وهو باب في صلة الأرحام
قال الله ﷿: ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض، وتقطعوا أرحامكم﴾. فجعل قطع الرحم من الإفساد في الأرض، ثم ذلك الأخبار، بأن ذلك من حيث عليه لعنة، الانتفاع بسمعه وبصره، فهو سمع دعوة الله وتبصر آياته وبياناته. فلا يجب الدعوة ولا ينقاد للحق كأنه لم يسمع ولم يقع من الله البيان، وجعله كالبهيمة أو أسوأ حالًا منها، فقال: ﴿أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم. وقال في الواصل والقاطع: ﴿إنما يتذكر أولوا الألباب، الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق، والذين يصلوا ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب، والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرًا وعلانية، ويدرأون بالحسنة السيئة، أولئك لهم عقبى الدار﴾ إلى آخرها: ﴿والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار﴾.
فقرن وصل الرحم وإيتاء الزكاة لوجهه، وجعل ذلك كله من فعل أولي الألباب، ثم وعد به الجنة وزيارة الملائكة إياهم فيها وتسليمهم عليهم وحدهم لهم. وقرن قطيعة الرحم بنقض عهد الله والإفساد في الأرض ثم أخبرنا بأن لهم عند الله اللعنة وسواء المنقلب. فثبت بالآيتين ما في صلة الرحم من الفضل، وفي قطعها من الوزر والإثم. وقال ﷿: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى﴾. وقيل في تفسير ذلك وجهان:
[ ٣ / ٢٥١ ]
أحدهما: أنه أراد لا أسألك على ما أعاقبه في استصلاحكم أجرًا إلا ما يلزمكم في حق قرائبي منكم، فإنها تقتضي أن تصلوني وتودوني وتدنو مني، ولا تنقضي أن تعاملوني وتؤذوني وتقطعوني.
والوجه الآخر: أنه أراد بذلك أن لا تؤذوا قرائبي، أن تعرفوا حقهم وتكرموهم وتوقروهم وتميزوهم عن غيرهم.
وأي واحد من هذين كان المراد ففيه البيان لحق الرحم. لأن بين لهم في التأويل الأول أن حق القرابة هو الوصل لا القطع والنصر لا القهر. وبين في التأويل الآخر أن قرابة الرجل تجري مجرى نفسه، ألا ترى أنه احتسب ودهم لقرابته ودًا لهم، وقضاء لحقه. فمن قطع قرابته فكأنما يقطع نفسه ويمنعه من النظر لها حطة.
وقال الله ﷿: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كان آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾. فلما حرم عليهم موادة الكفار أخبرهم أنها لا تحل بحال، وإن كان الكافر ذا قربى ورحم. فلولا أن حق الرحم أن يوصل وحكم القرب أن يرعى ما دلهم على عظم الذنب في مؤاخاة الكفار، فإنها لا تحل وإن كانت بمكان قريب أو ذي رحم. وإذا بين ذلك لهم بان أن القربة لهم والرحم لا يطلقانه ولا يسوغانه، دل ذلك على أنهما مقتضيان للبر والصلة، لولا أن الكفر إذا عرض أبطل على الكافر كل حق وأفسد عليه من الخير كل حظ والله أعلم.
وقال النبي ﷺ، قال الله تعالى: (أنا الرحمن وهي الرحم شققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته). واحتمل قوله (أنا الرحمن وهي الرحم شققت لها من اسمي) إن الرحمن والرحيم اسمان مشتقان من الرحمة. فأنا الرحمن لما وسع كل شيء من رحمتي وهي الرحم، لأن الجواز في الرحم موجب للرحمة، فمن عرف هذا الحق جزيته به خيرًا، ومن أغفله حرمته ذلك الخير. يدل عليه ما روي أن عمرًا
[ ٣ / ٢٥٢ ]
﵁ قال على المنبر: تعلموا من أنسابكم، ثم صلوا أرحامكم، فوالله أنه ليكون بين الرجل وأخيه تنازع ولو يعلم الذي بينه وبينه من داخله الرحم لردعه ذلك عن انتهاكه.
وقال صلى الله عليه سلم: (لا يدخل الجنة قاطع رحم). قال أبو ذر ﵁: أوصاني خليل صلوات الله عليه أن أصل رحمي وإن أدبرت.
وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الرجل ليصل رحمه وقد بقى من أجله ثلاثة أيام، فيزيد الله في عمره ثلاثين سنة. وأن الرجل ليقطع رحمه وقد بقي من عمره ثلاثون سنة فيقطعه إلى ثلاثة أيام). وهذا تفسير ما جاء في حديث آخر (من سره أن ينشأ في أجله ويزاد في رزقه فليصل رحمه). ومعنى الحديثين جميعًا: أن من الناس من قضى الله له بأنه أن يوصل رحمه عاشر عددًا من السنين مبينًا، وإن قطع رحمه عاش عددًا دون ذلك، فإذا أظهر أمره لملائكته أمر ملك الموت أن تقبض روحه عهد انتهاء أول العددين، فإذا دنا ذلك يتفق له أن يبر رحمه ويصلها، فيأمر الله تعالى أن يؤخره إلى آخر الأجلين. فنهى ملك الموت إلى أن يقبض روحه، فيقال قد زاد في عمره أو يكون عبد ملك الموت أن عمر واحد لا ينتهي إلى سنين فيتفق منه أن يقطع رزقه، فيأمر الله تعالى الملك أن يقبض روحه، فيقال: قد نقص من عمره. والمعنى أنه زاد على ما كان عند الملك ونقص ما كان عند الملك. فأما ما كان عند الله من أنه عمر بعمره وينفيه في الدنيا وفي أي وقت يقله عنها فلم يختلف، وهو وإن كان قضي عليه بأنه وإن وصل رحمه عاش كذا، وإن قطع رحمه عاش كذا، فلم يخفى عليه أن يصل أو يقطع فكذلك لا يخفى عليه أنه أي العددين يعيش، وبالله التوفيق.
ولما بين عظم حق القرابة والرحم، إن الله ﷿ ورث القرابات بعضهم من بعض فجعل مال الواحد إذا مات فاستغنى عنه للأمس والأمس، وللأخص فالأخص بذي قرابته، فجمع ذلك أيضًا أحق كل واحد منهما بالآخر. أما الميت فمن حيث أن ماله لم
[ ٣ / ٢٥٣ ]
ينقل إلى الأجانب، فيزداد عما إذا تفكر عند دنو أجله، أنه يفارق ماله إلى من لا يرعى حقه فيه. ولا يذكره إذا انتفع به، وتقلب فيه بدعاء ولا غيره، وسيد الأمر عليه في مفارقته. وأما الحي فمن حيث أنه يسكن عنه غير حميمه الذي فقد، بأن استخلف في ماله وأوثر به على الأجانب الذين ليس لهم مثل حقه، ولولا ذلك عه بموت قريبه أكثر، ومصيبته به أشد. ويشتمل التوريث على النظر لهما جميعًا، وأبان أن أحدهما إذا كان أولى من الآخر بعد الموت فهما بأن يكونا كذلك في حال الحياة أولى ليتعاشرا كمتواليين لا تعاشر الأصلين، وبالله التوفيق.
ولأجل دلالة التوريث على عظم الحق المراعى فيه، قال النبي ﷺ: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت- أو قال خشيت- أنه سيورثه). فدل هذا القول منه على أنه يورث القرابات بعضهم من بعض إنما كان لعظم الحقوق التي لبعضهم على بعض. إذا كان لما سمع جبريل يعظم في قلبه حق الجار، خشي أنه يبلغ به حق القرابة فيورث به وبالله التوفيق.
وقد كان الناس من قبل يتوارثون بالموالاة والمعاقدة، فلما نسخ الله تعالى ذلك وأبطله قال: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾. فنهاهم على أن المال إذا خرج من ملك الميت، فقد تخلف عنه من هو كالشقيق، أو من أبيه، أو من أمه فهو أولى بأن ينزل من ماله ميراثه من الخليف. والولي الذي لم يكن ببنه وبينه إلا الحقد قد ماتت مقاصده لموته، ولم يكن لازمًا له في حياته. ولما أدخل في حكم الميراث من ليس بقريب وهو المعتق نسبه النبي ﷺ ألحق الواجب من قبل العتاقة بالنسب، فقال: لولا لحمه كلحمة النسب، وسماه ما لا يدل به على أن المعتق أولى الناس بالمعتق، كما أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض. فثبت بما ذكرنا أن سبيل أولي الأرحام أن يكونوا آمنوا لينين متناصرين ليعزهم الله تعالى بإعزاز بعضهم بعضًا، وذلك عاجل ثوابهم فلا يتخاذلون فيخذلهم بخذلان بعضهم بعضًا وذلك عاجل عقابهم. ألا ترون أن نبي الرحمة مع لينه وسماحته ورأفته بالقريب والبعيد من أمته كيف اشتد عليه فراق بني أمية وبني نوفل إياه أيام الشغب، وانحيازهم إلى أعدائه من قريش حتى أخرجهم
[ ٣ / ٢٥٤ ]
بالأجانب، وأحوجهم من عداد الأقارب، وخص بالخمس بني هاشم وبني المطلب. وقال: (أنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام). ولا شك أنه لم يفعل ذلك إلا بأمر الله ﷿ وأن الله ﷿ لم يأمره بذلك إلا ابتغاء ماله منهم، ولا أمره بضم بني المطلب إلى بني هاشم إلا قوامًا لهم وقضى عنهم حقهم. فعلم بهذا أن سنة أولي الأرحام أن يتواصلوا ويجري كل واحد منهم قريبة وحميمه منزلة نفسه والله أعلم.
وليس يحتاج إلى الإكثار في هذا الباب مع ما كتبناه في إكرام الجار، لأن قرب ذي الرحم أمس وأخص وألزم من الجوار. فإذا وجب للجار على الجار من الحقوق ما سبق ذكرها، فأولى أن تكون تلك وغيرها لازمة للقرب القريب. فينبغي إذا كان في أهل بيت شيخ أو عالم أو المشار إليه بالعقل والدين، أن يعرف الجماعة حقه بالتوقير والزيارة والرجوع إلى رأيه، والقبول لخطابه ونصائحه، وابتدائه بالسلام إذا لقوه، لأنه يروى في الحديث مرفوعًا (الشيخ في قريبه كالنبي في أمته)، وأن يواسوه بالمال إن كان أرق حالًا منهم، ويصوبوا قدره في المبذل، وإتيان ما يزوى به. وإن كان في أهل البيت محاويج وأغنياء، فلا ينبغي للأغنياء أن يضيعوا المحاويج. وينبغي أن يعولوهم كما كان العباس يعول جماعة بني المطلب لغناه وحاجتهم، وإن لم يعولوهم آثروا بصدقاتهم ومعروفهم. ومن كان منهم مرضى بعده يعطيه، فليقدم بها قرابته. وإن رأى أحدًا منهم أظهر قطيعة لم يزل وراءه يزيده برًا وصلة حتى يرجع إلى الوصل الذي آثره الله به. وإن تقاطع منهم اثنان، فلا ينبغي لأحدهما أن ينتظر فيه للآخر، وليحرص كل واحد منهما على أن يكون ابتداء البر والوصل منه، فإن النبي ﷺ قال: (لا يحل المسلم أن يهجر أخاه فوق الثلاث، وخيرهما الذي بدأ بالسلام أو بالكلام).
وجاء في قوله ﵎ ﴿خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين﴾ قال: (صل من قطعك وأعط من حرمك واعف عمن ظلمك). والأشبه أن يكون
[ ٣ / ٢٥٥ ]
المراد بقوله صل من قطعك من ذوي الأرحام، أو يكون عامًا لهم، وأخبرهم: وأيهما يتهيأ صلة القاطع أن يستعفى إن كان مظلومًا، ويعفى عنه إن كان ظالمًا.
فأما الصدفة، فقد جاء فيها عن النبي ﷺ، سئل عن أفضل الصدقة قال: (الصدقة على ذي الرحم الكاشح). وإنما قال ذلك- والله أعلم- لأنها صدقة وعقوق صلة رحم فهي ثلاث قرب. وأما السلام فقد جاء فيه عن النبي ﷺ أنه قال: (بادروا أرحامكم ولو بالسلام) والمعنى صلوا أرحامكم. كأنه جعل وصلوا الرحم كسكين الحدادة بالماء.
وجاء عن النبي ﷺ أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ قال: (يا فاطمة، اشتري نفسك من الله، فإني لا أغني عنك من الله شيئًا، غير أن لك رحمًا فصلاها صلاها). فيحتمل أن يكون معنى ذلك تحصينها بفضل الدعاء لها. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (استوصوا بالقبط خيرًا فإن لي فيهم رحمًا) وإنما أراد بذلك أن جاريته أم ابنه إبراهيم، وهي (مارية) كانت قبطية، فقضى رسول الله ﷺ حق الرحم الذي كان له بهذا الأمر. وأبان أن حق الرحم لا يضيع، قويًا كان أو ضعيفًا. لأن إدلاء عامة القبط بأن مارية كانت ذات رحم بابن النبي ﷺ إدلاء يحق بعبد، وليس في القوة كالأرحام المعروفة. فإذا وجبت المحافظة عليه كانت المحافظة على الحقوق الظاهرة القوية، والقرابات الدانية الأكيدة أوجب وألزم، وبالله التوفيق.
[ ٣ / ٢٥٦ ]