وهو باب في حسن الخلق
ودخل في هذا كظم الغيظ ولين الجانب والتواضع. ومعنى حسن الخلق: سلامة النفس نحو الأرضي الأحمدي من الفعال. وقد يكون ذلك في ذات الله تعالى، وقد يكون فيما بين الله وهو في ذات الله ﷿ أن يكون العبد منشرح الصدر بأوامر الله ونواهيه يفعل ما فرض الله طيب النفس سلسًا نحوه. وينتهي عما حرم عليه واسعًا به غير متضجر منه ويرغب في نوافل الخير، ويترك كثيرًا من المباح لوجه الله تعالى إذا رأى أن تركه إلى العبودة من فعله متبشرًا لذلك غير ضجر منه ولا متعسر. وهو في المعاملات بين الناس أن يكون سمحًا بحقوقه لا يطالب غيره بها ويوفي ما يجب لغيره عليه منها.
فإن مرض فلم يعد، أو قدم من سفر فلم يزر، أو سلم فلم يرد عليه، أو ضاف فلم يكرم، أو يشفع فلم يجب، أو أحسن فلم يشكر، أو دخل على قوم فلم يمكن له، أو يتكلم فلم ينصت له، أو استأذن على صديق فلم يؤذن له، أو خطب فلم يزوج، أو استمهل الدين فلم يمهل، أو استنقض منه فلم ينقض، وما أشبه ذلك. فلم يغضب، ولم يعاقب ولم يتنكر من حاله حال، ولم يستشعر في نفسه أنه قد جفى وأوحش، وأنه يقابل كل ذلك إذا وجد السبيل إليه بمثله، بل يضمر أنه لا يعتد بشيء من ذلك. ويقابل كلامه بما هو أحسن وأفضل وأقرب إلى البر والتقوى، وأشبه بما يحمد ويرضى. ثم يكون في اتقاء ما يكون عليه كهو في حظه ما يكون له. فإذا مرض أخوه المسلم عاده، وإن جاءه في شفاعة شفعه، وإن استمهله لقضاء دين أمهله، وإن احتاج منه إلى معاونة أعانه، وإن استسمحه في بيع سمح له، ولا ينظر إلى الذي يعامله كيف كانت معاملته إياه فيما خلا، أو كيف يقابل الناس، إما يتخذ الأحسن إمامًا لنفسه فينحو نحوه ولا يخالفه. قال رسول الله ﷺ
[ ٣ / ٢٥٧ ]
(أكمل الناس إيمانًا أحسنهم خلقًا). وقال: (رحم الله عبدًا سمحًا، إذا باع سمحًا، وإذا اشترى سمحًا وإذا اقتضى سمحًا). وعن عائشة ﵂ أنها قالت: ما أحد أحسن خلقًا من رسول الله ﷺ، ما دعاه أحد من أهل بيته، ولا أحد من أصحابه إلا قال له: لبيك ولذلك أنزل الله ﷿: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾. وعن رسول الله ﷺ: (إن أفضل ما يوضع في الميزان يوم القيامة الخلق الحسن). وعنه ﷺ: (أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا). وروى أن رسول الله ﷺ لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا وكان يقول: (إن خياركم أحاسنكم أخلاقًا). وعنه ﷺ: (يا أبا ذر، ألا أدلك على خصلتين هما أخف على الظهر وأثقل في الميزان من غيرهما! قال: بلى يا رسول الله. قال: عليك بحسن الخلق وطول الصمت فوالذي نفسي بيده ما عمل الخلائق مثلهما).
وسأل النواس بن سمعان رسول الله ﷺ عن البر والإثم، قال: (البر حسن الخلق، والإثم ما حل في نفسك وكرهت أن تطلع عليه الناس). وروى في حديث آخر: (الإثم ما حاك في صدرك وإن قال الناس عنه وافتروا). وفي حديث عبد الله: (الإثم حوار القلوب) أي ما حل في الصدور. وإن رسول الله ﷺ كان عرف نفاق ابن أبي سلول، ولقي فيه من الخلاف له والتخذيل عنه يوم (أحد) ما لقي. فلما مات جاءه ابنه، فقال: يا رسول الله أعطني قميصك أكفنه فيه. فنزع رسول الله ﷺ قميصه فأعضاه إياه. إنما توخيا لمسرة ابنه إذ كان مسلمًا وتأسيًا لحق أبيه.
[ ٣ / ٢٥٨ ]
وعنه ﷺ أنه قال: (ما مشي يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق فإن صاحب حسن الخلق بلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة) وقال عبد الله بن المبارك حسن الخلق بسط الوجه وبذل المعروف وكف الأذى.
وقال رجل: يا رسول الله، الرجل أمر به فلا يقربني ولا يضيفني، فيمر بي فأجزيه قال: (لا أقره). وقال رسول الله ﷺ: (لا تكونوا إمعة تقولن، إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا نفوسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا). وعنه ﷺ أنه قال: (أن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا أحاسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون.
قالوا: يا رسول الله، قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فمن المتفيقهون، قال: المتكبرون).
ومن هذا الباب أن يكون طلق الوجه بش اللقاء يدرك البشر لمن يلقاه، ولا يعرض وجهه عمن جفاه. قال رسول الله ﷺ: (لا تسعون الناس بأموالكم، ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق). وإذا استوقفه صاحب حاجة وقف. وإذا رأى أخًا له حرص على أن يكون هو البادئ بالسلام، وإن صافحه لم ينزع يده حتى يكون الاخر هو الذي ينزعها منه إذا علم أنه متكبر أو متنزل فصافحته.
وروى عن أنس ﵁ أنه قال: ما رأيت أحدًا التقم إذن عن رسول الله ﷺ فينحى رأسه حتى يكون هو الذي ينحى رأسه- يعني الرجل- وما رأيت رسول الله ﷺ أخذ يد رجل فنزل يده، حتى يكون الرجل هو الذي ينزع يده. وإذا استأذن أخ له عليه، لم يحجبه من غير عذر ولا أطال الباب حبسه. وإذا دخل عليه في غير وقت، ثم تطير الكراهة له. وإن طال الجلوس لم يظهر التضجر منه. وإذا دعي إلى الطعام وإن خف أجاب، وإن أهدى إليه شيء وإن نزر قبل إذا علم أن المهدي يسره أن يقبل
[ ٣ / ٢٥٩ ]
ويسره أن يرده. قال النبي ﷺ: (لو دعيت إلى ذراع لأجبت، ولو أهدى إلي كراع لقبلت).
وإن جهل عليه جاهل تجافى عنه لم يقابله. قيل في قول الله ﷿: ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا﴾. معناه: قالوا قولًا سالمًا من العيب ولم يقابلوا الجهل بالجهل. وقال ﷿: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾. وقد ذكرنا أنه جاء في تفسيره: صل من قطعك وأعط من حرمك واعف عمن ظلمك. وهذه مكارم الأخلاق. والخلق الكريم هو الحسن الذي ينفع صاحبه بأن يعود عليه بالحمد وينفع غيره منه بأن يزهق به. والخلق الحسن قد يكون غريزة وقد يكون مكتسبًا، وإنما يصح اكتسابه لمن كان في غريزته أصل منه فهو يضم باكتسابه إليه ما يضمه. ومعلوم في العادات أن ذا الرأي يزداد بمجالسه الصلحاء صلاحًا، والعامل يزداد بجالسة العقلاء عقلًا. فلا يمكن أن يكون ذو الخلق الجميل يزداد حسن الخلق بمجالسة أولي الأخلاق الحسنة. ثم ينظر في أمره، فإن كان ما اكتسبه قد علق بنفسه ورسخ في قلبه جرى ذلك مجرى الغريزي، وإن كلما عرض له أمرًا يحتاج إليه حسن المحلق لم يتأت ذلك منه إلا بالشكر أو نفسه، قيل له: متخلق. وكان معناه مرضيًا ونفسه غير محمودة حمد النفس التي تطوع بالبر والإحسان وبالله التوفيق.
ومن فروع هذا الباب لين الجانب والتواضع وترك الزهو والصلف والخيلاء والفخر والتمدح. وجاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: (جاء أهل اليمن هم أرق إفادة، وألين قلوبًا، والإيمان يمان والحكمة يمانية، والسكينة في أهل الغنم، الفخر والخيلاء في القراد من أهل الوبر قبل مطلع الشمس). وعنه أنه قال: (ليس الشديد الصرعة: قالوا: وما الشديد يا رسول الله، قال: الذي يملك نفسه عند الغضب). وعنه أنه قال: (المسلمون هينون لينون كالجمل الأنف، إن قيد انقاد وأن أنيخ على هجرة استناخ).
[ ٣ / ٢٦٠ ]
للأنف الذي عقره الخطام، فهو لا يمتنع من قائد اللوح الذي بيده. قال: خير بن مطعم يقول: آن في النية، وقد ركبت الحمار واعتدلت الشاة، ولبست الشملة. فقد قال رسول الله ﷺ: (من فعل هذا فليس فيه شيء من الكبر). واصل التواضع ما كان في العبد لله ﷿ وهو الخضوع والخشوع والانقياد لأوامره ونواهيه بالقبول أولًا، وتقبل الطاعة له فيها كلها عالمًا بوجوب تلك الطاعة، وقصدًا فيها إلى القيام بالواجب ثم الفعل لما امر به والكف عما نهى عنه، وكل من أطاع الله ﷿، وهو غير مستشعر في نفسه إبداء ما يطيعه، لأن طاعته واجبة عليه ولازمة له، وكان عنده أنه ليس يطيعه إلا لنيله فليس بمطيع. إنما المطيع من تكون الرغبة في الثواب من زوائد قصده في الطاعة، لا من يكون ذلك علمه طاعة وسببًا، ومهما أخلص الطاعة لعلمه بوجوبها، فقد خضع وخشع وقد مضى ذكر الخشوع في باب الرجاء والخوف وذكرنا ما يتصل منه بأمر إبليس على وجه سوى ما عليه العامة. لأن المستبق بين الناس إن كفر إبليس إنما كان من قبل استكباره على الله ﷿ بأن لم يطعه في السجود لآدم، ويحتجون بقول الله ﷿ ﴿إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين﴾ وقوله ﷿: ﴿فما يكون لك أن تتكبر فيها، فأخرج إنك من الصاغرين﴾. ونقول: إبليس إنما استكبر على آدم ﷺ، لم يكن يمتنع من السجود لله ﷿ بترك السجود لآدم، والتكبر على الأنبياء ﵈. فإن كان كفر. فليس عند هذا المحتج بيان أن آدم في ذلك الوقت كان قد أكرم بالنبوة فيهم بذلك احتجاجه، فلم يكن استكبار إبليس على الله أن لا يسجد لآدم إنما كان استكباره على الله ﷿ بأن ظلم الله تعالى وسفهه وأضاف إليه أنه يضع الأمر غير موضعه، فيقول له: اسجد لآدم، وهو خير منه، لأن يسجد آدم له أولى من أن يسجد لآدم. فكان هنا علة كفره، والله أعلم.
فأما ما يدل على أن الخضوع لله من أركان الإيمان فهو أن الخضوع إنما يقتضي عن العلم بالحاجة إليه، وإن عنده ما به الحاجة، وإنه مالكه، والآمر فيه إليه إن شاء أعطى وإن شاء منع. فلما كان اعتقاده هذه المعاني كلها إيمانًا، كان ما ينشأ عنها من الذلة لله ﷿
[ ٣ / ٢٦١ ]
إيمانًا، لأنه لا ينشأ عن الإيمان ما ليس بإيمان. فقد يجوز أن يقال إنما كان الخضوع لله ﷿ إيمانًا، لأن ضده وهو الاستكبار عليه كفر، فإن هذا أصل ثابت، وإن لم يعتقد أصله نقضه إبليس. وما كان كفرًا كان خلافه إيمانًا.
فإن قيل: إن قتل النبي كفر، أتقولون أن تركه حيًا إيمان قيل: ولا حيا من طريق الجري على العادة في ترك الناس أحياء لا يتعرض لهم ليس بعادة. ولكن لو خطر بالقلب أنه لو فعله لكان له عند أعدائه جاه أو من أموالهم حظ، فلم يكن ذلك الحاصل من نفسه وترك أن يقتله لله ﷿، ومحافظة على حق النبي ﷺ، وما يلزمه من حبه وتعظيمه كان ذلك منه إيمانًا.
ومعلوم أن القتل لا يقع من القليل عادة، وإنما يقع عن قصد يدعوه إليه، فكما أن إمضاء القصد الدافع إلى القتل لأجل سنة الداعي إليه كان كفرًا عندنا، فقد قلنا أن تركه ردًا للسبب الداعي إليه، وتقديمًا لما كان أولى منه عليه إيمان. وأما الخشوع فإنما ينشأ عن العلم بالقهر والسلطان، وأنه إن أراد بالعبد سوءًا لم يمنعه عنه مانع، فهو أيضًا إيمان، لأن العلم بما ذكرنا إيمان، والقرآن بين الخضوع والخشوع، وأن الخضوع من معاني الرغبة، والخشوع من معاني الرهبة وبالله التوفيق.
ومن التواضع أن رسول الله ﷺ كان يجيب العبد يعود المريض، ويركب الحمار. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كان الأنبياء صلوات الله عليهم يركبون الحمر، ويلبسون الصوف ويحلبون الغنم، وفي باب التكبر التفاخر بلا حساب، قال النبي ﷺ: (كلكم بنو آدم خلق الصاع ثم ملأه، ليس لأحد على أحد فضل إلا بالتقوى، ولا تسابوا، إنما السبة أن يكون الرجل فاحشًا بذيئًا جبانًا). وقال عمر بن الخطاب ﵁: حسب المرء نبته ومرونة خلقه وأصل عقله.
ومن الكبر قال رسول الله ﷺ: (إن أنجع الأسماء عند الله أن يتسمى الرجل باسم ملك الأملاك) أي الأمثل والأكثر النجاع. ومنه ما جاء في النهي عن التنجع وهو
[ ٣ / ٢٦٢ ]
أن يجوز بالذبح إلى النجاع، وفي التواضع وذم الكبر قال رسول الله ﷺ: (من فارق منه الروح الجسد وهو براء من ثلاث دخل الجنة: الكبر والغلول والدين) ومن هذا الباب قال: أتى النبي ﷺ عبد الله بن رواحة أو غيره من أصحابه بغرفة، فما تجوز له عن فراشة لأن السنة أن الرجل أحق بظهر دابته وصدر فراشه.
فأما التواضع عن الناس بعضهم لبعض، فإنه أعظم المقصود من هذا الباب. قال الله ﷿ لنبيه ﷺ: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾. وقال الله تعالى: ﴿ولا تمش في الأرض مرحًا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولًا﴾.
وقال فيما حكاه من حكمة لقمان أنه قال لابنه وهو يعظه: ﴿ولا تصغر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا، إن الله لا يحب كل مختال فخور. واقصد في مشيك واغضض من صوتك، إن أنكر الأصوات لصوت الحمير﴾.
وقال في غير هذه السورة: ﴿إن الله لا يحب من كان مختالًا فخورًا﴾. وقال: ﴿أليس في جهنم مثوى للمتكبرين﴾. وقال لنبيه ﷺ: ﴿واخفض جناحك لمن تبعك من المؤمنين﴾. وجاء عن النبي ﷺ: (من تواضع لله رفعه الله). وجاء (بينما رجل يمشي إذ أعجبته نفسه خيلاء فأخذته الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة).
وجاء أنه ﷺ قال: (البذاذة من الإيمان) يعني رثاثة الكسوة. وأنه قال:
[ ٣ / ٢٦٣ ]
(إن الله لا ينظر إلى من جر ثوبه خيلاء). وقال ﷿: ﴿إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه، فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير﴾. وقال ﴿سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق، وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرش لا يتخذوه سبيلا، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا﴾. وقال ﴿قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون مستكبرين به، سامرًا تهجرون﴾. وقال: ﴿وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين﴾. وقال: ﴿إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعًا﴾ وقال: الملأ الذين استكبروا من قومه، وهو يريد الذين لم يؤمنوا. وقال الملأ من قومه الذين استضعفوا، وهو يريد الذين آمنوا بجميع ما ذكرنا. إن العظيم والتجبر والاستطالة على الناس. والترفع عليهم والمباينة لهم في المجلس والمأكل والمشرب استصغارًا لهم، وإمالة الوجوه عليهم حطًا بهم، والإمساك عن جوابهم استقلالا لهم، ورفع الصوت عليهم، والتزين على أعينهم اشرًا وبطرًا، والتقدم عليهم مرحًا واشرًا، وترك الإصغاء إلى ما يقال، أو التدبر لما وقع منه في السمع من حجة تقام أو وعظ يراد أو نصح يؤثر، أو عذر يقرر أو الإمساك عن الجواب، والترفع عن السلام أو رده، وعن تشمت العاطس، وتعزية المصاب، وإجابة الدعوة، وحضور مجلس العالم، والإزراء بمن قل حظه من الدنيا أو أخذ الكبر والهرم والاستهزاء بأصحاب القلوب السليمة والغافلين عن الشرور واستحقارًا لهم. والمرافعة بالدين استضعافًا لصاحبه، والمزاحمة في العين استخفافًا لمالكه، فكل ذلك حرام قبيح مذموم، وجزاؤه على الله تعالى، إذ لو عرف أن ذلك من الله لم يتبرح بأمر ليس إليه منه شيء.
[ ٣ / ٢٦٤ ]
وإنما بتدبير غيره. ولو شاء أن يقلب القضاء فيحول الحسن إلى صاحبه والسوء إليه لفعل ولم يمنعه عنه مانع. قال الله ﷿: ﴿واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب، وحففناهما بنخل، وجعلنا بينهما زرعًا﴾ إلى آخر القصة. فأبان ﷿ في هذه القصة بهذا المثل الذي ضربه أنه لا يرضى من عبده بالبدع والاحتيال والتعظيم بما أتاه على لم يؤته مثله، فإن من عقوبة من فعل ذلك عنده أن يسلبه النعمة، ورده إلى الحال السيئة وإن سيئته كانت في الذين استضعفوا أنبياءه ﵈ لقلة أموالهم وأتباعهم وأروه من خلاف ذلك لأنفسهم، وتكبروا عن الإصغاء إلى آيات الله ﷿، وأعرضوا عنهم، ولم يتأملوا ما جاء برأيه، ولم يتدبروه، إن جزاءهم بذلك التكبر الطبع على قلوبهم وإحلال العقوبة بهم على ما كان يليق بأحوالهم.
كما قال ﷿: ﴿فكلا أخذنا بذنبه، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبًا، ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من خسفنا به الأرض، ومنهم من أغرقنا﴾. فدل ذلك على أن إحدى الخصال بأن يكون مذمومًا وصاحبه عليه ملومًا، هو العجب والكبر والزهو والصلف. كان إذا غلب على القلب وتسلط على النفس وبلغ بصاحبه، فعرض عن آيات الله فلا يسمعها، وعن أوامره ونواهيه فلا يقبلها. وما كان مؤديًا إلى هذا الفساد، فالكف عنه وردع النفس بما يدعوه إليه منه من أوجب الأمر وألزم الفروض، وبالله التوفيق.
هذا وقد علم أن الناس لابد لبعضهم من بعض، من فظ وزهاء وتكبر، وغناء، لم يستطع كل واحد أن يقاربه أو يكلمه، لأن تعاطيه وغلطته تنفر عنه، ويبقى ما يكون في النفس من حاجة إليه غير معصية، وفي ذلك على صاحبه ضرر، واللين بالرفق به وآمنه كل أحد ويطمع في خيره من قرب أو بعيد تقضي به الحاجات، وتزاح به العلل، وتكفي المهمات وفي ذلك خير ونفع. والفظ مانع إخوانه حظوظهم منه. والسمح أذلها لها وموفرها عليهم. وسيان ما يمانع الخير وما ذله والآتي للخير والعافي به، وبالله التوفيق.
[ ٣ / ٢٦٥ ]