وهو باب في السرور بالحسنة والاغتمام بالسيئة
وهو ما يروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من سرته حسنة وساءته سيئة فهو مؤمن). وعنه ﷺ أنه كان يقول: (اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا وإذا أساءوا استغفروا) ومعنى هذا- والله أعلم- إن من عمل حسنة فسر أن وفقه الله تعالى لها ويسرها له حتى حصلت في ميزانه، فجلس كما يجلس الهناء فرحًا مسرورًا بما يرجوه من رحمة الله وفضله. أو عمل سيئة فساءه أن خلاه الله تعالى ونفسه حتى عمل بما سوأه له الشيطان، وجلس كما يجلس المصاب مهمومًا كئيبًا حياء من الله تعالى وخوفًا من مؤاخذته، فذاك دليل على صدق إيمانه وخلوص اعتقاده، فإن الثقة بالوعد والوعيد لا تكون إلا من قوة التصديق بالله ورسوله. وقد جاء هذا التفسير عن النبي ﷺ بلفظ موجز (إن المؤمن إذا عمل حسنة رجا ثوابها، وإذا عمل سيئة خاف عقابها). فأما من سرته حسنة من حيث يثني عليه وتذكر عنه، فقد جاء عن النبي ﷺ أن رجلًا قال له: يا رسول الله، إني أعمل العمل أسر به فإذا اطلعت عليه سرني، فقال: (لك أجران. أجر السر وأجر العلانية).
وجاء في حديث آخر أنه قيل لرسول الله ﷺ: أحدنا يعمل العمل، فإذا اطلع عليه سره. فقال: (ذلك عاجل بشرى المؤمن). وروى عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: معناه. فإذا اطلع عليه سرني ليقتدي بي ويعمل مثل عملي. ليس أنه سره أن يذكره ويثني عليه، وإنما هو كقوله ﷺ: (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل
[ ٣ / ١١٧ ]
بها). وكما روي أن رجلًا قام من الليل، رآه جار له، فقام يصلي فغفر للأول. يعني أن الثاني لما أخذ عنه وتابعه. وهذا محتمل ويحتمل غيره، وهو أنه إذا عمل خيرًا سره أن يذكر به فيكون محمودًا في الناس لا مذمومًا. ولا حمدًا أبلغ من أن يقال: أنه قوام بحمد ربه، وليس هذا من المراءاة في شيء. إنما المراءاة أن يعمل الخير لا يريد به وجه الله تعالى ولا يبتغي به مرضاته ولا ثوابه، إنما يريد أن يقول الناس هذا رجل خير. فأما أن يعمل لله تعالى على الحقيقة ويسره أن يعلم الناس منه من عمل الله تعالى، فإن مدحوه مدحوه، وصلاحه لعبادة الله لا بغير ذلك، مما يمدح به الناس. ويثني عليه به بعضهم على بعض من أمور الدنيا، فليس هذا من الرياء في شيء. ألا ترى أن الله ﷿ ذم قومًا فقال: ﴿ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا﴾. فدل على أن من أحب أن يمدح بما فعل فلا ذم عليه. فكيف يذم من أراد أن تكون إضافته أن الله تعالى لا إلى غيره كما جعل همه مقصورًا على عبادته دون غيرها. إنما المذموم من يعمل ما أمر أن يبتغي به وجهه مريدًا به وجه غيره. والفرق بينهما ظاهر لمن أنصف. واحتج ذلك القائل بأن الحديث جاء بكراهية أن يذكر الرجل في وجهه.
وروي أن النبي ﷺ سمع رجلًا يثني على آخر فقال: (قطعت ظهره، لوسعها ما أفلح). فيقال له هذا أن يثني عليه في وجهه فيمتلئ منه عجبًا ومدحًا يقول في نفسح أنا الممدوح بكذا وكذا ويستثني لذلك غيره، وما قلناه غير هذا، وهو أن يسمع الرجل يضاف إلى مولاه بالطاعة وحسن العبادة، فيسره إن شاء الله تعالى أنزله منزلة الكرامة من نفسه، وجمع له بين الحسنيين أحدهما أن وفقه لعبادته. والآخر أن جعله إذا مدح مدح باسمه، وأضيف إلى ما يكون مرجعه إليه من عبادته، ولم يجعله يمدح ما يمدح به أبناء الدنيا وأهلها ولولا أن هذا هكذا، لما كان ذلك (عاجل بشرى المؤمن). كما قال النبي ﷺ.
[ ٣ / ١١٨ ]