وهو باب في أن يحب الرجل لأخيه ما يحب لنفسه ويكره لأخيه ما يكره لنفسه
ويدخل فيه إماطة الأذى عن الطريق. قال رسول الله ﷺ: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده). وقال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). فلا ينبغي لمسلم أن يتمنى بقلبه لأخيه المسلم من الشر ما يكرهه لنفسه أو يكره له من الخير ما يتمناه ويحبه لنفسه. وإذا عرضت لجماعة من المسلمين بلية، فلا ينبغي لأحدهم أن يتشبث إلى الخلاص لنفسه بإسلام الآخرين والإغراء بهم بل ينظر لهم لما ينظر لنفسه. فإن عجز نظر لنفسه من حيث لا يضر بهم. قال رسول الله ﷺ: (مثل المسلمين في تراحمهم وتواصلهم كمثل الجسد إذا اشتكى بعضه تداعى سائره بالسهر والحمى). فكذلك ينبغي أن يكونوا، فلم لا يجب أحد لإحدى يديه إلا ما يجب للأخرى. ولا لإحدى عينيه أو رجليه أو أذنيه أو شفتيه إلا ما يحب للأخرى. فكذلك ينبغي له أن لا يحب لأخيه المسلم إلا ما يحب لنفسه. فإن كان في البلد قتال، وجور أو نهب، وأي بلاء كان، فسلم منه سالم، فذكر له: إن أخًا من إخوانه من المسلمين بلي به، فقال: الحمد لله. فهذا على وجهين: إن أراد حمد الله تعالى على أن أصاب أخاه البلاء فقط، أخطأ وجهل. وإن حمد الله تعالى على أن يصيبهما معًا إن كان مصيبًا، وسلمت له نفسه، أو سلم له ماله، فهذا صلح. كرجل يصيب إحدى عينيه أو يديه بلاء، فيحمد الله على إن لم يصبهما معًا، لكن سلمت له إحدى يديه. وإن حمد الله على سلامة نفسه على هذا التجريد، فهذا
[ ٣ / ٤١٥ ]
جفاء، لأنه لم يخلط أخاه المسلم في هذا الحد أصلًا وليس الوجه الذي قيل هذا مثله لأنه إذا حمد الله تعالى على أن لا يعمهما بالبلاء، فقد حمد الله على إحسانه إلى المثل بأن لم يعممه به بنفسه، إن عمد بأخيه المبتلى، فأما هذا الوجه الآخر فإنه إغفال من الحامد أو غيره أصلًا، فلهذا قلنا أنه جفاء وبالله التوفيق- فصار الوجه المرتضى من الحمد.
كما روى عن عروة بن الزبير﵁- أنه لما قطعت رجله قال: ليهنك لئن كنت ابتليت لقد عافيت، ولئن أخذت لقد أعطيته. وروى أنه تمثل النبات ثم قال: اللهم إن كنت أخذت عضوًا فلقد أبقيت عضوًا، فلك الحمد.
فصل
وكل ما كتب في الباب الذي قبل هذا من وجوب مباعدة الكفار والغلظة عليهم، والقول في مساعدة المسلم أهل دينه بخلافه، وينبغي للمسلم أن يقارب إخوانه من أهل دينه، ويؤالفهم ويوادهم ويتحبب غليهم بكل ما يمكنه، ويبرهم ويصلهم، ولا يؤذي أحدًا منهم ولا يخرجه ولا يعتبه، ولا يخاطبه بما يكرهه، مبتدئًا إياه غاصًا به، ولا يلمزه ولا يهمزه، ولا يسخر منه، يضحك، ولا يضحك غيره منه، ولا يغتابه ولا يرضى من أحد أن يغتابه عنده، ولا يفشي له سرًا يكره أن يوقف عليه، ولا يتبع له عورة، ولا ينبزه بلقب، ولا يجانب له عبدًا ولا جارية ولا امرأة، ولا يفسد عليه حالًا صالحًا قد رضيها لنفسه، وسكن إليها قلبه، ولا يغير عليه قلب سلطن، ولا قلب من يضره بغير قلبه له. قال الله ﷿: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا﴾. وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرًا منهم، ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرًا منهن، ولا تلمزوا أنفسكم﴾ يعني لا يلمز بعضكم بعضًا، ولا تنابزوا بالألقاب. وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن، إن بعض الظن إثم، ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضًا﴾ ثم ضرب للغيبة مثلًا ينكرها به إلى قلوب المؤمنين، فقال: ﴿أيحب
[ ٣ / ٤١٦ ]
أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه﴾ أي فكذلك فاكرهوا الغيبة. ودلت السنة على مثل ذلك. فجاء ما صام من أكل لحوم الناس، يعني الغيبة. ولا ينبغي أن يدخل بيته إلا بإذنه، لأنه لا يؤمن أن يكون فيه على حال لا يحب أن يلقاه عليها أحد.
قال الله جل ثناؤه: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها﴾. وقوله تعالى: ﴿فإن لم تجدوا فيها أحدًا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم، وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى﴾ وهذا كله لأن كل واحد إذا كان يكره أن يدخل عليه بيته بغير إذنه، وأن يغتاب أو يتبع عوراته، أو يصاب منه شيء مما تقدم ذكره، وكانت طلوع الناس في هذه الأمور متفقة، وجب أن يعلم أن غيره يكره لنفسه، فلا ينبغي أن يقصده بشيء منها فيكون قد ساءه، وفرق بينه وبين نفسه، وإنما شرط الدين الذي يجمعهما بأن ينزله منزلة نفسه. وينبغي للمسلم إذا دعا لنفسه بالمغفرة أو العافية، أو بسعة الرزق أو بدوام النعمة أن يدخل معه إخوانه المؤمنين في دعائه، ولا خص نفسه بالدعاء.
فقد جاء عن النبي ﷺ، وقد أخبر الله ﷿ الملائكة أنهم يدعون لمن في الأرض فقال: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم، ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلمًا، فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم. ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم. وقهم السيئات. ومن تق السيئات يومئذ فق رحمته، وذلك هو الفوز العظيم﴾.
فإذا كانت الملائكة وليسوا من جنس البشر يرعون للبشر حق الإيمان الذي يجمعهم وإياهم فيستغفرون للمؤمنين، ويسألون الله تعالى لهم الخير. فالبشر لأن يرعى بعضهم لبعض حق الإيمان الجامع لهم دعاء ومسالة واستغفار أولى وأحق والله أعلم.
ولا ينبغي إذا خلف المسافر طريقًا فيه لصوص واستقبله قوم يريدون ذلك الطريق
[ ٣ / ٤١٧ ]
أن لا يسكت عنهم ويخبرهم ما عنده ليحترز أو يرجعوا أو يجوزوا. وهكذا من عرف في طعام أو شراب غائلة، فلا ينبغي أن يسكت عن مسلم يريده ويعلمه ما عنده ليدعه. وإن علم في بيت أو منزل من منازل السفر، هو أما قاتله أو مضره، ورأى مسلمًا يريد نزوله فلا ينبغي له أن لا يخليه بماله ليتوقى، أو يعدل عنه إلى حيث لا يخش فيه على نفسه.
ويدخل في هذا، ولا يلتحق من كل وجه به أن من رأى مسلمًا ينام وقد دخل عليه وقت الصلاة وهو لا يشعر به، فينبغي له أن يعلمه بالوقت لم يخرج، لأن الصلاة لا تفوته بالنوم، ويمكنه قضاؤها إذا تنبه. ولكن لو رآه يتوضأ بما نجس وهو لا يعلم نجاسته، فينبغي له أن يعلمه، لأن صلاته لا تجوز مع النجاسة، ولا يرتفع حدثه بالماء النجس، فإن لم يعلمه فلقد خانه، ولم ينزله منزلة نفسه. وإن رآه يقتدي بإمام غير طاهر فيعلمه، لأن الاحتياط له في ذلك، فإن الصلاة خلفة مختلف فيها، فإن لم يفعل فلم يخنه في قول من غير صلاته إذا لم يعلم حدث أمامه. وقد خانه في قول من لا يخبر صلاته والله أعلم.
فصل
ومما يدخل في هذا الباب ما جاء عن رسول الله ﷺ من قوله (لا يبع أحدك على بيع أخيه. ولا يخطب على خطبة أخيه، ولا يشؤمن أحدكم على شؤم أخيه). وهذا لأن الرجل إذا تقدم واشترى شيئًا ثم جاء غيره فاشتراه من بائعه وقت الخيار آذى بذلك المشتري الأولى وأوحشه. فكما لا يحب أن يعامله أحد بذلك، فكذلك لا ينبغي له أن يعامله به غيره بعد أن يكونا في الحرمة سواء.
وهكذا إذا ساوم فاستقر الأمر بينه وبين البائع على شيء، فجاء آخر فزاد عليه ليكون هو المشتري دون الذي قد تقمه. وهكذا إذا خطب امرأة فأذنت فيه، فأجاب وليها. فجاء آخر خطبها على نفسه فأفسد أمرها على الأول كل ذلك إيذاء وإيحاء شر ومعاملة من الثاني أخاه المسلم بما لا يجب أن يعامله بمثله غيره، وذلك مخالف لشرط الإيمان.
[ ٣ / ٤١٨ ]
وجاء عنه ﷺ أنه نهى عن النخس وهو خديعة، لأن الإشاعة فيمن لا يراد دفعه أو الشراء به، لا يكون إلا للتلبيس على من يريد الشراء، فهو خداع وليس من أخلاق المؤمنين. وفي ذلك رضى للأخ المسلم بما لا يرضاه أحد لنفسه من الوقوع في الغبن والزيادة على ما يساوي السلعة. فكان داخلًا في الجملة التي سبق ذكرها.
وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يحتلبن أحدكم ماشية رجل إلا بإذنه، أو يحب أحدكم أن تؤتى مشربته فينتقل ما فيها، فإنما تخزن ضروع مواشيهم أموالهم). فأعلمهم أن ضرع الماشية إذا كان خزانة للبن الذي فيه، وهو مال لصاحبه، ثم كان أحد لا يحب أن يؤتى خزانته فيكسره ويجهل ما فيها. فكذلك لا ينبغي أن يأتي خزانة أخيه فيأخذ ما فيها ويحمله بغير إذنه وطيبة نفسه. فكيف قد يرضى وحق لأخيه المسلم ما يرضاه لنفسه. وكل هذا يؤكد ما أسس عليه الباب ويدل على صحته: وجملة ما ينبغي أن يحب المرء لأخيه كما يحب لنفسه. ما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: (تبسمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال صدقة، وتبصرك الرجل الرديء البصر صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق صدقة، وإفراغك متاعك من دارك في دار أخيك لك صدقة). وقال ﷺ: (بينما رجل يمشي في طريق إذ وجد غصن شوك فأخره فشكر الله له فغفر له).
وعن رسول الله ﷺ قال: (إن أحدكم مرآة أخيه فإن رأى به أي فليمط عنه).
ومما يدخل هذا الباب ترك الاحتكار، فإن المحتكر يحب لنفسه ما لا يحب لغيره ويكره لنفسه ما لا يكره لغيره. وقد جاء عن رسول الله ﷺ: (الجالب مرزوق والمحتكر ملعون). وعنه ﷺ أنه قال: (لا يحتكر إلا خاطئ) وعن علي
[ ٣ / ٤١٩ ]
﵁ قال: لا يحتكرن فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من جلب طعامًا فلا يبتاعه موسر يحبسه على معسر. ومن جلب فإن شاء باع وإن شاء أمسك). وقال عمر ﵁: من جلب طعامًا فأنا له جار وأنا له ضامن، ويبيع كيف يشاء ولا يبيع سوقيًا محتكرًا. وهذا نحو ما يروى عن الحسن ﵁ أن كان يكره يشتري الرجل الطعام من المصر فيحتكره، ولم يكن يرى بأسًا أن يجلبه من أرض أخرى فيحبسه، وهذا له وجه والله أعلم.
وروى أن المسور بن مخرمة ﵁، احتكر طعامًا كثيرًا فخرج فرأى سحاب الخريف خرج إلى السوق يوزع الطعام فمر الزجاجي ﵁ فقيل له: هذاك المسور احتكر طعامًا وهو يوليه الناس، فقال: أجن؟ فنفذ حتى جاءه فقال: أجننت؟ قال: لا ولكن احتكرت طعامًا فرأيت سحاب الخريف طالعًا، فرأيت أبي فذكرت ما ينفع المسلمين، فأرت أن لا أربح فيه. فقال: جزاك الله خيرًا، أو نحو هذا.
وروى عن سعيد بن المسيب ﵁ أنه كان يشتري الزيت والنوى والعجم والحنطة. وهذا يدل على أنه لم يكن يرى الاحتكار حرامًا إلا في الأقوات العامة. ويدل على صحة هذا الباب ما روي أن نفرًا من تيم خرجوا في بعض الأرضين فعطشوا فسمعوا مناديًا ينادي أن رسول الله ﷺ حدثنا (إن المسلم أخو المسلم وغير المسلم، وإن غديرًا في مكان كذا وكذا. فعدلوا إليه فشربوا واستقوا). ومن هذا الباب أيضًا أنه لا يفرق من الوالدة وولدها، فإنه لا يجب أن يفرق بينه وبين والده.
والأصل في هذا ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من فرق بين الوالدة وولدها في البيع، فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة). هذا حديث ينذر بعذاب شديد، لأنه لا يليق أن يكون المراد بالتفريق بينه وبين أحبته، إنه يفرق بينهم في مساكن الجنة. لأن التفريق إذا كان عذابًا، فأهل الجنة لا يكونوا معذبين. ولا يليق أن يكون
[ ٣ / ٤٢٠ ]
المراد به التفريق في الموقف والحساب، فإنه ذلك ليس بموضع لاستيئاس الأحبة بعضهم ببعض، وإنما هو تفرقة المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ﴿لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه﴾. فلم يبق أن يكون هذا التفريق إلا أن أحبته يصارون إلى الجنة، وهو إلى النار. ولولا تفريقه بين الوالدة وولدها لكان معهم.
فإن قيل: فأولئك الأحبة لا ينالون بالتفريق بينه وبينهم. قيل: لا، لأن التألم عذاب، ولا عذاب عليهم.
ومن هذا الباب أن رجلًا أتى النبي ﷺ، فقال: أحل لي الزنا، فقال: (أتحب أن يفعل ذلك بابنتك وأختك؟ قال: لا. قال: فإن الأقوام يكرهون ذلك كما تكره. قال: فادع الله أن يذهب عن شهوة النساء، فدعا له)، فلم يكن يلتفت إلى النساء.
ومن هذا الباب إماطة الأذى عن الطريق، قال رسول الله ﷺ: (حوسب رجل ممن كان قبلكم، فلم يوجد له من الخير إلا غصن شوكة كان على الطريق يؤذي الناس فرفعه، فغفر له).
وعنه ﷺ أن رجلًا قطع شجرة كانت على الطريق تؤذي الناس قال: (فلقد رأيته في طلعها في الجنة). وعنه ﷺ: (لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها، ولكن اقتلوا منها كل أسود بهيم).
ومما يدخل في هذا الباب أن واحدًا إذا أبصر من نفس أحد وولده أو ماله ما يعجبه لم يعجب منه مادحًا له. ولكن بسم الله تعالى عليه ويترك، لئلا يمسه من عينه أذى، لأن العين حق. جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن العين لتدخل الرجل القبر، والحمل القدر).
[ ٣ / ٤٢١ ]
وروي أن عامر بن ربيعة رأى سهل بن حنيف يغتسل، فقال: ما رأيت كاليوم، فلبط به حتى ما يعقل من شدة الوقع، فقال رسول الله ﷺ: (هل تتهمون أحدًا؟ قالوا: نعم، عامر بن ربيعة، وأخبروه بقوله، فأمره رسول الله ﷺ أن يغسل له، ففعل، فراح مع الركب)، قال الزهري ﵁: يؤتى الرجل الغابن بقدح، فيدخل كفه فيه، فيمضض ثم يمجه في القدح، ثم يغسل وجهه في القدح ثم يدخل يده اليسرى، فيصب على مرفقه الأيمن ثمن يدخل يده اليمنى فيصب على قدمه اليسرى. ثم يدخل يده اليسرى فيصب على ركبته اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى، فيصب على ركبته اليسرى، ثم يغسل داخله إزاره، ولا يوضع القدح بالأرض، ثم يصب على رأس الذي أصيب بالعين من خلفه صبة واحدة.
قال أبو عبيدة ﵁: معنى داخلة إزاره أي طرف إزاره الذي يلي جسده، وهو يلي جانب الأيمن، لأن المؤتزر يبدأ بجانبه الأيمن إذا أتزر. فكذلك الطرف يباشر جسده فهو الذي يغسل.
وروى في هذا الحديث أن النبي ﷺ، أنكر قول عامر، وقال: (علام يقبل أحدكم أخاه إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه فليتبرك عليه).
وروى أن سعد بن أبي وقاص ﵁، ركب يومًا فنظرت إليه امرأة فقالت: إن أميركم هذا ليعلم أنه أهضم الكشحين، فرجع إلى منزله فسقط، فبلغه ما قالت المرأة، فأرسل إليها فغسلت له. وقالت أسماء بنت عميس: يا رسول الله: إن بني جعفر تسرع إليهم العين، فاستوقي لهم. قال: (نعم، لو كان شيء يسبق القدر، لسبقت العين).
وكان النبي ﷺ يعود ابنه الحسن والحسين ﵄: (أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، وكل عين لامة).
[ ٣ / ٤٢٢ ]
ويذكر أن إبراهيم صلوات الله عليه كان يعوذ بهما ابنيه إسماعيل وإسحق ﵉ وقيل لرسول الله ﷺ: أرأيت رقى تسترقيها، ودواء تتداوى به، وتقى تتقيه، هل ترد من قدر الله شيء؟ فقال رسول الله ﷺ: (إنه من قدر الله).
ومما يدخل في هذا الباب، إحسان قضاء الدين. فينبغي لمن كان عليه دين أن يحسن قضاءه، لأنه يجب أن يسحن قضاء دينه. قال سويد بن قيس﵁-: جلبت أنا ومخرمة بن العبدي برًا من هجر، فجاءنا النبي ﷺ فساومنا سراويل، وعندنا وزان يزن بالأجر، فقال النبي ﷺ للوزان: (زن وارجح).
وعن جابر ﵁ قال: كان لي على النبي ﷺ دينًا فقضاني وزادني. وقال إسماعيل بن أبي خالد عن أبيه: كان لي على الحسن بن علي ﵁ دينًا فأتيته أتقاضاه، فوجدته قد خرج من الحمام، وقد أثر الحناء في أظفاره، وجارية له تحت الخباء، فدعا بقعب فيه دراهم، فقال: خذ هذا. فقلت: هذا أكثر من حق. فقال: خذه، فوجدته يزيد على حقي ستين أو سبعين.
وكان ابن عمر ﵄ يستقرض فإذا خرج عطاؤه أعطاه خيرًا منها. وعنه ﷺ أنه استقرض من رجل شعيرًا فقضاه، ثم زاده فقال الرجل: زدتني على حقي. فقال: (الزيادة هبة منا لك).
واستلف رسول الله ﷺ من رجل بكذا. فجاءته ابل من ابل الصدقة قال أبو رافع: فأمرني رسول الله ﷺ أن أقضي الرجل بكرة. فقلت: لم أجد في الإبل إلا جملًا واحدًا رباعيًا خيارًا، فقال رسول الله ﷺ: (أعطه إياه، فإن خير الناس أحسنهم قضاءا).
ومن هذا الباب انظار المعسر، قال رسول الله ﷺ: (من أنظر معسرًا أو رضخ له، أظله الله في ظل عرشه). وقال رسول الله ﷺ: (حوسب رجل ممن كان قبلكم، فلم
[ ٣ / ٤٢٣ ]
يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان رجلًا خالط الناس، يقول العلماء به: تجاوزوا عن المعسر، فيقول الله تعالى لملائكته: ﴿ونحن أحق بالملك منه﴾ فتجاوزوا عنه).
ومن هذا الباب أيضًا أن لا يلح على المدين قال رسول الله ﷺ: (من كان له على أخيه دين، فإنه يجري له صدقة ما لم يأخذه). وقال رسول الله ﷺ: (رحم الله رجلًا سمح البيع، سمح القضاء، سمح التقاضي) ومن ذلك سهولة البيع.
جاء عن النبي ﷺ أنه مر بأعرابي يبيع شيئًا، فقال: (عليك بأول السومة، أو بأول السوم، فإن الرباح بيع السماح).
والحمد لله وحده، وصلواته على خير خلقه.
آخر الكتاب
والحمد لله وحده، والحمد لله على ما أعطى وتصدق ووهب ومنح، وله الشكر على نعمه السابغة، وأياديه بأفضاله المتتابعة، ورحمته الهامعة.
وكان الفراغ من نسخه في العشر الأخير من شهر شعبان سنة ست وأربعين وسبعمائة نفع الله ببركته مؤلفه، ومن أمر بكتابته ونسخه، ومن قرأه وطالعه ومن سمعه ومن نسخه، واجتهد في كتابته، وطول روحه عليه، وغفر لهم الذنوب السالفة أجمعين.
والحمد لله رب العالمين، وصلواته وتحياته وبركاته على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. آمين، آمين، آمين. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
[ ٣ / ٤٢٤ ]
الكشافات
توطئة:
حتى يسهل الرجوع إلى الكتاب وحتى نكشف عن خباياه، كان لابد من تنظيم عدة كشافات متنوعة. فكان الأول منها كشاف الموضوعات، وهو عبارة عن معجم للمصطلحات التي وردت في كتاب "المنهاج" وقد حرصت أن أدون رؤوس الموضوعات الرئيسية مع الإشارة إلى الصفحة التي بدأ الحليمي يناقش فيها هذا المصطلح. وهذا يعني أن رقم الصفحة لا يدل على أن الموضوع ورد فيها فقط وإنما يدل على بداية نقاش هذا الموضوع.
أما الكشاف الثاني فكان كشافًا لأسماء الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في الكتاب، آخذًا بعين الاعتبار عدم ذكر الأسماء التي ذكرت في رواية الأحاديث الشريفة، ويشير رقم الصفحة إزاء الاسم، إلى أن ذاك الشخص قد قال قولًا ما في تلك الصفحة.
والكشاف الثالث خصص لذكر أسماء الله تعالى حتى يسهل الرجوع إلى معانيها، وإن رقم الصفحة يشير إلى الصفحة التي ورد فيها اسم الله تعالى.
والكشاف الرابع هو كشاف لآيات القرآن الكريم وهو حصر شامل لجميع الآيات التي وردت في كتاب المنهاج، وقد ذكرت الكلمات الثلاث الأولى من كل آية، ورتبت هجائيًا حسب أوائل الحروف من الكلمة الأولى من الآية الواحدة.
والكشاف الأخير كان للأحاديث النبوية الشريفة، وهو يشير إلى مكان وجود كل حديث، وإن رقم الصفحة يدل على مكان وروده. وقد رتب كسابقه ترتيبًا هجائيًا حسب حروف الكلمة الأولى من الحديث.
[ ٣ / ٤٢٥ ]
وقد راعيت عند ترتيب هذه الكشافات القواعد التالية:
١ - رتبت جميع الكشافات ترتيبًا هجائيًا حسب أسبقية الحروف الهجائية: أ، ب، ت، ث الخ.
٢ - أهملت جميع حروف العطف إذا وقعت في أول الكلام ما عدا كلمة (ثم) فقد اعتبرت كأي كلمة أخرى، مع اعتبار حروف العطف التي تقع في وسط الجملة.
٣ - أهملت أل التعريف إذا وقعت في أول الكلام واعتبرت إذا وقعت في وسط الجملة.
٤ - الكلمات: أب، ابن، ذو، اعتبرت أينما وجدت كما هي.
٥ - اعتبرت الهمزة دائمًا وأبدًا أنه أول حرف في الحروف الهجائية. ولكن الهمزة التي تأتي على ياء أو واو فقد اعتبرت مع حرف الياء أو الواو.
٦ - التاء المربوطة هي حرف تاء أينما وجدت إلا إذا كانت هاء سكت، فإنها تعتبر حرف (هـ).
٧ - استخدم في تنظيم الكشافات نظام الترتيب المعروف بكلمة "كلمة" Word by Word وليس حرفًا حرفًا، وهو نظام يراعى فيه عند التنظيم الهجائي الكلمات التي تتشابه في الحروف الواحدة. أي أن الكلمات التي تنتهي بحرفين أو ثلاثة حروف متشابهة تأتي وراء بعضها بعضًا بغض النظر عن الأحرف التي تليها.
[ ٣ / ٤٢٦ ]