم زيادة على ثلاثمائة سنة ثم أحياهم ليدل يومهم عندما اعتزم عليهم على أن ما أنذروا به من البعث بعد الموت لا ريب فيه. ومنها ما أخبرهم به من قلبه عصا موسى ﵇ حية، ثم أعادتها خشبة، ثم جعلها عندن محاجة الشجرة حية ثم إعادتها خشبة، وقد اشترك عامة أهل الملك في نقله.
فأما الإحالة على القدرة: فقوله تعالى: ﴿أولم يروا أن الله الذي خلق السموات
[ ١ / ٣٤٦ ]
والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى إنه على كل شيء قدير﴾.
وأما المعارضة بالابتداء فقربته من هذه الحجة، وهو قوله ﷿: ﴿قل يحييها الذي أنشأها أول مرة﴾ وإنما فرق بين الاحتجاجين أن أحدهما ما يبدأ خلق الذين وعدهم أن يعيدهم كما بدأهم، والآخر يخلق الأجسام التي هي أعظم وأكبر من الناس، وكل واحد منهما لا يلزم لمنكري البعث أشد اللزوم. أما أحدهما فلان الإنسان أحد الحيوانات الأرضية، فينبغي أن يكون خلق الأرض نفسها بما يحيط بها من السموات أكبر من خلق الإنسان مبتدأ ومعادًا. فإذا كان الله قد خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقها، فأولى أن يقدر على خلق الإنسان مبتدأ أو معادًا.
وأما الآخر فلان الإعادة ليس منها ما في الابتداء فإذا جاز أن يخلق آدم من حمأ مسنون، ثم جعله صلصالًا كالفخار، ثم نفخ فيه الروح فجعله لحمًا ودمًا وعظامًا وعروقًا وأعصابًا، فلم يجوز أن يجعل الأموات منه ومن ولده ترابًا ثم يخلقهم منه مرة أخرى بشرًا كما خلق آدم أولا.
وهاتان الحجتان على من اعترف الباري ﷻ وابتدائه الخلق، وأما من بلغت به الزناخة أن يجحد الباري ﷻ فإنما تكلم في إثباته أولا، ولا يقدم على ذلك مالا يطلق النظر قديمه عليه والله أعلم.
فإن قال قائل: أليس الخزاف قد يعمل الجرة أو الكوز، فإذا انكسر الإناء لم يقدر على إعادته.
فيقال له: إن إعادة الخزف ترابًا لدنا كما كان قبل، لا يمكن للخزاف أن يعمل منه ثانيًا مثل ما كان عمله أولا! ألا ترى أن الإناء المفروغ من صنعته لو انكسر من قبل أن يصير فخارًا لأمكنه إصلاحه وإعادته، ولكن تكسره بعدما صار فخارًا لا يعيده ترابًا لدنا كما كان.
والإنسان إذا رسم عاد ترابًا كالتراب الذي خلق أول إنسان منه، فلما كانت القدرة قد أتت على الخلق الأول فلذلك يأبى على الخلق الثاني، ألا ترى أن أواني الحديد والرصاص
[ ١ / ٣٤٧ ]
والنحاس إذا انكسرت أو دخلت النار فأذيبت حتى عادت تبرا كما كانت أولا، لا تمكن الصانع الذي صنع منها تلك الأواني أولا يصنعها منها ثانيًا، فلذلك الباري ﷻ لما خلق آدم من تراب ثم جعله ترابًا يقدر أن يخلقه منه مرة أخرى وبالله التوفيق.
وأيضا فإن الخزاف لا يتهيأ له تغيير الطبائع التي طبعها الله ﵎ والله جل ثناؤه لم يطبع الماء على أن يؤلف بين خزفين كما طبعه على أن يؤلف بين آخر التراب، فإنما يمتنع على الخزاف إعادة ما ينكسر عليه بتعجيز الله جل ثناؤه لم يمتنع عليه شيء ولا يعجزه فالابتداء والإعادة في قدرته سواء وبالله التوفيق.
ومن ذكر أمر الخزاف مبتدأ للاحتجاج به لا معارضًا، قيل له سواء ما ذكرت. أليس الخزف لولا صدع الخزاف على أن يلام بما هو من حبسه حتى يعود كما كان، ولو اتخذ آنية صغيره لم يقدر أن ينمها ويكبرها على الأيام ويحدث كل يوم منها زيادة يسيرة ولا يختص بها مكان معلوم، ولكنها تسبغ في جملتها ولو مرتين يظن آنية، أو أظهرها فذهبت الأضراس لم يكنه أن يعيدها، والله يبري الشحاح والجروح، ويجبر العظام المنكسرة، ويكبر الصغير وينميه على ما وصفته، ويعيد الأسنان بعد سقوطها، فلا ينكر أن يعيد الأموات بعد بلو أو رموا أحياء. وإن كان الخزاف لا يمكنه أن يعيد الخزف المنكسر كما كان.
وأما الاحتجاج بما يشاهده من إحياء الله تعالى الأموات، فإنه وقع تبليه أشياء: أحدهما بالأرض تكون حبة تنبت وتمر وتموت، فتصير إلى أن تنبت وتبقى خاشعة هامدة. فأما حياتها فإنها تكون عند سخونة الهواء الذي جاورتها وإسخانه إياها، وانسياق الماء إليها وترطيبه لها. وأما موتها فإنما يكون عند اسخان الشمس إياها من غير ما تصل إليها، لأنها تصير عند ذلك كالفخار، وعند برودة الهواء المجاور إياها وتبريده لها، وصل الماء إليها أم لم يصل.
وهذه أحوال تتعاقبل على الأرضين كل سنة، فإنها تنبت وقتًا ثم تصير إلى أن لا تنبت وقتا، فإذا انبتت كانت حية تهتز، وإذا لم تنبت كانت ميتة هامدة، والله ﷿ هو
[ ١ / ٣٤٨ ]
الفاعل للأمرين، والمصرف لها على الحاليين، فإذا قدر على ذلك لم يعجز أن يميت الإنسان أو يسلبه معاني الحياة ثم يعيدها إليه ويجعله كما كان وبالله التوفيق.
فإن قيل: ليس فيما أن الأرض لا تنبت في الشتاء ما يوجب لها حكم الموت ولا اسمه، فإن الشجر لا ينبت الأوراق ولا يخرج الثمار في الشتاء ولا يوجب ذلك لها حكم الموت ولا اسمه.
فالجواب: أن هذا السؤال ليس يطعن فيما قلنا بالحقيقة، وإنما هو معارضة لأن الشجر إذا لم يورق ولا يثمر في الشتاء فإن الأرض ميتة لا تنبت، وورق الشجر وثمره غير خارجين من أن يكون انباتهما مضافًا إلى الأرض، فإذا ماتت الأرض فلا انبات منها لا لنفس الشجر ولا لورقها لا لثمرها، فلم يجز أن يستبدل بعدم الأوراق والإثمار من الشجر على انها ميتة، لأن الشجر ليس بأصل في نفسه وإنما هو مستعد من غيره، فإذا انقطع المدد عنه لم يكن له ورق ولا ثمر، ولا صح الاستدلال بذلك وبغيره من وجود الاثبات على أن الأرض تموت في الشتاء إذا كانت لا تهتز لما يساق إليه، ولا شمس تنبسط عليه، ولا يكون منها اثبات كما لا يهتز الميت بسبب من الأسباب ولا تأتي منه الأفعال التي كانت تأتي في حال الحياة وبالله التوفيق.
فإن قيل: لو كانت الأرض ميتة لم تبق الأشجار الراسخة فيها حية ولماتت ثمرتها.
فالجواب: أن الأرض تموت كما قال الله ﷿، ولكن الشجر الراسخ لا يموت بموتها. لأه قد استمد منها حسناتها تتباقى به إلى أن يحيي الله تعالى الأرض، بذلك أجرى الله تعالى العادة ولو توهمنا الموت مستمرًا بالأرض لم نتوهم الأشجار الثابتة فيها حياة.
ألا ترى أن الشجر الرطب إن أقلع في الربيع فقد يتباقى أيامًا كثيرة إلى أن يغرس ثانية، ولم استمر به القلع ولم يغرس، يتوهم مع ذلك حبة فكذلك يبقى بعد موت الأرض، وهي انقضاء الشتاء إذا كانت قد استمدت قبل ذلك من الأرض والماء ما يكفيها، ولو استمر الموت بالأرض لم تبق، كما استمر بها القلع لم تبق.
فإن قيل: قد استمدت من الأرض قبل موتها ما يحتاج إليه، فلم لا يورق ويثمر.
قيل: إن الاستمداد في المستقبل ينقطع ولا يتسع ذلك الموجود لها، ولزوائد تحدث فيها. وقد يمكن أن يسبق من هذا الموضع فرق بين الشجر والأرض جوابًا عما عورضنا به
[ ١ / ٣٤٩ ]
وإن كنا مستغنين عنه، وذلك بأن نقول: إن حياة الشجر بالماء في طراوته ورطوبته بما تيسر به بعروقه من الماء سوى ما يجري به الماء من أجزاء الأرض وتيسره لذلك. فإن انقطع في الشتاء فإن ما اشتد به من قبل لا يزايله، ولكن يبقى منه فيه ما تدوم عضاضته طراوته فيه، وإن لم يبلغ حدًا يكون من ورق أو ثمر، فلذلك لم يجز أن يوصف بالموت.
وأما حياة الأرض فإنما تكون بتعديل الهواء الحار ليردها، وتعديل الماء الذي هو رطب لنبتتها حتى يتسع عند اعتدالها لها الانبات. ومعلوم أن الشتاء إذا جاءت فإن هذا التعديل كما ينقطع منه شيء، وكذلك لا يكون الانبات فاستحقت لذلك الوصف بالموت والله أعلم.
والثاني من الثلاثة الأشياء التي ذكرناها أن الله تعالى احتج على عباده قوله ﷿ ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم﴾. يعني نطفًا في الاصلاب والأرحام فجعلكم منها بشرًا تنتشرون. وقال: ﴿ألم نخلقكم من ماء مهين، فجعلناه في قرار مكين إلى قدر معلوم، فقدرنا فنعم القادرون﴾.
فأعلمهم أنه إذا أخرج النطفة من صلب الأب صارت ميتة، ثم أنه ﷿ يجعلها حية فيخلق من خلق منها، ويركب الحياة فيه، فهذا حيات ميت في المشاهدة، فمن يقدر على هذا لا يعجز عن أن يميت هذا الخلق ثم يعيده حيا، وبسط هذا المعنى جل ثناؤه في آية أخرى فقال: ﴿ألم يك نطفة من مني يمنى، ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى، أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى﴾، وهذا أبلغ ما يكون على الاحتجاج في هذا الموضع وبالله التوفيق.
والثالث قوله ﷿: ﴿إن الله فالق الحب والنوى، يخرج الحي من الميت﴾. وذلك أن الحب إذا جف ويبس بعد انتهاء تمامه ووقوع الناس من ازدياده.
وكذلك النوى إذا تناها عظمه وجف ويبس كانا مسببين ثم أنها إذا أوعا الأرض الحبة فلقهما الله تعالى وأخرج منما ما يشاهد من النخيل والزرع حبا ينشأ ويثمر إلى أن
[ ١ / ٣٥٠ ]
يبلغ غايته ويثمر أجل في هذا المعنى للبيضة بفارق الناقص، فيجري عليها حكم الموت ثم يخلق الله تعالى منها فرخا حيا، فهل هذا الأحياء الميتة وهو أمر مشاهد والعلم به ضرورة.
قال قائل: الحب والنوى والبيض كلها حية لبقاء الرطوبة الأصلية فيها، فلذلك تنبت الحبة والنوى ويخرج البيض الفرخ. ألا ترى أن البيض إذا استوى، والحب إذا قلى، فلم يكن من ذاك فرخ ولا من هذا نبات!
فالجواب: أن البيض ميت فلذلك يعفن ويفسد بتطاول الزمان عليه، والحي لا يعفن بمرور الزمان، ولا الفرخ الذي يحدث من البيض يحدث ولا حياة به إلى أن تنفخ فيه الروح فيصير حيا، فلو كان البيض حيا لكان إذا انقلب فرخا ينقلب فرخا حيا. ولو كانت النطفة حية لكانت إذا انقلبت ولدا ينقلب حيا، ولما كان الأمر بخلاف ذلك ولم يكن بين الحياة والموت واسطة، علمنا أن الحال السابقة لنفخ الروح لم تكن إلا الموت وبالله التوفيق.
وأما الحب والنوى، فإن الماء الذي هو سبب حياة الأشجار منقطع عنهما، وليس يتوقع أن تحدث فيهما زيادة بعد ما جفا ويبسا، فكانا كالميت الذي انقطع الغذاء عنه، ولا يتوقع أن يكون له نشوء وثمر، فلم يجز وصفهما مع ذلك بالحياة. وأما الرطوبة التي فيهما فإنما هي الدهنية، ومعلوم أنه لا سبيل إلى استخراج الدهن من اللب الرطب فعلمنا أنه قد مات إذا صار أن يسيل منه الدهن فقد فارقته المائية بواحدة فلا منه ماء ولا هو يفرض أن يستمد من الماء فيزداد مقداره، فعلمنا أنه قد مات وبالله التوفيق.
وأما أن البيض بعدما يستوي والحب بعدما يقلى لا يكون من أحدهما فرخ ولا من الآخر شجر. فجوابه أن ذلك ليس أن الله تعالى لا يقدر أن يخرج من هذا فرخا، ولا من ذلك شجرا، فإن الله ﷿ خلق آدم صلوات الله عليه من صلصال كالفخار، ولكنه لم تجر العادة بذلك كما لم تجر العادة بأن يخلق إنسانا لا من أبوين، ولو شاء لخلق، كما خلق آدم صلوات الله عليه من صلصال كالفخار، ولكنه لم تجر العادة بذلك كما لم تجر العادة بأن يخلق إنسانا لا من أبوين، ولو شاء لخلق كما خلق آدم لأمر مثله.
والأصل أن وجود خلق البشر من الله دليل قاطع، على أنه تعالى قادر على مثله وعدم
[ ١ / ٣٥١ ]
خلق الشيء منه، ليس بدليل على أنه عاجز عن خلقه لأنه إنما يخلق ما يخلق مختارا، فغن شاء يخلق على ما يقدر على خلقه، وإن شاء لم يخلق وهذا في كل مختار ينشأ، هكذا يكون، لأن اتخاذ النجار بابا يدلنا على أنه يمكنه أن يتخذ بابا سواه، فغن لم يتخذ سريرا لم يكن ذلك دليل على أن ذلك خارج من وسعه.
فكذلك وجود إخراج الله تعالى الفرخ من البيض غير أن المستوى والنجم والشجر من الجنة والنوى غير المقلي، دليل قاطع على إحياء الموتى كما هو قادر على ما ذكرنا. وعدم إخراجه من البيض المشوي والحب المقلي، لا يدل على انه ليس بقادر على ذلك، وأقصى ما عسى أن يقال في هذا أنه يعيد إلى البيض المشوي والحب المقلي ما أخذت النار منهما ثم يخرج من هذا فرخا، ومن ذلك شجرا، وهو إذا قدر على هذا، فقد قدر على إحياء البيض والحب والنوى.
وليس الكلام على أنه كيف يحيي؟ وإنما الكلام على الإحياء نفسه، فقد ثبت أنه ليس بخارج من قدرته والله أعلم.
وأما ما أراه إبراهيم صلوات الله عليه لما قال: ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى﴾ فهو أن أمره بأن يأخذ أربعة من الطيور، فيقطعن، ويجعل على كل جبل منهن جزءا ثم يدعوهن. فرجع كل جزء إلى مثلة حتى يلتئم جملة ذلك الطير، ويرد الله الحياة إليها، ويأذن له في إحيائه، فيأتينه سعيا، فجعل إبراهيم صلوات الله عليه، وأنجز الله له وعده.
وقد أدى جل ثناؤه مثل هذا، الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، قال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها، وكان معه حمار وركوة عصير وسلة تين، على ما جاءت به الأخبار. فأماته الله مائة عام ثم بعثه، قال: كم لبثت يوما أو بعض يوم، قال: بل لبثت مائة عام. وكان قد أمات الحمار وأبلاه، فعلم أن لبثه لم يكن يوما أو بعض يوم، ثم أن الله تعالى أحياه على عينه. وقال له: أنظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما. وأعلم أن الله على كل شيء قدير، فنبهه فأحيا الحمار على أنه أن يحيي تلك القرية بعد موتها وهي بيت المقدس لم يعجزه ذلك، وقد يكون أبقى الله ﷿ التين
[ ١ / ٣٥٢ ]
والعصير بحالهما ليدله بذلك على أنه لو شاء لأبقى الحمار بحالة أيضا. ولكنه أراد أن يريه إحياء الميت عيانا لئلا يعود فيقول ما قال ولا يستعيذ من أمر الله تعالى ما تقدمه كمال القدرة وليكون ذلك حجة على إنكار البعث ممن شاهده أو بلغه.
فأما عصا موسى ﵇ فإن الله تعالى قال لموسى: ﴿ألقها يا موسى، فألقاها فإذا هي حية تسعى﴾، فجعل الله الحية لحما ودما. وخبر ذلك شاع في أهل الملك لا ينكره أحد منهم. فقال له: ﴿خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى﴾ فلما أخذها عادت عصا كما كانت.
ثم أن فرعون جمع له السحرة، فألقوا حبالهم وعصيهم، وخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، فقال الله ﷿: ﴿وألق ما في يمينك﴾، فلما ألقاها تلقفت حبالهم وعصيهم ثم عادت كما كانت. فليس لأحد أن يستبعد مع هذا إحياء الله تعالى للأموات وبعثتهم، ويكذب الرسل الذين هم وعدوا ذلك عن الله ﷿ أمامهم وبالله التوفيق.
وأما أصحاب الكهف فإنهم كانوا بين ظهراني قوم يكذبون بالبعث، فضرب الله على آذانهم في الكهف ثلاثمائة وتسع سنين، ثم أقامهم، واغتر قومهم عليهم ليعلموا بحفظ الله تعالى أجسادهم مع فقدهم الغذاء تلك المدة وصيانة شعرهم وبشرهم مع ذلك عن أن تأكلها الأرض، وكل ذلك خارج عن العادة، إن الله تعالى قادر على إحياء الموتى، وإعادة الأجسام الهامدة كما كانت، وإن كان ذلك مفارقا للعادة وبالله التوفيق.
فصل
إن الله جل ثناؤه كما دل بالآيات التي سب ذكرها على جواز البعث، فقد ذكر بآيات سواها على وجوبه، فقال: ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى، ألم يك نطفة من مني يمنى، ثم كان علقة فخلق فسوى، فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى، أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى!﴾. فذكره القدرة على إحياءه الموتى، احتجاجا بها على من يحسب أنه يترك سدى.
[ ١ / ٣٥٣ ]
فدل على أن المراد بالآية أنه يحسب الإنسان أنه يترك سدى. فلا يجزى بما يسعى، وإن الجزاء إذا لم يكن قبل الموت في هذه الدار وجب أن يكون في دار أخرى بعد الموت، وإذا كان الميت يعرض البلى فواجب أن يعلم أن يجيء بما يكون في دار أخرى بعد الموت.
وإذا كان الميت يعرض إلى بإعادته حيا بعد ما مات، ونقله من الدار التي قطعه عنها إلى دار سواها والله أعلم. وقال ﷿: ﴿أفحسبتهم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا ترجعون﴾، ليهملكم فلا يأمركم ولا ينهاكم فعل من يعبث بالشيء فيريده، لا لغرض صحيح، أو أنا خلقناكم: أغفلنا أمركم فلا نجازيكم، أي فلا تحسبوا هذا، فإن البعث ليس من صفاتنا ولا هو لائق بنا، وأعلموا أنكم إلينا ترجعون، أي إلى دار عددناها لنجزيكم فيها بأعمالكم، فدلهم بهاتين الآيتين على أن البعث واجب في حكمته كما دل بغيرها على أنه جائز في قدرته.
فإن قال قائل ليس لكم أن تقولوا شيئا مما قلتموه لأنكم تتلون في كتابكم: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا﴾. ومن يعمل سوء يجزيه. ويروون أن أبا بكر الصديق ﵁ قال للنبي ﷺ: كيف الصلاح بعد هذه الآية يا رسول الله! فقال: يا أبا بكر، ألست تحزن ألست تمرض، أليس تصيبك البلوى؟ قال: بلى! قال: فإن كل ذلك مما تجزون به في القرآن في قصة اليهود، فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم: ﴿فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون﴾.
وفيه: ﴿علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت، فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين﴾.
وفيه: ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا﴾.
وفي هذا إثبات الجزاء في هذه الدار نصيبا. وفيه: ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر، ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا، أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببعضهم﴾.
[ ١ / ٣٥٤ ]
وفي آية أخرى: ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم﴾ وفيه في حد المحاربين: ﴿ذلك لهم خزي في الدنيا﴾.
وفيه: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾.
وفيه في قصة اليهود: ﴿أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة﴾.
وفي قصة النصارى: ﴿فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة﴾.
وفيها معنى إثبات الجزاء في هذه الدار، وفيه في قصة اليهود: ﴿وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾.
وفيه في ذكر قوم نوح: وإنهم أغرقوا لتكذيبهم نوحا، وذكر عاد وثمود، وما بالهم لتكذيبهم هودا وصالحا وذكر فرعون وما ناله وملأه لتكذيبهم موسى، وذكر قوم لوط وما أصابهم لعصيانهم لوطا قد عرفتم.
وإذا تتبع ما في كتابكم من أمثال هذه الآيات كبرت، وفيما تدعون أنه حدود الله تعالى من فعلهم، وقبلهم عقوبة لهم بكفرهم، وسبي ذراريهم ونعيم أموالهم، وجلد الزاني ورجمه وجدل الشارب والقاذف وقطع (يد) السارق وقتل المرتد وتارك الصلاة. وقتل القاتل وجرح الجارح ما ينبي عن وقوع المؤاخذات في الدنيا، وكذلك الكفارات التي يدعون أنها واجبة بالأسباب التي تذكرونها شاهدة عليكم بمثل شهادة الحدود.
وقال نبيكم ﷺ: (اليمين الغموس يدع الديار بلاقع من أهلها). وفيما يروى أيضا مما جاء: (ما شيء أعجل عقوبة من عقوق الوالدين وقطيعة الرحم، واليمين الفاجرة تمحق البركة، والبيعان أن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وأن كذبا وكتما خفت بركة بيعهما). وقد جاء في منع الزكاة بما يشبه هذا.
[ ١ / ٣٥٥ ]
فأما ما يدخل في باب حسن الجزاء والثواب، ففي قصة إبراهيم، وأتيناه أجره وأنه في الآخرة لمن الصالحين. وفي غيرها من الآيات: ﴿فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة﴾.
وفيه: ﴿من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة﴾.
وفيه: ﴿ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم﴾.
وفيه: ﴿وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها، وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا﴾.
وفيه: ﴿وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله﴾.
وفي قصه زكريا وما استجاب فرد عليه: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا، وكانوا لنا خاشعين﴾.
وفيه: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا﴾.
وفي قصة إبراهيم لما أمر بذبح ولده، ثم أفدى بذبح عظيم: ﴿سلام على إبراهيم، كذلك نجزي المحسنين﴾.
وكذلك في قصة موسى وهارون وإليس وقصة نوح أنه قال لقومه: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارا، يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين، ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا﴾.
وفيما يروى عن نبيكم ﷺ: (الصدقة تطفي غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في
[ ١ / ٣٥٦ ]
العمر، والدعاء يرد البلاء، لا يزال بالعبد يخرجه من ذنوبه ويجعله كيوم ولدته أمه).
وهذا النوع أيضا إذا تتبع وجد كثيرا، فأخبرونا عن هذه المثوبات والمثلاث أن كانت موجودة عاجلا، فما الذي يضطر إلى إثبات دار أخرى للجزاء؟ وما معنى قولكم: ما لم يكن الناس مجربين بأعمالهم في هذه الدار ولم يجز أن يكونوا مهملين، صح أن وراءها دار أخرى ينقلون إليها ويجزون فيها، وأنتم تقولون بألسنتكم: من آمن وعمل صالحا فهو عدل تقبل شهادته، ومن عمي فهو فاسق رد شهادته، ومن بر أباه ورثه لئن مات، ولئن قتله حرم ميراثه. ومن تصدق بماله، ومن منع مخالفة بركة ماله.
وتتلون في كتابكم، وتروون عن نبيكم ﷺ ما حكيناه وكتبناه، وعن ذلك مما تركناه، وأي احتجاج ثبت لكم في هذا الباب مع الذي ألزمناكم؟
فالجواب:- وبالله التوفيق-: إن الجزاء بكل واحد من الحسنى والسوء على ضربين: فأما آية جزاء السوء فجزاء الانتقام، وهو الجزاء المطلق. والآخر جزاء الدفع والرجس وليس هذا جزاء بالإطلاق. وأما أحد جزاء الحسنى فالتفويض من الطاعة والصبر عليها ومقاسات الشدة. وهذا هو الجزاء لمطلق. والآخر جزاء البشرى ويراد به الترغيب والتحريض، كما يراد بالذي قبله الردع والترهيب.
فأما جزا السيئة فما يكون كفء لها، وهو جزاء الانتقام. وجزاء الحسنة إنما يكون كفء العبودية والطاعة، وليس شيء منه بموجود في هذه الدار. وأما جزاء الردع والزجر وجزاء الحرض والترغيب فهو الموجود. وفي هذه وهذا ليس بجزاء مطلق، لأن الترغيب من توابع الأمر ولواحقه. والترهيب من توابع النهي ولواحقه.
فإذا لم يصلح أن يكون الأمر بنفسه جزاء، فيقف معنى الجزاء فيما يراد به البعث على فعل المأمور به، وإذا لم يصلح أن يكون النهي حسن الضعيف، معنى الجزاء فيما يراد به البعث على ترك السعي عنه واحد هذين الجزاءين، إذا بما يؤدي إليه الإضراب من العذاب والآخر مبشرا لما يوجبه الدوام من الثواب، وليس هذا الجزاء بنفسه مطلقا لكن غير ضرب التقييد، ومن وجه دون وجه.
[ ١ / ٣٥٧ ]
فيقال للإحسان الذي هو الترغيب جزاء بمعنى أنه لم يكن مبتدأ، وإنما وقع في مقابله حين تقدم من المحسن إليه، فكانت صورته صورة الجزاء.
ويقال للإساءة التي هي الترهيب جزاء بمعنى أنها لم تكن مبتدأ، ولكنها وقعت في مقابلة شر يسبق من المساء إليه، فكانت صورتها صورة الجزاء، وكل ما عده هذا القائل فقال فيها الآيات، وروي فيها الأخبار فهو داخل فيما وصفنا، أنه للعصاة وردع وتقويم وترهيب، ومنع لهم عن الأضرار، وللمطيعين حرض وترغيب وبعث على البيان والدوام، فلذلك كان موضعه هذه الدار، وذلك أنها دار العمل والترغيب والترهيب فيما يحسن وبها يليق.
فأما جزاء الانتقام وجزاء التعويض، فلا يكتفيان بدار العمل، لأن الحياة مادامت باقية، والمحسن العدل، يعرض أن ينقلب مسيئا فاسقا، والمسيء الفاسق يعرض أن ينقلب محسنا عادلا، والمؤمن يعرض أن يكفر، والكافر يرض أن يؤمن، فلاحق أن يتأخر جزاء كل منهما إلى أن تنقضي حياته التي هي نهاية لمدة تكليفه، فيكون جزاؤه بحسب ما يختم به عمره، ويلقي به ربه، وهذا جملة الجواب عن السؤال وبالله التوفيق.
ثم التفضيل أن الله ﷿ أن أمر يقبل المرتين فقد جعل لبعضهم منه مخرجا بالجزية ولجماعتهم بالرق إذا جرى عليهم، فلو كان ذلك جزاء الكفر لما سقط بالجزية ولا بالاسترقاق لأن الكفر منهم مع الآخرين قائم ولأن ذلك لو كان انتقاما منهم لكفرهم لأمكن منهم ليقتلوا.
ومعلوم أن الأولين هم الذين وصل إلى قتلهم ويسلم الأكثرون، فلا يبقى وراء هذا إلا إباحة لدمهم، والإباحة نفسها لا انتقام يقع بها حتى يكون معها إراقة الدم وإهلاك النفس، فما كان ذلك مما لا يوصل إليه، وقد يعرض عند القتال ما يمنع عنه في حكم الله تعالى، علمنا أن قتل الكفار ليس إلا ردعا لمن يفضله السيف منهم عن الأضرار، ولذلك قام أخذ الجزية والاسترقاق لما فيها عليهم من الذلة والصغار فقام القتل والله أعلم.
فإن قيل: فالمقتول منهم كيف يرتدع؟ قيل: إنما كان ردعه بإعلامه أنه مقتول على كفره، والتعويض بالسيف، فإن أبي وقاتل فهو القاتل نفسه، والله أعلم. والقول في الحدود كلها على هذا، وذلك إنما روادع بما فيها من إيلام المحدود عليه من الشين والعار،
[ ١ / ٣٥٨ ]
والكفارات أيضًا روداع بما فيها من نقصان المال وإجهاد النفس، وليس منها جزاء الانتقام.
ألا ترى أن الحدود كلها تسقط بالتوبة لوقوع الاستغناء بارتداع من كان عليه الحد عن ردعه، والقتل أيضا بعد وجوه يزول عن الكافر بإسلامه، يعلم أنه المردع في المستقبل عن الإضرار، فلما ارتدع سقط، ولو كان عرض الانتقام منه لكفره، لما نفعه الإسلام بعد ما حق القتل عليه. وأما كل جرم ذهب ما المجرم لأهله، ولا يخلو ذهاب ماله من أن يكون ردعا له عن الأضرار، ولغيره عن مثل فعله.
ألا ترى أنه لو كان مات قبل أن يذهب ماله لما ذهب له لجرمه. وأيضا فإن ماله إذا ذهب لم يهمله الله تعالى ولم يجعله من نظره لأنه يجب على المسلمين أن لا يضيعوه ولا يغفلوا عنه فيموت جوعا أو عريا في شدة حرا وبردا، ولكنهم يكفونه ويموتونه فيصير كالمتروك بعض ماله عليه، وهو ما لا بد منه، وفي هذا ما يبين أن الغرض إنما كان التقويم لا الانتقام والله أعلم.
وأما ما في باب الإحسان من قوله ﷿ في قصة إبراهيم ﵇: ﴿وآتيناه أجره في الدنيا وأنه في الآخرة لمن الصالحين﴾. فإنما هو إشارة للبشرى والترغيب، لأن الله ﷿ لما ركب فيه العقل الذي يتوصل به إلى معرفته ليستدل به معرفته وحده. فلما أراد عدوه ألقاه في النار توكل على الله، وآثر ما لديه فلم يرجع عن دينه، ولما اضطره إلى الجلاء عن وطنه هاجر وقطع الأقربين في ذاته وابتلاه الله في ابنه، بأن أمره بذبحه، فأسلم وصبر فعصمه الله تعالى من النار، وأورثه الأرض المقدسة وكثر ماله وأنمى ولده، وجعل فيهم النبوة والملك، وأزال عنه الأمر بذبح الولد، وفاده عظيم، وجمع عليه الاسم فلا يكذبه أحد منهم بل يؤمنون به ويطيعون، وكل ذلك ترغيب له ما دام حيا في الدوام على الطاعة، وترغيب لمن يتبع غيره في إيثار طاعة الله تعالى والصبر على ما يلقاه فيها من أذى يؤذيه وجفاء من يجفوه، فهذا أجره الذي أتاه الله في الدنيا وهو أجر الترغيب والبشرى فيما هو قادم عليه في الدار الآخرة، فهذا وكل نعمة أنعمها الله تعالى على أحد من مال أو غيره فسبيله ما ذكرت.
ألا ترى أنه لا يخول فيما أنعم الله عليه من فرائض تلزمه، فلو كانت غرضا لسعيه وعمله
[ ١ / ٣٥٩ ]
الذي قدمه، لكان من حقه أن يكون محلي وإياه يعمل به، وفيه ما يريد، ولما لم يكن كذلك، بل كانت لله عليه مطالبات، علم أنها ليست غرضا لما قدم من بر وطاعة، وإنما هي من جهة ماله فيها من الرفق ترغيب وتحريض على الثبات والدوام، ومن غيرها إنعام مبتدأ سبيله أن يشكر الله تعالى ويؤدي حقوقه منه، وما كان هكذا لم يستحق أن يكون جزءا بالإطلاق، وبالله التوفيق.
ونقول من غير هذا الوجه أن قتل الكافر ليس يجوز أن يكون جزاء الكفر لأن القتل يجب بكفر ساعة كما يجب بكفر مائة سنة جزاء له، لأن عظم ما في القتل موت القتيل، ثم الألم الذي يصل إليه قبل خروج الروح.
ومعلوم أن الموت لا بد منه، فإنه مدرك كل واحد، فلم يجز أن يقال: أن الموت جزاء له ولا حد سواه، فلم يبق إلا الألم، وذلك المقدار من الألم مما لا يشكل على ذي عقل أنه لا يوازي كفر مائة سنة، فبطل بهذا أن يكون القتل جزاء لكفر الكافر.
وكذلك الزاني لو زني ثلاثين سنة، فبطل بهذا أن يكون القتل وإفساد حرم الناس وهتك أستارهم وتلويث أنساب أولادهم. والشارب لو شرب سبعين سنة وهو لا يحتقر أراد الإمام حده، لم يزده على أربعين جلدة.
والسارق لو سرق من إلف مسلم أموالا عظيمة وهو لا يقدر عليه أو لا يعلم به من خبأ واعترف، فإنه لا يزاد على أ، تقطع يمينه لهم جميعا. ومعلوم أن ما ينال كل واحد من هذين لا يوازي عظيم جرمه، ولكنه وغيره ما تقدم ذكره يصلح لوقوع الزجر والردع به. فعلمنا أنه لذلك لا للانتقام والله أعلم.
وكذلك له الذين تعود الحلف بالله تعالى باطلا، فهو يقدم كل وقت عليها، وجرى على ذلك سنين، فأذهب الله تعالى ماله وألقى بمؤونته على غيره، فليس يجوز أن يكون تعويضه للحاجة إلى غير مواز بالجزاء به على الله تعالى، والحلف باسمه على مالا حقيقة له فعلمنا أ، ذلك ردع وترهيب وليس بانتقام، وبالله التوفيق.
وعلى هذا، فإن من أتاه الله تعالى بعد مقامات كانت له في طاعة نبوة أو ملكا عظيما أو جاها عريقا، وأدام له الصحة والسلامة، فليس يليق بشيء من هذا أن يكون غرضا، وإن كان إحسانا وبرا لأن الذي كان من العبد عبادات أخلصها الله تعالى.
[ ١ / ٣٦٠ ]
فهذه الوجوه كلها سوى ما يرجع إلى العبد من فوائدها، حقوق الله تعالى تلزمه وتفترض عليه، لأنه تعالى أنبأه احتاج أن يقوم بأعباء النبوة وينخرد لها ويصير على ما يستقبله فيها، وإن مكله احتاج إلى الزنا حد نفسه بالعدل بين الناس، والأخذ للضعيف من القوي، وإقامة حدود الله تعالى، واستبقاء حقوق الله تعالى ووضعها مواضعها ومجاهدة أعداء الله تعالى إلى غير ذلك، مما يطول على التعديد والإحصاء، وإن كثر ماله أو بسط جاهه، فعليه من كل واحد منهما حق معروف، وجملته أن يواسي من كل واحد منهما غيره مما يحتاج إليه وإن صح بدنه لزمه في الصلاة والصيام والحج والجهاد فرائض الأصحاء، فعلمنا أن كل شيء من هذا لا يخلص التعويض فهو إذا ترغيب وتحريض كما ذكرنا وبالله التوفيق.
ثم المعنى في عامة ما وصفت أن هذه الحياة كلها وقت له، فكان الجزاء واقعا بعد نقض العمل لإحلاله.
والمعهود من الناس كلهم أنهم يوفون العامل أجره، إذا فرغ من عمله، فذلك عند جماعتهم حسن جميل، فكانت معاملة الله تعالى بنحو ما عرفوه واعتادوه. بل كان ذلك أليق بأن يكون له حكما لما ذكرت من أن العدل يفسق، والفاسق قد يعتدل، والمؤمن قد يكفر، والكافر قد يؤمن.
ولا وجه لأن يجمع الجامع في حياته بين العدالة والفسق من أن يثاب على عدالته ويعاقب على فسقه، ولا للجامع في حياته بين الكفر والإيمان أن يعاقب على الكفر وثبات الإيمان، لأن هذه المعاني متدافعة غير متلائمة، أعني أن العدالة والفسق صفتان لا تجيئان معا لأحد، لكن العدالة تنسخ الفسق إن كان تقدمها، والفسق ينسخ العدالة إذا تقدمه، والكفر ينسخ الإيمان ويحيطه، والإيمان بنسخ الكفر ويحيطه.
فإذا كانت هذه الأوصاف مناسخة متنافية، لم يجز لأحد أن يجمع لأحد بين الواجبات التي تجب فيها، فيؤتي ثواب العدالة مدة اعتداله تاما، ويعاقب بالفسق مدة فسقه تاما، ويعذب على كفره مدة ما كفر، ويثاب إيمانه مدة ما آمن، لأن من حكم الله ﷿ وموضوع سنة نبيه، أن من فسق ثم تاب وأصلح حبط فسقه، ومن أصلح وقتا ثم فسق أحبط فسقه من الطاعات التي قدمها دون أصل للإيمان بعدده حتى لا يجب له ثوابها.
[ ١ / ٣٦١ ]
وأما أصل الإيمان فأمره على الاختلاف، وإذا كان كذلك، وجب أن يكون الجزاء بعد انقطاع العمل وتقضي مدته، ثبت أن الله ﷿ قد أعد للجزاء دارا سوى دار العمل، وأنه يوردهم إياها واجبا ليجزيهم بأعمالهم، فيثيب المحسن ثوابا يشترك فيه من يثيبه كل ما اشترك منها عن حسن العمل، فيعاقب المسيء عقوبة يشترك فيها من ينيبه كلما اشترك فيها من سوء العمل وبالله التوفيق.
ويقال للمعارض الذي حكيت قوله واجبته عنه: أرأيت العابد الخاشع الناسك الذي لا يعصي الله، ولا يخلو من وجع أو شدة جوع أو عري في الحر والبرد بما يؤذي، ويخفي وهو بصير ولا يفارق عادته، إذا مات على هذه الجملة، فليس إنما مات ولم يستوفي ثواب عمله.
أرأيت الفاسق الخليع المتهتك إذا رضى أيامه في ضروب المعاصي، فلم يدع شهوة إلا قضاها ولا لذة إلا استوفاها وهو في ذلك لا يصيبه غم ولا وجع ولا نيلا ولا يزداد على الأيام إلا غناء وثروة وجاها، ورفعة وهو لا يقلع عما فيه إلا أن مات على هذه الجملة! أليس إنما يثاب غير مجزي بعمله، فما حال هذين الرجلين عندك، أضاع الموت سمعيهما، فهذا خلاف الحكمة، والله الموفق تعالى حكيم له يجزيان، فأين تجربان إلا أن يجيئا مثقلا إلى دار أخرى فيجربانها كما تقول!
وإذ كان هذا هكذا، بأن العباد إذا كانوا متقاربي الحال، فمنهم محسن يلقي في حياته خيرا ومسيء يلقي في حياته شرا، ومحسن ومسيء لا يلقى واحد منهما في حياته ما يليق بحاله. فواجب أن لا يكون الخير الذي يلقاه المحسن ولا الشر الذي يلقاه المسيء جزاء بالحقيقة، وإنما يكون الجزاء ترغيبا وتحريضا وبشرى للمحسن، والشر ترهيبا وإنذارا للمسيء، لأنه لا يجوز أن يكون بعض العمال يجزون وبعض العمال لا يجزون، وإذا لم يجز ذلك صح إنما تفاوت فيه القوم لم يكن جزاء بالحقيقة، وإنما كان الغرض منه شيئا آخر والله أعلم.
فإن قيل: هذه المعاني التي ثبت عليها جوابك كلها معان شرعية، وإنما يعترض عليك بالسؤال الذي مضى، من لا يعترف بالشريعة، فكيف يلزمه ما أمعنت فيه من الجواب.
[ ١ / ٣٦٢ ]
قلنا: إن الاعتراض إنما وقع علينا بأشياء مستخرجة من القرآن، وأخبار الرسول. وإذا بينا أن مصادرها غير ما ظن وجوهها، ليس ما قدر، سقط السؤال عنها.
وإن أفردنا ما قال عن أن سنوه إلى ربنا ونبينا، وكان جوابنا له: إن وجوب ما خبر الجزاء إلى دار أخرى يتفرع عندنا عما وضع الله حكمه وشرعه عليه، وذلك بما قام الدليل عندنا على أنه من عند الله تعالى. فإن سلمت لنا معانه ما كتبناه لازم لك، وإن أنبت كان الكلام معك في النبوة وما يشتمل عليها من الأوضاع والأحكام وأفراد البعث بالكلام فضل وبالله التوفيق.
فصل
وسأل سائل فقال: أرأيتم أن من كان في الدنيا خالط الطاعة بالمعصية، وكان ينحل جسمه ويعتل وقتا، فكيف يحشر؟ فإن قلتم: يحشر أعظم ما كان جسمه فقد أجزتم أن يعاقب على السيئات التي أخرجها في حال الدقة والنحولة أجزاء من بدنه حدثت بعد تلك الجرائم، ولم يكن لها في اقترفها نصيب.
وإن قلتم يحشر أنحل ما كان جسما وأدقه، فقد أجزتم أن يخلوا الأجزاء التي زادت في بدنه عند العظم، والعفو له من ثواب الطاعات التي عملها في تلك الحال، ولو جاز أن يخلي بعض أجزائه من الثواب لجاز نحلها، كلها، فإن جاز ذلك فليجز أن لا يبعث أصلا!
فالجواب: أنه يجوز أن يقال: الله ﵎ أن أدخله النار عذبه على كل ذنب أتاه، وهو ناحل أصلا، وعلى كل ذنب أتاه، وهو عند العظم. فأما إذا صاره إلى الجنة، فإنه لا ينجل عليه فيثبته بما أتاه من الطاعات، وهو ناحل أصلا، لأن التفضل بالإحسان كان منه، وإن كان الإشراف في العقاب غير واقع منه، فيجعله في الجنة عبد ليصل إليه ثواب ما عمله من الخير في جال عبولته باسم الجزاء، ويكون بنعم أجزائه الزائدة على ما كانت عندما عمل من الخير، وهو ناحل ابتداء، فضل من الله تعالى لا جزاء بالحقيقة والله أعلم.
[ ١ / ٣٦٣ ]
وسأل سائل عن كافر قطعت يده في حال كفره ثم أسلم، ومات مسلما برا تقيا ويصار إلى دار الجزاء، فإن قلتم تبعث يده، فإنما هو جزء من بدنه الذي كفر به، فكيف يكون موضعها دار الثوب؟
وإن قلتم يبعث بلا يد، فقد أجزتم أن يبعث بعضه ولا يبعث بعضه. وسأل عن مسلم قطعت يده: لم ارتد ومات على ذلك، أيبعث بيده أو بلا يد؟ فإن قلتم يبعث بيده، فكيف تلج النار يد لم يذنب بها صاحبها؟ وإن قلتم: بلا يد، فقد أجزتم أن لا يبعث بعضه.
فالجواب: أن كل واحد منهما يبعث تام النمو، كامل البدن. وأما الذي مات مسلما وقد كانت يده قطعت في حال كفره، فإن إسلامه أحبط كفره عن جميع بدنه، فالتحق بذلك أن تورد يده مورد سائر أعضائه، ولا ينظر إلى اتصال اليد به، وانفصالها عنه، لأن اليد تابعة للبدن لا حكم لها على الانفراد في طاعة ولا معصية.
وأيضا فإن واحدا من الإسلام أو الكفر لا يقع باليد، ويقع بالقلب واللسان كانت يدا أو لم تكن، فإن جاز أن تدخل الجنة يد كانت، إلا أن الإسلام لم يقع بها، وإن وقع بغيرها جاز أن تدخلا يد لم تكن عند الكفر أصلا أو وقع الكفر بغيرها والله أعلم.
وأيضا فإن اليد المقطوعة من جملة البدن الذي كان حيا في هذه الدار، فلا يخلو من أن تعود الحياة إليها في الآخرة، ومعلوم أن حياتها في هذه الدار كانت لحياة الجملة، تدل ذلك على أنها في الآخرة تكون حية بحياة الجملة، لأن الله ﷿ قال: "كما بدأكم تعودون" ثم يكون فرح الإسلام بردها إليه من جملة ثوابه، وردها أيضا إلى الكافر مما يتغلظ به عذابه، لأن ألم ما يمس اليد من النار زيادة ألم يصيبه، وقد جاء في الحديث: "إن ضرس الكافر في النار مثل أحد" فهذا دون ذلك وأقرب منه وبالله التوفيق.
[ ١ / ٣٦٤ ]
فصل
وسأل سائل عن قوله ﷿: ﴿وإذا الوحوش حشرت﴾ وعما ما جاء عن النبي ﷺ: "أن الحماء تفيض من القرناء"، وقال: قد جعل الله بهيمة الأنعام وكثيرا من الوحوش طعمة للناس، أفرأيتم ما أكل من لحومها أيعاد إليها يوم القيامة للحشر أو لا يعاد؟
فإن أعيدت فما حال الأبدان التي أعيدت تلك اللحوم، انقرض منها غيرها أولا، فإن عوضت، فكيف يجوز أن تصل لذة الثواب وألم العقاب إلى غير ما اكتسبت الطاعة والمعصية من البدن، وإن لم يعرض أوجب ذلك أن يكون ابن خمس سنين إذا اغتذى اللحوم حق كبر وصار ابن خمسين سنة، فيرع منه تلك اللحم كلها، وردت إلى مواضعها أن تصير كابن خمسين سنة، ولذلك تدخل الجنة أو النار!
فإن قلتم: لا تعاد إلى الحيوانات لحومها التي أكلتها النار، فكيف تحشر ولا لحم لها ولا دم ولا نفس ولا مخ، وإنما تكون لها الحياة دون هذه الأشياء.
فالجواب:- وبالله التوفيق: أنه إذا كان لها هناك تعويض فتتعوض الحيوانات من لحومها ولحوما غيرها، أشبه بأن ترد لحوما إليها، ويعوض الناس منها غيرها، لأن ما نما من أبدان الناس بتلك اللحوم، فقد صار من جملة أبدان مكلفة أحسنت وأساءت، فصارت بذلك مستحقة للثواب والعقاب، فلا ينزع عنها، وتعاد إلى البهائم فيكون بدن الإنسان قد قلب بهميه، وعوض منه عوضا لاحظ له في طاعته ولا معصيته، فيخرج من ذلك من أن يجزى بخير أو بشر مع ما في ذلك من مخ المنجس في دار الجزاء، وإنما المسخ من سخط الله وعقوبته وخزيه، فكيف يجوز أن تكون عاقبة الذي آمن وعمل صالحا إذا ورد يوم القيامة أن يمسخ؟
وأما البهائم فقد قيل: إنها تحشر لتعوض ما خلص إليها من ألم الذبح ومهانة السلخ والتمزيق والأكل عرضا، ولا تحشر لمحاسبة ولا لجنة أو نار، فلاحظ لها في الحسنات والسيئات. وإذا كان حشرها للتعويض، فهي إذا عوضت إتمام أبدانها وتصحيح أجسادها،
[ ١ / ٣٦٥ ]
والذت بذلك ونعمت فقد توفر على الحشر عوضه وبالله التوفيق.
قال قائل: لو كان البعث بعد الموت حقا لما جاز أن يأمر الله العباد أو ينهاهم، ويكلفهم ضروبا من التكليف من لدن آدم إلى زمان عيسى، ولا يطلع أحد على ما هو فاعل بهم، ولا يدري أحد منهم أنه قد أعد للمطيعين دارا مشحونة بالنعمة والكرامة، وهي الجنة، وأعد للعصاة دارا تتأجج نارها مشحونة بالنقمة والعقوبة، ولو كان قد أعد لهم ذلك، واطلع العباد عليه لوجب ذكره في كتب المتقدمين، والأمر بخلاف ذلك، لأن دعاء الأوليين إلى الله جل ثناؤه كنوح وإبراهيم وموسى ما أخبر أحد منهم قومه بان لهم معادا يحاسبون فيه ويجزون بأعمالهم. وإنما كانت مواعيدهم كلها عاجلة كما قال نوح لقومه: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا، ويمددكم بأموال وبنين، ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا﴾.
وقال هود أيضا لقومه: ﴿استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا، ويزدكم قوة إلى قوتكم﴾.
فإذا تصفحت التوراة لم تجد فيها للمعاد ذكرا ولا عن الجنة خبرا. وإنما هو وعد الخصب والصحة والظفر على الأعداء وما شبهها على المعصية، وما ذكر أحد قبل عيسى معادا. فكان أول من رمز فقال: أن المسلمين المنحلين من الدنيا المتفرغين لعبادة الرب يرقون إلى ملكوت السموات وأن الأئمة والظلمة يصيرون إلى أغوار ومغور مظلمة، فيلقون فيها جزاء أعمالهم السيئة، ثم جاء بعده نبيكم فلم ينقع بذكر الأرواح حتى أخبر أن لابد أن يعاد بهما، ووصف دارين: أحدهما مشتملة على الملاهي والملاذ، فذكر أنها للثواب.
والأخرى مشحونة بألوان المكاره والآلام فأخبر أنها للعقاب وهذا يدل على أن الأوليين لم ينتهوا في طلب الرئاسة، فما ينتبه به الآخرون، فاقتصروا على المواعيد العاجلة اتكالا على أنه إن اتفق لمن يطيعهم خير، قالوا: هذا لطاعتك، وإن أصابه شر، قالوا: هذا لعصيانك وإن جرى الأمر بخلاف هذا فيكون للطبع، أو يخلف عنه ما وعده، قالوا: هذا الشيء أحدثه أو سريرة رديئة بين الله تعالى وبينه أتاه لوجده كان يفعل كذا،
[ ١ / ٣٦٦ ]
وإن أصابت القاضي حسنة ويحلف عنه ما أوعده به، فقالوا: هذا لحسن خلقه، أو لأجل جاره الصالح، أو استعطاف من الله تعالى إياه واستتابه، ومثل هذا سائر موجود في العامة.
فإنهم إذا رأوا رجلا صالحا عندهم قد وسع الله عليه الرزق وأصلح حاله، قالوا: هذا من بركة الصلاح والخير، وإن رأوا خيرا مثله عليه سيء الحال، قالوا: ألا ترون أن الله تعالى تحميه الدنيا لموته في الآخرة ما هو أسنا وأفضل، ونسوا ما قالوه في غيره، وإذا رأوا رجلا كافي المعاصي والمفاسد ضعيف الحال شديد الفقر والحاجة، قالوا: هذا من شؤوم المعصية، وإن رأوا آخر مثله موسعا عليه قالوا: إن الله تعالى أتاه الدنيا ليجد منه الآخرة، ولو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة لما سقي الكافر منها شربة، ونسوا ما قالوا في غيره.
فعلى هذا كان أمر الأوليين، ثم أن الآخرين يذهبوا لوجه لآخر أبعد من أن يقع في حلف يحتاجون إلى أن يطلبوا له علة، أو يذكروا له عذرة، وما حالوا على مواعيد أحله ذكروا أنها تكون بعد الموت وإلى مدة لا يعلم انقضاؤها إلا الله تعالى، وعلموا أنه لا شيء أحب إلى الناس من الحياة، واتظهروا عليهم بحرصهم عليها، وأخبروهم أنهم في الدار التي ينتقلون إليها يحيون حياة شر مدتها لا انقضاء لها ليكون ذلك مأتما لهم على أتباعهم والقبول منهم حرصا على أن يحيوا أبدا في النعيم الذي بشروهم به، قال: فهذا سبب وقوع خبر البعث بعد الموت فيما بين الناس.
فالجواب:- وبالله التوفيق- إن الله جل ثناؤه لم يحل أحدا من رسله من إنذار قومه على لسانه بالبعث بعد الموت والمحاسبة والجزاء بالجنة والنار، ونحن قد علمنا ذلك قبل أن يدعيه ولا يتوقف فيه، وهذا المعترض لا علم له بما قال، ولا يرجع فيه إلا إلى ظن مجرد، والظن لا يعني من الحق شيئا.
وإنما قلنا هذا لأن نبينا صلوات الله عليه النائب إلى بالإعلام الكثيرة الباهرة صدقة كما أخبرنا بالبعث بعد الموت.
فلذلك قد أخبرنا عن الله تعالى ما أرجاه من ذلك إلى أنبياء آدم صلوات الله عليه، وعن النبيين قبله صلوات الله عليهم، قبل موسى ﵇ من الكتب قليلا ولا كثيرا، ولا شاهدا عن الذين كانوا يدينون بالدين، ورجوا عليه أحدا أو أكثر مما يفزع إليه في
[ ١ / ٣٦٧ ]
تصحيح قوله: "أنه لم يجد في المعاد الذي يصفه ذكرا في التوراة، ولا عنه خبرا عند اليهود، فمن له بالتوراة حتى نحاكمه إليها؟
فإن الذي في أيديهم يدعون أنه التوراة فيها مغازي موسى ﵇ ووفاته وحزن قومه عليه، وفيه من تعجيز الله وتكفيره وتشبيهه بخلقه، وتكفيره هارون، ورميه باتخاذ العجل ما لا يمكن أن يكون منزلا من عند الله تعالى.
فإن كان ذكر المعاد لا يوجد فيها فلا خير فإن الجناية في حد ما أنزل من عند الله وإسقاطه أيسر منها في التقول على الله وإضافة ما ليس في تنزيله إلى تنزيله، علما أني سمعت عالما من علمائهم يقول: أن الله تعالى يقول في التوراة لموسى أني رفعت القتل عن النافين من الذين اتخذوا العجل فأخرت أمرهم إلى قوم علمه عندي، فإذا جاء ذلك اليوم كنت بجزائهم بصيرا، وسألت عن الكتب المنزلة بعد موسى، فأخبرني أن ذكر البعث بعد الموت فيها كثير.
وأن يوشع بن نون ﵇ يسأل الله تعالى أن يريه إحياء الموتى فأمره أن يذهب إلى واد سماه له، فيه ما لا يحصى من رميم الأموات، فأذن الله تعالى العظام المفنية من الأبدان المتفرقة أن تحيى، فكان كل عظم وكل مفصل يفقد منه مكانه، ويرجع إلى موضعه من بدن صاحبه إلى أن تتم جملته، وتستوي كما كانت حتى أراه الأبدان كلها ناشرة، ولم يذكر أنه أحياها.
إلا أن المنكر للإحياء، منكر للإعادة، وقد ثبت وجود الخبر عنها. ما نقلته اليهود عن يوشع، وثبت أيضا أن يوشع سأل الله تعالى أرائه إحياء الموتى، فأجابه إلى ما يتقدم للإحياء من إعادة الأبدان، ولم يجبه إلى الأحياء لالتقائه بما أراه، فإنه لم يكن يخفى عليه أن الأحياء بعد إعادة الأجساد، كيف تكون.
ولم يكن يوشع ليسأل الله تعالى أن يريه إحياء الأموات، إلا بعد أن أخبره الله تعالى وأخبر موسى ﵇ أنه ما تحب عبادة بعد الموت، فإذا أراد أن يتعجل النظر إلى ذلك ليطمئن قلبه، وإن كان قد تقدم منه الإيمان به.
وقرأت أنا فيما يذكرون أنه الزبور الخبر عن يوم القيامة، وجزاء الناس بأعمالهم في عدة مواضع، فليس لأحد أن يدعي على الأنبياء قبل عيسى ﵇ أنهم لم يذكروا
[ ١ / ٣٦٨ ]
لأمهاتهم المعاد ولا أن يدعي على الأنبياء قبل عيسى ﵇، أنهم لم يذكروا لأمهم المعاد، ولا أن يقطع بنفي ذلك اعتمادا على أنه لم يجد في التوراة له ذكرا.
فإنه لو ثبت أن التوراة المنزلة كانت خالية من ذكر المعاد، لكان وجه ذلك أن الله ﷿ اخبر موسى بالمعاد بوحي، أو جاءه خارجا عن التوراة. فكيف وغير ذلك ثابت، وليس شيء مما علومه عنه ثقة، ألا ما ثبت بغير خبرهم أنه فيما أنزله الله تعالى، وبالله التوفيق.
وأيضا فإن بعض نسخ الكتاب الذي يدعون أنه التوراة هو الخالي من ذكر البعث بعد الموت، فأما الذي ترجمه أحمد بن عبد الله للإنجيل وفيه شيء كثير، ذكر أنه مما أنزل الله على موسى من صحف إبراهيم صلوات اله عليهما، فما أكثر ما فيه من ذكر القيامة، وقد قرأته مرات وعلقت كثيرا منه، ولو لم يكن من هذا شيء ليس من المجتمع عليه أن نبينا صلوات الله عليه كان من أولي الألباب ومشهورا بالحكمة، فغن كان الخاسرون لا يشهدون له بالنبوة، ومعلوم أن القاتل المكلف بأمر من الأمور، الحريص على جمع الناس على الاعتراف لديه، لا يأتي بما ينفرهم عن تصديقه، ويضطرهم إلى تكذيبه، وإنما يجتهد في تقريب قراه عليهم، وأشرابه قلوبهم. فإذا كان هذا هكذا، لم يجز أن يكون محمد نبينا صلوات الله عليه، أخبر بني إسرائيل بأن نبيهم ومن تقدمه أخبروهم بمعاد فيه الجنة والنار، من غير أن يعلم أن ذلك كان منهم، أو مع علمه بأنه لم يكن، وإنما كانت مواعيدهم كلها عاجلة لا آجلة، ولم يكن يخفى عليه وهو عاقل مميز أنه إذا أخبره عن أنبيائهم وكتبهم خلاف ما يعرفون، كان ذلك مدعاة لهم على تكذيبه وجحد نوبته، وتنفيرا لهم عن الدخول في دينه.
فثبت أنه إنما أخبرهم بذلك بأن الله ﷿ قد أنزل ذكره وصفته في كتبهم على أنبيائهم لاستبانة أن ذلك حق، ولم يكن هذا اليقين يقع له إلا أن يكون صادقا في أن الله تعالى يرسل إليه الملك بما يشاء من أمره، ويطلعه على الغيب الذي يريد اطلاعه فصح ووضح أنه كان رسول الله حقا فوجب تصديقه عن مخبراته والبعث بعد الموت وأن الرسل المتقدمين أخبروا قومهم به جملتها، فلزم تصديقه وبالله التوفيق.
وأيضا فإن خبر المعاد لم يزل فاشيا في الملتين وغيرهم من الأوائل المتقدمين، وقد ذكر
[ ١ / ٣٦٩ ]
سقراط أن الذين يمضون إلى الآخرة، وقد أفنوا أعمارهم بالطهارة وسبيل القصد، فإن الملك يقودهم إلى الأرض مشرقة عجيبة، وما تنبت فيها من الأنوار والأشجار بخلاف هذه، إذا كانت التربة والأحجار خلاف لتلك الأحجار، ملس متسقة، حسنة الألوان كأنصاف اليواقيت والزبرجد، وليس فيها بأكل ولا فساد، ولا في تربتها عفونة، وجميع ما تم من الحيوان ومن النبات بخلاف هذا كله.
وتلك الأرض مزينة بالذهب والفضة، وليس لأولئك مرض، وحواسهم بخلاف حواسنا، وأذهانهم بخلاف أذهاننا ومفهومنا، وثم لهم ملائكة يكتبون، ووحي وآثار سيئة ومعارضات عجيبة، وأن الذين عظمت ذنوبهم وجناياتهم، ونزلوا واجبات الشريعة فإنهم يحملون إلى نهر يلتهب بنار عظيمة، ويغلي بماء وطين، فيكون فيها أبدا، لا يخرجون عنها، وأما الذين برزوا في حسن السيرة وأنهم يصيرون إلى فوق إلى السكن التقي فيسكنونه، ومن كان من هؤلاء قد آثر الحكمة ويبقى بها نقيا بالغا، فإنهم يعيشون بالأبدان، ويصيرون إلى مساكن لا تسهل الدلالة عليها. قال: فقد ينبغي لما قلت يجتهد الجهد كله حتى ينال في سيرتنا الفضيلة وللفوز في الذكاء والفهم.
وهو الذي قاله سقراط من أن من آثر الحكمة ويبقى بها ويعيش في الآخرة بلا بدن، يدل على أن عامة ما قدمه في غير هذه الطبقة من خير أو شر، فإنما أراد به أن ينال أبدانهم، فإنهم لو كانوا عنوة بلا أبدان لم يكن بينهم وبين المؤثرين للحكمة فرق.
وهذا هو الذي أنكره المعترض الذي حكينا اعتراضه وقدحه، ورغم أن المسيح أول من رزم بإعادة الأرواح، ولم يرض الذي جاء بعده- يعني المصطفى نبينا ﷺ- بذلك حين قال: (إن الإيمان يعلو) فيقال له: إن كان الأمر كما قلت، فمن وأين قال سقراط ما حكيناه منه، وهو على ما يقال: كأن قبل موسى ﵇ بسنين كثيرة، وإن أيامه كانت قريبة من عصر إبراهيم ﵇، وهل يمكن أن يكون ما قال استنباطا واستخراجا له بعقله، فإن كان ذلك يمكن إدراكه بالعقول.
فما أحرى بالذي جاءوا به عن الأنبياء صلوات الله عليهم التصديق والتنزيه من أن
[ ١ / ٣٧٠ ]
يكون زوروه أو افتعلوه، ليكذبوا به العامة ويقودهم إلى طاعتهم واتباعهم، فإن مثل هذه التهمة إنما تليق بمن قال قولا لا يجد له في المعقول أصلا، فإذا ذلت عليه العقول، وشهدت بصحته الأصول، فإن القبول إله منه يلزم، وإن لم يكن نبيا.
فكيف يجوز أن يتهم فيه بالتزوير إذا كان نبيا، أتى بالمعجزات، وأتت نبوته بالدلائل والبينات، فإن كان سقراط لم يقل ما حكيناه عنه من قبل المعقول، وإنما قاله سماعا من الدعاة إلى الله، كانوا في ذلك أو قبله، فقد بطل قول المعترض: أن أول من جاء بهذا الوعد محمد ﷺ.
وأما الذين تقدموا فإنما كانوا يعترضون على المواعيد العاجلة، وقال سقراط عند موته إلى الله الابتهال في أن يكون نقلي من هذه الدار إلى الدار الآخرة نقلة سعادة.
وقال تاليس المليسي، أحد السبعة الذين كانوا يدعون أساطين الحكمة: أن فوق السماء عالم مبدعة، لا بقدر المنطق على أن يصف تلك الأنوار، وذلك الحسن والبهاء، وهي مبدعة من غير لا يرك العقل غوره، وهو الدهر المحض من نحو آخره لا من نحو بدئه وإليه تشتاق العقول والأنفس أشد الشوق، وهذا الذي سميناه الديمومة والبقاء في حد النشأة الثانية. فقد أثبت هذا الرجل أيضا النشأة الثانية، وقوله في السماء عوالم لا يقدر على أن يوصف حسنها يوافق ما جاء من ذكر العرش، وإن جنة عدن في ظلاله وبقربه، وما جاء من قول الله جل ثناؤه: ﴿أعددت لعبادي الصالحين. ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر﴾.
فكيف يجوز المعترض أن يقول: أن فكر المعاد أبدعه محمد؟ وإن هذا القول مستعان على أسرائه قلوب العامة مما يعلم منهم من الحرص على الحياة، وقد سبق محمد ﷺ إلى هذا من ذكرناه ممكن لا يعد في أصحاب الشرائع وليس عند المعترض بموضع تهمة.
وقال هرقل العظيم من أهل افيسيوس: إن السماء في النشأة الثانية تصير بلا كواكب لأن الكواكب فيها ذكر، تهبط سفلا حتى تحيط بالأرض، وتلتهب فيصير بعضها متصلا ببعض حتى تكون كالدائرة حول الأرض، فكل نفس شريرة تبقى محيطة بها تلك النار
[ ١ / ٣٧١ ]
وتصير الأنفس الزكية المطهرة إلى السماء وتكون سماؤهم سماء نورية أشرف من هذه، فيها آثار الباري ﷿ بلا متوسطات وهناك الصور والحسن المحض والقوة.
فقد أثبت هذا أيضا النشأة الأخرى، وقد سمى الله ﷿ الحياة الآخرة بهذا الاسم في القرآن فقال: ﴿وأن عليه النشأة الأخرى﴾ وقوله: إن الكواكب تهبط سفلا، وهو عين ما ورد به القرآن من قوله ﷿ ﴿وإذا الكواكب انتثرت﴾.
وقوله في النار التي تحيط بالأرض، قول الله ﷿: ﴿نار أحاط بهم سرادقها﴾
وقوله في الأنفس الزكية أناه تصعد إلى السماء وسماؤهم أنور وأشرق من هذه، يدل على أن التي أشرق كواكبها تزول عنده فيضاهي ذلك ما في القرآن من قوله: ﴿والسموات مطويات بيمينه﴾.
وقال سقراط: فغن الذين مروا من قديم الدهر، إن الذي يصير إلى الآخرة من البقاء والاستبصار، فإنه ساكن الملائكة وعلى زرابيته الأكاليل، وإن الذين يمضون إلى الآخرة وليس عندهم نقاء فإنهم يكونون في الحمأة والبلاء، لم يكوناو اخساء ولا اراذل ولا جهال ولكن أهل فهم وعقل وفضل وجلاله، وأنا قد اجتهدت عند هذا كله في طلب الصواب وتيقنت تيقنا لا يتقدمه شيء أن مصيري إذا أخرجت من هذه الدنيا إنما هو مؤول في غابة الجود والخير، ورؤية أقوام خيار، فلم أعسر على مختلف من أخلقه من إخواني وساداتي لما أرجو أني ألقى هناك إخوانا وسادات خيارا ليسوا بديلا من هؤلاء.
فقد أثبت سقراط أن ذكر الآخرة موجود سائر في الناس عند قديم الدهر، وأن الذين أخبروا بذلك كانوا أهل جلال وفضل وفهم، وذلك تكيفت للمعترض في دعواه، أن أول من جاء بذلك نبينا ﷺ ها هنا ومما كتبناه من كلامه قبل هذا: إن أهل البقاء يصيرون إلى فوق وخلافهم يكونون في الحمأة والبلاء، موافق لما في القرآن من قول الله ﷿: ﴿كلا إن كتاب الفجار لفي سجين﴾، وقوله: ﴿كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين﴾.
[ ١ / ٣٧٢ ]
وقول سقراط: إن الحياة تذهب بهم إلى نهر يلتهب بنار عظيمة وتغلب ماء وطين، يوافق بما جاء غير واحد من الصحابة في قوله: ﴿وإذا البحار سجرت﴾، إنها تحمي فتصير جهنم ويحبس فيها قوم من العصاة.
وقال بعضهم: سجرت أي سألت، فقد يجوز أن يحيي ويرسل فتصير أنهارا جارية يغل بعضها بنار وبعضها بماء وطين، وبالله التوفيق.
فإن قيل: كيف يجوز إثبات حكيم عن بقراط ولم يكن مصدقا بالرسل؟
قيل: إنما حكينا عنه قوله، ويقال: إنه كذا وكذا، فإنه قد أثبت لهذا الخبر أنه سمع ما قال إنه ليس بذلك، إنما ادعاه المعترض من أول إبداع هذا الوعد، إنما كان نبينا ﷺ، وإنه تنبه لما كان لا يجوز أن يثبته له، إلا الأولون من الدعاة إلى الله تعالى، إن كانوا هم المبتدئين للأمر بهت وكذب، وإن كان هذا مسموعا متعالما منذ قديم الدهر، ثم سواء كان سقراط مثبتا لهذا الوعد مصدقا لهذا القول، أو منكرا إياه ومكذبا به، وعلى أنه يمكن أن يكون مثبتا له من جملة ما أخبرت به الرسل، وإن كان غير معترف برسالتهم لاستبصاره من دلائل العقل ما يوحيه في الجملة، فإن لم يكن فيها التفصيل الذي جاءت به الرسل والله أعلم.
وعلى أن سقراط فيما قيل من خبره كان مصدقا بالرسل فيما خلا ثم صار إلى تكذيبهم، لا من حيث رأى: إنه لا يجوز أن يكون الله تعالى إلى خلقه رسول، ولكن لأمر يسير دخلت عليه الشبهة من قبله، وهو أنه كان صاحب جهد في استنباط العلوم التي كانوا يسمونها رياضية وطبيعية.
فلما شاهد الرسل أمل أن يجد عندهم من هذه العلوم ما يستغنى بها عن الجهد والطلب، وستبين له الحقائق وتزول عنه الخواطر والشكوك، فلما لم يجد عندهم منها شيئا استبعد أن يكون الرسول الموحى إليه في البعد من هذه المعلومات كالعامة، فصار ذلك سبا لاتهامه إياهم، وجحده ثبوتهم.
ولو كان الله تعالى كتب له السعادة لعلم أن الله ﷿ إنما بعثهم ليوقف عبادة بهم على ما خلقهم له من عبادته ولم يكلهم أن يعلموا ما يبعث سقراط وأمثاله فيه أنفسهم
[ ١ / ٣٧٣ ]
شيئا، ولا ذلك مما ينفعهم في الآخرة شيئا، وإذا كان هذا سبب كفره فلا ينكر أن يكون ما حكاه من أمر النشأة الثانية شيئا سمعه من أحياهم قبل أن يتغير رأيه فيهم ويكون منه ما كان وبالله التوفيق.
وأيضا فإن في أشعار العرب في الجاهلية قولا يثبت المعاد يوما لسحاب، فقال زهير بن أبي سلمى في قصيدته المعروفة:
فلا تكتمن الله ما في نفوسكم ليخفى فمهما تكتم، الله يعلم
يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ليوم الحساب أم يجعل فينقم
وليس يمكن أن يكون زهير أخذ عن النبي ﷺ لأنه سبق أيامه، فصح أنه أخذ عمن يقدمه، وأن علم العباد كان خاشيا عندهم والله أعلم.
وأما قول المعترض في المواعيد العاجلة، فجوابه: أن المواعيد العاجلة أدل به على صدق الوعد لأنه لم يبق عن نفسه الثقة التامة بأنه صادق مصدق لا يقدم على أن يعد الناس على اتباعه، ويوعدهم على خلافة مواعيد عاجلة ويصرف لنا مواقيتا معلومة لأنه لا يأمن أن وقع فيها قال خلف: أن ينتهك ستره ويعامل ما يعامل به الكذابون المزرورون.
ولما كانت الدعاة إلى الله ﷿ المتقدمون فعلوا ذلك صح أنهم كانوا مسبقين لصدق أنفسهم فلا يمكن أن يكون اليقين وأفعالهم للأمر قبل إخبار الله تعالى وإياهم بما أخبروا به قومهم، فثبت بذلك أحقاقهم ولم يجز بعد ذلك أن يتأول عليهم ما تأوله المعترض من أنهم قدروا في أنفسهم أن خلفا أن وقع في ميعادهم وضعوا له علة، فإنا قد بينا أن ذلك غير ممكن أن يكون منهم مع قطعهم بما ذكروا أنه كان بعينه وقت تنبئه بعينه، وإنما يصلح طلب العلة لمن وعد خيرا منها أو وعد شيء منها لا في وقت بعينه.
وأيضا فإن ما قال: أن كان مثله يمكن أن يكون من واعد وموعود، فلم يقع في خبر أحد من الأنبياء ﵈، حلف احتاج إلى أ، يطلب له علة لكن كل ما أخبر به وقع في الوقت الذي قال بعينه. لأن نوحا ﵇ أن أنذر قومه بالاحتياج ودعا على قومه بأن لا يذر على الأرض من الكافرين ديارا. وقد كان ذلك بعينه، فإن الله ﷿ أرسل الطوفان فعم الكافرين بالغرق ولم يتخلص إلا نوح ومن آمن به.
[ ١ / ٣٧٤ ]
ولئن كان هود ﷺ أنذر قومه بالبوار، فقد حقق الله تعالى ذلك فأرسل عليهم ريحا عاتية لم يبق منهم أحدا.
ولئن كان صالح ﵇ أنذر قومه: إن آذوا الناقة ومسوها بسوء بعذاب قريب، فعقروها ولم يخافوا عقبى جناتهم عليها، فقد صدق الله تعالى وعده وأرسل عليهم الثالثة والرابعة صيحة أهلكتهم وإن كان موسى ﵇ وعد بين إسرائيل عن الله تعالى أن يخلصهم من فرعون واستبعاده إياهم، ويورثه أموال قومه فقد فعل ذلك بهم.
وما يتهيأ للمعترض أن ينص على وعد ووعيد لبني أخلف، فاحتاج إلى أن يطلب لاخلافه عله، فدل ذلك أن مواعيدهم لم تكن صادرة من جهتهم وإنما كانت تصدر عن عبد الله تعالى عاجلة كانت أو آجلة، وبالله التوفيق.
وأما ما حكاه عن عوام المسلمين من اختلاف أموالهم في المطيع والعاصي، إذا رأوا أحدا منهما بأحسن حال، فإنما هو مثل ضربة للأنبياء ﵈ من مواعيدهم، وقد ثبت أن الحال التي وضعها لم تكن لهم، فبطل بذلك أن يكون مثلهم مثل الذي ضربه لهم، وبأن ذلك أنه وضع التشبيه غير موضعه، وشك النبي بخلافة لا بنظره على أن ما قاله ليس بقدح في الكلام الذي حكاه من العوام لأن جميع ذلك حق.
وقد فاوت الله بين عباده في الأخلاق والهمم فجعل منهم من لا يصلحه إلا الغني، ومنهم من لا يصلحه إلا الفقر، فهو ﷿ يوسع على المصلح الذي جبله على الصبر وسعة الصدر، ليجزيه في الآخرة بصبره كما يجزيه بغيره من عمله.
والمفسد أيضا قد يوسع عليه إفساده ليبتليه حتى إذا قابل أنعامه بالكفر، جزاه بذلك كما يجزيه بغير ذلك من سيئات أعماله، وقد يقر عليه تشقيقا وتشديدا علي. فيكون ذلك وبالا عجلة له، فأي شيء من ذلك قاله قائل فيمن ذكرت كان مصيبا صادقا، ومحى حد السالكين سبيل المعترض هذا أيضا، لن المنجمين منهم قد ينظرون في حال الرجل، فإذا وجدوها شبهة ضيقة قالوا: هذا من آثار رجل. وقد ينظرون في حال آخر، فإذا وجدوها رفيعة صالحة، قالوا هذا من عطية رجل:
فلو قيل لهم: هذا أيضا مختلف، قالوا: كلا، فإن الرجل إذا كان في موضع من الفلك موافق أعطى، وإن كان في موضع رديء أخذ، فجعلوا لكل واحد من القضائيين
[ ١ / ٣٧٥ ]
حالا غير حال الآخر يتحرزون بذلك قضاؤهم عن التناقض ولا ظنا منهم ينظرون إلى رجل متحرز حذر يسلم، فيقولون ما تفعل الحكمة بأهلها، ونظروا إليه لا يسقم، وعلى اختلاف الحالات يسلم.
وقد ينظرون إلى متحرز محاذر لا يسلم، فيقولون الحمية ليست محمودة بالإطلاق. ولبعض الأطباء كتاب في الحمية مفرطة مهلكة للبدن، ونسوا ما قالوه للآخر. وقد يرون رجلا يتهافت بالطعام والشراب وعلى ذلك يسلم فيقولون: ما أقوى طبعه وأحكم تركيبه. وقد يرونه لا يحتضرز ولا يسلم، فيقولون: هذا لأنه لا يسامح نفسه ولا يحسن تدبيره، ونسوا ما فضلوا به للآخر.
فلو قيل لهم: إن هذه القضايا مختلفة متفاوتة مضطربة، قالوا: كلا إن لكل قضاء من هذه حالا يخرج، وبها يتعبد، فيقال للمعترض: فإن عوام المسلمين كذلك يقولون لك ويزعمون أن لكل مقام مقالا، وأن لكل قول حكيته عنا حالا، فأرض منا بما ترضى به من الأطباء والمنجمين وبالله التوفيق.
ويقال له أن المواعيد العاجلة لم تصدر من الأنبياء عليهم مصادر المواعيد الآجلة، التي استبعدتها، وإنما كانت من جهة حجج، أو لذكر الأنبياء على قومهم فغنها، إذا خفت كانت حلا له على صدقهم، وكان يزول ما نفع الأبعاد به بالموعدين تردعه لمن يأتي بعدهم من المنذرين عن أن يكونوا أنبياء، أن جاءهم بآية، وبوعدهم على تكذيبه بوعيد، وأن لا يقنعوا منه بتلك الآية، ويتربصوا لينظروا أيصدق وعيده أو يكذب، وهذا بين في اقتصاص الله تعالى أيضا الأمم الماضية، لأنه قال في قصة نوح:
﴿فكذبوا عبدنا، وقالوا مجنون وازدجر، فدعا ربه إني مغلوب فانتصر، ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر﴾.
وقال: ﴿كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر، إنا أرسنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر﴾.
وقال: ﴿كذبت ثمود بالنذر، فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إلى قوله: ﴿فتعاطى فعقر، فكيف كان عذابي ونذر﴾.
[ ١ / ٣٧٦ ]
وقال: ﴿كذبت قوم لوط بالنذر، إنا أرسلنا عليهم حاصبا، إلا آل لوط نجيناهم بسحر﴾.
وقال: ﴿ولقد جاء آل فرعون بالنذر، كذبوا بآياتنا فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر﴾. فقد أبان الله ﷿ المواعيد العاجلة أنها مؤكدة لبينات الرسل، فلما لم تقبل منهم آياتهم أرسل عليهم من العذاب ما كانوا أنذروا به، ليؤكدوا ذلك الآيات التي أعدوها في الدلالة على صدقهم، أو تردع الجائين بعدهم عن مثل صنيعهم، إذا كانت الدار دار التكليف والتعبد.
فأما هتك حرمة الإله المبدع البارئ المصور، الخالق الرازق، فليس يجوز أن يكون العرق أو الصحة أو الريح أو الخسف جزاؤه، لأنه ليس في شيء من ذلك أعظم من سلب الروح، وذلك عقبى كل ذي روح، آمن أو كفر. وما وراء ذلك فإنما هي روعة ساعة أو كرب ساعة.
ولا يشك أن ذلك لا يقابل عند عظيم حرمة الله ﷿ لإيواء الكفر مع تتابع نعمه التي لا تحصى، الزمان الطويل والأمد البعيد، ولا تكذبت رسله والكفر بهم، فصح بذلك أن هذه المواعيد لم تكن تصدر من الأنبياء ﵈، مقابلة الحق والإيمان والكفر، ولا الإيمان والكفر بهم أنفسهم، وإنما كانت تصدر منهم على الوجه الذي بيناه وشرحناه.
وإذا كان كذلك صح إنما يستخص به بالكفر بالله وبرسله، هو شيء خارج عن هذه المؤاخذة العاجلة، وأن جزاءهم بالحقيقة زائد عليها أضعافا لا يحصيها إلا الله تعالى، فهو لا محالة واصل إليهم إذا صح ذلك، ثم وجدنا الإنذار بما دون ذلك، لم يجز أن لا تكون الأبدان هذا إلا عظم وأنفا لأن ظن الخبر عنهم غرور لهم، ولا يجوز على الغرور. فثبت أنه قد وقع منهم وإن لم يوجد في كتبهم وبالله التوفيق.
وإذا قد ثبت لنا، أردنا إثباته في مجيء الأنبياء ﵈، بذكر البعث بعد
[ ١ / ٣٧٧ ]
الموت، في الجزاء بالأعمال، علمنا أن الذائعين له، يبعثون بذلك البروج على المنعمين المترفين من الملوك، وذوي الأعمال العظيمة ليستأكلوا بها أعمالهم، ويكتسبوا بها الوجاهة عندهم. وإنما يستعينون على إشراب ذلك قلوبهم بما في الطباع من حب الجمام والراحة، والميل إلى الخفض والدعة، فلا مكيدة لهم ولا لغيرهم من طبقات الكسالى أعظم من أن تصور ما يقرب عليهم ترك الصلوات ومنع الزكوات والعقول عن غيرها من الطاعات، وتسهيل سبيلهم إلى إتباع الشهوات، ومن تأمل الحال عرف صدق المقال وبالله التوفيق.
[ ١ / ٣٧٨ ]