وهو باب في إكرام الجار
قال الله ﷿: ﴿وبالوالدين إحسانًا، وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل﴾. فقيل في التفسير: الجار ذا القربى، الجار الملاصق. والجار الجنب البعيد عن الملاصق. والصاحب بالجنب الرفيق في السفر. فقال النبي ﷺ: (ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى خشيت أنه يورثه). وروى (حتى ظننت أنه سيورثه).
وقال ﷺ: (لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه). والنبي ﷺ قال: (لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق. وإذا عملت مرقة فأكثر ماءها واغرف لجيرانك).
وقال ﷺ: (لا يشبع الرجل دون جاره). وقال: (يا نساء المؤمنات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة) ومن هذا الباب إكرام الجليس، قال ابن عباس ﵄: إكرام الناس على جليسي. وقال عمر بن العاص: من إكرام الناس على من جليسي الذي يتخطى الناس إلى سيجبرني وكان لا يرفع ركبتيه عن جليسه، ولا يخص
[ ٣ / ٣٥٥ ]
بوجهه أحد يعطي كل رجل منهم وجهًا. وقال ابن شهاب: كنت مع سعيد بن جبير، فأتاه ناس حتى عظمت الحلقة، فبدا له أن يقوم. فقال: أنكم جلستم إلي، وبدت لي حاجة، أفتأذنون لي أن أقوم إليها؟ قالوا: نعم. قال: ولو كنت أنا الذي جلست إليكم لم أستأذنكم. وروى عنه ﷺ أنه قال: (من أغلب بابه دون جاره مخافة على أهله وماله فليس بمؤمن. وليس بمؤمن من لا يأمن جاره بوائقه. أتدرون ما حق الجار؟ إذا استعانك أعنه، وإذا استقرضك أقرضه، وإذا افتقر تحدث إليه. وإن مرض عدته، وإن مات اتبعت جنازته. وإن أصابه خير هنأته، وإن أصابته مصيبة عزيته، ولا تستطيل عليه بالبناء ولا تحجب عنه الريح إلا بإذنه. وإذا اشتريت فاكهة فاهد له، وإن لم تفعل فأدخلها سرًا ولا تخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده. ولا تؤذه بقتار قدرك، إلا أن تعرف له منها. أتدرون ما حق الجار والذي نفسي بيده، لا يبلغ حق الجار إلا قليل ممن ﵀، فما زال يوصيهم بالجار حتى ظنوا أنه سيورثه).
ثم قال رسول الله ﷺ: (الجيران ثلاثة: منهم من له ثلاثة حقوق ومنهم من له حقان، ومنهم من له حق واحد. فأما الذي له ثلاثة حقوق، فالجار المسلم القريب، حق الجوار وحق الإسلام وحق القرابة. وأما الذي له حقان، فالجار المسلم له حق الجوار وحق الإسلام. وأما الذي له حق واحد، فالجار الكافر له حق الجوار. قالوا: يا رسول الله، أتطعمهم من لحوم النسك؟ قال: لا تطعموا المشركين من نسك المسلمين). فهذا الحديث قد أتى على إنابة أكثر حقوق الجار، وما ذكر فيه من النهي من طعام المشركين من نسك المسلمين. قد يحتمل أن يكون أريد به النسك الواجب في الذمة الذي لا يجوز للناسك أن يأكل منه، ولا أن يطعمه الأغنياء. فأما ما لم يكن واجبًا في الذمة، فجاز أن يأكل منه بنفسه ويطعم منه الأغنياء، فجائز له أن يطعمه أهل الذمة.
وجاء في ذلك عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها عند تفريق لحم الأضحية: (ابدئي بجارنا اليهودي) فدل ذلك على أن معنى الحديث ما ذكرته.
[ ٣ / ٣٥٦ ]
وروي أن شاة ذبحت في أهل عبد الله بن عمرو فلما جاء قال: أهديتم لجارنا اليهودي، ثلاث مرات. سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه).
وقال ﷺ: (خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره). ومما جاء عن النبي ﷺ في هذا الباب قوله: (الجار أحق بسقبه) وقيل معناه: أنه أحق بشرًا ما يباع من جيرته من الرجل الأجنبي. وجاء أن سعد بن أبي وقاص ﵁- عرض داره للبيع وطلب منه ثمانمائة درهم، فما زادها أبو رافع بأربع مائة فقال له: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول (الجار أحق بسقبه) لما بعتكما بأربعمائة. فلقد طلب مني ثمانمائة درهم، فحمله الصحابي السامع له من رسول الله ﷺ، على هذا المعنى، وإياه فهم منه. وقيل معناه: أنه أحق شفعة بإتباع، إذ كانت الشفعة لا تنيب إلا فيما يمكن. قلت: الشركة فيه جوار بالقسم، فلما أخصت بما يكون فيه الجوار أشبه أن يستحق بالجوار والله أعلم.
وقيل: أراد بالجار الشريك لأن الأغلب أن الشريكين في الدار يشتركان في سكناها فيكون متجاورين بأبدانهما. ولذلك قيل لامرأة الرجل جارته. لأن الأغلب أن الزوجين يتعاشران فيتجاوران بأبدانهما والله أعلم.
ويحتمل أن يكون المعنى الذي عظم الجوار، هو أن كل واحد من المتجاورين لائذ بصاحبه، آمن بأمانه، لأن أحدًا لا يمكنه أن يسكن أرضًا وحده، فإنه لا يأمن أن يسلب ويجرب فتقتله المجاعة والعري، أو تفترسه السباع، وإذا كثر الناس واجتمعوا على سكنى ببلد اعتقد بعضهم ببعض، فأحرز بكل واحد منهم ماله وأهله وولده، بجيرانه ورفقائه دفع بعضهم عن بعض. وكل من كان ألصق بآخر، كانت هذه الفائدة له من منه أوفر. وكان به من قبلها أخص. فلما فات أن يصل إلى القيام بهذا الحق على جميع أهل
[ ٣ / ٣٥٧ ]
البلد. أمر بأن يقوم على الأحضين به منهم وهم الجيران. ولهذا كانت الزكاة موضوعة في جيران المال، ولم يجز أن يعدل بها عنهم ما دام يوجد فيهم من يكن وضعها فيه منهم، والله أعلم.
وحد الجوار من كل وجه من البيت إلى أربعين بيتًا. وروى أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ، فقال: إني نزلت محلة قرم، وإن أقربهم إلي جوار أشدهم لي أبدًا. فبعث النبي ﷺ أبا بكر وعمر وعليًا يصيحون على أبواب المساجد: إلا أن أربعين دارًا جار ولا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه. وأما قول النبي ﷺ (ليس بمؤمن من لا يأمن بوائقه لأن الجوار سبب الأمن كما يثبت، فإذا أخاف الجار الجار، كان كمن أمنه رجل فعدا عليه فقتله، فيكون قد جازى الحسنة بالسيئة، ولذلك ملوم في الطبائع ومذموم في الشرائع.
فصل
وأما الرفيق في السفر، فإنه جار لأنه والرفيق يتجاوران بدنًا ومكانًا، ولكل واحد منهما في صاحبه من الفائدة والمنفعة مثل ما ذكرنا منها في المتجاورين، في المتجر أو القرية، ولذلك وقعت من الله ﷿ التوصية به، والله أعلم.
* * *
[ ٣ / ٣٥٨ ]