وهو باب في الجهاد
قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار﴾. وكانت للنبي ﷺ قبل فرض الجهاد منازل مع المشركين. فأول ذلك أنه كان يوحى إليه فلا يؤمر في غير نفسه بشيء، ثم أمر بالتبليغ، فقيل له: ﴿قم فأنذر﴾ فأشفق ذلك، فنزل: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾. فاعلم أن خوفه على نفسه إن بلغ أن لا يقع اسم الخلاف عنه إذا لم يبلغ ولا يزيل عنه حكمه، ثم بشر وراء ذلك بالعصمة من يخشاه من القتل. فلما بلغ كذبوه واستهزأوا به، فأمر بالصبر، وقيل له: ﴿فاصدع بما تؤمر واعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين﴾.
وأخبره عن الذين لم يؤمنوا به بأنهم لا يؤمنون، فقال: ﴿قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾. ثم أمر باعتزالهم فنزل: ﴿واصبر على ما يقولون، واهجرهم هجرًا جميلًا﴾. ونزل: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فاعرض عنهم﴾. يعني يخوضون في حديث غيره، ﴿وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين﴾. ثم أذن لمن أمر به في الهجرة دونه، فنزل: ﴿ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغمًا كثيرة وسعة﴾ فأمر رسول
[ ٢ / ٤٦١ ]
الله ﷺ جماعة بالهجرة إلى ديار الحبشة، وذلك قبل أن يسلم أهل المدينة فلما أسلموا أمر جماعة منهم بالهجرة إليها غير محرم على غيرها أن يقعدوا، ثم أمر الله تعالى رسوله ﷺ بالهجرة، فقال: ﴿وقل رب أدخلني مدخل صدق، وأخرجني مخرج صدق، واجعل لي من لدنك سلطانًا نصيرًا﴾.
قيل: أراد أخرجني مخرج صدق وأدخلني مدخل صدق. فهاجر رسول الله ﷺ غير محرم على من يخلف عنه أن يقيم بمكة، وإن كانت دار شرك. ثم إن الله تعالى أذن لهم في قتال من يقاتلهم، ولم يأذن في ابتداء المشركين بالقتال، فنزل: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾.
ثم أذن لهم في الابتداء، فقال: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وإن الله على نصرهم لقدير﴾. فقد قرأ قوم يقاتلون، فرجع إلى معنى ما قبله. ثم إن الله تعالى فرض الجهاد على رسول ﷺ والمؤمنون، وفرض الهجرة على المتخلفين بمكة من المسلمين إلى أن فتحت مكة، فأسقط ذلك عنه فرضها، وقال: (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية). فأنزل الله في فرض الجهاد: ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكن، وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم﴾. ﴿قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة﴾. ﴿وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم﴾ ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾ ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب﴾. ثم ألزم الجهاد إلزامًا لا يخرج منه، فقال: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون، وعدًا عليه في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله، فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به﴾.
[ ٢ / ٤٦٢ ]
ومعلوم أنه لا يكون هناك مانع بأن يقول يعتاد بقول الله ﴿اشترى﴾ وإنما أريد به أنه لما فرض الجهاد، صار قبوله والطاعة له فيه من الإيمان، حق إن لم يقتلوا كفروا. وكان فرضه بشرط أن من قتل أو قتل في سبيل الله، فله الجنة. فمن قتله على هذا كان بادلًا نفسه بالجنة، وذلك في جريرة المبايعة، فكانوا بائعين. والله ﷿ مشتريًا من هذا الوجه. وكل بائع بثمن إلى أجل، مكلف أن يسلم فتسد بذلك فرض الجهاد ولزومه والله أعلم.
ثم إن الجهاد في عهد النبي ﷺ كان على منزلتين: أحدهما: أن يجهز سرية، فيكون على من بعثه أن يخرج من أن يكون له فيه خيار، قال الله ﷿: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾.
والأخرى: أن يخرج بنفسه، فكان يلزم عادة المطيعين أن يخرجوا بخروجه إلا من يتخلف لما يراه، فيكون له القعود بإذنه. قال الله ﷿: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه﴾. وهذا في القوم المجاورين له القيمين معه في بلده. فأما الناؤون عنه، فكان حكمهم إذا دعاهم أن يستجيبوا وإن استنفرهم أن ينفروا، وإن أمرهم بالانضمام إلى جيش قد بعثهم أن ينضموا، وإن قعدهم عدو أن ينفر منهم من تقع به الكفاية في دفع العدو، ولقول الله ﷿: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾. وهذا هو الحكم بعده في عامة البلدان لا يلزم أهل بلدنا بأسرهم أن ينفروا إلا أن يحتاج إلى جميعهم، ولا يسمح لأحد يطيق القتال أن يتخلف وإن استغنى ببعضهم لم يلزم الجماعة أن يخرجوا والله أعلم.
وإن لم يقع نفر منهم، فينبغي للإمام أن لا يعطل فرض الجهاد، وأن يكون له كل سنة غزو كيلا يأمن الكفار جوانب المسلمين فيبدأوهم، وهو مطلق في الأوقات كلها لا يختلف المسلمون في شيء منها إلا في الأشهر الحرم، فإن أكثر العلماء، على أن تحريم القتال
[ ٢ / ٤٦٣ ]
فيها منسوخ، وقول عطاء بن أبي رباح أنه نائب. ويلزم كل من يقول: إن الدية تغلظ على القاتل في الشهر خطأ، أن تثبت حرمة الأشهر الحرم، فإن أبى لم تنهض حجته، بل يلزم لمن يقول: القتال فيها مباح أن يقول: ليس في الشهور شهر حرام أن لا يثبت الأشهر الحرم، ويزعم أن تحريم القتال فيها منسوخ لأنه لا يظهر لحرمتها أثر في تحريم القتال. فإن كان ذلك زائلًا. فالأشهر كلها متفقة وليس منها شهر حرام، ولا أعلم أحدًا من المسلمين أطلق ذلك.
وتحريم القتال في الأشهر الحرم إنما هو تحريم ابتداء به. فأما قتال من يقاتل فلم يكن حرامًا، وليس اليوم بحرام. وروى عطاء بن جابر ﵁ إن رسول الله ﷺ لم يكن يغزو في الأشهر الحرم إلا أن يغزوا. ومن أنكر ما قلنا محتجًا بأن النبي ﷺ غزا الطائف في ذي قعده، فليست حجته بالبينة، لأنه لما غزا هوازن غزاها لست بقين من رمضان، فكانت جمعت جموعًا كثيرة منها ثقيف. فلما فتح الله على نبيه ﷺ انهزم المشركون إلى الطائف. فروي أن النبي ﷺ غزا الطائف في شوال، فكان هذا معارض لما رواه غيرنا. فإن ثبتت له روايته، فقد يجوز أن يكون غزاهم في شوال فلم ينفصل الأمر معهم حتى دخل ذو القعدة. وكان لإمامهم إن رجع أن تكون منهم عطفه على المسلمين، فلم ينصرف. أن يكون علم أن المشركين انهزموا إلى الطائف ليستظهروا بمن فيها فيكروا. فقصد الطائف يريد الذين قاتلوه، ثم انحاز إلى غيرهم وكان ذلك في معنى قتال المقابله لا في معنى الابتداء والله أعلم. لو أردت أن استوفي جميع ما في القرآن من الآيات الدالة على فرض قتال المشركين لخرج هذا الكتاب عن الحد الموضوع، وفي الآية الواحدة بما كتبت كفاية، فكيف في جميعها؟
ونقول: إن الجهاد من أعظم أركان الإسلام لأنه لا شيء أعز على أحد من الحياة، فإذا بلغ بأحد تعظيم الله تعالى حده وحبه، والغيظ من يشرك به وبغضه إن قاتله، ورضي بما يؤول أمره إليه من أن يَقْتِل أو يُقْتَل، فأبت نفسه أن يرى عدوًا لله ما شاء على وجه الأرض منعمًا بالحياة متقلبًا في نعمة الله ﷻ، ثم هو في ذلك كله يكفر به، فأما أن يجحده وإما أن يشرك به من لا خلق له، فلا رزق منه ولا ضر ولا يقع بتوقع منه، فدعته الحمية إلى أن يجاهده. فأما أن يرده إلى الحق، وإما أن يقتله. ثم
[ ٢ / ٤٦٤ ]
أن قتل العدو، فلا هم من ذلك على قلبه، بأن يخرج من الدنيا فلا يحتاج إلى أن يلقى عدوًا لله بالصفة التي ذكرناها. فكان الموت أحب إليه من لقائه، وجب أن يعلم أن إيمانه أصدق الإيمان، وأن إخلاصه أكمل الإخلاص، فلذلك زود الله تعالى من ذكر فضل الجهاد بعدما كره من أحكام فرضه ما لم يفعله منها في فريضة من فرائض الإسلام.
وجاء من أخبار النبي ﷺ في مثل هذا ما لم يجيء في شريعة من شرائع الإسلام. وسنذكر ما تيسر من الآي والأخبار في ذلك إن شاء الله.
فإن قال قائل: فما بال الجهاد لم يذكر في الحديث الذي قيل فيه (بني الإسلام على خمس). قيل: لم تذكر في بعضها الشهادة بأن محمدًا رسول الله، فلا يدل ذلك على أنها ليست من أركان الإيمان.
وقد يجوز أن يكون أراد العبادات التي لا يتعجل منها ثواب في الدنيا فذكر الشهادتين والصلاة والزكاة والصيام والحج، ولم يذكر الجهاد لأنه قد يتعجل ثوابه في الدنيا وهو الغنيمة. وعلى أنه قد جاء ذكره في بعض الأخبار، لأنه روى أي العمل أفضل، فقال: (الصوم في يوم الصيف، وجهاد أعداء الله بالسيف). وقد ذكر مع الصوم في غير هذا الحديث ويجوز أن يكون ذكر خمسًا لا تسقط عن أحد بأن يفعله غيره لنفسه. والجهاد ليس كذلك، لأن النفير إذا وقع فخرج من تقع بهم الكفاية ودفعوا العدو، سقط الفرض عن الباقين.
ويقال: أراد خمسًا لا يمكن أن يتوصل إليها إلا مع الإسلام، فإن الصلاة لا تصح إلا من مسلم، والزكاة لا تؤخذ إلا من مال مسلم، والصوم لا يجوز إلا من مسلم، والحج لا يتأدى إلا من مسلم، سواء حج بنفسه أو حج عنه غيره. وليس كذلك الجهاد، لأن المسلمين إذا احتاجوا إلى المشركين فلهم أن يستأجروهم على القتال معهم، فإذا قاتلوا كان ذلك جهادًا للمسلمين، ولو أن عاجزًا عن الحج استأجر كافرًا ليحج عنه ما صح ذلك ولا أجرى. فإنما عد رسول الله ﷺ في هذا الحديث الأركان التي لا يمكن تحصيلها إلا
[ ٢ / ٤٦٥ ]
بنفس مسلمة. فإن قيل: أليس الزكاة تؤخذ من المرتد فتجري عنه قيل: لا تؤخذ زكاة وإنما يؤخذ دينًا لأهل الصدقة ينتفعون بها، ولا تعود على المأخوذ منه وهو كافر، لأنها لا تزكيه ولا تطهره. وما جاء به الكتاب من فضل الجهاد على وجوه:
فمنها التحريض عليه والإشارة على فضله، وضمان الثواب عليه.
ومنها الدلالة على فائدته ومنفعته والتقية على الضرر الذي في التخلف عنه.
ومنها مدح المجاهدين في سبيل الله، والثناء عليهم.
ومنها إعطاء من يقتل في سبيل الله اسم الشهادة. والإخبار بجنانه عنده.
فأما ما جاء في الحث عليه، فقوله ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب اليم، تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار، ومساكن طيبة في جنات عدن، ذلك الفوز العظيم. وأخرى يحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين﴾. فدلهم على ما للجهاد من عاجل الفائدة وأجلها. فأما العاجل فهو النصر على الإعداد وما يرزقونه من فتح بلادهم، ونعيم أموالهم وأهليهم وأولادهم. وأم الأجل فهو الجنة والنعيم المقيم، فقال ﷿: ﴿فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة، ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف يؤتيه أجرًا عظيمًا﴾.
وأما ما جاء في الآيات عن فائدة الجهاد والضرر الذي تركه، فمنه قوله ﷿: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض﴾ وأبان أنه لولا دفع الله المشركين بالمؤمنين، وتسليط المؤمنين على دفعهم عن بيضة المسلمين وكسر شوكتهم وتفريق جمعهم لغلب على الأرض، وارتفعت الديانة، فثبت بهذا أن سبب بقاء الدين وإتباع أهله العبادة إنما هو الجهاد، وما كان بهذه المنزلة فحقيق أن يكون من أركان الإيمان، وأن يكون المؤمنون في الحرص عليه في أقصى الحدود والنهايات والله أعلم.
[ ٢ / ٤٦٦ ]
وأما مدح الله تعالى المجاهدين، فقد قال الله ﷿: ﴿والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هو المؤمنون حقًا لهم مغفرة ورزق كريم والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم﴾. وقال: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله أموالهم وأنفسهم، فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة، وكلا وعد الله الحسنى، وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيمًا، درجات منه ومغفرة ورحمة، وكان الله غفورًا رحيمًا﴾.
وأما إعطاؤه ﷿ اسم الشهادة من قتل في سبيل الله، وذلك على لسان نبينا ﷺ، فقد قيل معناه: أنهم ثبتوا بما بذلوا عن أنفسهم في سبيل الله إيمانهم وصدقهم وإخلاصهم، واستواء ظواهرهم وبواطنهم في طاعة الله ﷿. وأصل الشهادة التبيين أو لهذا يصح أن يقال: شهد الله أي بين الله لعباده أنه إلههم ولا إله غيره، بما ألزم خلقه من دلائل الحدث، ووضع في عقولهم من إدراكها والاستبصار بها وقيل شهادة الشهود بينه لذلك. وقيل معنى الشهيد: أنه يكون يوم القيامة بمنزلة الرسل، فيشهد على غيره بمثل ما يشهد الرسول. وهذا أحد تأويل قول الله ﷿: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس﴾. وقد قال الله ﷿: ﴿وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم﴾. والشهيد من تكون له شهادة كما للرسل. وأما حياة الشهيد، فقد نص الله ﵎ فقال: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾. ﴿ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون﴾.
فروي في ذلك عن الحسن قال: تغوص الأرزاق على أرواح الشهداء، فتصل إليهم نعمة ذلك وسروره، بما لا يستطاع وصفه بمنزلة قوله: النار يعرضون عليها غدوًا وعشيًا. فالنار تعرض على هؤلاء الكفار فيصل إليهم وجمع ذلك وألمه بما لا يستطاع وصفه.
ومن ذهب أن جملة الإنسان ثلاثة أجزاء. نفس وروح وبدن، فإنه يقول: إن أجزاء الحيوان جعلت متفاوتة في اللطافة والكثافة. فكانت العظام أكثف ما فيها، فجعلت
[ ٢ / ٤٦٧ ]
حاملة اللحم، واللحم أكثف من العروق فجعلت حاملة العروق، والعروق أكثف من الدم فجعلت حاملة للدم، والدم أكثف من الروح فكان حاملًا له، والروح جسم رقيق لطيف، إلا أن النفس ألطف منه، فكان الروح حاملًا للنفس. وكانت الحياة وعامة الإدراكات التي تحاذي الحياة من أوصاف النفس. فصارت الروح تحيي النفس ما دامت مجاورة لها، والبدين يحيي بالروح. فإذا انتزع الروح من البدن، مات البدن. وتبقى الروح حية بالنفس إلى أن تورد القبر مع البدن الميت وينقضي السؤال ثم يفرق بين الروح والنفس فتموت الروح.
واختلف في النفس فقيل تبقى وقيل تبطل، وهذا في غير الشهداء. فأما الشهداء فإنه لا يفرق بين أرواحهم وأنفسهم، ولكنها تنقل إلى أجواف طير خضر، كما ورد به الحديث الذي هو أولى ما يقال به، ويستسلم له. وتعلق تلك الطير من ثمر الجنة، فتستمد روحه من غذاء بدن الطائر كما كان يستمد في بدن الشهيد من غذائه، ويصل إليه لذلك من اللذة والنعمة والبهجة أضعاف ما كان يصل إليه من أطيب شيء كان يصبه البدن في الدنيا كانت مشوبة بالمضار والمفاسد، وما في الجنة منها يزداد على الأوقات طيبًا ولذة، وتكون نفسه فرحة مغتبطة بما صارت إليه، مستبشرة بما يعلمه من أحوال الذين يلحقون بهم من بعد، وأنهم صابرون إلى مثل هذا المصير، كما قال ﷿ ﴿يزرقون﴾ ﴿فرحين﴾ ﴿ويستبشرون﴾. فلا يزال ذلك حال الشهيد إلى أن ينشر فتعاد روحه ونفسه إلى بدنه من غير أن يصعق عند النفخ في الصور، لقول ابن عباس ﵁ في قوله ﴿إلا من شاء الله﴾ قال: هم الشهداء، ويحشر مع سائر أهل الحشر وينقضي الحساب والعرض، فيرد بجميع أجزائه إلى الجنة ليشترك ما كنف منها وما لطف في التنعيم بنعيمها والتلذذ بلذاتها وبالله التوفيق).
[ ٢ / ٤٦٨ ]
فصل
والجهاد فرض بجميع المال والبدن، ولهذا قال الله ﷿: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم﴾ وقال: ﴿وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله﴾. وقد جاءت بالحث على بذلهما في سبيل الله ﷿، وفضله أخبار كثيرة، وتكلم أهل العلم في ذلك، وفي وجوب أحكامه، فأكثروا لما جاء في هذا الباب حديث أبي ذر أنه قال لرسول الله ﷺ: أي العمل خير؟ قال: (إيمان بالله وجهاد في سبيل الله. قال: فأي الرقاب خير؟ قال: أرأيت إن ضعفت عن ذلك، قال: تدع الناس من شرك فإنها صدقة تصدقها على نفسك).
وعنه ﷺ: ما أفضل الأعمال؟ قال: جهاد لا غلو فيه، وحجة مبرورة. قيل: فأي الصلاة أفضل؟ طول القنوت. قيل: فأي الهجرة أفضل؟ قال: أن تهجر ما حرم الله عليك).
روي أنه ﷺ سئل أي الأعمال أفضل؟ قال: (الصلاة لوقتها: قيل فما يلي إثر ذلك؟ قيل: بر الوالدين: قيل: فما يلي إثر ذلك؟ قال: الجهاد).
وفي حديث آخر قال عبد الله بن مسعود: سألت رسول الله ﷺ: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: (الصلاة لوقتها: قلت: ثم أي؟ قال: ثم الجهاد في سبيل الله قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين). ففي هذا تقديم الجهاد على بر الوالدين. وفي الذي قبله تقديم بر الوالدين على الجهاد. فذكر إمامنا الذي هو أعلى من لقينا من علماء أئمة عصرنا صاحب الأصول والجدل، وحافظ الفروع والعلل، وناصر الدين بالسيف والقلم، والمربي بالفضل في العلم على كل علم، أبو بكر بن محمد بن علي الشاشي ﵀، في جملة ما خرج هذه
[ ٢ / ٤٦٩ ]
الاخبار عليه إن القائل يقول: خير الأشياء كذا، لا يزيد بفضله في نفسه على جميع الأشياء، ولكن أنه خيرها في حال دون حال، ولو أحد دون آخر، كما قد يتضرر واحد بكلام من غير موضعه فيقول: ما شيء أفضل من السكوت، أي لا يحتاج إلى الكلام، ثم يتضرر بالسكوت. فيقول: ما شيء أفضل للمرء من أن يتكلم بما يعرفه. فيجوز هذا للإطلاق كما جاز للأول.
ويقول القائل: فلان أعقل الناس وأفضلهم، يريد أنه من أفضلهم وأعقلهم. وروى خياركم خيركم لأهله، بل يكون ذلك على معنى: أي من أحسن معاشرة أهله فهو أفضل الناس. وقيل: شراركم عزابكم أي من شراركم لأنه وإن كان صالحًا فإنه معرض نفسه للشر غير آمن من الفتنة. وإلا فالفساق شر منهم، وفي العزاب صالحون.
وروي: ما من شيء أحق بطول السجن ممن أشان، وقد يكون الفاسق المفسد أحق بذلك منه. وروي: ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق، ومعلوم أن الصلاة والجهاد أعلى منه. وروي: خياركم إليكم مناكب في الصلاة. وقد يوجد لين المنكب فيمن غيره أفضل نفسًا ودينًا منه. وإنما هو كلام عربي يطلق على الحال والوقت، على إلحاق الشيء المفضل بالأعمال الفاضلة على أنه أفضل من كذا وكذا، لا من كل شيء غيره. ويقال في المثل: أزهد الناس في العالم جيرانه، وقد يكون فيمن بعد عنه من هو أزهد، وأكذب الناس القريب. فيطلق على الغائب، وعلى معنى أن أولئك من أزهد الناس، وهذا من أكذبهم. وقد يحضر المسجد سباق ومسبوق، فيقال: خيركم السابق، ولعل في المسبوقين خير منه. ولكن المعنى: بيان ما في السبق من الفضل.
وروي أن النبي ﷺ قال: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم).فكان معنى ذلك أنهم في الجملة خير من غيرهم. وقد يوجد فيمن يخلف عنهم أفضل من بعضهم، إلا أن ذلك عند التفضيل. وعلى هذا ما يروى من جواب النبي ﷺ عن العمل الذي يدخل الجنة، روي أنه قال للسائل (لا تغضب). وروي أنه قال لبعضهم: (أعني على
[ ٢ / ٤٧٠ ]
نفسك بكثرة السجود)، وهذا- والله أعلم- على أن الواحد قد يكون معتدل الجانب في أكثر الخصال، ثم يغلب عليه خلاف ذلك في بعضها، فيخاف عليه منه، فينهى عنه على معنى أنه إن ترك تلك الصلاة، الخصلة لم تكن فيه وراءها ما يذم. وقد يكون أكثر ما يخاف منه الضرر على الدين في بعض الأوقات ترك الجهاد. فيقال: أفضل الأعمال الجهاد. وإذا عود الأسباب باجتماع الكلم والمعاون على حماية الجورة وصلة الرحم، أي في ذلك الوقت، ثم يقع الأمن، ويبيد العدو، فيكون الإقبال على تعلم القرآن ودرسه أفضل، فيقال: أفضل الأعمال قراءة القرآن.
فأما تقديم بر الوالدين على الجهاد في خبر وتقديم الجهاد على بر الوالدين في خبر، فقد يخرج على أنه لم يزد بحرف في الترتيب. وإنما قيل: ثم أي على معنى، ثم ما الذي يحل محله فيحافظ عليه، وقد قال الله ﷿ ﴿فلا اقتحم العقبة، وما أدراك ما العقبة، فك رقبة، أو إطعام في يوم ذي مسغبة، يتيمًا ذا مقربة، أو مسكينًا ذا متربة، ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة﴾. ولم يكن ذلك من تأخير الإيمان عن الإطعام، وإنما كان على أنه: أهل فك أو إطعام، وكان مع ذلك من المؤمنين الذين هم أهل الصبر وأهل المرحمة. فكذلك هذا، والله أعلم. قال: ويبين ما قلنا، أن فاطمة قالت: أتى رجل من الأنصار قال: يا رسول الله، أخبرني بعمل أستقيم عليه وأعمله! قال: (عليك بالصوم، فإنه لا مثل له، الله أخبرني). قلما قال في كل واحد منهما لا مثل له، علمنا أنه أراد التسوية بنيهما في علو القدر وعظم الأجر. قال: وقد تكلم الناس في المفاضلة بين الحج والجهاد، فروي عن ابن عمر ﵄ قال: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان. ثم الجهاد في سبيل الله بعد ذلك عمل حسن. هكذا حدثنا رسول الله ﷺ، وقال عمر: عليكم بالحج فإنه عمل صالح، أمر الله به والجهاد أفضل منه.
وهذا القولان قد يتفقان، فيقال: إن الحج فرض يلزم الإنسان لعينه، والجهاد
[ ٢ / ٤٧١ ]
يفرض على الكفاية. فمن لم يحج حجة الإسلام وهي عليه، فالحج أفضل له من الجهاد لعينه عليه وبيانه غيره في الجهاد عنه إذا وقعت الكفاية بهم في دفع العدو دونه، وهكذا من لم يحج ولا حج عليه، إلا أنه لا حاجة بالمسلمين إليه في الغزو، أو كان ممن لا يغني عنا، أو لا يسد مسدًا، فالحج أفضل له، لأنه في الأصل على ما ذكرت. وقد يكون عظيم الغنى كثير البلاء، فيكون الجهاد أفضل له، إذا كان قد حج حجة الإسلام، لعموم يقع جهاده نفسه وغيره، واختصاصه ينفع الحج، وليس في تقديم الصائم بالذكر على الجهاد أو الحج ما يوجب تفضيله عليهما في كل حال. فإنه مع ذلك قد أمرنا بالفطر في السفر للحج والجهاد وقال: إنكم لاقوا العدو غدًا فافطروا وتقووا لعدوكم، وافطروا يوم عرفة، وأبو بكر وعمر لما فيه من التقوى على الدعاء ذلك اليوم إذ كان لفضل الدعاء يوم عرفة، واستحب الإفطار في السفر، لمن إذا صام صار كلًا على أصحابه، وجعل عمله مع الإفطار أفضل من أن يصوم، ويحتاج غيره إلى أن يعمل له، ولا شك في أن الصلاة أفضل من الصدقة، ثم قد يحدث حال يحتاج فيها إلى مواساة مضطر وإصلاح ذات بين، فتكون الصدقة أفضل من الصلاة. ثم قد رأى البيان ما قلنا في الأخبار.
روى عبد الله بن عمر، وقال: قال رسول الله ﷺ: (حجة لمن لم يحج خير من عشر غزوات، وغزوة لمن قد حج خير من عشر حجج). روى أن رسول الله ﷺ قال: (حجة قبل غزوة أفضل من خمسين غزوة، وغزوة بعد حجة أفضل من خمسين حجة، ولو وقف في سبيل الله أفضل من خمسين حجة).
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ: (حجة لمن لم يحج أفضل من أربعين غزوة، وغزوة لمن قد حج أفضل من أربعين حجة). فاحتمل أن يكون القصد من هذه الأخبار بيان تضعيف أجر الغزو على الحج لمن قد حج، وأن أقصاه خمسون ثم قد ينقص منها إلى أربعين وإلى ما دونها حتى تبلغ عشرًا حسب موضع الجهاد في وقته، وموضع الحج في وقته، على مقدار ما يحضر يؤدي كل واحد منهما من النية والإخلاص.
[ ٢ / ٤٧٢ ]
ويحتمل أن يكون المعنى أن الحج أفضل من الغزو في حال كذا، بأضعاف كثيرة. ولغزوة أفضل من الحج في حال كذا بأضعاف كثيرة. ويعبر عن التضعيف مرة، وعن التكثير مرة بالعشر، ومرة بالأربعين ومرة بالخمسين ومرة بالمائة ومرة بما دونها أو فوقها. ولو ذكر بعد الثلاثين أو العشرين جاز وكثر من نحو هذا، فذكر بالسبعين كما قيل: ما ضر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة، فهذا هو الوجه في تخريج هذه الأخبار، وهو سبيل أهل العلم المتبعين للآثار والله أعلم، وهو تمام كلام الإمام القفال ﵀.
ومما جاء من الأخبار في فضل الجهاد، ما روي أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ بن جبل ﵁: (إن شئت أنبأتك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه: قلت: بلى يا رسول الله. قال: أما رأس الأمر فالإسلام، وأما عموده فهو الصلاة، وأما ذروة سنامه فالجهاد في سبيل الله). ومعنى هذا- والله أعلم- إن الإسلام هو الذي لا يصح شيء من الأعمال إلا به، فإذا فات لم يبق معه عمل. فهو كالرأس الذي لا يسلم شيء من الأعضاء إلا ببقائه. وإذا فارق الجملة لم ينتفع بعد شيء من الأعضاء. وأما الصلاة فإنها عمود الأمر، والأمر هو الدين، لأن الإسلام لا ينفع ولا يثيب من غير الصلاة، ولا يغني قبولها عن فعلها، لأن الإسلام وحده لا يحقن الدم حق يكون معه أقام الصلاة، ولأن العرب لم تكن تمنع وتأنف كامتناعها وأنفتها من الصلاة لما فيها من الركوع والسجود وكان منهم من يشترط إذا أسلم أن لا ينحني. ولهذا قال أبو طالب: إني أكره أن تقول نساء قريش أن أبا طالب علته استه. وقال النبي ﷺ: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر). أي لم يحقق إيمانه فلذلك قيل الصلاة عمود الإيمان، وإنما قوله وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، فقد قيل معناه: إنه لا شيء من معالم الإسلام أشهر ولا أطهر منه، لأن الصلاة إنما يرثها المسلمون بعضهم من بعض، وكذلك الحج.
فأما الجهاد فإن المسلمين يجتمعون عليه مجاهدين المشركين، وينشر خبر ما يجري بينهم من الداني والقاصي. والهجرة في هذا كالجهاد، فهي معه وفي حكمه وإذا كان كذلك فقد
[ ٢ / ٤٧٣ ]
صار الجهاد كذروة السنام الذي لا شيء من البعير أعلى منه، وعليه يقع بصر الناظر من البعد. وبهذا كانت العرب عند الفخر بحسب الشريف تقول: ذروت بالسنام أي أنا في ذروة الحسب وهو أعلاه، والله أعلم.
ومنها ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لكل أمة رهبانية، ورهبانية أمتى الجهاد في سبيل الله). ومعنى هذا أن النصارى كانت تترهب بالتخلي عن إشغال الدنيا، فلا تخل أكثر من بذل النفس في سبيل الله فتقتل. وأيضًا فإن أولئك المترهبة كانوا يزعمون أنهم أنما يخلون بالصوامع والأديرة لئلا يؤذوا أحدًا، ولا أذى أشد من ترك المبطل على باطله، لأن ذلك يعرضه للنار. فإن لم تكن الرهبانية دفع الأذى عن الناس، فالجهاد دافع عن المجاهدين، أعظم الأذى فهو الرهبانية إذا لا يتوهمه النصارى والله أعلم.
وفيه وجه آخر وهو أن مترهبة النصارى يجري على أيديهم مما هو عندهم احتساب وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ما لا يقدر على الامتناع منه أمر ولا مأمور. فقيل: الرهبانية هي جهاد هذه الأمة، لأنه رأس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يحابي فيه من المشركين رئيس ولا مرؤوس والله أعلم.
ومنها ما روي عن رسول الله ﷺ: (كل دين مأخوذ من حساب صاحبه إلا من أدان في ثلاث: رجل ضعفت قوته في سبيل الله فيقوى على قتال عدوه بدين فمات ولم يقض، ورجل خاف على نفسه الفتنة في العزوبة، واستعفف بنكاح امرأته بدين فمات ولم يقض، ورجل مات عنده رجل مسلم فلم يجد ما يكفنه إلا بدين فمات ولم يقضه، فإن دينه يقضى عنه يوم القيامة).
ومنها ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (من انفق في سبيل الله جعلت له ميزانه كل غداة). وعنه ﷺ أنه قال: (من انفق في سبيل الله كتبت له سبعمائة ضعف)
[ ٢ / ٤٧٤ ]
وفي بعض الروايات (نفقة فاضلة). وهذا يحتمل وجهين: أحدهما أن يراد بها النفقة البينة ذات الرواء والموقع الجميل. والآخر يراد بها المال الفاضل عن الحقوق المعجلة، فلا يكون المنفق بإنفاقه في سبيل الله مضارًا زوجته أو ولده أو أباه أو أمه أو عبده وأمته أو بحريمه أو نفسه.
ومنها ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من جهز غازيًا أو حاجًا أو معتمرًا أو خلفه في أهله، فله مثل أجره). وعنه ﷺ: (من أعان مجاهدًا أو مكاتبًا في رقبته أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله).
ومنها ما روي عنه ﷺ: (والذي نفسي بيده لو أن رجالًا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني، فلا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده، لوددت أن أقتل في سبيل الله، ثم أحيى ثم أقتل ثم أحيى ثم أقتل، ثم أحيى ثم أقتل).
ومنها تعظيم حياته من يخون مجاهدًا في سبيل الله. روي عن النبي ﷺ أنه قال: (فضل نساء المجاهدين على القاعدين في الحرمة كأمهاتهم. فلا تخالف رجل من القاعدين إلى امرأة رجل منهم فيخونه فيها إلا وقف له يوم القيامة، فيقال له: هذا أخانك في أهلك، فخذ من حسناته ما شئت فما ظنكم يراه يدع من حسناته شيئًا). وهذا- والله أعلم- لعظم حق المجاهد علي، فإنه ناب عنه، وأسقط بجهاده فرض الخروج عنه، ووقاه مع ذلك بنفسه، وجعل نفسه حصنًا وجنة دونه، فكانت خيانته له في أهله أعظم من خيانة الجار في أهله، كما يحكون: خيانة الجار أعظم من خيانة البعيد والله أعلم. ومنها ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (مثل المجاهد مثل القائم الذي لا يفتر، ومثل الصائم الذي لا يفطر حتى يرجع المجاهد إلى أهله).
[ ٢ / ٤٧٥ ]
ومنها ما جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: (يضمن الله لمن خرج في سبيله لا لا يخرجه إلا إيمانًا وتصديقًا له أن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه بما نال من أجر وغنيمة).
ومنها ما جاء عن رسول الله ﷺ: (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمها الله عن النار). وعنه ﷺ: (من صام يومًا في سبيل الله باعده الله من النار سبعين خريفًا). وفي رواية أخرى (مسيرة مائة عام). وهذا والله أعلم. في تغليظ البعد كما يقول: الواحد كلم صديقه، فأجابه بما لا يليق بقصده، بين ما أقول وبين ما تقول عشر فراسخ، أو يقول له: أنا في واد وأنت في واد، أو يقول: أنا بالمشرق وأنت بالمغرب، لا يريد بذلك إلا شدة التنائي وبعد ما بين الكلامين أو القصدين، وهذا من هذا والله أعلم.
ومنها ما جاء عن النبي ﷺ: (لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان نار جهنم في جوف امرئ مسلم) وقد روي (في منخر) وروي (في قلب). ولا يجمع الإيمان والشح في قلب عبد مسلم. ومن قال (القلب) فإنما أراد كرب العباد والدخان.
ومنها ما جاء عن النبي ﷺ في فضل من نبت على الجهاد حتى شاب فيه، قال: (من شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورًا يوم القيامة) وهذا- والله أعلم- عند إظلام الموقف من دخان جهنم، فيعطي كل واحد من المؤمنين نورًا بقدر عمله. قال الله ﷿: (ويجعل لكم نورًا تمشون به).
ومنها ما جاء عن النبي ﷺ: (من صدق رأسه في سبيل الله فاحتسب غفر الله له ما كان قبل ذلك من ذنب).
[ ٢ / ٤٧٦ ]
ومنها ما جاء من الأخبار في الشهادة والشهداء. روي عن النبي ﷺ أنه قال: (ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم القرصة يقرصها).
وعنه ﷺ (يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته). وعنه (ﷺ): (ما من عبد يموت له عبد، الله خير محب أن يرجع إلى الدنيا وأن له الدنيا، وما فيها إلا الشهيد). بما يروى من الشهادة، فإنه يحب أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى. قال رسول الله ﷺ لجار: (أشعرت أن الله تعالى أحيي أباك، فقال له: بمن؟ قال: ارجع إلى الدنيا فما قتل قتل، قضيت عليهم أنهم لا يرجعون). وعنه ﷺ: (لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر ترد أنهار الجنة، تأكل من ثمار بها، وتأوي إلى قناديل معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم فقالوا: من يبلغ إخواننا عنا، إنا أحياء في الجنة تزرق لئلا يتكلوا عند الحرب، فلا يزهدوا في الجهاد قال الله ﷿: أنا أبلغهم عنكم، فنزل: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين). وعنه ﷺ في قتلى أحد: (زملوهم بكلومهم ودمائهم، إنهم يبعثون يوم القيامة وجروحهم تسقط دمًا، اللون لون الدم والريح ريح المسك) وفي بعض الروايات (تسحب).
وهذه الأخبار التي جاءت بفضل الجهاد والإنفاق فيه ومعونة المجاهد وفضل الشهادة وثواب الشهيد، ومن قتل: والآيات الواردة في فضل الجهاد ووعد الثواب عليه، قوله ﷿: (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله، ولا يطأون موطئًا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلًا إلا كتب لهم به عمل صالح، إن الله لا يضيع أجر المحسنين، ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة، ولا يقطعون واديًا إلا كتب لهم
[ ٢ / ٤٧٧ ]
ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون). وغير ذلك. فإن جميعها فيمن جاهد وقاتل لتكون كلمة الله العليا، ودين الله هو الظاهر. كان قبل الجهاد من المصلحين لما قيل عمل صالح قبل الغزو، فإنما يقاتلون بأعمالكم.
فأما من جاهد وقاتل رياء أو سمعة وليأخذ في الديون برزق المقاتلة أو ليصيب مغنمًا، أو كان من أهل الكبائر والمفسدين، فلا هو إن قتل من الشهداء الذي يكونون عند الله يرزقون فرحون، ولا من الذين لا تجمعهم الجنة، ولا من الذين وعدوا المواعيد التي سبق إيتاؤها وغيرها ما لم تأته. ويدل على ذلك ما روي أبو موسى أن رسول الله ﷺ قال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله). وروى أبو هريرة ﵁ قال: افتتحنا خيبر ثم انصرفنا مع النبي ﷺ إلى وادي القرى، وتبعه عبد له، يقال له ضيغم، فبينما هو يحط رحل رسول الله ﷺ إذا جاءه سهم منحرف فأصابه فمات، فقال: هنيئًا له الشهادة هنيئًا له الشهادة، فقال رسول الله ﷺ، (والذي نفسي بيده إن الشملة التي أصابها يوم خيبر من الغنائم لم يصبها المقاسم تشتعل عليه نارًا).
وعنه ﷺ أنه قال: (ورب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته) وجاء عن النبي ﷺ في هذا حديث بين، وهو إن إعرابيًا أتى النبي ﷺ فقال له: الرجل يقاتل ليغنم، والرجل يقاتل ليذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه. فمن في سبيل الله؟ قال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فذلك في سبيل الله)، ومعنى قوله ﷺ (فذلك في سبيل الله) أي فذلك هو الذي أراده الله تعالى بقوله ﴿وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله﴾. وقوله: ﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله﴾، وأبين وأعظم مما روينا كتاب الله ﷿ فإنه تعالى جده لما قال ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون
[ ٢ / ٤٧٨ ]
ويقتلون وعدًا عليه حقًا في التوراة والإنجيل والقرآن﴾ بين أن هؤلاء البائعين المشتري منهم: من هم التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، والحافظون لحدود الله، وبشر المؤمنين أي فبشر الذين آمنوا، أي وبشر الذين هذه صفاتهم بأن الله واف بعهده لهم، وهو اشتراؤه أنفسهم وأموالهم للقتال في سبيل الله بالجنة، فإنهم هم المؤمنون بالإطلاق والمعنيون بقوله ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن ﴾. فصح أن المفسد الفاسق والمقاتل رياء وسمعة وطريًا ومدحًا أو ليصيب مغنمًا، خارجون من هذا الضمان والله أعلم.
وإذا كانوا خارجين من أنه البيع والشراء، خرجوا من أنه الشهادة، لأنها في المقتولين في سبيل الله، وسبيل الله ما يثبت وأهله من قرأت فيهم من كتاب الله ما قرأت والله أعلم.
فصل
وإذا أنفذ الإمام جيشًا أو سرية، فينبغي أن يؤمر عليهم صالحًا أمينًا محتسبًا، لأن القوم إليه ينظرون، وإذا لم يكن خيرًا في نفسه كانت أعماله بحسب سريرته، وكانت أعمال القوم بحسبها مضاهية بها، وإن رأوا منه كسلًا كسلوا، وإن رأوا فشلًا فشلوا، وإن ثبت ثبتوا، وإن رجع رجعوا، وإن جنح إلى السلم جنحوا، وإن جد جدوا، وما هو إلا كإمام الصلاة الذي (إن) خفف الصلاة خففوا، وإن أطال أطالوا، وإن عجل عجلوا، وإن أخر أخروا.
وأيضًا فإن العدو إنما يفرق من رئيس القوم، فإذا سمع بذي ذكر كان ذلك أهيب له من أن يسمع بخامل لا صيت له. وإذا سمع بشجاع غير فرار كان أيسر من مقاومته منه إذا سمع بفشل جبان. وإذا سمع بلين يطمع في خداع مثله كان أجرًا على استقباله منه إذا سمع بقلب في الدين شديد في الناس، ليكون ما يكون من العدو إقدامًا وإحجامًا، بحسب ما يبلغه من حال رأس المسلمين. فلهذين الشيئين وجب أن يكون الرأس مستصلحًا جامعًا لأسباب الغناء والكفاية والله أعلم.
[ ٢ / ٤٧٩ ]
فإن ذكر ذاكر قصة طاغوت، وإن الله ﷿ ملكه على بني إسرائيل، وهو يومئذ دباغ، لا نبأ له ولا صيت، ولم يكن من أهل بيت النبوة والملك، لأن النبوة والملك كانا في بني طالوت وبين يهودا، وهو إنما كان من نسل ابن يامين، ولم يكن فيهم نبوة ولا ملك.
قيل له: إنما كان ذلك محبة من الله تعالى بهم، فقد كان عهدهم بالجهاد في سبيل الله بعيدًا منقطعًا، وعلم أن ذلك يسبق عليهم، فابتلاهم حق أطاعوا أمره، وانقادوا لطالوت فأمرهم بنصره لما سمعوا وأطلقوا بعدما رجعوا بينهم، واضطربوا واستفتوا إن تمليك طالوت ليس رأيًا من بينهم، وإنما هو أمر الله تعالى ووحيه بما أتاهم من طالوت، فسكنوا إليه، أمدهم الله تعالى بداود ﵇، وأجرى على يده من قبل جالوت. وجمع لهم أمرين محبوبين: أحدهما هلك العدو والاستراحة منه، والآخر جرى الأمر على مدمن كان من أهل النبوة والملك دون طالوت الذي كانوا يكرهونه، ومثل هذا لا يدري أنه يتفق اليوم إذا كان رأس الجيش غير حر ولا مستلم أو لا يتفق، فوجب الاحتياط والله أعلم.
وينبغي للإمام إذا أراد الجهاد أن يستعرض من أهل القتال، فمن يراه ضعيفًا يكسب أو مرض أخرج، وإن رأى في دوابهم لا يعلم أنه لا يصلح أمر بإبداله. ويتأمل أسلحتهم فما كان منها رديئا لا يصلح العمل به أمر بتبديله. ومن كان منهم غير تام السلاح أمر بإتمامه. ومن صحب الجيش غير المقاتلة، فمن يعلم أن فيه فائدة للمقاتلة ومنفعة خلاء والخروج متهم. ومن خاف أن يكون كلا وبالًا عليهم منعه ورده. ويرد ضعاف الرجالة وذوي الآشنان منهم، لأنه لا يدري لعل هزيمة تقع فيوطأون. وإن رأى فيهم جبانًا يخشى أن يفرق ويخذل غيره رده. ويوصي الإمام إمام السرية والجند بتقوى الله، وطاعته، والاحتياط والتيقظ ويحذرهم الشتات والفرقة والإهمال والغفلة. ويأخذ على الجند أن يسمعوا ويطيعوا أميرهم ولا يختلفوا عليه، ولا يدعوا له النصيحة ولا يخذل بعضهم بعضًا، ولا جماعتهم للأمير. وإن أظفرهم الله تعالى على العدو ولم يغلوا ولم يخونوا ولم يعتدوا، ولم يقتلوا امرأة ولا تقاتلهم ولا وليدًا، ولا يعقروا من دواب المشركين التي لا تكون تحتهم دابة. وأنهم إن وصلوا إلى قرية لا يدرون حالها أمسكوا عنها وعن
[ ٢ / ٤٨٠ ]
أهلها، ولم ينبؤهم ولم يشنوا الغارة عليهم حتى يعلموا إلى غير ذلك من الآداب التي يحتاجون إلى معرفتها سوى ما يعلمهم، أو يخشى أن يكون فيهم من لا يعلمه ما يلزم، ويحل أو يحرم من أمر القتل والأسر والنعم، والقسم وعزل الخمس، ومن بسهم له أو لا بسهم، ومن رسخ والفرق بين الفارس والراجل ونحو ذلك كما يعلم إمام الحاج يخطبه الناس من أحكام الحاج ما يظن أنهم أو بعضهم يجهلونه، وأقام الصلاة الناس في خطبة العيد ما يليق بها من أمر زكاة الفطر، أم سنن النحر. ويأمرهم إن كان العدو الذي يقصدونهم من أهل الكتاب أن يكفوا عنهم إن ضمنوا الجزية، وأن لا يكفوا عنهم وإن ضمنوها إذا لم يكونوا من أهل الكتاب، ولا يقبلوا منهم إلا الإسلام، وإن كان العدو لا يعلمون ظاهر دين الإسلام، ولم يسمعوا أنه أمرهم أن يرسلوا إليهم ويدعوهم إلى الإسلام، فإن سألوا عنه بينوه لهم، فإن لم يجيبوا إليه قاتلوهم، ويأمرهم إذا قتلوا المشركين إن لم يمثلوا بهم، ولا يطمعوا منهم متاعًا إن كانت معهم من كلب أو فهد أو غيرهما.
وينبغي أن تكون نية الإمام في بعث السرية صيانة جورة الإسلام، وإعلاء كلمة الله، وحمل عباده على دينه وطاعته، وإجابته إلى إتباع أمره وعبادته، وكذلك السرية تنوي وآمرها. وإذا مضوا باسم الله فلاقوا العدو، فليتعوذوا بالله تعالى منهم، وليقولوا: اللهم إن بلاؤك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم، وإذا قاتلوا فليقولوا: اللهم بك نصول ونجول، وليقولوا: إياك نعبد وإياك نستعين، وليقولوا: اللهم منزل الكتاب وسريع الحساب هازم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم، وإن حصوهم فليقولوا شاهت الوجوه، وإن رموهم فليقولوا: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى، وليبلي المؤمنين منه بلاءًا حسنًا﴾. وإن بينهم العدو فليكن سفارهم ﴿حم﴾ لا ينصرون وليقولوا: ﴿حم عسق﴾ تفرق أعداء الله، وبلغت حجة الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وليقولوا إذا دخل العدو ديارهم فلقوهم: ﴿ثم لا يجاوزونك فيها إلا قليلًا، ملعونين أينما ثقفوا، أخذوا وقتلوا تقتيلا﴾. وليقولوا إذا صابوهم: ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم، وينصركم عليهم. ويشف صدور قوم مؤمنين، ويذهب
[ ٢ / ٤٨١ ]
غيظ قلوبهم﴾، وليقولوا جندنا: هنالك مهزوم من الأحزاب. وليقولوا: ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾ وليقولوا فكفروا به ﴿فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم، والسلاسل يسحبون في الحميم، ثم في النار يسجرون﴾. وإن صبحوا دارهم فليقولوا: الله أكبر، هزم العسكر ﴿فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين﴾، وإن ثبتوهم، فليقولوا: ﴿أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتًا وهم نائمون﴾. وإن جاءوه فليقولوا: ﴿أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون، أفأمنوا مكر الله، فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون﴾. وليقولوا في عامة أحوالهم وأوقاتهم: ﴿حسبنا الله ونعم الوكيل﴾. وليقولوا: ﴿وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا﴾، ﴿إن كيد الشيطان كان ضعيفًا﴾.
وإن كان العدو يهودًا، فليقل المسلمون في وجههم: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة، غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا﴾. ﴿فما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين﴾. وليقولوا المعوذتين غدوة وعشيًا، وإن وقعت هزيمة فتبعهم العدو فليتحصنوا منهم بقراءة قوله ﷿: ﴿وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابًا مستورًا، وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرًا، وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورًا﴾ ﴿وجعلنا من بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا، فأغشيناهم فهم لا يبصرون﴾ وإن هزموا العدو، فليقولوا على آثارهم: ﴿فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين﴾. وليقولوا: ﴿مالكم من ملجأ يومئذ وما لكم من نكير﴾ وإن لج العدو وثبتوا، فليقولوا: ﴿ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار﴾.
[ ٢ / ٤٨٢ ]
وليقولوا ﴿إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار، جهنم يصلونها وبئس القرار﴾ وليقرأوا: ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ووجد الله عنده فوفاه حسابه﴾. وليقولوا: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورًا﴾. وليقولوا: ﴿وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلمًا﴾. وليقولوا: ﴿ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين، ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون﴾. وليقولوا: ﴿ومكروا مكرًا ومكرنا مكرًا وهم لا يشعرون، فانظر كيف كان عاقبة مكرهم، إنا دمرناهم وقومهم أجمعين﴾ وليقولوا إذا حملوا على العدو: ﴿بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، ولكم الويل مما تصفون﴾. ﴿بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم، تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم﴾. وليقولوا: ﴿ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا﴾ وليقولوا: ﴿اعرض عن هذا، إنه قد جاء أمر ربك، وإنهم أتاهم عذاب من غير مردود وليقولوا: ﴿وإذا تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من سوء العذاب، إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم﴾. وليقولوا: ﴿فما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا﴾ وليقولوا: ﴿فجعلناهم أحاديث ومزقناهم شر ممزق﴾.
وإن حمل العدو عليهم فليقولوا لأنفسهم: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾. وليقولوا: ﴿فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل، ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يودعون﴾ إلى آخر السورة.
وإذا دنوا منهم فليقولوا: ﴿ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون﴾.
[ ٢ / ٤٨٣ ]
وليقولوا: ﴿فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها، وكان الله بما تعلمون بصيرًا﴾. وليقولوا: ﴿وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب﴾. وليقولوا: ﴿الله الذي جعل لكم الأرض قرارًا﴾.
وإن لحق العدو مددًا فليقل المسلمون: ﴿لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون﴾. وليقولوا: ﴿والقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله﴾.
وإن لحق المسلمون مدد فليقولوا: ﴿وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم، وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم﴾. وإن تحصنوا من العدو موضع، فليقولوا: ﴿إن تصدوهم فأووا إلى الكهف، ينشر لكم ربكم من رحمته، ويهيء لكم من أمركم مرفقا. وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال، وهم في فجوة منه، ذلك من آيات الله﴾. وليقولوا: ﴿فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبًا﴾. وإن تحصن العدو منهم فليقولوا إن قصدوه: ﴿فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء، وكان وعد ربي حقًا﴾. وليقولوا: ﴿اهبطا منها جميعًا بعضكم لبعض عدو﴾. وليقولوا إذا خافوهم: ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه، فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾. وليقولوا: ﴿وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا، يعبدونني لا يشركون بي شيئًا﴾. وليقولوا: ﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا، ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين﴾. وليقولوا: ﴿فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾.
[ ٢ / ٤٨٤ ]
وليقولوا: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ وليقولوا: ﴿وأنتم الأعلون والله معكم، ولن يتركم أعمالكم﴾.
وإن حاصروا العدو أحدقوا به، فليقولوا: ﴿إنا اعتدنا للظالمين نارًا أحاط بهم سرادقها، وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه، بئس الشراب وساءت مرتفقًا﴾ وليقولوا: ﴿يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان. يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران﴾. وإن حاصرهم العدو وأحاط بهم فليقولوا: ﴿قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب﴾. وليقولوا: ﴿ولقد مننا على موسى وهارون ونجيناهم وقومهما من الكرب العظيم، ونصرناهم فكانوا هم الغالبين﴾. وليقولوا: ﴿وذا النون إذ ذهب مغاضبًا فظن أن لن نقدر عليه، فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فاستجبنا له ونجيناه من الغم، وكذلك ننجي المؤمنين﴾. وإن رماهم العدو بالنار فليقولوا: ﴿يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم، وأرادوا به كيدًا فجعلناهم الأخسرين﴾، ﴿فأنجاه الله من النار﴾. وليقولوا: ﴿الله أكبر، الله ربنا ومحمد نبينا، وأنت يا نار لغيرنا﴾. وليقولوا: ﴿كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله﴾. وإن رموا العدو بالنار فليقولوا معها: ﴿ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفًا﴾، وليقولوا: ﴿إنها لظى نزاعة للشوى، تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى﴾. وليقولوا: ﴿ويقذفون من كل جانب، دحورًا ولهم عذاب واصب إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب﴾ وإن رموا العدو بالمنجنيق فليقولوا: ﴿جعلنا عاليها سافلها، وأمطرنا عليها حجار من سجيل منضود، مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد﴾. وإن رماهم العدو
[ ٢ / ٤٨٥ ]
بالمنجنيق فليقولوا: ﴿إن الله يدافع عن الذين آمنوا﴾ وليقولوا: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالًا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾ وإذا دخلوا أرض العدو فليقولوا: ﴿بسم الله، لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا، فجعل من دون ذلك فتحًا قريبًا﴾. وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها، فجعل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطًا مستقيمًا﴾.
وليقولوا إذا كانت الريح تصفق وجوه العدو: ﴿إنا أرسلنا عليهم ريحًا صرصرًا في يوم نحس مستمر تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر﴾. وإن كانت الريح تهب على وجوه المسلمين، فليقولوا: ﴿وهو الذي يرسل الريح بشرًا بين يدي رحمته﴾. ﴿ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته﴾. وليقولوا: ﴿اللهم أجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا﴾. وليقولوا: ﴿اللهم إنا نسألك من خير ما تأتي به الرياح ونعوذ بك من شر الماء والهياج. وإن بارز مسلم مشركًا فليقرأ عليهم: ﴿فساهم فكان من المدحضين﴾. وليقل: ﴿فوكزه موسى فقضى عليه﴾. وليقل: ﴿فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾. وإذا التقى الصفان فليدع أمين السرية وليسأل الله الصبر والفتح ويأمر الناس. فإنه يروى عن النبي ﷺ: (ساعتان تفتح فيهما أبواب السماء) وقال: (ما يرد على داع دعوته حضر الصلاة، والصف في سبيل الله). وقد جاء في بعض ما تقدم ذكره من الآداب عن النبي ﷺ، إنه كان إذا بعث جيشًا أو سرية أمر عليهم أميرًا ثم دعاه فأوصاه بتقوى الله خاصة نفسه، ثم أوصاه بمن معه من المسلمين خيرًا. ثم قال: (اغزوا باسم الله، قاتلوا من كفر بالله لا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا، فإذا لقيت عدوًا من
[ ٢ / ٤٨٦ ]
المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خلال أو خصال، فإنهن ما أجابوك، فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن فعوا فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى المهاجرين، فاخبرهم أنهم إن فعلوا، فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما عليهم، وإن دخلوا فى الإسلام واختاروا دارهم فاخبرهم أنهم بمنزلة إعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا حق لهم في الفيء والغنيمة إلا أن يجاهدوا مع المسلمين. وإن هم أبوا أن يدخلوا في الإسلام، فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن فعلوا فاقبلوا منهم وكف عنهم، وإن هم أبوا فأستعن الله عليهم وقابلهم).
فإن سأل سائل عن بعض ما في هذا الحديث فقال: لم قبلتم الجزية من أهل الكتاب وكففتم بها عنهم، وفي ذلك إيهامهم إنكم تقاتلونهم على المال دون الدين: وأقل ما في ذلك أن تسلكهم هذا منكم في أمركم، وتظنوا أنكم لستم على بصيرة من دينكم. فإن أرادوا الدخول في الإسلام لم يدخلوا، وإن هموا برفض الكفر توقفوا، فهلا أخذتم الكفار كلهم مجرى واحد وقابلتموهم أو تسلموا.
فالجواب- وبالله التوفيق- إنا إنما نقبل الجزية من الكافر متمسك بما كان أصله دينًا لله من قبل، وكان ذلك موروثًا له من آبائه الأصليين في ذلك الدين أو الداخلين فيه، مبعث النبي ﷺ، ومن كان بخلاف هذه الصفة لم نقبل منه الجزية .. ووجه هذا إن الذين ذكرناهم لم يقصدوا التغليظ من الدين، وترك العبادة أصلًا، لكنهم تمسكوا بما كان أصله في وقته حقًا، فلم يجز أن نهجم عليهم بالقتل إذا كانوا لا يقاتلون، لأنا إنما نقاتلهم على شروط الذين تداخلوا أنهم ليلتزموها ويضموها إلى الأصل الذي هم مغرمون به. فلو قتلناهم قبل أن نيأس من إجابتهم، لقوينا المقدار الذي هم باذلون به من التدين، ولناقض ذلك دعاؤهم إلى ضم غيره وزيادة ما يعوله عليه. فثبت بهذا أنهم إذا كانوا غير مقاتلين، فواجب أن نكف عنهم ولا نبدأهم بالقتال حتى نقدم فيه دعوة. فإن لم يجيبونا ولم يسألونا إمامًا ولا عهدًا، فقد تعرضوا للقتال وأيسرنا من رشده، فجاز لنا قتالهم. وإن كانوا متمسكين من الديانة بشيء، لأن ذلك المقدار على الإنفراد ليس بدين
[ ٢ / ٤٨٧ ]
ولا هو مقبول لله ﷿ منهم، ولا نافع إياه عندهم بوجوده وعدمه سواء. وكان تطهير الأرض منهم أولى من أن يتركوا متقلبين في نعمة الله غير دائنين دينه الذي ارتضاه لهم ودعاهم إليه. فإن طلبوا منا أمانًا عقدنا لهم وأمسكنا به عنهم بقول الله ﷿: ﴿وإن أحد من المشركين إستجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه﴾. ومعنى ذلك- والله أعلم- إن القرآن أخذ بمجامع القلوب وحجة باهرة للقبول، فيرجوا إنهم إذا اختلطوا بنا وشاهدوا إعلام ديننا، وسمعوا كلام ربنا، وسنن نبينا ﷺ استبصروا ونزعوا عن كفرهم وأسلموا، فكان عقد الإيمان لهم رفقًا، يرجو أن يعود بما لا يعود به العنف، فقدمناه وآثرناه. وأما إن عرضوا علينا الجزية ودعوناهم إليها وأجابوا، وجب الكف عنهم لقول الله ﷿: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾.
ومعنى ذلك- والله أعلم- إنهم لو استأنفوا بلا مال، ولم يكن على المسلمين ضرر من إيمانهم وجب إيمانهم، فإذا انضم إلى ذلك ضمان بمال، كان الكف عنهم أولى، لأنهم إذا استأمنوا كان حظنا من الأمان كحظهم. فإما نأمنهم كما يأمنونا، وإذا بدلوا كانت لهم في إجابتهم زيادة رفق لا يكون لهم بإزائه مثله، بل يكون عليهم فيه صغار ذلة من وجوه:
أحدها إنهم يصبرون كالعبيد المخارجين يسعون ويكسيون من يلزمهم إن ردوا إلينا ما وقع العقد عليه من غير متابعة ولا مداينة ولا استهلاك ولا خيانة، وهذا صورة العبيد الذين يستكسبهم ساداتهم، وفي ذلك متعبة لهم على رفض السبب الذي أنزلهم هذه المنزلة وهو الكفر.
فإن قيل: إنهم إذا كانوا عند أنفسهم مخفين لم نبعثهم هذه المذلة التي تلحقهم لأجل دينهم على أن يرفضوه كما لو وقع مثل هذا، لكن لم يبعثكم على رفض دينكم، إن كنتم تعلمون مثل أنفسكم إنكم محقون.
[ ٢ / ٤٨٨ ]
قيل: ليس كذلك بل مبطلون، لأن الله- تعالى جده- أخبرنا إنهم يجدون نبينا ﷺ مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، وإنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وإن الحسد هو الذي يحملهم على لزوم كفرهم. ونزل الإيمان بنبينا محمد ﷺ ونحن من هذه الأخبار في ثقة ويقين، فذلك الذي يمنعنا أن دفعنا من جانبهم إلى أمر نكرهه. وسيكفينا الله تعالى ذلك بفضله. ونفيناه إلى أن نرفض ديننا. وأما هم فإن حالهم إذا كانت ما ذكره الله تعالى من إنصاف ذلك لخوف الذلة والصغار، أتاهم قرب ذلك نزوعهم عما هما فيه، فإنهم إنما يتمسكون بدينهم ما داموا يقدرون لأنفسهم في الثبات عليه حظًا من الدنيا. فإذا تفرد عندهم أن لا دنيا ولا آخره لم يثبتوا عليه. فهذا فرق ما بيننا وبينهم. فإن قيل قد ثبتوا ولم يغن استدلالكم إياهم شيئًا: قيل العقل السليم يدعو إلى ما ذكرنا فإن ذهب عنه ذاهب فذاك لا يفسد هذا الأصل. وقد يذنب بعض الناس دينًا فيخلد عليه، ثم يعود فيخلد فيتكرر ذلك منه، وعليه دفعات فلا يرتدع، ولا يدل ذلك على أن عقوبة المجرم بالضرب الشديد ليست في موضع الردع والزجر، بل هي كذلك في حكم العقل، فإن ذهب عنه ذاهب لم يقدح ذلك في الحق والحكمة شيئًا والله أعلم.
وفي أخذ الجزية عنهم معنى آخر وهو أن يكون سر غناهم المكان بين أولياء الله في أرضهم ودارهم إلا ببذل يعود منهم عليهم، لتكون منزلتهم بين الأولياء بأديانهم، منزلة الأجنبي من صاحب المنزل. وفي هذا من الصغار ما لا يخفى. ثم هو في البعث على الر جوع إلى الحق، وترك التمادي في الباطل نظير الوجه الذي تقدم ذكره. وفي جملة ما كتبنا ما أبان أن قبولنا الجزية من أهل الكتاب لا يوهم أن قتالنا إياهم ليس على الدين ولكنه لأجل المال، وخصوصًا إذا كنا نشترط عليهم أن تكون أحكام الإسلام جارية عليهم، ولا يجاهدوا بكفرهم ولا أن يسمعوا المسلمين قولهم في عيسى بن مريم، ولا صوت الناقوس، ولا يفتنوا مسلمًا عن دينه، ولا يسقوا صبيًا من صبيان المسلمين ولا عبدًا من عبيدهم خمرًا يحتسونه بذلك. ولا يحدثوا في أمصار المسلمين كنيسة، ولا يظهروا فيها حمل خمر، ولا ادخار خنزير. ولا يحدثون بنا، يطولون به بناء المسلمين، ويقصروا الزنانير على أوساطهم ويفرقوا بين هيئاتهم وهيئات المسلمين في الملبس والمركب. ولا يركبوا الخيل ويقتصروا على الحمير والبغال، وإن ركبوا البراذين فبالأكف دون السروج.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
ولا يشبهوا على مسلم فيسقوه خمرًا أو يطعموه خنزيرًا. وإن من ذكر منهم كتاب الله أو نبينا محمدًا ﷺ ما لا نطلبه الإسلام، أو طعن في دين الإسلام، أو زنا بمسلمة أو أصابها باسم نكاح، أو غير مسلمًا عن دينه، أو تعرض لأن يفتنه، أو قطع على مسلم طريقًا، أو أعان على أهل الحرب بدلالة على المسلمين أو آوى عتيًا، فقد نقض عهده وأحل دمه وبرئت منه ذمة الله وذمة رسوله ﷺ.
فكيف يتوهم عاقل لأجل إقرارنا إياهم في دار الإسلام بالجزية مع هذه العهود الغليظة والمواثيق المحكمة، إن قتالنا إياهم على المال لا على الدين، وإن القتال لو كان لأجل المال لما رضينا بدينار من كل رأس في سنة، ولما شققنا عليهم بهذه الشروط، بل كنا نزيد في المال وننقص من الشروط. ولكنا لا نسقط المال ونضعه عنهم إذا أسلموا، فلما كنا نزيل المطالبة بالمال عنهم إذا أسلموا، وإذا لم يسلموا فوضعنا المال عليهم، قللنا المال وخففنا، وأكثرنا الشروط وغلظنا. فقد خففنا عند من يعقله، ويتصف بما لا يزيد بإيمانهم على الجزية إلا ما يزيد بنفس القتال من التسبب إلى أفعالهم في دين الحق. وصرف قلوبهم عن الباطل الذي هم فيه وبالله التوفيق.
وأما الكفار غير أهل الكتاب، فإن الجزية لا تقبل منهم، لأن قبولها من أهل الكتاب إنما كان لاستثنائهم رجاء أن يضمنوا شروط دين الحق إلى القليل من أصل الدين الذين هم متمسكون به. وأن يجذفوا عن ذلك الأصل ما ضمنوه إليه مما هو غير لائق به. فمن تجرد عن الديانة أصلًا وتمسك بما لم يكن دينًا لله تعالى قط، ولم يبعث به رسولًا، ولا أنزل به كتابًا، ولا رضي من أحد به دينًا، فلا معنى أن يترك نفسه عليه وهي مخلوقة للعبادة لا لغيرها وهو حابسها عن نفسه. فأنا نعلم أن من كان له مملوك قد اشتراه، فامتنع من خدمته أصلًا من غير عدة، كان له أن يؤذيه ويضربه أن يمهله وينظره، فإذا كان جنس المملوك المشتري للخدمة، خدمته توجب عليه أن لا يخل والتنعيم بنفسه لكن يضرب ويؤدى ويؤدب. فحبس المملوك المخلوق للخدمة عن الخالق خدمته، أولى أن توجب عليه أن لا يخلى والتنعم بنفسه والله أعلم. فإن استأمن على أن يدخل دار الإسلام لحاجة يبلغها في مدة قريبة جاز، لأن ذلك انتظار، وليس بتخليه، وقد يرجى أن يستبصر في هذه المدة، وينفعه الاختلاط بالمسلمين، والسماع بينهم، فكذلك أجبت.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
فأما قبول الجزية فإن تخلية، لأن ذلك يتأبد ولا يتأقت، والتخلية غير لائقة بحاله. وإن استرق عزل، لأن نفسه صارت مأخوذة عنه بالاسترقاق، وصار الحق فيها استرقاقه. فإن كان تعطله عن الدين يوجب أن لا يخل والتنعم بنفسه فهو إذا استرق، فلم تخل له نفسه، لأنه إذا أراد أن يقعد قيم، وإذا أراد أن ينام أن يلبث سير. وإذا أراد أن يسير فلم تخل له نفسه لأنه إذا أراد أن يقعد قيم، وإذا أراد أن ينام أزعج، وإذا أراد أن يلبث سير، وإذا أراد أن يسير لبث. ولا يأكل إلا إذا أطعم. وتحقيق ما قلنا أنه لا يمكنه استيفاء نفسه إلا بالمال والرق، يحول بينه وبين ملك المال، فقد حال إذا بينه وبين استبقاء نفسه، فظهر بذلك إنه زائل السلطان عن نفسه والله أعلم.
وإذا عرض المسلمين ما يحول بينهم وبين الجهاد، فرأى الإمام أن يهادن المشركين، فإن كانت بالمسلمين قوة، إلا أنهم اشتغلوا ببعض أمورهم عن الجهاد لم يكن للإمام أن يهادن أحدًا من المشركين. فإن كانت بالمسلمين أكثر من أربعة سنين، لأن النبي ﷺ كان هادنهم أكثر من ذلك. فلما قوي الإسلام رد الله تلك الهدنة إلى أربعة أشهر. وإن كانت بالمسلمين قلة العدد والعتاد، وعلموا أنهم لا يطيقون ابتداء المشركين بالقتال، ولا دفعهم عن أنفسهم أن يدرأوهم، فللإمام أن يهادنهم عشر سنين. فإذا قوى المسلمون وزالت العلة نقض الصلح كما نقضه الله تعالى لما دخل الناس في دين الله أفواجًا، وقوي الإسلام وظهر الحق، ورد الأمر إلى أربعة أشهر والله أعلم.
ولا يحل أن يهادنهم على ما يطيقونه إلا في حال قتال يخاف فيها الاصطدام ولن يكون ذلك أبدًا إن شاء الله تعالى.
[ ٢ / ٤٩١ ]