وهو باب في تحريم النفوس والخيانات عليها
قال الله تعالى:﴾ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ﴿. وقال:﴾ ولا تقتلوا أنفسكم ﴿. يعني ولا يقتل بعضكم بعضا، ثم قال:﴾ إن الله كان بكم رحيما ﴿أي. أن منعكم عن أن يقتل بعضكم بعضا رحمة منه لكم، إذا كان إنما أراد بذلك استبقاكم، واستحياكم لتنعموا بالحياة، وتكسبوا فيها من الخير ما يؤديكم إلى النعيم المقيم، ثم قال:﴾ ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا، وكان ذلك على الله يسيرا ﴿. وقرن قتل النفس المحرمة بالشرك فقال:﴾ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ﴿.﴾ ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا، فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا ﴿. فحرم القتل وسماه ظلما، والظلم قبيح حرام، ويمثل ما دل الكتاب عليه من غلظ شأن القتل بغير حق، جاءت الأخبار عن النبي ﷺ. فروى عنه أنه قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله).
وعنه ﷺ أنه قال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق). وعنه ﷺ في خطبته يوم الفتح قال الناس
[ ٣ / ٣١ ]
(أي شهر هذا؟ قالوا: الشهر الحرام. فقال: أي بلد هذا؟ فقالوا: البلد الحرام. فقال: إلا أن أعراضكم ودماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ثم قال: هل بلغت).
وعنه ﷺ أنه قال: (لزوال الدنيا أهون على الله من سفك دم امرئ مسلم). وعنه ﷺ أن رجلا قال: يا رسول الله، إني قصدت مشركا لأقتله، فقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: (أقتلته، وهو يشهد أن لا إله إلا الله وإني محمد رسول الله) فلم يزل يردد هذا حتى وددت إني كنت أسلمت في ذلك الوقت.
وإذا ظهرت حرمة النفس، وأنه لا يحل قتلها إلا بالحق، فالقتل بالحق أن يقتل للكفر والزنا بعد الإحصان أو لقتل نفس غير مستحقة للقتل. وفي قتلها للكفر وجهان:
أحدهما: أن يقتل بكفر أصلا وذلك أن يكون ممتنعا أبدا والشرك مبانا للمسلمين.
والآخر: أن يرتد بعد إسلامه. فإما القتل للكفر الأصل، فقد مر ذكره في باب الجهاد وأما القتل للردة، فقد قال ﷺ: (من بدل دينه فاقتلوه) وارتدت طائفة بعد رسول الله فقاتلهم أبو بكر الصديق﵁- وقتل من طالت يده منهم.
وأما الزاني في المحصن، فقد ذكر مع المرتد في حديث واحد- وقد رويناه- وهو الذي أجمع المسلمون على أن عليه الرجم. فقال عمر بن الخطاب ﵁: لولا أن يقول الناس زاد ابن الخطاب في كتاب الله لألحقت بحاشية المصحف الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما نكالا من الله، والله عزيز حكيم.
وأما قتل النفس بغير نفس، فقد قال الله ﷿:﴾ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتل، الحر بالحر والعبد بالعبد ﴿فأوجب القصاص ثم أبان عن حكمته فقال:﴾ ولكم في القصاص حياة ﴿. فقيل في تأويله: إن من هم بقتل أحد،
[ ٣ / ٣٢ ]
فذكر أنه لو قتل لقتل ردعه ذلك عن القتل، فكانت فيه حياة الناس جميعا. وقد ذكر القصاص مع زنا المحصن والردة في حديث واحد. وقد تقدمت روايته. وليس المعقص إذا قتل أن يسرف على القاتل فيعذبه بما لم يعذب به صاحبه أو نسبه أولا بأن يمثل به ويغضبه أو يطول عليه الأمر، فيقطع كل يوم منه طرفا ثم يقتله.
روى أن النبي ﷺ لما أخبر بأن حمزة مثل به قال: (لئن أظفرني الله عليهم- أو كما قال- لأمثلن بثلاثين مثله). فينزل قوله ﷿:﴾ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ﴿فأخذ رسول الله ﷺ بذلك. وكان لا يخطب خطبة إلا ونهى عن المثلة ويحث على الصدقة.
اختلف العلماء في وجوب القتل به ترك الصلاة متعمدا حتى يخرج وقتها، والامتناع بغير ذلك من فضالها. وقد روى أن رجلا أتي النبي ﷺ وساره بساره في قتل رجل، فقال النبي ﷺ: (أليس شهد أن لا إله إلا الله؟ فقال: بلى/ ولكن لا صلاة له. قال: أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم).
وعنه ﷺ: (إني نهيت عن قتل المصلين). فأبان ﷺ أن لإقامة الصلاة من الأثر في إيجاب العصمة وحقن الدم ما للشهادتين فمن نزع عنه بعدما يقتله، كان كمن نزع عن الشهادتين أو إحداهما.
ومنهم من يوجد مع قطاع الطريق، ردفا لهم لم يقتل أحدا، ولم يأخذ ماله والدلائل التي سبق ذكرها تدل على تحريم قتله، وقتل القاطع الذي أخذ المال ولم يقتل، فلم يجز بأن يقتل واحد منهما والله أعلم.
وكما لا يحل قتل نفس بغير نفس، فكذلك لا يحل طرف من أطرافها أن يقطع بغير حق ولا خدش جلد، ولا نتف شعر ولا كسر عظم ولا لطم ولا ضرب بيد ولا بسوط
[ ٣ / ٣٣ ]
ولا درة، ولا إدخال إيلام على نفس محرمة بغير حق، لأن ما كان كله ممنوعا بمعنى، كان بعضه ممنوعا بذلك المعنى، إلا أن يفرق بين الكل والبعض دليل. ألا ترى أنه إذا لم يجز لأحد أن يتقدم دار رجل وينقضها ويحرقها، لم يجز له أن يأخذ منها حجرا أو مدرا أو خشبا، أو ما قل أو كثر، وإذا لم يجز له أن يدخل حائطه فيقطع أشجاره أو يقلمها من أصولها، لم يكن له أن يأخذ منها غصنا صغيرا أو كبيرا أو ورقا أو ثمرا. هذا ومعلوم أن نفس كل أحد أقرب إليه من نفس غيره، فإذا لم يكن لأحد أن يقطع من نفسه طرفا، أو يدخل على نفسه ألما من غير حق، فأولى أن يكون ذلك في غيره. والحق في القتل هو القصاص، وفي الأيدي والرجل سوى القصاص لا شيء فيه.
وأما الضرب فلا يستحق قصاصا، ولكن للمالك أن يؤدب به مملوكا وللزوج ذلك في زوجته وللوالد في ولده، وكل ذلك بقدر لا تحل مجاورته فيه إلى ما يسبق، أو يذر دما أو يرجع وجعا مبلغا، وللسلطان ذلك فيمن أتى منكرا لأحد فيه، ولا يبلغ بضرب في غير حد ضرب الحد، لأنه يروي عنه ﷺ أنه قال: (لعن الله من بلغ حدا في غير حد) -والله أعلم.
وكما لا يحل الضرب بغير حق لما فيه من الإيلام، وكذلك الحبس بغير حق حرام، لا يحل لما فيه من غم النفس وإكرابها وإدخال الأذى والضيق عليها. وذلك نظير الضرب.
والتعزيز وحبس الساعي في الأرض بالفساد إلى أن يظهر توبته، وكما لا يحل الحبس بغير حق، فكذلك النفي والإجلاء عن الوطن بغير حق لا يحل، لأنه أخو القتل وقرينه، قال الله ﷿:﴾ ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ﴿. فقرن الإجلاء عن الوطن بقتل المرء نفسه. وقال في بعض:﴾ ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب النار ﴿. فأخبر أنه أسقط عنهم عذابا عجلا كانوا يستحقونه بما كتبه عليهم من الجلاء، فثبت أن
[ ٣ / ٣٤ ]
الجلاء نفسه عقوبة وعذاب، وألحق فيه الزنا بغير إحصان، قال النبي ﷺ: (خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم).
وجاء أن النبي ﷺ ضرب وغرب، وأنا أبا بكر رضي الله عنخ- ضرب وغرب، وأن عمر ﵁ ضرب وغرب.
والإمام بعد أن ينفي من يرى من المفسدين الذين يعلم أنهم يجرون غيرهم إلى الفساد، ويغرونهم به، ويحملونهم عليه ويدعونهم إليه من مبتغي الفواحش كلها والتحريض به، والمنهمكين فيها، والأمر في ذلك يرد به اجتهاده إليه من حبس أو تعذيب، وبالله التوفيق.
وجاء أنه كان بالمدينة مخنثان يقال لأحدهما هبت، والآخر مانع، فنفاهما النبي ﷺ من المدينة، فكان هذا أصلا في هذا الباب.
[ ٣ / ٣٥ ]