وهو باب في مباعدة الكفار والمفسدين والغلظة عليهم
قال الله ﷿: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾. وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة﴾. وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة﴾ إلى قوله: ﴿تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم، ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل﴾. وقال: ﴿إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم، ومن يتولهم، فأولئك هم الظالمون﴾. وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان﴾. وقال: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء، واتقوا الله إن كنتم مؤمنين﴾. وقال: ﴿المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾. وقال: ﴿المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض﴾. إشارة أن لا ولاية بين المؤمن والمنافق.
وقال النبي ﷺ: (لا تراءى ناراهما- يعني المسلم والمشرك) أي لا ينبغي أن
[ ٣ / ٣٤٥ ]
يكون المسلم بقرب الكافر فيرى هذا نار ذاك نار هذا. وقال عمر بن الخطاب رضي لله عنه: اجتنبوا أعداء الله اليهود والنصارى في عيدهم يوم جمعهم. فإن السخط ينزل عليهم فأخشى أن يصيبكم، ولا تعلموا رطانتهم فتخلقوا بخلقهم.
وقال الله ﷿: ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك، فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة، ويحذركم الله نفسه، وإلى الله المصير﴾. وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالًا ودوا ما عنتم، قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر﴾ وقال: ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها، فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذًا مثله﴾. وقال: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فاعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره، وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين﴾. وقال: ﴿ولا تكن للخائنين خصيمًا﴾ وقال: ﴿ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم، إن الله لا يحب من كان خوانًا أثيمًا﴾ وقال: ﴿ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا، فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلًا﴾. وقال: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله﴾ إلى آخر السورة.
فدلت هذه الآيات وما في معناها، على أن المسلم لا ينبغي له أن يواد كافرًا ولو كان أباه أو ابنه أو أخاه. ولا يقاربه ولا يجزيه في الخلطة والصحبة مجرى مسلم منه وإن بعد. ويجتهد في أن لا يكون من قلبه ولحظة ولفظة بالميل إليه نصيب، ويكون عليه أشد منه على قاتل أبيه أو وليه. فإنه إن كان ممن يؤمن بالله ورسوله فبالحري أنه إذا فكر في أنه متكلم في الله ﷿ بما لا يرضاه الله تعالى، ويكذب رسوله ويتكلم فيه بما أجل الله قدره عنه أن يكون ذلك أشد عليه من أن يناله في نفسه أو في والده، أو في ولده بما
[ ٣ / ٣٤٦ ]
يكره، فالله تعالى أولى به من نفسه، ومن أبيه وأمه وولده، والتي أولى بالمؤمنين من أنفسهم. ولهذا قال عز اسمه: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر، يوادون من حاد الله ورسوله، ولو كان آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾. فينبغي له إذا كان الأمر على ما وصفت أن لا يزور الكافر إلا أن يألفه بذلك على الإسلام. وذلك بعد أن ظهرت له أمارات مثله إليه، ولا يعوده إذا مرض إلا أن يرجو تآلفه على الإسلام.
كما جاء عن النبي ﷺ أنه عاد يهوديًا فوجده يماته، فدعاه إلى الإسلام فقال له أبواه أبلغ أبا القاسم فأسلم، فقام رسول الله ﷺ وهو يقول: (الحمد لله الذي أنقذه من النار) أو يكون له جار فيكون بينه في عيادته مراعاة حق الجار الذي عظمه رسول الله ﷺ، لا يشغل القلب به والتوجع له فيما حل به. وإذا دخل عليه لم يدع له بالعافية إلا أن يقر به بالهدى فيقول: شفاك الله وهداك وأقامك مهديًا في عافية. وما أشبه ذلك. ولم يشر عليه بما يرى أنه ينفع إلا أن سأله عنه. فإن سأله عنه لم يغشه. وأخبره بما عنده لا على أن يتخير عليه، ولكن على أنه ائتمنه، فلا يجوز له أن يخونه، لأن الله ﷿ يقول: ﴿فإن أمن بعضكم بعضًا فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾.
وقال النبي ﷺ: (علامات المنافق ثلاث: فذكر منها إذا اؤتمن خان) وحرام عليه أن يشهد جنازته أو يقوم على قبره إذا لم يكن ذا قرابة منه. قال الله ﷿ في المنافق: ﴿ولا تصل على أحد منهم أبدًا، ولا تقم على قبره، إنهم كفروا بالله ورسوله﴾. ولا ينبغي له إن مت وهو ضعيف الحال أن يعين في جهازه إلا أن تكون له صنيعة بمكانه قدمها في حياته أو لوراثة فيعنه بما يعلم أنه محتاج إليه، لإسقاط المسنة فيما مضى عن نفسه، فأما على الوجه البر والصلة فكلا. وإذا أعلا فلا ينبغي له أن يعطيه من لباسه وكسوته. فإن فعل فلا ينزع له ثوبه الذي هو لابسه.
[ ٣ / ٣٤٧ ]
فأما ما جاء عن النبي ﷺ أنه أعطى عبد الله بن سلول رداءه ليكفن فيه أباه، فغير هذا. لأن ابن عبد الله كان مسلمًا. فلما مات أبوه حضر النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، أعطني رداءك أكفن فيه أبي. فأعطاه رعاية لحقه أو استطابة لقلبه، وتأكيدًا في الإسلام لنبيه.
وقيل فعل ذلك لحق كان لأبيه قبل، فأراد أن يجزيه بعد موته وإن كان من ذكرنا المريض أو الميت ذا قرابة منه. فجائز له أن يشهده على أن تعظيم من حق الرحم ما عظمه الله تعالى جده لجل وجه سؤاله ويغسله ويكفنه ويواريه. وينجي عن قلبه. وجد إن أحسن به عليه، ويذكر أنه كان عدوًا لله تعالى ولرسوله ﷺ، وقد نقصه الله وأجازه إلى ما يستحقه.
أذن رسول الله ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁ في غسل أبي طالب لما مات، ومواراته. ولا يقعد عليه ما شاء.
وأما إذا افتقر في حياته، فاحتاج إلى أن يعوضه غيره، فعلى ولده المسلم أن ينفق عليه إن كان قادرًا على ذلك. وكذلك على الوالد المسلم هذا في ولده الكافر. وأيهما ملك الآخر عتق عليه. وإن قتل الكافر ولده المسلم لم يقتل به. وإن قذفه لم يجلد له. وهذه حكام وفرائض وحدود شرعها الله تعالى تعظيمًا لحق الولاد والرحم، فهي مقام طاعة لا شفقة على من يرجع نفعها إليه. فأما ما نهى عنه، أو لم يفرضه، فاجتنابه أولى، لأنه إذا أوقع لم يقع إلا وداد أو شفقة. وقد بينا أنه ليس لمسلم أن يواد كافرًا.
ولا ينبغي لمسلم إذا لقي كافرًا في طريقه أن يتنحى عن الطريق بل يضيق الطريق عليه وينحيه إلى أرذله وأشده.
روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إذا لقيتم المشركين في الطريق فلا تبدأوهم بالسلام، واضطروهم إلى ضيقه). ولا بتدأوه بالسلام ولا تصافحنه. فإن مد الذي يده إليك، أعطاه يده في كمه. فإن مدها عارية لم يطل حبسها في يده. ولم ينتظر من أن يكون هو الشارع ليده ما ينتظره في مثل ذلك من المسلم.
[ ٣ / ٣٤٨ ]
وإن رأى على وجه كافر كافر أو ثوبه قذاة لم يمطها ولا يقدمه على نفسه في طريق ولا مدخل ولا مخرج، ولا يرفع مجلسه، ولا يلقي له وسادة بيده، ولا يرفع له مسعرًا، ولا يعينه على الركوب ولا يقوم له في مجلسه إذا رآه تهيئًا له، ولا يخاطبه إلا بما يخاطب به من لا يهاب، إلا أن يكون أتاه في هذا كله. ولا يشمته إذا عطس، وإن حمد الله، إلا أن يقول له هداك الله وأصلح الله حالك، أو أصلحك الله.
ولا يهدى إلى الكافر ما إلا جزاء أو تآلفًا، ولا يضيفه فيطعمه من طعامه، ولاسيما إذا كان جائعًا، وليس ذلك كالتصدق عليه من النسك، لأن ذلك شيء أخرج من الملك لوجه الله. والإضافة يراد بها وجه الضيف، فإن قدم إليه شيئًا وهو شبعان لا يحتاج إليه فذلك أخف، وإن قدمه إليه وهو جائع من صومه، ففطره عليه وأكله ليصوم عليه، فذلك يغلظ، وبالكراهية حق لأنه إعانة على الباطل. ولا يعيره ثوبًا ليشهد الكنيسة منه أو البيعة، أو موقد النار، أو يقرأ فيه المحرف من كتاب الله، أو المفترى عليه. ويعمل ما عنده أنه صلاة، ولا قلمًا ولا مدادًا ليكتب به الباطل. وإن استضافه الكافر فلم يحسن منه مكانه، فهو بالخيار. وإن أجابه ليأكل من طعامه فيقتص بذلك من ماله فجائز. وإن رده لئلا يكون باسطه، فذلك جائز. وإن دعاه الكافر إلى وليمة، فإن كان جارًا نظر. فإن كان النكاح نكاحًا يقر عليه إذا أسلم، فله أن يحضر وليمته. وإن كان نكاحًا لا يقر عليه إذا أسلم فلا يحضر وليمته، وإن كان تعبدًا فلا بأس إن لم يحضره بحال. ولا ينبغي للمسلم أن يزور الكافر إذا قدم من سفره إلا أن يكون جاره ولا أن يهنئه بفصحه بحال، ولا بالنيروز والمهرجان، ولا أن يتابعهم على تعظيم ما يعظمونه من هذه الأوقات. ولا ينبغي للإمام أن يسامح أهل الذمة في الزنانير، ولا يعقدوها على أوساطهم. ولا في الخيل فيركبوها أعرابها وعجمها سواء. ولا في الرقيق المسلمين فيفتنوهم وينهاهم عن أن يتزيوا بزية المسلمين في ملابسهم، ولا يجعل لهم إلى إفشاء كفرهم، وإسماعهم المسلمين مقالاتهم سبيلًا، وينهى المسلمين عن الإصغاء إليهم والاستماع إلى ذلك مهم، إلا أن يحتاج مسلم مشركًا، ويجادله رغبة في إسلامه، ولا يمنع من ذلك.
ولا ينبغي لمسلم أن يتبع من مشرك خمرًا ولا خنزيرًا، ولا كتابًا فيه كفرًا أو يتحرف وكتابًا محرف من كتب الله ﷿. والبيع في ذلك باطل مفسوخ، إلا الوبر فإنه إن
[ ٣ / ٣٤٩ ]
كان فيه على ما هو عليه أو مكسورًا منعه من جنس المنافع المطلقة، ولم يكن غنيًا يجيبه، فالبيع فيه ماض إلا أنه من المشرك مكروه، ولا يبتع المسلم من الكافر عصيرًا يرى أنه يجده خمرًا ولا من الكافر سلاحًا، فإن فعل فالبيع مفسوخ. ولا ينبغي لمسلم أن يقود أباه الأعمى إلى الكنيسة أو البيعة أو موقد النار. فإن كان أبوه في بعض هذه الأماكن، وأراد الرجوع فله أن يقوده إلى بيته ومنزله. وهذا إذا قاده إلى هذه المواضع، فيعمل ما يرون أنه صلاة وعبادة. فإن كان له فيها شغل يحل الذهاب إليه، فله أن يقوده ليبيع فيه حاجته.
ولا ينبغي للمسلم أن يؤاجر نفسه أو دابته كافرًا في حمل خمر أو خنزير أو عنب يعصر خمرًا فإن أجره نفسه فيما يحل، وهو محتاج إلى ذلك فلا بأس وإن كان له مندوحة عنه فليجتنبه، وبعض ذلك شر من بعض. فإنه إن أجره نفسه مشاهدة أو مشابهة، فذلك أحق بالكراهية من أن يؤجره نفسه في عمل يعمل له يومًا أو يومين أو أقل، ثم يتركه. وإن أجره نفسه في سياسة دوابه، فهو خير من أن يؤاجره نفسه في خدمة بدنه، لأن دابة الكافر خير من الكافر. ومن هذا الباب مجانبة الظلمة.
وجاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ما بعث الله ﵎ من نبي إلا كان بعده خلفًا، يقولون ما يفعلون، ويفعلون ما يؤمون، وسيكون بعدي أمراء يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون.
قالوا. كيف نصنع يا رسول الله؟ قال: من اعتزلهم سلم منهم ونجا، ومن كان معهم هلك).
وعن ﷺ قام خطيبًا، فقال: (ألا أني أوشك أن أدعى فأجيب، وليأتكم بعدي عمال يقولون ما يفعلون، ويعملون ما يعرفون، فطاعة أولئك طاعة، فيلبثون بذلك دهرًا، ثم يليكم عمال من بعدهم يقولون: ما لا يعلمون، ويعملون ما لا يعرفون، فمن ناصحهم ووازرهم، وشد على أعضادهم، فأولئك الذين هلكوا وأهلكوا. قالوا: فصف
[ ٣ / ٣٥٠ ]
لنا ما نصنع إن أدركنا ذلك؟ قال: خالطوهم بأجسادكم، وقاتلوهم بأعمالكم، واشهدوا على المحسن منهم أنه محسن، وعلى المسيء منهم إنه سيء والله أعلم).
ولا ينبغي للمسلم أن يقبل هدية مشرك، لأن النبي ﷺ رد هدية مشرك، وقال: (أنا لا نقبل زبد المشركين). ويحتمل أن يكون ذلك، لأن الهدية تعلق بالقلب فتميله نحو المهدى، ولأنها في الثروة تقتضي المكافأة. فإذا وقع التهادي بين المسلم والكافر صار ذلك من جوالب الردة، ولا ينبغي للمسلم أن يواد كافرًا.
ويحتمل أن يكون الزبد اسمًا للعطية أن يصدر من المعطى عن ظاهر لا حقيقة له، فيكون كالزبد على ظاهر الماء لا أصل له. وإنما هو طاف فوقه. وسمعت من يسمي الكلام الذي لا حاصل له زيدًا، ويذهب به إلى قول الله ﷿: ﴿فأما الزبد فيذهب جفاء﴾ أي أنه لا فائدة فيه ولا معنى له.
ولا ينبغي للمسلم أن يفشي إلى كافر سرًا لأنه عدو الله تعالى، وأنه خائن لله ورسوله ولنفسه، فلا ينبغي له أن يأمنه. فإن كان ذلك من أمر دار الإسلام أو جيش المسلمين، أو إمامهم، أو عامتهم، فهو أدهى وأمر. ولا ينبغي للمسلمة أن تنكشف للكافرة، فترى منها ما لا يحل للرجل الأجنبي أن يراه، لأن الله ﷿ يقول: ﴿ولا تكن للخائنين خصيمًا﴾ ولا أن يضمن عن ذمي جزية، ليخفف عنه بضمانه، أو يدفع به صغارًا عنه، ولا أن يكفل نفسه لئلا يحتسب. فأما إن دفع عنه ظلمًا يراد به، فذلك من حقوق العهد، وليس من الود والإشفاق بسبيل. وإذا أراد المسلم نزول سكة أو حانوت، فليعلم جيرانه، ويتحرى أن لا يكون جاره كافرًا، وينأى عنه ما أمكنه. لقول النبي ﷺ: (لا تراءى ناراهما). فإن حدث له جار كافر فلا بأس عليه أن أقام موضعه. ولا ينبغي لفعله المسلمين وصناعهم أن يعملوا للمشركين كنيسة أو بيعة، أو صليبًا أو منبرًا. فأما غزل الزنار ونسجه فلا بأس به، لأن ذلك صغار لهم.
[ ٣ / ٣٥١ ]
ولا ينبغي للإمام أن يأذن لذمي في إحياء شيء من موات دار الإسلام، ولا أن يقطعه معدنًا من معادنها. فإذا اتخذ الإمام سيافًا أو جلادًا، فلا يجعلنه من المشركين، ثم يسلطه على المسلمين، فإنه يتشفى منهم بما ينالهم به، وذلك صغار بالمسلمين. فينبغي لإمامهم أن يصرفهم عنه، ولا ينبغي إذا ظهر للمسلمين نفاق قوم أن يجادل فريقًا منهم فريقًا عنهم ليحموهم، ويدافعوا عنهم، فإن هذا قد وقع على عهد النبي ﷺ، ففيهم نزل قول ﴿ولا تكن للخائنين خصيمًا، واستغفر الله، إن الله كان غفورًا رحيمًا﴾. وقوله تعالى ﴿ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم، إن الله لا يحب من كان خوانًا أثيما. يستخفون من الناس، ولا يستخفون من الله وهو معهم، إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا﴾. معنى قوله ﷿ ﴿ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول﴾ والنهي عن المجادلة والمخاصمة في هذه الآية، وإن كان للنبي ﷺ لفظًا، فالمراد به: الذين كانوا يفعلونها من المسلمين دونه، لوجهين: أحدهما أنه ﷿ إبان ذلك بما ذكره بعد، بقوله ﴿هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا، فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة﴾. والآخر: أن النبي ﷺ كان يتيمًا بينهم حكمًا فكان من يعتد، يعتذر إليه، وهو لا يعتذر لحد إلى غيره. فصح أن الذمي وإن كان له لفظًا فليس له قصدًا، لكن لغيره والله أعلم.
ولا ينبغي للمسلم أن ينظر في كتب المشركين، وما الفوه من آرائهم، وأبدوا به من مقالاتهم، وهجنوا به مذاهب غيرهم، قبل أن تحكم قواعد دين الله تعالى، ويرسخ في علمه، ويستبصر بأصوله وحججه. فيكون نظره في أعدائه، وأعداء رسله صلوات الله عليهم، بعد ذلك مقرونًا بما يريه الله تعالى عند الهجم عليها من فضائحه وعوراتها وقبائحها، فيميز المناقضات، ويبين الشبهات، ولا يترك دعاويهم وشرحهم أقوالهم منازل الحجج، فيعتمدها اعتماد ما قد يرى وضح الحق فيه، وقام دليله. ولا يقبل تشيعهم على من يخالفهم قبول من يرى أنهم هم المحقون وغيرهم المبطلون. فإن أكثر من اغتر بقول الفلاسفة وهلك بكتبهم، إنما أتي من قبل أنه افتتح بها، فسمع ما يسمع من آرائهم قبل أن يكون
[ ٣ / ٣٥٢ ]
له بدين الله تعالى علم قليل، أن كثير، أو بآياته وبيناته وحججه الباهرة القاهرة. وبغير يسيره وخطيرة، فلا تسموا بالحكمة وسماهم الناس بها، وظهرت لهم في علم الأبدان وغيرها آثارها كثيرة، يأتون فيها بالفضل والبراعة، فظن أن منازلهم في علم النبأ العظيم الذي هم عنه معرضون. وللأمر الكاتف الجسيم الذي هم فيه متحيرون كمنازلهم فيما أدركوه ووفقوا له فأصابوه، فقبلوا قولهم تقليدًا بلا استبصار، وتعظيمًا لهم من غير نظر واعتبار، فضلوا عن الصواب، وأخطأوا سبل الرشاد. وهو عليهم قول الله تعالى ﴿ذلك هدى الله يهدي به من يشاء، ومن يضلل الله فما له من هاد﴾. وأيما مسلم جلس إلى بعض من حقت عليه الضلالة، فسمعه يظهر الكفر والاستهزاء بآيات الله، فحرام عليه أن يقضي عنه ويسامحه بترك الإنكار عليه، بأن كان لذلك أهلًا. فإن كان يقصر عن ذلك، فإن يرفعه إلى الأمام. أما الوالي والقاضي وأكبر علماء المسلمين في بلده ليزجره، يعمل به ما يستحقه. وإن لم يقدر على شيء من ذلك فليفارقه، ولا يقم عنده، وهو غمه في طغيانه، وتأبيط بالباطل لسانه، قال الله ﷿: ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفره بها﴾ الآية إلى آخرها. وقال:﴾ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره﴾.
وهذه الآية مكية. وكان النبي ﷺ بمكة لا يطيق مدافعة المشركين، فلهذا- والله أعلم- قصر فرضه عن الإعراض دون ما زاد عليه، ومن لم يفعل شيئًا مما ذكرنا، ولا هو أنكر ولا رفع الأمر إلى من يغيره، ولا قام فاعتزل، بل لزم مكانه يسمع ما يجري فيه من الباطل فلا يعتني به، لا يجد في قلبه منه ما يهزه ويزعجه، كان ممن قال الله ﷿ ﴿إنكم إذًا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعًا﴾. ونعوذ بالله من هذه الحال، وبالله التوفيق.
فصل
والفساق في كثير من المعاني التي سبق شرحها كالكفار، فلا ينبغي لعدل أن يلاين فاسقًا، لأن ملاينة العدل الفاسق، تجسر الفاسق وتخذل العدل. فلا ينبغي له أن يذل
[ ٣ / ٣٥٣ ]
نفسه ويعز فاسقًا، كما لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه ويعز كافرًا، ولأن العدل إذا لاين فاسقًا لا لغرض صحيح، فإنما يغض في حق العدالة لا في حق نفسه، وليس له هذا كما أن المسلم إذا لاين كافرًا، لا عن عذر أو ضرورة إلا لغرض صحيح، فإنما يغض في حق الإسلام لا في حق نفسه، ولم يجز ذلك له ولا وسعه. ومن ملينة العدل الفاسق أن يراه مجاهرًا بفسقه وهو يقدر على ردعه فلا يردعه لحرمة عنده، أنه يرعاها له. وهذا كثير، لأنه يبع بالدنيا ورفض الأمانة، ودخول في جملة أهل الخيانة، والله ﷿ يقول: ﴿لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون﴾، وما بقي من القول في هذا فسيأتي في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فصل
فأما ما جاء عن بعض المتقدمين أن المسلم يعزي المسلم إذا مات أبوه النصراني، فيقول له: أعظم الله أجرك وخلف عليك. ويقول للنصراني إذا مات ابنه: اخلف الله عليك ولا نقص عددك. فإن وجه قوله في تعزية المسلم بالأب النصراني بين، لأنه إن لم يحزن عليه حزن له، وحزنه له إيمان بالله ﷿. فيجوز أن يقال له: أعظم الله أجرك لهذا. ويقال: خلف الله عليك. فمعناه: رزقك الله ولدًا مكان الذي سلبك، ولا نقص لك عددًا. أي فعل بك ما سألت فلا ينقص عددك بالذي أخذه. وهذا ليس دعاء أن يكثر الكفار، لأن وفور عدده ليس يكون بأن يكون ولده على دينه. ومعنى هذا القول أن يكون الدعاء له، على رتبة الدنيا. فإن أصل التعزية إنها دعاء. فإذا لم يكن أن يدعي للكافر بحسن المآب دعي له بشيء من متاع الدنيا، فيكون حق جواره، أو حق آخر، إن كان له قد قضى بذلك، والله أعلم.
[ ٣ / ٣٥٤ ]