وهو باب في تحريم الفروج وما يجب من التعفف منها
قال الله ﷿:﴾ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم، إن الله خبير بما يصنعون، وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ﴿، وهذا أمر. ثم إنه ﷿ أثنى على من يفعل ذلك، فقال:﴾ والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم، فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ﴿. وقال:﴾ ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا ﴿. وقال:﴾ الذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق آثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا، إل من تاب ﴿.
وقال النبي ﷺ: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن). فثبت (من) هذا كله أن التفف عما لا يحل الاستمتاع والتلذذ به إيمان، وأن التهتك خلاف له. ولولا ذلك لم يتلف على الزاني نفسه إذا كان محصنا، ويسلب مطيته التي كانت لعبادته عقوبة له على خطيئته، ولما عوقب بذلك، علمنا أن وفاءه كبيرة كالقتل، وأن التحرز منه من شعب الإيمان، كالتحرز من القتل. ثم إن بعض ذلك أغلظ من بعض، فالزنا بالمحارم أغلظ لأنه لا طريق فيهن إلى الحل من نكاح ولا غيره. فالتحريم ألزم لهن منه بغيرهن. والزنا بامرأة الأب أغلظ، لأن الله ﷿ يقول فيمن نكح امرأة أبيه:
[ ٣ / ٣٦ ]
﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف، إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا ﴿.
ثم الزنا بحليلة الجار، فيها ورد الحديث عن النبي ﷺ: (إن من أكبر الكبائر، الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والفرار من الزحف، وعقوق الوالدين، وقتل المحصنة، والزنا بحليلة الجار). وهذا مما عظمه الله تعالى من حق الجار، كما عظم من حق الوالد. وقد تقدم ذكر كل واحد من الحقين في بابه.
وكما لا يحل الزنا ويكون ارتكابه من الكبائر، فكذلك إتيان الذكور حرام، لم يختلف المسلمون في تحريمه، وإنما اختلفوا في وجوب الحد على مرتكبه، والذين رأوا عليه الحد، اختلفوا في حده، فقال بعضهم: هو كالزنا. وهذا وجه من غيره. وقال آخرون: حده القتل بكل حال، سواء كان الزاني بكرا أو محصنا، ولعل من حجتهم أن هذا الصنع لا مدخل لعينه في شروط الإحصان، ولو بطل اشتراط الإحصان لقتل فاعله، لأنه لا مدخل لعينه في شروط الإحصان، لبطل القتل به أصلا، لأنه إنما يقتل به قياسا على القتل بالزنا. فإن كان ذلك يصح مع ما فيه من إلغاء شرط الإحصان، فليقل أن هذا الصنع ليس من نوع صنع الزاني، فلا يقاس عليه في إيجاب القتل به.
وأيضا فإنه إذا كان إنما يقتل قياسا على الزاني، فليس كل زان مقتولا، فكذلك كل من فعل هذه الفاحشة ينبغي أن يكون مقتولا والله أعلم.
ويجوز أن يحمل على شرط الإحصان بالقياس. ومن رأى هذا الرأي فإنما يذهب إلى أنه ليس يتعاطى هذه الفاحشة شبيه قوم لوط، أولئك لم يلحقهم من العذاب الغليظ ما لحقهم لتعاطي هذه الفاحشة أو مثلها فقط. ولكن الأصل في تعذيبهم كان الكفر بالله ﷿، وتكذيب نبيهم لوط صلوات الله عليه، وهجمتهم على بيته ليلة جاءته الملائكة، وإنذارهم إياه، وإشاعتهم الفواحش، واجتراؤهم عليها ومجاهدتهم. فتغلظ بهذه اكتساب كفرهم، وتغلظت بذلك عقوبتهم.
[ ٣ / ٣٧ ]
وإذا كان هذا هكذا، لم يكن أن يقاس عليهم من ارتكب فاحشة من جملة ما كانوا يرتكبونه ولم يكفر بالله تعالى ولا كذب أحدا من رسله، ألا ترى أن الله ﷿ قد أخبر عنهم أنهم كانوا يأتون في ناديهم المنكر. وقد جاء في تفسيره ما قد جاء.
ثم لا يجوز أن يعاقب من فعل ذلك مقتصرا عليه بأن يطرح من بنيان عال، وتقطع أوصاله ويموت، فكذلك هذا والله أعلم.
وإذا كان إتيان الذكور حراما، فإتيان البهائم أفحش منه وبالتحريم أحق. فقد اختلف في ذلك فقيل: إنه زنا، وقيل: ليس بزنا. ومن قال هو زنا جعله كالزنا بالنساء في الحد. ومن قال. ليس بزنا، رأى فيه التعزير.
وجاء عن النبي ﷺ: (من نكح بهيمة فاقتلوه) وقد يجوز أن يكون ذلك منسوخا بقوله: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق) والناس لا يعرفون وطئ البهيمة زنا، ألا ترى أنهم لا يسمون البهيمة زانية، وإن كانت طاوعت رأينا فكذلك الفاعل بها لا يكون زانيا ولا يقتل. وهذا الحديث والله أعلم.
وإذا كان جميع ما وصفنا حراما، فإن نكح الرجل يده حرام. ألا ترى أنه إذا حرم عليه أن ينكح ذكرا كان التلذذ بجميع أعضائه في التحريم كالمباشرة الكبرى فأولى أن يكون نكاح يد نفسه حراما عليه. فإن نفسه أولى النفوس بأن يحافظ على حرمتها ويحميها بما نقص منها.
قال الله ﷿:﴾ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم، ذلك أزكى لهم، إن الله خبير بما يصنعون ﴿. وقال:﴾ والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ﴿. وهذا ليس بواحد منها.
[ ٣ / ٣٨ ]
وكذلك المرأة تباشر المرأة وتلذذ بها حرام ذلك عليها. وقد جاء في الحديث: (من أشراط الساعة أن يستغني الرجال بالرجال والنساء بالنساء). فجعلا بمنزلة واحدة. وفيما يقال: إن في زبور داود ﵇: ليس الفسق كله بفسق، وإن كان صاحبه عندي ملعونا. ولكن من أمكن من نفسه الرجال من الرجال، والنساء من النساء، فإن ذلك ما يهتز به عرشي، ويثقل علي حملته، فأقول: اصبر، فإني أنا الحليم الذي لا أعجل). وقد خلق الله الزوجين الذكر والأنثى، يجعل كل واحد منهما موضع مستمتع للآخر على الشرائط التي شرطها في كتابه، وعلى لسانه رسوله ﷺ. وما خرج عن ذلك مما يؤدي إلى إضاعة الماء الذي يكون منه الولد فهو حرام لخروجه عن الحد الذي وضعه الله تعالى لقضاء الشهوة، ومخالفته الغرض الذي لأجله يركب الله الشهوة في الرجال والنساء. فإنه إنما ركبها ليكون قضاؤها سببا لدوام النسل. فمن قضاها من الرجال بالرجال، ومن النساء بالنساء، فقد خالف بها سبيلها، وأضاع الماء الذي يكون منه فهو منه حرام، وضع موضع لا يمكن أن يكون منه نسل.
وذلك فيه إسقاط الجنين، والحيلولة بينه وبين أن ينشأ وينمو فيخرج، وكذلك لمن ابتغى ولدا من حرام فلا ولد له، لأنه لا يثبت بينه وبينه شيء من أحكام الولاية، وهو مضيع لما به، مستوجب بوضعه فيمن لا تحل له العقوبة، وإذا كان ابتغاؤه من حلال محتسبا كان مأجورا، ووجه الاحتساب فيه أن يريد مباشرة أهله أو جاريته طلب ولد، فعل الله تعالى إذا رزقه بلغه ووفقه وعلمه، فكان من عباده وموحديه، ومقدسيه في أرضه، والداعين إلى دينه، والمجاهدين في سبيله والمكثرين من أمة نبيه ﷺ. وقد جاء أن النبي ﷺ قال: (تناكحوا تكثروا، فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة). وأنه قال: (سوداء ولود خير من حسناء عقيم). وأن رجلا استشاره فيها مرتين أو ثلاثا كان ذلك يقول: لا، ثم قال رسول الله ﷺ: (لامرأة سوداء تلد أحب إلي من امرأة حسناء لا تلد. أما علمتم أني مكاثر بكم الأمم حتى بالسقط إنه ليؤتي به يوم
[ ٣ / ٣٩ ]
القيامة فيظل ممتنعا على باب الجنة. فيقال له: ادخل فيقول: لا، حتى يلحقني أبواي). وجاء في الحديث أن في المودة الصغرى. فإذا كان ذلك كذلك، فوضع الرجل ماءه في ذكر، أو امرأة ماءها في المرأة، أقرب إلى الوأد، فينبغي أن يكون بالتحريم أحق.
وإذا كان إضاعة المال حراما، فإضاعة المال الذي يرجى أن يكون منه نسمة تعبد الله وتوحده أولى أن يكون حراما والله أعلم.
وإذا كان الزنا وسائر ما ذكرت حراما، فالخلوة بالمرأة المحرمة حرام، لقول النبي ﷺ: (لا يخلو رجل بامرأة، فإن ثالثهما الشيطان). ومعنى هذا أن الشيطان يحضرهما، فيحرص كل واحد منهما على المعصية والخلوة. ثم لا يؤمن أن يكون سببا لشيء يجري عنهما كالخلوة بالمرأة في التحريم، والله أعلم.
ولا ينبغي لأحد أن ينظر ما لا تحل له الشهوة، وإذا حرم النظر، فاللمس بالشهوة أولى أن يحرم. والقول الذي يبعث على الشهوة، ويكون مثله طريقا إلى الفساد أولى أن يحرم. يروى عن النبي ﷺ: (العينان تزنينان، واليدان تزنينان، والرجلان تزنيان، والفرج يصدق ذلك ويكذبه).
ولا ينبغي لأحد أن يمشي إلى امرأة لا تحل له ليحدثها، ويراها لشهوة، ولا أن يناولها طعاما أو شرابا متلذذا بذلك. فإن فعل أو جلس مجلسا قد أشجنته ببدنها أو شرب سؤرها، أو تبع موضع فمها من الإناء، وأكل ما أفضلته من طعام، أو يتبع مواضع أناملها، أو لبس ثوبا قد نزعته متلذذا بذلك. كان ذلك كله منه زنا وفعلا محظورا، غير أنه لا يبلغ مرتبة المباشرة الكبرى فيجب فيه الحد، والأصل فيه الحديث الذي رويته ألا ترى أن أبا أيوب الأنصاري أنزل رسول الله ﷺ مقدمة المدينة داره، وكان ينفذ إليه الطعام، فإذا رد من عنده جلس وأهله يتتبعون مواضع أنامله يبغيان به البركة.
[ ٣ / ٤٠ ]
فكان ذلك منهما برا إلى رسول الله ﷺ، وقربة إلى الله ﷿، فمن فعل ذلك مريدا للشر والفتنة كان منه معصية لله ﷿، وهتكا للحرمة، وبالله التوفيق.
وفي ظهور ما قلنا بيان أنه لا يحل لأحد أن يتصدى إلى امرأة لا تحل له، أو يلاطفها بالكلام الطيب ليحببها فتواطئه على الحرام، أو ليفسدها على زوجها إن كان لها أو على سيدها إن كانت مملوكة، لأن التذرع إلى الحرام حرام.
وجاء عن النبي ﷺ: (ليس منا من جنب) فكتب الحديث على وجهه في موضعه إن شاء الله. وإذا كان جميع ما وصفنا حراما، فقد ظهر أن تودد المرأة إلى الرجل الذي لا تحل له وإدخاله عليها/ والجمع بينهما على الحرام حرام، جميع ذلك من باب الإعانة على الإثم والعدوان، والله ﷿ يقول:﴾ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله إن الله شديد العقاب ﴿.
وقد تقدم ذكر هذه الآية في باب مفرد، وبالله التوفيق.
[ ٣ / ٤١ ]