وهو باب المرابطة في سبيل الله
قال الله ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفحون﴾.
والمرابطة في سبيل الله نزل من الجهاد، والقتال منزلة الاعتكاف في المساجد من الصلاة، لأن المرابط يقيم في وجه العدو متأهبًا مستعدًا، حتى إذا أحس من العدو تحركه أو غفله، نهض فلا يفوته بالتأهب من والإتيان من بعد فرضه، إن كانت أعرضت ولا يتعذر عليه تدارك خلل إن وقع، فيترامى ويعظم ويصير إلى أن يسبق تلاقيه. كما أن المعتكف يكون في موضع الصلاة مستعدًا، فإذا دخل الوقت وحضر الإمام قام إلى الصلاة ولم يشغله عن إتيان المسجد شاغل، ولا حال بينه وبين الصلاة مع الإمام حائل. ولا شك في أن المرابطة أشق من الاعتكاف، فإذا كان الاعتكاف مستحبًا مندوبًا إليه، فالمرابطة مثله والله أعلم.
على أن صرف الهم إلى انتظار الصلاة قد سمي رباطًا. فجاء في بعض ما تقدمت روايته من الحديث فيما يكفر به من الخطايا، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلك الرباط. وقد وردت في هذا الباب أخبار عن النبي ﷺ: فمنها أنه قال: (من رابط فواق ناقة وجبت له الجنة). وعنه ﷺ: (من مات مرابطًا في سبيل الله أومن من شر عذاب القبر، وناله أجره إلى يوم القيامة). وعنه ﷺ: (رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من
[ ٢ / ٤٩٢ ]
صيام شهر وقيامه. فإن مات جرى عليه أجر المرابطة ويؤمن من الفتان، ويقطع لهم برزق من الجنة).
وعنه ﷺ: (من مات مرابطًا في سبيل الله مات شهيدًا، ووفاه الله فتان القبر، وأجرى عليه أحسن عمله وعدى عليه وربح برزقه من الجنة) وعنه ﷺ: (إذا استشاط العدو خير جهادكم الرباط).
يعني إذا بعدتم، إن سنة المرابطة في سبيل الله إن قعد من الخيل والسلاح ما يحتاج إليه، إذا كان انتظار الوقعة من غير استعداد لها تعرضًا للهلاك، وليس ذلك من التي قال الله ﷿: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾.
وأمر الله تعالى باستكمال العدة، ونص على الخيل لأنها من أعظم المعاون إذ كانت تصلح للطلب والهرب. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (خير الناس رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله فكلما سمع هيعة طار إليها).
وعنه ﷺ أنه قال: (الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة). فقيل له: يا رسول الله، بم ذاك. قال: (الأجر والمغنم إلى يوم القيامة، والإبل عز لأهلها والغنم بركة). وعنه ﷺ: (الغنم بركة والإبل مجد لأهلها والخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة، والعبد أخوك فأحسن إليه، وإن وجدته مغلوبًا فأعنه). وعنه ﷺ (الخيل معقود بنواصيها الخير والنيل إلى يوم القيامة، فخذا بنواصيها، وادعوا بالبركة وقلدوها، ولا تقلدوها الأوتار). وقيل: أراد لا تطلبوا عليها الدخول، وقيل:
[ ٢ / ٤٩٣ ]
أراد الأوتار أنفسها، فهي إن تقلدوها لئلا تختنق.
وعنه ﷺ: (الخيل ثلاثة هي لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر). فأما الذي له أجر، فالذي يحبسها في سبيل الله ويعدها له، فهو لذلك أجر، وكل شيء تغيبه في بطونها، فله به أجر حتى ذكر أرواثها وأبوالها أنه له أجر. وله أنه من يموج في عرفة كان له بكل خطوة خطاها أجر، ولو أنه من نهر فشرب منه كان له بكل قطرة غيبت في بطونها أجر. وأما الذي له ستر فالرجل يتخذها محملًا، ولا ينس حق ظهورها وبطونها في عسرها ويسرها. وأما الذي عليه وزر، فالذي يتخذها أشرًا وبطرًا ورياء الناس ومدحًا عليهم.
وعنه ﷺ: (من احتبس فرسًا في سبيل الله إيمانًا بالله وتصديق موعد الله، كان شبعه وروثه وبوله حسنات في ميزانه يوم القيامة). ومعنى (الخيل معقود بنواصيها الخير) إنها ميمونة مبارك فيها لأهلها، لأن العرب تقول: فلان ميمون الناصية، وربما قالوا: ميمون الطلعة، ويحتمل أن يكون المراد بذكر النواصي جرها إلى الركوب. لأن الناصية موضع القبض عليه، كما يقال في الدعاء: نواصينا بيدك. أي منقادون لك متحرون نحو أمرك، وإذا ارتبط الغازي فرسًا، فليتحر أن يكون كما قال النبي ﷺ: (إذا أردتم أن تغيروا فاشتروا فرسًا أدهم أفرخ أرتم أغر محجلًا، طلق اليد اليمنى، فإنك تغنم وتسلم. فإن لم يكن أدهم فخمنت على هذه الشبه).
أو قال: (الصفة). ومما يبين نفاسة الخيل ورفعة قدرها أقام الله ﷿ بها على (ما) تكون عليه في حال الحرب، وذلك قوله ﷿: ﴿والعاديات ضبحًا فالموريات قدحًا، فالمغيرات صبحًا، فأثرن به نقعًا، فوسطن به جمعًا﴾. فذهب ابن عباس
[ ٢ / ٤٩٤ ]
ومن بعده عكرمة ومجاهد وعطية، وأبو الضحى وقتادة إلى أن القسم وقع على الخيل التي يغزا عليها، ويغار بها على العدو.
وروي أن النبي ﷺ وجه سرية فأبطأ عليه خبرها، فتخوف عليها فنزلت ﴿والعاديات ضبحًا﴾ إخبار النبي ﷺ بسلامتها وبشارة له بإغارتها على القوم الذي بعثت إليهم. ومن ذهب إلى أن الله ﷿ أقسم بها، قال: أراد بالعاديات الخيل تعدو فتصبح في عدوها بما يشبه التخبط من شدة العدو. وقيل: كانت تغم لئلا تصهل فيعلم العدو، فكانت تتنفس في هذه الحال بعوده. ﴿والموريات قدحًا﴾ قد جاء أنها تقدح بسنابكها النار من الحجارة إذا عدت. ﴿والمغيرات صبحًا﴾ لأن غاراتهم كانت تكون في الصباح. ﴿فأثرن به نقعًا﴾ أي أثرن بالعدو الذي العاديات عليه غبارًا. ﴿فوسطن بها جمعًا﴾ أي دخلوا به، أي بالعدو جمعًا. وهو الجمع الذي أريد وقصد والله أعلم.
وأيضًا قول الله ﷿: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾ فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (القوة الحصن، ومن رباط الخيل الأبار- يعني الحجور).
وروى عقبة بن عامر ﵁ إن النبي ﷺ قال: (إلا هو الرمي). وقد يجوز أن تكون اللفظة جامعة للحصن والرمي لأن كليهما قوة.
وجاء عن النبي ﷺ في الرمي إخبار كما جاءت في الخيل: منها إنه ﷺ قال: (إن الله ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، والمسد به). وقال: (ارموا، وارموا، وإن ترموا أحب إلي من أن تركبوا، وكل شيء يلهو به الرجل باطل، إلا تأديبه فرسه، ورميه من قوسه، وملاعبته لامرأته،
[ ٢ / ٤٩٥ ]
ومن تعلم الرمي ثم تركه فهو نعمة تركها) ومما يدل على رفعة قدر الرمي إن رسول الله ﷺ، لم يجمع لأحد بين أبويه، ولا في أمر من الأمور غلا سعد بن ملكه في رميه، فإنه قال له يوم أحد: (ارم فداك أبي وأمي). فقد يجوز أن يكون قال ذلك، ولكنهما معًا في الرمي دون غيره والله أعلم.
وعنه ﷺ، أنه مر عليهم فرآهم يرمون قال: (ارميا يا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميًا).
[ ٢ / ٤٩٦ ]