وهو باب في معالجة كل ذنب بالتوبة منه
قال الله ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحًا على ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم﴾ وقال ﴿وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون﴾. وقال بعد كبائر ذكرها: ﴿ومن يفعل ذلك يلق أثامًا، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانًا، إلا من تاب وعمل صالحًا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورًا رحيمًا﴾. وقال: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون﴾. وقال: ﴿ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة، ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم﴾. وقال: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات﴾ إلى قوله ﴿أليمًا﴾. وقال: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك﴾ إلى قوله ﴿منتظرون﴾.
وكما أنزل الله على عهد رسول الله ﷺ: ﴿وانذر عشيرتك الأقربين﴾. قال: (يا معشر قريش استروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم شيئًا. يا بني عبد مناف، لا أغني عنكم من الله شيئًا. يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئًا. يا فاطمة بنت محمد، شئت لا أغني عنك من الله شيئًا. يا صفية عمة محمد رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئًا. يا فاطمة بنت محمد، سليني ما شئت، لا أغني
[ ٣ / ١١٩ ]
عنك من الله شيئًا) وقال: (إني أستغفر الله وأتوب إليه في كل يوم أكتر من سبعين مرة).
وقال النبي ﷺ: (الندم توبة) وقال: (كفارة الذنب الندامة). وقال: (إن الله يحب المفتتن التواب) ومعنى هذا أنه يحب الذي كلما وقع في فتنة عاجلها بالتوبة. وقال: (إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر) وقال ﷺ: (أيها الناس توبوا إلى الله، فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة) وقال خبيب: قلت يا رسول الله إني رجل مقراف للذنوب، فقال: (تب كلما أذنبت) قلت: (أعود إلى الذنب قال: وعد إلى التوبة. قلت: أعود. قال أوعد إلى التوبة. قلت: إذا تكثر يا رسول الله. قال: (عفو الله أكثر من ذنوبك يا خبيب). وقال ابن المسيب في قول الله ﷿ ﴿فإنه كان للأوابين غفورًا﴾. قال الذي يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب.
وقال النبي ﷺ لعائشة ﵂ في حديث الإفك (إن كنت ألممت بذنب فتوبي، فإن العبد إذا أذنب ثم تاب تاب الله عليه). وقال عمر ﵁ في قوله ﴿توبة نصوحًا﴾. أن يتوب من الذنب ثم لا يعود إليه. ومعناه. يعزم على أن لا يعود إليه لأن التوبة لو كان ترك العود لكان استقرارها بالموت. وذلك لا معنى له. فثبت بالكتاب والسنة وجوب التوبة إلى الله تعالى على كل مذنب، وإسراع التوبة والإنابة إليه، وأن الله يقبل التوبة عن عبده ولا يردها عليه. وظهر وقت التوبة الذي هو لكل
[ ٣ / ١٢٠ ]
واحد من الناس في خاصته والوقت الذي هو للجمهور. وسنتكلم على جميع ذلك بالشرح والإيضاح إن شاء الله.
وأما التوبة فهي الرجعة. ومعنى تاب إلى الله أي رجع إلى الله، كأن المذنب ذاهب أو ابق من الله تعالى لمفارقته طاعته ومخالفته أمره، فإذا نزع مما هو فيه وعاد إلى الطاعة كان كالعبد يرجع إلى سيده، فنزل نزوعه وعودته إلى الطاعة رجعة، وعبر عنها بالتوبة وحد التوبة القطع للمعصية في الحال إن كانت دائمة، والندم على ما سلف منها والعزم على ترك العود إليها تعبدًا لله تعالى وتقربًا بذلك إليه، وإن لم تكن المعصية دائمة فالندم على ما مضى والعزم على ترك العود، وهاتان الخصلتان متفق عليهما. ثم ينظر في الذنب الذي تكون التوبة منه، فإن كان ذلك ترك صلاة. فإن التوبة لا تصح منها تنضم إلى التوبة والندم قضاء ما فات منها. وهكذا إن كان ترك الصوم أو تفريط في الزكاة إن كان ذلك قتل نفس بغير حق، فإن تمكن من القصاص إن كان عليه وكان مطلوبًا به. فإن عفى عنه بمال وكان واجدًا له فإن يؤدي ما عليه. قال الله ﷿ ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾.
وإن كان قذفًا يوجب الحد فبدل ظهر الحد إن كان مطلوبًا به فإن عفا عنه كفاه الندم والعزم على ترك العود بإخلاص، وإن كان ذلك حدًا من حدود الله تعالى، فإنه إذا تاب إلى الله تعالى بالندم الصحيح سقط عنه. وقد نص الله تعالى على سقوط الحدود من المحاربين إذا ماتوا قبل القدرة عليهم. وفي ذلك دليل على أنها لا تسقط عنهم إذا ماتوا بعد القدرة عليهم. ولعل وجه ذلك أنهم متهمون بالكذب والتصنع فيها إذا نالتهم يد الإمام. أو أنهم إنما يندمون في مثل تلك الحال على ما فعلوا إلا لسوء الصنع، ولكن لأنه قدر عليهم فصاروا الغرض أن يثكل بهم، وإذا تقدمت توبتهم القدرة عليهم فلا تهمة. والظاهر أن استبصارهم بسوء صنعهم هو الذي يدينهم.
وأما الشراب والسراق والزناء إذا تابوا وأصلحوا وعرف ذلك منهم ثم وقعوا إلى الإمام فلا ينبغي له أن يحدهم وإن وقعوا إليه، فقالوا: أثبنا، لم ينزلوا، وهم في هذه
[ ٣ / ١٢١ ]
الحالة كالمحاربين إذا علقوا وإن كان الذنب من مظالم العباد فلا تصح التوبة منه إلا بأداء الواجب عينًا كان أو دينًا، ما دام مقدورًا، فإن لم يكن مقدورًا عليه، فالعزم على أن يؤديه إذا قدر في أعجل وقت وأسرعه.
وإن كان أضر بواحد من المسلمين، وذلك الواحد لا يشعر به، أو لا يدري من أين أتى، وإن يزيد ذلك الضرر عنه، ثم يسأله أن يعفو عنه ويستغفر له. فإذا عفا فقد سقط الذنب عنه استجدى له وسأله ذلك بلسانه فهو آثم لتوبته، وإن قيض من يسأله ذلك له، فعفا ذلك المظلوم عن ظالمه، عرف بعينه أو لم يعرفه فذلك صحيح، وإنما قلنا يسأله أن يعفو عنه ويستغفر له لأن أخوة يوسف ﷺ كانوا أضروا بأبيهم إسرائيل ﵇، فلما جاءوه بآيتين. ﴿قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين﴾ فدل ذلك على أن الاحتياط في الجمع بين عفو المظلوم واستغفاره والله أعلم.
وقد كان لأمرهم وجه آخر. وهو أن أباهم كان نبي الله فيهم، ومن حق النبي إذا كان بين ظهران قوم أن تكون توبتهم عنده، وأن يستغفر لهم مع ذلك، فيتأكد استغفارهم لأنفسهم باستغفاره لهم وتكون مسألتهم إياه ذلك من تمام استغفاره، لأن فرعهم إليه إيمان بالله تعالى، وتعظيمهم له تعظيم لله ﷿، والتأييد به فضل خوف ورهبة من الله تعالى. فإذا انضمت هذه الأسباب كانت الإجابة أرجأ وأقرب. وقد قال الله ﷿: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول، لوجدوا الله توابًا رحيمًا﴾.
واستقصى من ظلم نفسه، وهو يمكنه لقاء النبي ﷺ، والاستظهار بدعوته فلا يحبه، فيتوب عنده ويسأله الاستغفار له وذلك من الوجوه التي ذكرنا وهو أن في الفرع إلى النبي ﷺ فضل الرهبة من الله، والإشفاق من الذنب وكلما كان المستغفر أخوف من الله تعالى كان أخلق أن يغفر ذنبه وتجاب دعوته والله أعلم.
وإن أساء رجل إلى رجل بأن نزعه بغير حق، أو غمة أو لطمة أو صفعة بغير حق أو ضربه بسوطه فآلمه ثم جاءه مستعفيًا نادمًا على ما كان منه عازمًا على أن لا يعود، فلم
[ ٣ / ١٢٢ ]
يزل يتذلل له حتى طابت نفسه، فعفا عنه سقط الذنب عنه. وهكذا إن كان شأنه بشتم لا حد فيه.
وإذا صارت إلى الرجل أموال الناس بظلم وهو لا يعرف أصحابها، فإن لم يخلطها بماله فلا يحل له أن ينتفع بها، وإن كان يرجو أن يعرف أصحابها فيردها عليهم فله أن يمسكها لأجلهم، وعليه أن يسأل عنهم، ويأتي في ذلك ما يقدر عليه. وإن كان لا يرجو أن يعرف أصحابها سأل الإمام أن يأذن له في الانتفاع بها. وإن دفعها إلى الإمام جاز وقبل تصرفها في وجوه البر، فيكون ثوابها لأهلها. وأما إذا خلطها بماله فإنه إن كان مثل ماله ولم يتهيأ تمييزه عنه فله ماله ولأصحاب الأموال أموالهم وهم شركاؤه فيه وهو شريكهم، ولا يحل له أن يتصرف في جميعه. وتصرفه في قدر ماله من الجميع جاز.
وإن سأل الإمام أن يقاسمه عنهم فيأخذ نصيبه ثم يتصرف فيه، فذلك أولى وأحوط والله أعلم. ثم يعمل بأموال غيره ما ذكرت في الفصل الذي قبل هذا، والكلام بعد هذا في أعيان مسائل الجنايات والغصوب. وأنواع التعدي فصل في هذا الباب، لأن الغرض بيان حكم التوبة لإتيان الجناية. وعلم الجنايات موجود في كتب الأحكام فكل ما يثبت له حكم الخيانة بالتوبة منه، لا يصح إلا بالتعقبة على أثره إن كانت ممكنة، وما لم يمكن فسخه واتباعه بصده فمجرد الندم عليه والعزم على ترك العود عليه توبة منه. هذا جملة القول في الباب. وإن كانت على واحد ذنوب كثيرة من أجناس مختلفة، وتاب من أحدها صحت توبته منه، ولا يمنع إصداره على غيره من الاعتداد بتوبته منه والله أعلم.
وإذا تاب العبد فليس بواجب على الله ﷿ أن يقبل توبته ولكنه لما أخبر عن نفسه أن يقبل التوبة عن عباده ولم يجز أن يخلف وعده، علمنا أنه لا يرد التوبة الصحيحة على صاحبها ولو لم يكن أخبر عن نفسه بما قلنا لم يستحل أن يرد التوبة فلا يقبلها. فقبوله إذًا لها فضل وليس شيء من الأشياء بواجب عليه، وبالله التوفيق.
ذكر الخلاف في ما ذكرنا.
زعم زاعم أن من غصب مالًا من مسلم ثم بدا له أن يتوب، والمال قائم في يده، عليه أن يرد المال المغصوب إلى ماله، ولكن نفس الرد ليس بتوبة، إنما التوبة الندم والعزم على
[ ٣ / ١٢٣ ]
ترك العود، غير أنه إذا كان متمسكًا بالمال دل به، على أنه ليس بنادم، فاحتاج إلى الرد ليصح ندمه وعزمه على ترك العود، لأن نفس الرد من التوبة، فيقال له. ما الفضل بينك وبين من قال لك. أن التوبة هي رد المغصوب إلى مالكه؟ ولكنه يحتاج مع ذلك إلى الندم والعزم على ترك العود لتصير سببًا لرد المال إلى صاحبه، فإن الندم إذا لم يقع، والعزم على ترك العود في المستقبل صار سببًا للرد، فالرد هو التوبة. والحاجة إلى هذين لتيسير الرد لا أنهما توبة. وإذا كان القولان يقعان موقعًا واحدًا ولم يكن إلى طرحهما والخروج منها سبيل، وكان الجمع بينهما ممكنًا. وجب الجمع، وأن يقال كل ذلك توبة.
يقال له: زعمت أن الندم هو التوبة، وأن رد المال إذا لم يقع لم تصدق التوبة ولم تتحقق، فاحتيج إلى رد المال لتحقيق الندم لأن الرد نفسه من التوبة، وليس هذا كما قلت. لأنه قد يندم على غصب المال، ويصر مع ذلك على حبسه لئلا يستضعف، أو لئلا يطمع واحدًا آخر في استرجاع ماله منه. ومن الموجود في العادات أن يقول القائل: ما كان ينبغي لي مفارقة بلدي وإتيان هذا البلد، وإذ قد أتيت فليس إلا الصبر. ويقول: ما كان فلان أهلًا لما أعطيته، وما كان ينبغي لي أن أعطيه. وإذا قد كان من ذلك فليس إلا الاحتمال والتجاوز. وقد يقول: الجيش إذا لاقى العدو، وما كان ينبغي لنا أن نخاطر ونلقى العدو في هذه العدة اليسيرة. وإذ قد فعلنا فلا وجه للفرار وليس إلا الثبات. وقد يقول الآبق. ما كان ينبغي لي أن أفارق سيدي وإذ قد فعلت فلا وجه للرجوع إليه وليس إلا البعد منه.
فإذا كان هذا وأمثاله من عاقبة الناس وقولهم. فلم قلت: إن الرد ما لم يقع من الغاصب والندم غير حادث. وما أنكرت من الإصرار قد يجامع الندم كما جامعه فيما ذكرناه وعارضنا كبه.
وما أنكرت أن الندم إنما يقع على ابتداء الجناية ولا سبيل إلى تدارك الابتداء، وإنما يقطع قطع دوامها، وصار الذي يرفع بالندم غير ما وقع إليه الندم. وإذا كان غيره أمكن أن يقاربه فبطل، فذلك إن رد المغصوب يحتاج إليه لتحقيق الندم وليس بنفسه توبة وثبت أن الندم قد يتحقق من غير رد المغصوب.
[ ٣ / ١٢٤ ]
ويقال له: ما أنكرت أن يرد المغصوب إنما يحتاج إليه لفسخ الجناية القائمة في الحال وفي الحيلولة بين المالك ولملكه بغيًا وعدوا فهو من المغاصب بمنزل الإسلام من المرتد. ومعلوم أن المرتد إنما يكون تائبًا إذا ندم على ردته فأسلم وعزم على أن لا يعود، وإن إسلامه توبته. ولا يصح أن يقال أن ندمه هو التوبة. والإسلام يحتاج إليه ليصير سببًا لإسلامه. كذلك رد المغصوب هو التوبة والندم يحتاج إليه ليصير سببًا لرد المال إلى مالكه والله أعلم.
واحتج هذا الزاعم لقوله. بأن التوبة قد تصح عن كثير من الذنوب التي ليس يحتاج فيها إلى رد شيء، فعلمنا أن التوبة هي الندم والعزم على ترك العود.
فيقال: قد أنبأنا الله ﷿ أن التوبة من الشرك هو الإسلام فإنه ﷿ قال: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد، فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ فمعلوم أن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة لا تكون إلا بعد الإسلام. فصح أن معنى قوله ﴿فإن تابوا﴾ أي فإن أسلموا. وقال ﴿قل للذين كفروا أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾. والانتهاء عن الكفر لا يقع بالندم عليه وإنما يقع بالإسلام. فصح أن توبة الكافر إسلامه ثم لم يجز أن يقال أن إسلامه ليس من صلب توبته، لأن كثيرًا من الذنوب يتاب منها من غير أن يحتاج في التوبة منها إلى عقد الإسلام، فما أنكرت أن كثيرًا من الذنوب وإن كان يتاب منها من غير أن يحتاج فيها إلى دفع مال فذلك لا يدل على أن التوبة إذا كانت من الغصب لم يكن رد المال من أصل التوبة والله أعلم.
ويقال له: أرأيت الواحد إذا هم بغصب مال رجل فغصبه، أهو مذنب بهمه أو لغصبه أو بهما؟ فإن قال: بهما. قيل: فما أنكرت أنه إذا ندم وهم بالرد، فرد كان بإتيانهما كما كان في الابتداء مذنبًا بهما، ولو وجب أن يكون تائبًا بالندم، فالرد جميعًا، لأن من الناس من تصح توبته من غير أن يكون معها رد مال، لوجب أن لا يكون الابتداء مذنبًا بما لهم والأخذ جميعًا. لأن من المذنبين من يكون منه الذنب، ويكتب عليه من غير
[ ٣ / ١٢٥ ]
أن يكون منه أخذ مال، وإذا لم يحدث عن هذا أن لا يكون الأخذ من صلب ذنبه إذا وقع منه الأخذ بغير حق لم يجب عما ذكرت أن لا يكون الأخذ من صلب ذنبه إذا وقع منه الأخذ بغير حق لم يجب عما ذكرت أن لا يكون الرد من صلبه توبته إذا رد على المالك مالهم الذي أخذه منه.
فإن قال: لو كان الرد من التوبة لوجب إذا عجز عن الرد أن لا تصح توبته.
قيل: ما الفصل بينك وبين من قال. لو كان الرد محتاجًا إليه لتحقيق الندم لوجب أن لا يصح ندم العاجز عن الرد، لأنه لا يمكنه تحقيق ندمه للرد.
فإن قال: إن الندم يتحقق من غير رد إذا كان هناك عجز عنه، وإنما لا يتحقق إذا كان الرد متمكنًا. فأما إذا لم يكن وصار معجوزًا عنه، فالندم وحده توبة. ويقال له: ما أنكرت أن الندم إذا قارن سقوط فرض الرد عنه. كان توبة. فإن كان المال في يد الغاصب فندمه مع الرد توبة لأنه إذا رد سقط الفرض. وإن كان المال واهيًا والغاصب معدمًا فندمه مع الرد توبة، لأنه إذا رد يقارن سقوط فرض الرد عنه فلذلك صحت توبته لا كما ظننت.
مسألة: وزعم أن التائب ينبغي أن يكون ممكنًا من فعل ما يتوب منه، وإن كان عاجزًا عنه فليس ذلك توبة.
فيقال له: قال النبي ﷺ. (الندم توبة). والندم يصح من العاجز عما أحدثه في حال القدرة، فلم لا قلت: أن توبته صحيحة.
ويقال له: إن هذا المذهب يناقض مذهبك في المسألة الأولى لأنك إن عممت أن الندم هو التوبة، ورد المال محتاج إليه لتحقيق الندم لا لأنه بنفسه من التوبة، والذي يليق بها إن من عجز عن الغضب فأمكن أن يتحقق منه الندم على ما مضى، فإنه إذا ندم كان ندمه توبة.
فإن قال: أن العاجز لا يصح منه العزم على ترك العود.
[ ٣ / ١٢٦ ]
قيل: إن كان لا يصح منه العزم على ترك العود فهو غير محتاج إلى هذا العزم لأن هذا العزم محتاج إليه لئلا يكون منه الفعل، فإذا وقع العجز عن الفعل فقد استغنى عن العزم، وكان الندم وحده التوبة.
فإن قال: ينبغي أن يكون عنده الفعل منه لتركه إياه مختارًا فيكون بذلك معتدًا.
قيل له: أرأيت إن كان قادرًا على الفعل فندم على ما سلف منه وعزم على أن يعود، إلا أنه حدث له العجز متمكنًا، أيكون عدم الفعل منه طاعة، أو يتبين بحدوث العجز في الحال إن عزمه على ترك العود كان باطلًا.
فإن قال: يكون طاعة لأنه عزم على ترك العود وهو قادر، فصح العزم وكان ما حدث من العجز بعده غير معتد به.
قيل له: فما أنكرت أنه إذا ندم على ما مضى، فصح الندم منه أن يتقلب بذلك المعجوز عنه من الفعل مقدورًا عليه في الحكم، فيصير عدم الفعل منه كأنما وجد منه تعبدًا، كما انقلب المعجوز عنه مقدورًا عليه في الحجم فإذا عزم على ترك العود وهو قادر فتبعه العجز بلا فضل واستمد به فإنه ليس من الأمرين فرقان يعقل.
ويقال له: أرأيت العاجز عن المعصية إذا كان يضمر أنه لو وجد سبيلًا إليها لعصى إما أن يكون مذمومًا على ذلك.
فإذا قال: بلى. قيل له: فلم لا قلت أنه إذا أضمر أنه لو كان قادرًا على المعصية ولم يعص كان محمودًا، وإذا كان كذلك فالعاجز عن الفعل إذا ندم على ما مضى وأضمر أن عجزه لو زال، أو لم يكن له بعد إلى ما كان منه، كان ذلك توبة، وإن كان عاجزًا عن الفعل.
ويقال له: أليس الإيمان لا يصح إلا بالاعتقاد وإقرار اللسان، فإن عجز عن الإقرار باللسان لم يكن ذلك عجز عن الإيمان، وكان الاعتقاد كافيًا. فما أنكرت أن التوبة وإن كانت صحتها بالندم، والعزم على ترك العود، فإن العزم على ترك العود وإن ارتفع بحدوث العجز عن الفعل لم تصر التوبة معجوزًا
عنها، ولكن الندم يكتفي به عن غيره ويقال له: ألست تزعم أن رد المظلمة ليست تبق به، ولكنه يحتاج إليها لتحقيق
[ ٣ / ١٢٧ ]
الندم. ولو أن المالك وجد ماله فأخذه لم يغن ذلك الغاصب من التوبة لأن فسقه لا يرتفع بأخذ المالك مال نفسه، فقد صارت التوبة واجبة، ولا يقدر الغاصب منها إلا على الندم والعزم على ترك العود ثم الندم يصح، وإن كان الغاصب عاجزًا عن تقريره وتحقيقه يرد المال إذا المالك قد وصل إلى ماله ما لا يفعل كان منه فما أنكرت أن العاجز عن الفعل تصح توبته وعزمه على ترك العود، وإن لم يمكنه تحقيق هذا العزم لما حدث من العجز عن الفعل. ولم لا سويت بين العجز عن مقدر الندم، وبين العجز عن مقرر العزم على ترك العود. إن التوبة فرض من فرائض الله تعالى على عباده، وما من عبادة تنقسم إلى أركان إلا والعجز عن أحدها لا يسقط المقدور عليه منها وذلك المقدور إذا أثابه أجرًا وقامت تلك العبادة ألا ترى أن الصلاة أعمال وأنها إذا وقع العجز عنه قامت الصلاة قائمًا وراءها فلم لا قلت إن التوبة إن كانت تنقسم إلى ندم وعزم على ترك العود، فإن العزم على ترك العود إن بطل العجز عن العود، فذلك لا يمنع من أن تفهم التوبة بالندم وحده وبالله التوفيق.
مسألة: وزعم أن من كانت له ذنوب فتاب من أحدها لم تصح توبته حتى يتوب منها كلها، واعتل بأن التوبة من الذنب إنما تصح إذا كانت، لأنه ذنب أو لأنه معصية. فأما التوبة منه، لا لأنه معصية لا تصح وإن كانت التوبة إنما تصح إذا كانت، لأن ما يتوب منه معصية فهو إذا كان مقيمًا على معصية أخرى لم تكن بينهما وبين الذي يتوب منها فرق فيكون كمن تاب عن معصية هو مقيم عليها فلا تصح توبته.
ألا ترى أنه لو تاب من غصب المال وهو متمسك به لا يرده لم يكن تائبًا. فكذلك إذا تاب عن الغصب وهو مقيم عن القتل أو القذف أو الشرك خمرًا أو عقوق الوالدين لم يكن تائبًا لأن الغرض من التوبة الردع عن المعصية وهذه كلها معاصي.
فيقال له: ما تقول في رجل زنى وشرب الخمر فجلد حد الزنا. أيكون ذلك حدًا مع بقاء حد الشرب عليه، فلا بد من نعم فيقال له: أليس إذا جلد على حد الزنا لأنه وقع منه معصية، لا لأنه هتك حرمة زوج المرأة أو ابنها أو عمها أو بناتها وغيرها فلا بد من بلى فيقال له: أرأيت لو قل قائل: أنه إذا كان يجلد على الزنا لأجل أنه معصية، فإن ذلك لا يقع موقع الحد ما دام عليه حد معصية أخرى. وتكون إقامة أحد الحدين عليه
[ ٣ / ١٢٨ ]
وترك الآخر كإقامة بعض الحد الواحد عليه وترك البعض، فإذا كنت قائلًا له: فإن قال: أقول له: إن الحد لم يجب على الزاني لأنه عصى فقط، ولكنه لوجود معصية مخصوصة منه قبل وكذلك الغاصب ليس ذنبه أنه أعصى فقط، إذ لو كان هذا هكذا لكانت الذنوب كلها راجعة إلى حد واحد. وإنما ذنبه أنه إذا عصى معصية مخصوصة وسقط حد الآخرين فما أنكرت أن التوبة تصح من إحدى كبيرين مع الأضرار على الآخرين، لأن كل واحد منهما معصية مخصوصة، فجاز أن يبقى حد بهما، ويسقط الآخر بالتوبة منها.
فإن قال: أرأيت إن كانت عليه كبيرتان من جنس واحد. قيل: أما إذا اعتدلنا فقد يجوز أن يقال: لا يمكن التمييز بينهما من التوبة ليس من الوجه الذي قلت، ولكن لأن التوبة إنما تكون بالارتداع عن الخطية في الحال والندم على ما سلف منها، وترك العزم على العود إليها. فإذا كانت على الرجل خطيئتان من جنس واحد لم يصح منه أن يعزم على ترك العود إلى إحداهما، لأنه إنما ينبغي أن يترك العود إلى مثلها فأما ما مضى منه فلا يتركه العود إليه أبدًا. وإذا كان كذلك فهو إذا لم يتب من الأخرى وهي مثلها صار بالإصدار عليها، كالعائد إلى مثل الذي يريد التوبة منها. فصح أن التوبة من إحداهما لا تتحقق ولا تبالي حتى تكون منهما جميعًا. وليس الجنسان هكذا، لأن الارتداع عن إحداهما على الدوام مع إصابة الآخر ممكن، فكذلك تصح التوبة من إحداهما مع الإصرار على الأخرى. ومما يبين هذا أن الراشين أو الشاربين يدخل حد أحدهما في حد الأخرى، فلا يمكن أن يحد على إحداهما من حيث لا يصير محدودًا على الأخرى. فكذلك لا يكون تائبًا من إحداهما غير تائب من الأخرى وأما الخطيئتان إذا اختلف جنسهما، فإنه قد يكون محدودًا على إحداهما من حيث لا يكون محدودًا على الأخرى. فكذلك قد يكون تائبًا من إحداهما غير تائب من الأخرى. والله أعلم.
مسألة: وزعم أن المطبوع على قلبه قد يتوب، وتكون توبته صحيحة، واعتل بأنه لم يمكن وجود التوبة منه لم يؤمر بها.
فيقال له: ما أنكرت أن المطبوع على قلبه لا يتوب من الذنب الذي طبع على قلبه لأجله. فأما من الذنب الذي لم يكن الطبع على القلب لأجله فقد يجوز أن يتوب، وقد
[ ٣ / ١٢٩ ]
يجوز أن يكون مطبوعًا على قلبه من ذنب غير مطبوع من ذنب، وهذا من المسلمين. فأما الكافر يطبع على قلبه فلم يسلم أبدًا. وأما المسلم فقد يختلف الطبع على قلبه كما وصفت، فقد يقع ذلك في الصلاة بتركها، فلا يعود ذلك إلى فعل أبدًا، ولكنه إن كان مع ذلك شاربًا أو سارقًا يتوب منهما، وإن كان في السرقة أو الشرب لم يتركهما أبدًا. وإن كان مع ذلك تاركًا للصلاة تاب منه فصلى، لأن الطبع على القلب عقوبة. وقد يجوز أن يعاقب الله تعالى العبد على ذنب، ويعفو له عن ذنب. والدليل على من طبع على قلبه في شيء لم ينزع عنه، هو أن الطبع على القلب ليس إلا الحيلولة بينه وبين أنصار الصواب والميل إليه، وهو إذا لم ينصر الصواب ولم ينتبه لدواعيه، ولم يمل إليه لم يقبله ولم يوجد منه. قال الله ﷿: ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾ فما يئس نبيه ﷺ من إيمانهم، ثم أشار إلى سبب ذلك وعلته فقال: ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة﴾. فأخبر أنه حال بينهم وبين الدواعي إلى الإيمان أن يخلص إلى قلوبهم وحال بين قلوبهم وبين أبصارهم ما في الإيمان من الصواب. فدل ذلك على أن الكافر المطبوع على قلبه يستحيل وجود الإيمان منه، فقال: ﴿أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون﴾. فأجيبوا أن المطبوع عليه غافل، ووجود الفعل الذي شرطه الاختيار عن الغافل غير ممكن.
وقال: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله والله على علم، وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله﴾ فأبان أنه لا هداية له بعد وجود الختم من الله ﷿ على حواسه، ومكان غفله، فكل ذلك يدل على أنه لا يمكن وجود التوبة منه عما هو مطبوع على قلبه فيه. وقال: ﴿فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل، كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين﴾ فأخبر أن المطبوع على قلبه لا يؤمن. فإن قال: فقد قال الله ﷿: ﴿بل طبع الله عليها بكفرهم، فلا يؤمنون إلا قليلا﴾ فدل ذلك على أن من الكفار المطبوع على قلوبهم من قد يؤمن.
[ ٣ / ١٣٠ ]
قال: ليس للاستثناء من المطبوع على قلوبهم، إنما هو من جماعة اليهود الذين ابتدأت القصة بذكرهم. فقال: ﴿يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابًا من السماء﴾ فقد سألوا موسى أكبر من ذلك، ثم حكى عنهم بعض المواثيق وقتل الأنبياء ﵈ ثم قالوا: ﴿قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا﴾. أي إلا قليلا منهم فإنه لم يطبع على قلوبهم، فالاستثناء من هنالك لا من نفي للإيمان، وإن كان من نفي للإيمان، فقد خالفه هذا المنهج لأنه يخبر أن يؤمنوا جميعًا، وإن كانوا مطبوعًا على قلوبهم، وقد أخبر الله تعالى بزعمه أنه لا يؤمن منهم إلا قليل ينفك من مخالفة الله تعالى في خبرهم.
فأما قول: هذا الزاعم أن التوبة لو لم يجز وجودها من المطبوع على قلبه لما جاز أن يؤمر بها.
فالجواب: أن الكفار الذين أخبر عنهم الله تعالى قطعًا بأنهم لا يؤمنون أكان الأمر بالإيمان زائلًا عنهم فلا يستطيع أن يقول: نعم، فيقال له: فإن جاز أن يكون من بين الله تعالى لنبيه ﷺ على أنه لا يؤمن مأمورًا بالإيمان، لم لا جاز أن يكون كل مطبوع على قلبه مأمورًا بالإيمان أو بالتوبة؟ وإن كان لا يمكن وجود واحد منهما. وقد أخبر ﷿ أنه أوحى إلى نوح النبي ﷺ. ﴿أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن﴾ ولذلك عرفهم. ولا يجوز أن يقال: إن الأمر بالإيمان زال عنهم. فما أنكرت أن كل مطبوع على قلبه فالأمر بالتوبة قائم عليه، وأن كلًا لا تؤخذ منه التوبة أبدًا وبالله التوفيق.
مسألة: وزعم أن العبد إذا تاب، واجب على الله ﷿ أن يقبل توبته واعتذر بأن رجلًا لو أساء على آخر ثم اعتذر إليه لم يذمه بعد ذلك كما كان يذمه من قبل. فلما نتج الذم مع الاعتذار علمنا أن التوبة من الله ﷿ مسقطه لعقاب الذنب الذي كانت التوبة منه.
فيقال له: أن الله تعالى ليس يحب أمر آمر ولا نهي ناه فليلزمه شيء أو يجب عليه
[ ٣ / ١٣١ ]
شيء فكان صواب العبارة إذًا أن يقول: أن العبد إذا تاب قبل الله توبته ولم يردها عليه لأنه ﷿ أخبر عن نفسه بأنه يقبل التوبة عن عباده. وأخبر عنه بذلك نبيه ﷺ. (من تاب تاب الله عليه). ولا يجوز أن يقع في خبره عن نفسه، ولا في خبر نبيه ﷺ عنه خلف. فإن احتج بقول الله ﷿ ﴿كتب على نفسه الرحمة﴾. أو بقوله: ﴿كان على ربك حتمًا مقضيًا﴾.
قيل له: معنى ذلك أنه لما قضى ذلك وأخبر به فهو يفعله ولا يخلف وعده لأن الكذب غير جائز عليه، فهذا معنى الاثنين لا سواه.
فأما قوله: إن من أساء إلى آخر ثم اعتذر إليه لم يذمه بعد ذلك، فهو إحالة منه على العادة، والعادة في ذلك مختلفة، لأن من الناس من يلين قلبه للمعتذر فيقبل عذره في أول وهلة، ومنهم من يزداد غيظًا به، فلا يقدر على قبول عذره. وقد يخف الذنب فيمكن قبول العذر عن الذنب أول ما يعتذر. وقد يغلظ الذنب فلا يمكن الإصغاء إلى المعتذر فضلًا عن قبول عذر. ألا ترى أن رجلًا لو قتل ابن رجل أو أباه، أو أحرق داره، أو أخرب ببنائه، ثم جاء يعتذر إليه لم يلزمه أن يقبل عذره، فلا هو إن لم يصغ إليه، ولم يقبل عذره، يكون عند الناس مذمومًا. وإذا كان كذلك، فمعلوم أن حق الله تعالى ألزم من كل حق، وانتهاك حرمته أعظم من كل ذنب. فكيف يجوز أن يقال: ليس على الله ﷿ أن يقبل توبته إلا أن أخبر عن نفسه أنه يفعل ذلك، فهو إحسان منه وفضل ليس بفعل واحد والله أعلم.
ويقال له: المسيء إذا اعتذر إلى من أساء إليه أيكون عذره غير ما يقصد بإساءته إليه أو مثله. فلا بد من أن يقول: لا هو عين ولا مثل، ولكنه إحسان في الجملة يريد أن يجعله عوضًا من الإساءة المتقدمة، فيقال له: أرأيت رجلًا أتلف لرجل عشرة دراهم ثم جاءه بعوض يساوي عشرة أو لا بسواها، وسأله أن يقبل منه ويرضى به. أيلزمه ذلك؟ فإذا قال: لا قيل: فما أنكرت أنه إذا لطمه أو صفعه أو سبه أو شتمه أو سعى
[ ٣ / ١٣٢ ]
به إلى سلطان فحبس وضرب وأخذ منه مال، ثم جاءه يعتذر إليه لم يلزمه أن تقع منه المعذرة فيقبلها ويرضى عنه بها، وإن كان الاعتذار منه أمرًا مستحبًا يستحق أن يمدح لأجله.
وإذا كان هذا هكذا، وقد جعلت قبول الرب ﷿ توبة العبد، وإذا تاب فليس قبول الثناء إليه مغفرة السيء وحمده إياه عليها، فما أنكرت أنه ليس بواجب على الرب أن يقبل توبة العبد إذا لم يكن لديه غير الحق الذي آجل به أن جنى ما جنى ولا قبله. وإذا كان كذلك صح أن قبول التوبة بفضل وامتنان وليس بواجب والله أعلم.
مسألة: وزعم أن الجنايات التي أخبر الله تعالى إنصاف المظلوم فيها إلى الآخرة إن عفا عنها أهلها المصابون بها، لم يسقط عن الجناية، لأنه ليس للمظلومين عنها حق واجب في الحال. إنما يجب بعد النظر إلى الآخرة، ولا يصح العفو عما لم يجب. قال: وليس كالدين المؤجل لأنه واجب فإنما أخر قبضه بالشرط.
ويقال له: ما أنكرت أن المجني عليه ثبت له حق بوقوع الحماية عليه، أما عاجلا وأما آجلًا. فإن كان آجلًا فموصول إليه هو المتأخر، وإلا فالوجوب حاصل وحكم الله ﷿ يوم القيامة إنما يحتاج لتعيين الواجب وإثابته فأما نفس الموجوب فهو حاصل لأن الموجوب حكم وعبادة ومحل العبادات الدار الدنيا. فلو خلا الفعل من اعتقاد وواجب لم يتوهم أن يحدث له يوم القيامة تبعة قد خلا منها عند وقوعها في الدنيا. فصح أن حقًا قد وجب للمجني عليه. فإن عفا فقد عفا عن وجب لا كما قدر به والله أعلم.
مسألة: وزعم أن من وقعت بيده أموال حرام، ولم يعرف أربابها، أنه يمسكها حولًا. فإن ظهرت فيه أربابها دفعها إليهم، وإلا تصدق بها كما يقول في اللقطة. وهذا الحال، لأن العرف في اللقطة أنها تطلب وتنشد فكذلك كلف الملتقط أن يعرف حتى إذا عرف هذا أنشد ذلك، ظهر بها صاحب اللقطة، فعاد ماله إليه. وأما الأموال المأخوذة من الناس ظلمًا، فإنها إذا صارت إلى يدي رجل وأنها لا تنشد، فكذلك من وقعت ييده لا يعرفها. ألا ترى أن من غصب من رجل مالًا ثم نسي صاحبه لم يعرفه، لأن صاحبه لا ينشده، فكذلك هذا. وإذا بطل التعريف بطل انتظار الحول، لأن
[ ٣ / ١٣٣ ]
الحول مدة التعريف، فإذا بطل التعريف لم يثبت حكم الحول، وكان الحكم أنه ما دام بأصل ظهور ملاكها أمسكها، فإن أيس من ذلك صرفها في بعض أبواب البر، وإن دفعها إلى الإمام وأعلمه حالها ليقبضها الإمام عن أهلها. وإن سأل الإمام أن يأذن له في الانتفاع بها دينًا عليه لأهلها جاز على النظر لهم. والله أعلم.
فصل
ثم أن وقعت التوبة لكل واحد من أحد المذنبين ما لم يظهر له أمر من أمور الآخرة، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر). أي تبلغ روحه رأس حلقه، وذلك وقت المصادفة الذي يرى فيه مقعده من الجنة أو مقعده من النار. وعسى أن يعاين فيه الملك. ولعل من بلغ أمره أن يغرغر بروحه لم يفعل تلك الحال يومه. أو لم يتمكن منها، فكان هذا القول إشارة إلى أن الله تعالى يقبل توبة العبد ما دام يتوب، وهو ما لم يغرغر بروحه يمكنك أن يتوب، وإن تاب قبل توبه. وقد يجوز أن يجد وقت التوبة بما هو ليس من هذا واشتبه بقول الله ﷿: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال: إني تبت الآن﴾. وهو أن يقول: أن التوبة تقبل ما لم تبطل الدواعي التي تكون للأحياء إلى ضروب المعاصي. فإذا بطلت تلك الدواعي بسقوط القوى وبطلان الشهوات والاستسلام للمات، فقد انقضى وقت التوبة، وليس في هذا ما ينهض للزاعم المتفوض مقالاته دلالة على قوله أن يشرط التوبة، أن يكون التائب متمسكًا من الفعل لأن توبة من حضره الموت لا ترد، لأنه قد عجز عن الفعل. ولكن لأن الدواعي إلى الفعل قد انقطعت فلم يحتج إلى أن تسكن لك الدواعي بالبقاء على التوبة. وأما الحي الذي عجز المعاصي بما يحول دونها، فلا يخلو من أن يعرض لد الدواعي إليه إلا أنه يعجز عن إجابتها فإذا قابل تلك الدواعي بأن الله تعالى قد حذر ما يدعو إليه فلا سبيل إليه، ولو كان ممكنًا ولم يتضجر منها ولم يقلق ولم يقل في نفسه، لولا العجز لكنت تأمرني كان ذلك مستدعيًا للتوبة. وأما من انقطعت
[ ٣ / ١٣٤ ]
الدواعي عنه وانحبست آثارها فلا يبين لتوبته أثر قط إلا بالعزم، ولا بالفعل. ولذلك لم تصح ولم تقبل منه والله أعلم.
وأما قوله ﷿: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب﴾ فليس المراد به أن التوبة إنما تقبل إذا دنا وقتها من وقت المعصية، حتى كانتا مثلًا في يوم واحد أو ليلة واحدة. وأما المعنى: ما دامت الحياة ثابتة والدواعي إلى الجنايات قائمة. وقد قال الله ﷿ في القيامة: ﴿قل عسى أن يكون قريبًا﴾ فإذا كان أجل الجميع قريبًا، فكذلك أجل كل واحد قريب، وأبانه قوله ﷺ (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر).
وأما الأجل المضروب للجمهور، فقد وردت فيه أنه مهمة، قال الله ﷿: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك، يوم تأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا إيمانها، لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا﴾ وجاءه عن النبي ﷺ ﴿إن الله باسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، وباسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار حتى تطلع الشمس من مغربها) وعنه ﷺ (أن الله فتح للتوبة بابًا لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها) فعلم بهذا أن الآية إذا أتت لم ينفع نفسًا إيمانها حتى طلوع الشمس من مغربها. وهذا يحتمل معنيين. أحدهما أن الناس إذا أتت وجدوا الشمس طالعة من مغربها خاض إلى قلوبهم من الفزع ما يحمل معه كل شهوة من شهوات النفس، وتفتر كل قوة من قوى البدن، فيصير الناس كلهم لا ينهاهم بدنو القيامة في حال من حضرة الموت من انقطاع الدواعي إلى أنواع المعاصي عنهم وبطلانها من أبدانهم. فمن تاب في مثل هذه الحال لم تقبل توبته، كما لا تقبل توبة من حضره الموت.
والآخر: أن طلوع الشمس من مغربها لا يعلم إلا بخبر النبي ﷺ، وما زال غير المسلمين
[ ٣ / ١٣٥ ]
مكذبين لهذا الخبر اعتمادًا على أنه مباين لصنعة الكواكب والأملاك والأفلاك غير لائق بوضعها ونظامها. فإذا شوهد ذلك عيانًا دل على صدق النبي ﷺ ضرورة، تتوفى بوقوع العلم بتوبته ضرورة، ووقوع العلم بالله تعالى ضرورة. وإذا ارتفع الامتحان ورفعت الضرورة ولم يقع الإيمان ولا التوبة موقع العبادة كما لا يقعان في عرصات القيامة موقع العبادة لهذا المعنى- والله أعلم.
ثم قد روى أن الدنيا تبقى بعد طلوع الشمس من مغربها طويلًا حتى يلتقي الشيخان الكبيران، فيقول أحدهما للآخر: متى ولدت؟ فيقل: أخبرني أهلي أني ولدت ليالي طلعت الشمس من مغربها، فيحتمل- والله أعلم- أن يكون رد التوبة والإيمان على من آمن أو تاب، حتى يظهر هذا الأمر العظيم. فيحدث عنده من تغيير القلوب بما يحدث. فأما إذا عادت إلى ما كانت عليه من قبل وطلعت من المشرق وغربت من المغرب، وعادت الدواعي إلى النفس، وصار النفس وصار الناس كما كانوا فمن أسلم من الكفار، أو تاب من العصاة قلبت رجعته.
وأما على الوجه الآخر فينبغي أن تكون توبة كل من شاهد ذلك أو كان كالمشاهد، له مردود ما عاش لأن علمه بالله تعالى ونبيه ﷺ وبوعده وقد صار ضرورة. فإن الموت أيام الدنيا إلى أن ينشأ الناس من هذا الأمر العظيم ما كان. ولا يتحدثوا عنه إلا قليلا. فيصير الخبر عنه حاجًا، وينقطع التواتر عنه، فمن أسلم من ذلك الوقت أو تاب قبل عنه والله أعلم.
فصل
وأما ما جاء في الآية التي سبق ذكرها من قوله ﷿: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب﴾. فلا دليل فيه على أن قبول التوبة من العبد على الله كما قال الزاعم الذي أدحض الله حججه، لأن ذلك محال والمعنى أن التوبة الذي وعد الله قبولها، وليس بالذي يخلف وعده، فالقبول واقع منه لا محالة كما يقع
[ ٣ / ١٣٦ ]
الفعل الواجب من لزمه ووجب عليه. وهكذا قوله ﴿وكان حقًا علينا نصر المؤمنين﴾ أي وكان وعدًا لا يجوز أن يخلفه، أنا نجعل حسن العاقبة لأوليائنا كما قال في معنى إعادة الخلق ﴿وعدًا علينا﴾ لا لأن ذلك واجب عليه في قول أخذ. ولكن لأن إخلاف الوعد غير جائز عليه بما وعد فعله فهو فاعله لا محالة، كمن يكون عليه فعل مستحق فهو فاعله بكل حال. وهكذا من تتبعه في كلام العرب أن يتحرز فيه مثل هذا، وبالله التوفيق.
ومن الناس من ذهب إلى أن الاستغفار من أركان التوبة، وإن أركانها الندم والعزم على ترك العود والاستغفار، وهذا فيمن ليس فيه رد مظلمة وتمكين من حق. ومنهم من زاد الغم بالذنب الذي منه تكون التوبة بعد الفرح به، كأن رجلًا يعادي رجلًا ويريد قتله سنين، ثم ظفر به، فقتله، وتاب مكانه. فندم على ما كان منه، قتل مؤمنًا، بغير حق في الجملة، وعزم على أن لا يعود، إلا أن قلبه فرح بأن لم يعلنه عدوه وظفر منه بمراده. قال بهذا ليس بتوبة، إنما التوبة (أن يكون مهمومًا بما جرى على يده، وهذا كما قال: إلا أن يستغنى بشرط الندم عنه، فإن الفرح بما قد كان مناقض للندم، ولا يجتمعان في قلب لوقت واحد أبدًا إلا أن يكون فرحه ينقصان خصمه عن وجه الأرض، وانقطاع عداوته عنه، لا بأن جرى على يده قتله ويشتفي بذلك منه، فإن كان إنما يفرح بانقطاع عداوته فقط، فهذا غير متناقض للتوبة، وإن كان يفرح بفعله الذي فعله مكانه، فهذا مناقض للندم، وإذا خلص الندم لم يمكن أن يكون معه هذا الفرح فذكره إذا تكلف.
وأما الاستغفار فإن الله ﷿ يحكي عن هود النبي ﵇ أنه قال لقومه: ﴿ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه﴾. وهذا يوهم أن يكون الجمع بين الأمرين محتاجًا إليه، وقد يوهم غيره، لأنه ميز الاستغفار عن التوبة، وقدمه في الذكر عليه. ويروى عن النبي ﷺ (لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار). وجاء عنه ﷺ. (من أصاب ذنبًا فندم عليه، غفر له ذلك من قبل أن يستغفر) فهذا يدل على أن الاستغفار
[ ٣ / ١٣٧ ]
ليس من أركان التوبة، على المعنى، أنه يحتاج إليه مع الندم لتتم التوبة، وأما قول الله ﷿ في قصة أبينا آدم صلوات الله عليه، ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه﴾ وأثابه هذا بكلمات في آية أخرى، وهو قوله: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾ فليس فيه إلا حكاية ما كان من آدم ﵇ حين تاب عليه. لا يدل على أنه لو ندم ولم يستغفر بلسانه لم يكن تائبًا، لأنه قد قال: ﴿وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾.
ولا خلاف في أن من لم يقل ذلك واقتصر على أن يقول: رب اغفر لي كان كافيًا. فكذلك لو ندم ولم يستغفر بلسانه لكان كافيًا.
وأيضًا فإن التوبة لما كانت من الفرائض أشبهت الصلاة والصيام ومعلوم أن من صام وصلى لم تتعلق صحتها منه وتمامها بأن يقول: اللهم تقبل مني. فكذلك صحة التوبة وتمامها لا تتعلق بأن يقول: اللهم اغفر لي. وأما إذا استغفر ولم يثبت فقد يجوز أن يغفر الله له ويسقط الذنب عنه في حكم الآخرة، ولكنه لا يدري أن الله تعالى جده أجاب دعاءه أو لم يجب، فلا يزال أحكام ذلك الذنب عنه بل يفسق ويرد بها ربه. وإن كان فيه حدًا أقيم عليه، والله أعلم.
وأما إذا تاب ولم يستغفر بلسانه أسقط حكم الذنب عنه، لأن الله تعالى فرض التوبة ولا يفرضها ثم لايقبلها، وأخبر مع ذلك بأنه يقبل التوبة عن عباده، ولا يجوز عليه أن يخلف وعده. فصح أن قبول التوبة من التائب أمر تقع كناية العلم به. فيجوز بذلك أن تتبعه أحكام، ولم يخبرنا في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ إن كل من دعاه وسأله المغفرة، أجاب دعاءه. ولكن شرطه في الدعاء أنه يجيبه إن شاء الله، فقال: ﴿بل إياه تدعون﴾ فكثف ما تدعون إليه إن شاء. وأبان رسوله ﷺ. إن إجابة الدعاء ليست أن يعطي الداعي غير ما سأل، لكن ذلك يكون، ويكون ليدفع عنه مكان ما سأل بلا مماطلة، ويكون أن يعوض منه الآخرة خيرًا منه.
وإذا كان كذلك، لم يعلم بنفس الاستغفار أن الذنب قد سقط عن المستغفر كما يعلم بنفس التوبة أن الذنب قد سقط عن التائب، والله أعلم.
[ ٣ / ١٣٨ ]