وهو باب في الصبر على المصائب، وعما تنزع النفس إليه من لذة وشهوة
قال الله ﷿: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة، وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾. فقيل: أراد بالصبر والصوم. لأن فيه صبرًا عن الطعام والشراب المعتادين بالنهار مع تحرك الطبع نحوهما، ونزوع النفس إليها. ولهذا قيل لشهر رمضان شهر الصبر.
وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (صوم شهر الصبر رمضان، وثلاثة أيام في كل شهر يذهبن كثيرًا من وحي الصدر).
وقيل: أريد بالصبر على ما يعرض من المسلمين من قبل أعدائهم المشركين ثم قال جل اسمه ﴿وإنها لكبيرة﴾ فقيل رجعت الكناية إلى الصلاة وحده، وقيل رجعت إلى كل واحد منهما بمعنى الخصلة أو بمعنى الطاعة، أو بمعنى القربة، أو بمعنى العبادة، أو بمعنى الفعلة. كأنه قال: وأن كل واحدة من الخصلتين أو الطاعتين أو القربتين أو العبادتين أو الفعلتين لكبيرة، أي لشاقة. إلا على الخاشعين الذي يكثرن في كل وقت، أنهم ملاقوا ربهم في ذلك الوقت. فهم يحبون أنهم يردون على الله صائمين مصلين، ولا يدعون طول الأمد إلى المدافعة بالعبادات واستقبالها في حيث ما هو أحب إليهم وآثر عليهم من إتباع الشهوات وغيرها والله أعلم.
وقال ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة، إن الله مع الصابرين﴾.
[ ٣ / ٣٦٥ ]
والأشبه بالصبر في هذه الآية، الصبر على الشدائد، لأنه ﷿ اتبع مدح الصابرين بقوله: ﴿ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾.
فضرب الأمر بالصبر بالنهي عن أن يقال للشهداء أنهم أموات. وليس المراد القول وحده لأنهم لو كانوا أمواتًا بالحقيقة لم ينهوا عن أن يسموا بأسمائهم ويوصفوا بأوصافهم ولكن المراد، لا تعلموهم أمواتًا. أي لا تعتقدوا فيهم أنهم أموات وأنهم أحياء حيث أصارهم الله إليه وأعده لهم. والمعنى أنهم ليسوا بموتى فلا تجزعوا عليهم كما يجزع على الموتى. على أن الجزع على الموت ليس مما ينبغي بل الصبر على المصيبة لهم ألزم وأولى، فإن الله مع الصابرين، أن يوفقهم للصبر لينبئهم به خيرًا، من المعاني التي سلبوها بقبض من قبضه من بينهم. وقد يتموها ما كانت من نفقة كانوا ينفقونها عليهم. أو معونة في النوائب كانوا يبذلونها، أو أنس وبهجة كانا فهم في لقائهم، أو قوة وكثر كانتا لهم بمكانهم. أو علم وتبصرة كانوا يستفيدونها منهم، وانقطعت مادتها عنهم بموتهم، فالله تعالى ينسيهم بما أخذه منهم إذا صبروا ما يجبر كثيرهم ويزيدهم درجات فيما أعد لهم من الكرامة في الجنة، ثم قال ﷿ ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع﴾ أي من قبل الأعداء، والجوع أي نبتليكم بالقحط ونقص من الأموال أي الآفات التي تجتاح الأموال وهي كثيرة. وتحتمل الأنفس الأمراض والأحزان، وما يعرض للناس في إعطائهم وجوارحهم من العمي والصم والتأمل وذهاب الأطراف والثمرات.
قيل: أراد بها الثمرات التي هي دون الأقوات، وقيل: أولاد الأولاد. وأولاد الأولاد بمنزلة الثمرات من وجهين: أحدهما أن الثمرة من زوائد الأصل، فكذلك الولد من زوائد الوالدين. والآخر أن الثمرة تستأنس بها وتقر العين برؤيته إلى أن يبلغ فتكون منه العوائد المقصودة بابتغائه والله أعلم.
[ ٣ / ٣٦٦ ]
ثم قال ﷿: ﴿وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون﴾. وأكثر الإشارة في ذلك إلى أن يقولوا في نفوسهم أو يخطروا بقلوبهم. وإذا كانوا له، كان ما ينسبونه إلى أنفسهم من المال والولد أيضًا لله. فإن أخذ عنهم شيئًا فإنما أخذ ما كان له، فليس لهم أن يصبوا بذلك درعًا. فإن المعير إذا استرجع عاريته لم يكن للمستعير أن يتأسف ويحزن ﴿وأنهم إليه راجعون﴾ أي أنه نازل بهم في أنفسهم ما نزل ممن يهتمون له، فأولى بهم أن يهتموا لأنفسهم، ويقدموا قبلهم ما يفرحون به إذا وردوا عليه. فإن رجلين لو خرج أحدهما إلى بلد متنقلًا إليه، وأراد الآخر الخروج بعده للانتقال إليه، وهو يعلم أن ذلك نازل، لا يجد القادم فيه إلا ما قم، فكان اهتمامه لنفسه، وتقديمه إلى ذلك البلد ما يكون معدًا فيه حتى إذا قدم وجده فيه، أولى به عنده العقلاء من أن يصرف جميع همه إلى التفكر في مفارقة الآخر إياه.
ثم قال ﷿: ﴿أولئك﴾ يعني: القائلين بما حكينا، والمعتقدين لما بينا، عليهم صلوات من ربهم للانبيه الحسنة والمدائح الفخمة التي يعظمون لأجلها في عباد الله ﴿ورحمته﴾ يعني: كشف الكربة وقضاء الحاجة ﴿وأولئك هم المهتدون﴾ هم المستبصرون بالأحق والألزم المجتنبون للأطغى والأظلم.
جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ في هذا: نعم العدلان، ونعمت العلاوة. يعني بالعدلين: الصلاة والرحمة والعلاوة ﴿أولئك هم المهتدون﴾. وقال الله ﷿ لنبيه ﷺ: ﴿فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل، ولا تستعجل لهم﴾ وقال: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين، واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم، ولا تك في ضيق مما يمكرون﴾. فأمره أن يصبر على أذى قومه، كما صبر إخوانه من النبيين الذين تقدموه، وكانوا أولي حد في أمر الله ويوهن القلب على احتمال ما يستقبلهم من قومهم. وأن يستعجل بما لهم عنده الله من الجزاء بكفرهم وشقاقهم وأبدانهم أتاهم، وزادهم توصية في الآية الأخرى على الأمرة بالتصبر أن اذكره أنه لا يستطيع الصبر إلا بإعانة الله تعالى إياه عليه، وتوفيقه له، ليرجع إليه ﷿، فيسلمه إياه أن يصبره وينبئه.
[ ٣ / ٣٦٧ ]
ثم قال: ﴿ولا تحزن عليهم﴾ أي فلا تحسر على ما يفوتك كثرة، ووفور عدة بهم لو كثروا بل فإن الله تعالى ناصرك ومكثرك بغيرهم، ومبدل أترابك فيهم خيرًا منهم وهذا على أن المراد بالآية، الذين كانوا يؤذونه من قريش، ﴿ولا تك في ضيق مما يمكرون﴾ أي لا تستشعر من الحزن ما يضيق به صدرك لأجل ما تسمعه، أو تظن أنهم يمكرونه بمكانك، فإن الله تعالى ﴿مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾. وأنت رأسهم والذين اتبعوك كلهم بهذه الصفة ﴿ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله﴾. ومكرهم بشيء فهو عائد عليهم وغير متجاوزهم إلى غيرهم.
وأما قوله ﷿: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين﴾. فقد قيل نزل في قتل حمزة ﵁. قال النبي ﷺ لما رآه قد مثل به قال: (لئن أظهرني الله عليهم لأضعن بثلاثين منهم مثل الذي صنعوا بحمزة). فأنزل الله ﷿: ﴿فإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ ثم قال: ﴿ولئن صبرتم﴾ عن المجازاة والمماثلة ﴿لهو خير للصابرين﴾ ولم يقل: فهو خير لكم. لأن الصبر ليس بمستحب لهم، ولكن لكل مصاب بظلم، فالصبر على الانتقام والتشفي من ظالمه في الدنيا، فذلك أشفى لصدر المظلوم، من أن يفعل في الدنيا به مثل ما فعل. لأن أدنى ما يمسه من وهج النار أعظم وأكثر من كل ما يمكن أن يفعل بالظالم، ويأتيه بمكافئه في الدنيا.
وأما أن يكون الظالم وقد صار إلى ما يوجب له مغفرة الله تعالى في الآخرة فالله تعالى يعوض المظلوم ما أصابه من الظلم الذي لحقه، ما هو أعلى قدرًا وأجل خطرًا وأعظم نفعًا منه. فإذا كان كذلك بان بأن الصبر خير للمظلوم من التشفي والانتقام، وقال ﷿: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾. وقال: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على الله يسير، لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما أتاكم﴾. فأخبر ﷿ أن ما
[ ٣ / ٣٦٨ ]
يصيب الناس من زوال نعمة عنهم، فإنما سببه حادث وقع منهم. أما ترك الشكر، وأما ارتكاب معصية بعد إحسان الله تعالى بالخوف. وقد يجوز أن يكون هذا الكلام خارجًا عن الأغلب الأكثر، أي فإذا كان هذا هكذا، فلا تحزنوا من المصيبة إذا وقعت، وارجعوا باللوم على أنفسهم، ويحفظوا من الأسباب المؤدية إلى المصائب قبل أن تقع لئلا تقع. وهذا فإن المصيبة بما يمكن بحكم العادة أن تدوم كالصحة والثروة والذكر الحسن والعلم والحكمة ونحوها والله أعلم.
وأما قول الله ﷿: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب﴾ يحتمل- والله أعلم- ما أصاب من مصيبة عامة ولا خاصة إلا وقد كتبها الله في اللوح المحفوظ من قبل أن يرفعها وينزلها، فقد أعلمكم ذلك، وبينه لكم لكيلا تأسوا على ما فاتكم، وتعلموا أن الغبطة كانت مقدرة بالوقت الذي جاوزتكم فيه. ومن أعطى شيئًا إلى وقت لم يمنع إذا استرجع منه بعد ذلك أن يحزن. ولا تفرحوا بما أتاكم، أي لا تسروا به وتنظروا به وتتكبروا به، على من لم يؤت مثله ما أتيتم، لأنه عارية عندكم وليست بملك. فإن حقيقة الملك لله ﷿، وليس للمستعير أن يتبذخ بالعارية، لأنه لا يأمن في كل لحظة أن يسترجعها منه صاحبها، فنعم الدنيا هكذا والله أعلم.
وقال ﷿: ﴿إنما يتذكر أولوا الألباب، الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق﴾ إلى قوله: ﴿والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة﴾. وقال: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾. وقال: ﴿نعم أجر العاملين الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون﴾. والصبر في هذه الآيات ينتظم معاني: أحداهما: الصبر على كلف العبادات، وما يلحق النفس في إقامتها من المشقة. والآخر: الصبر على المصائب المؤلمة الكارثة. والثالث: الصبر على أذى المخالفين وما يفرغ للأسماع من قولهم السوء، واستهزائهم وسبهم وما يتصل بذلك من أمرهم. والرابع: الصبر على الشهوات ومجاهدة النفس في وقعها عما يهم به منها حلالها وحرامها. وجملة ذلك الصبر عما لا ضرورة
[ ٣ / ٣٦٩ ]
إليه ونزل عليه. وقد يجوز أن تكون هذه الوجوه كلها مرادة بهذه الآيات، لأنه لا ينافي بينها حتى إذا كان أحدها من إذا امتنع أن يكون للآخر مرادًا.
وقد قال الله ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا، اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾. فقيل معنى قوله ﷿ ﴿اصبروا﴾ أي على ما كلفتم، ولا تخلوا بشيء منه ولا تقصروا فيه. ومعنى قوله ﴿وصابرون﴾ أي صابروا العدو واثبتوا لهم كما يثبتون لكم. وقال قبل هذا ﴿لتبلون في أموالكم وأنفسكم، ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم، ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا. وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور﴾ فأخبرهم ﷿ أن نسخ الشرائع المتقدمة وانبعاث نبي فله جريده، والأمر مع ذلك بقتال من خالف. فعرضهم لأن يبتلوا في أموالهم وأنفسهم. أما في أموالهم بأن ينفقوها في نصرة دين الله، وبأن يذهب منهم أن ظهر أمر العدو عليهم، والأنفس بأن يمتهن ويبتذل ويجوع ويعطش وينصب ويجهد في نصرة دين الله. وأن يعرض للقتل، فيطاب نفسًا عنها ويعوضها أن لا يسمعوا من أهل الملل المرفوعة، ومن المشركين أدى كثيرًا. فإن هم ضاقوا صدرًا بكل مكروه يلحقهم فليعلموا أن لا قوام لدينهم في التضجر بما يصيب فيه ولأجله. وإن وطنوا قلوبهم على الصبر واتقوا عذاب الله ﵎ فلم يعرضوا دينهم للذهاب، باستشعار القلق والضجر ﴿فإن ذلك من عزم الأمور﴾. أي من فعل الحازم العازم، وهو الثابت في الأمر الجاد فيه. وهكذا حكمه ﷿ عن لقمان بعدما وصفه بالحكمة أنه قال فيما وعظ به ابنه: ﴿واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور﴾. وبالله التوفيق.
وأما الصبر على المصائب، فقد تقدم القول فيه، وقد قال ﷿ فيما يتصل منه بالصبر عن محازاة الظالم: ﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون. وجزاء سيئة سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين، ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾. فكان معنى قوله ﷿ ﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون﴾
[ ٣ / ٣٧٠ ]
أي ينتصرون جميعًا أي يتناصرون، لا يخذل بعضهم بعضًا. وهذا مدح لهم بالتناصر إذا قصد المبغي عليه أن ينتصر. ثم بين بعده إن كان الانتصار مملوكًا، فالعفو خير له لأنه يستحق به إذا أراد وجه الله تعالى أجرًا هو خير له، وأعود عليه من الانتصار. ثم زاد نعتًا على العفو وندبًا إليه، فقال: ﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾. أي من فعل العازم وهو الثابت الجاد في الأمور.
وفي الصبر على البلاء: روى عن رسول الله ﷺ أنه قال في الخصي: (من ابتلى بمثل ما ابتلي هذا فصبر، فله الجنة). وهذا- والله أعل- إذا صبر فلم يجزع، ولم يقل بلسانه ما يقول المصاب مما يشتد عليه، ولم يضق ذرعًا بما يحس في نفسه من شهوة لا يستطيع قضاءها. ورغب فيما عند الله من ثوابه، فهون المصيبة على قبله واستخفها في حب ما يرجوه من فضل ربه ﷿. فأما الصبر لا على هذا الوجه فصبر ومره وليس هذا المراد بالحديث والله أعلم.
وفي الصبر على المصيب: قال النبي ﷺ: (إذا اشتد حزن أحدكم على هالكه فليذكرني، وليعلم إني قد هلكته). وفي الصبر على البلاء عن الأصبع بن ببامه قال: خلنا مع علي ﵁ على الحسن بن علي ﵄ نعوده، فقال له علي: كيف أصبحت يا ابن رسول الله ﷺ؟ قال: أصبحت بحمد الله بارئًا. فقال علي ﵁: كذلك إن شاء الله. ثم قال: اسندوني. فأسنده علي إلى صدره، فقال: سمعت جدي رسول الله ﷺ يقول: (عليكم بالقنوع تكن أغنى الناس، وأداء الفرائض تكن من أعبد الناس، يا بني، إن في الجنة شجرة البلوى يؤتى بأهل البلاء يوم القيامة فلا ينصب لهم ميزان، ولا ينشر لهم ديوان، يصب عليهم الأجر صبًا). وقرار رسول الله ﷺ ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾. ومن ذلك ما جاء عن رسول الله ﷺ من قوله (سلبته كريمته فوضعه بينهما الجنة).
[ ٣ / ٣٧١ ]
وفي الصبر على ما يشق: قال رسول الله ﷺ: لا يصبر على لأواها وجهدها أحد إلا كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة). وقد ينبغي الصبر من وجه آخر، وهو ما روى أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: يا رسول الله، كيف الفلاح بعد هذه الآية من يعمل شرًا سخزيه؟ قال (يرحمك ربك يا أبا بكر، ألست بمرضي؟ ألست تحزن حينما يصيبك اللأو أو الجهد، فهذا ما يجاوز به). وإن المصائب إذا كانت قد تكون جزاء، ولا وجه لترك الصبر عليها، فينقلب الجزاء ذنبًا، بل الإيمان هو الصبر، وإن كان ما أصاب خيرًا عفى عن الذنب الذي هو جزاؤه، وكان احتمالك ذلك أهون من النار.
وفي الصبر على المصيبة قال النبي ﷺ لإبراهيم ابنه ﵇، وهو لما به تدمع العين ويحزن القلب، ولا يقول بما يسخط الرب تعالى، ولو أنه مقضي وسبيل يأتي فإن الآخر لا حق بالأول، لكان وجدنا عليه أشد من وجدنا، (وإنا بك يا إبراهيم لمحزنون) ومن هذا الباب ما جاء عنه ﷺ أنه قال: (لا يموت لمؤمن ثلاثة أولاد فتمسه النار إلا يخله القاسم). وهذا على ما أصيب بهم فصبر واحتسب.
وفي الصبر على العوارض والمصائب: قال النبي ﷺ: (إن الله إذا أراد بعبد خيرًا عجل له العقوبة، وإذا أراد بعبد شرًا أمسك عليه حتى توفاه يوم القيامة).
وفي الصبر على الأمراض، قال رسول الله ﷺ: (ما وصب العبد المسلم من وصب ولا سقم ولا حزن ولا أذى حتى الهم، إلا الله يكفر به عنه خطاياه).
وقيل لرسول الله ﷺ: من أشد الناس بلاء؟ قال: (الأنبياء، ثم المثل فالأمثل، فيبتلى العبد على حسب ذنبه، فما برح البلاء بالعبد حتى يدعه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة). وقال عائشة ﵂: هذا مثابة الله للعبد بما يصيبه من الحمى
[ ٣ / ٣٧٢ ]
والنكبة والشوكة حتى البضاعة أبضعوا في لمه ففقدها، فيفزع منه، ويشد عليه، فيجدها في صبره، حتى إن العبد ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير.
وفي الصبر على الشدة قال رسول الله ﷺ: (من أسلم وكان رزقه كفافًا وقنع ثم صبر عليه). وفي الصبر على سوء الحال قال: كانت لرجل امرأة تقول كلما دخل عليها: مرحبًا يا سيدي، وسيد أهل بيتي، إن همك لآخرتك فزادك الله همًا، وإن كان همك لدنياك فإن الله سيرزقك، ويحسن إليك. فجاء إلى النبي ﷺ وأخبره بقول المرأة. فقال رسول الله ﷺ: (لها نصف أجر المجاهد في سبيل الله، وهي عامل من عمال الله في الصبر على الأمراض). قال رسول الله ﷺ: (أيكم يحب أن يصح ولا سقم؟ قالوا: كلنا يا رسول الله. قال: أتحبون أن تكونوا كالحمير الضالة ألا تحبون أن تكونوا أصحاب بلاء وأصحاب كفارات! والذي بعثني بالحق، أن العبد لتكون له الدرجة في الجنة ما يبلغنا بشيء من عمله). وقال رسول الله ﷺ: (لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في جسده وماله وولده، حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة). وقال رسول الله ﷺ: (إن العبد إذا كان طريقة حسنة من العبادة، ثم مرض، قيل للملك الموكل به: اكتب له عمله إذا كان طليقًا حتى أطلقه وألقيه إلي). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ في قول الله ﷿: ﴿والصابرين في البأساء والضراء﴾ قال: البأساء الحاجة، والصبر المرض.
وفي الصبر على البلاء: قال رسول الله ﷺ: (ليتعهد العبد المؤمن بالبلاء من المرض والمصائب في الدنيا، كما يتعاهد الوالد ولده. وإن الله ليحمي المؤمن من الدنيا، كما يحمي أهل المريض مريضهم من الطعام).
[ ٣ / ٣٧٣ ]
وقال ﷺ: (ما من سقم ولا وجع يصيب المؤمن إلا كان كفارة لذنبه حتى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها). وقال ﷺ: (إن الحمى كير من جهنم، فما أصاب المؤمن منها كان حظه من النار).
وعنه ﷺ أنه قال: (من كنوز البر كتمان الأمراض والمصائب) ويشبه أن يكون المراد بالحديث أن الله ﷿ جعل الصبر في البأساء والضراء في كتابه من البر. ومن ذلك ما روى عنه صلى الله عيله وسلم أنه قال: (يقول الله: إن عبدًا من عبيدي ابتليته ببلاء على فراشه، فلم يشك إلى عواده، أبدلته لحمًا خير من لحمه، ودماء خير من دمه، فإن قبضته قال: رحمتي، وإن عاقبته وليس له ذنب. قيل: يا رسول الله، لحم خير من لحمه! قال: لحم لم يذنب. قيل: ودم خير من دمه! قال: دم يدمي).
وأما الصبر على الشهوات حلالها وحرامها، وعن كل ما لا ضرورة به إليه، فإن من أطاقه كان سيدًا، كما وصف الله تعالى به يحيى بن زكريا صلوات الله عليه، فقال: ﴿وسيدًا وحصورًا ونبيًا من الصالحين﴾ لأن اسم الحصور كاسم الصبور، فإن الصبر والحصر جميعًا هما الحبس، فصار حابسًا نفسه عن الشهوات حلالها وحرامها، وإنه ما لم يخطأ ولا هم يخطئه.
وقد أباح الله ﷿ نكاح الأمة لمن خشي العنت، ثم قال: ﴿وإن تصبروا خير لكم﴾ وندب إلى الصبر عما أباح. وأباح في الأول الأمر لمن شهد الشهر وهو صحيح مقيم أن يفطر في الشهر ثم يقضي ويفتدى، فقال مع ذلك ﴿ون تصوموا خير لكم﴾ فندب إلى الصيام الذي هو صبر عن الطعام والشراب، وإن كان قد أباح الفطر، ثم نسخ بقوله ﷿: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه فثبت فرض الصوم على الصحيح المقيم، ولم يجعل الإفطار إلا للمريض والمسافر.
[ ٣ / ٣٧٤ ]
فأما الصبر على المحارم فهو من فروض الدين، وقد ذكرنا المحارم تامة في مواضعها والله أعلم. ومما وجدنا في فضل الصبر على كلف العبادات، إن الله ﷿ أرى إبراهيم صلوات الله عليه في منامه أن يعالج ذبح ابنه تقريبًا إلى الله ﷿. فلما استيقظ وقع له من تأويل ذلك أنه أمر بالذبح فأخبر ابنه بذلك. فقال الابن له: ﴿افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾. فاستسلم كل واحد منهما لأمر الله تعالى جده، وصبر على شدته، وتجرع من مرارته، فما أوجبه عزمه وقوة دينه ويقينه، والله ﷿ يقول: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه﴾. فينبغي لكل مؤمن في الصبر على كلف العبادات مثله، ومثل ولده ﷺ.
فصل
ومما يدخل في الصبر على الشهوات، ومما لا ضرورة بالعبد إليه، إن الله ﷿، وإن كان قد أباح لعباده الطيبات، فإنه ذم الذين استمتعوا بالطيبات في هذه الدنيا ولم يروا شيئًا منها لوجهه، رجاء أن يعوضهم منه، ما هو خير منه من طيبات الآخرة. فقال: ﴿ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها﴾. واحتج عمر ﵁ بهذه الآية مع علمه بأنها نزلت في الكفار، فقال لو شئت أن يذهبن لي لفعلت ولكني وجدت الله تعالى ذم قومًا، فقال: ﴿أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا، واستمتعتم بها﴾. فقد يحتمل أنه فهم عن الله ﷿ أنه أنكر عليهم توسعهم في لذات الدنيا، كما أنكر عليهم كفرهم، ثم جزاهم النار ببعضها لا بجميعها ومما حرم منها على المؤمنين كما حرمه على الكافرين، فقال ﷿: ﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيًا، إلا من تاب﴾ وهذه كالصلاة قبلها، والشهوات اسم للمشهيات وهي قسمان: حلال وحرام. فالصبر على الحرام واجب، والصبر عن الحلال التي لا ضرورة إليه مستحب، إذا كان إنما يقع عنه لئلا يصبر النزوع إلى الطيبات الدنيا ولذاتها عادة، فيعمى القلب ويميل بالعبد عن طريقة التعبد،
[ ٣ / ٣٧٥ ]
وتذليل النفس وقمعها إلى خلاف ذلك. فتعسر عند ذلك العبادة، وتستعصي عليه النفس فيكون الصبر عن الحلال لوجه الله تعالى جده، فيرجى أن يعوضه الله تعالى عما صبر عنه ما هو أطيب وألذ وأنعم وأكثر مما ترك. مع أن المتروك من جنس المنقطع الفاني والموعود من جنس الدار الباقي، وبالله التوفيق.
قال الله ﷿: ﴿ما عندكم ينفذ، وما عند الله باق، ولتجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾. فيدخل في هذا الصبر عن الحرام، والصبر عن الحلال على الوجه الذي يثبت. وقال ﷿ في صفة أهل الجنة: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى الدار﴾. وهذا أيضًا يصلح لانتظام الصبر عن الحرام والصبر عن الحلال. وقال ﷿ لنبيه ﷺ: ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجًا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه، ورزق ربك خير وأبقى﴾. فبشره بأنه إذا لم يتطلع إلى زهرة الحياة الدنيا لئلا يشغله عن عبادة الله تعالى عوضه الله منها، ما هو خير وأدوم منها. وقال ﷿: ﴿وجعلنا بعضكم لبعض فتنة، أتصبرون وكان ربك بصيرًا﴾. فيحتمل أن يكون أعطينا بعضًا وحرمنا بعضًا ليمتحن المحروم بالمعطى. ﴿أتصبرون﴾ أي تظنون أيها المحرومون نفسًا بما حرمتم وتعلمون أن ذلك عدل من الله ﷻ، وليس يجوز، وتصبرون عن التطلع إلى من أعطى غيركم راضين، بأن تعرضوا عنه في دار الجزاء خيرًا منه. أي إن صبرتم فهو خير لكم، وإن يكن فإنه ثناء من الله على الصابرين الذين ذكرناهم آنفًا، وهم الصابرون على شدة الفقر والفاقة، لأن البأساء هي الشدة. فمدح الله ﷿ وأخبر أن صبرهم بر وألحقه بسائر الخصال المقرونة بالإيمان. فقال ﷿: ﴿ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر﴾ إلى قوله ﴿المتقون﴾.
وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (انتظار الفرج بالصبر عبادة). فدخل في ذلك الصبر في البأساء وفي كل حال يكره ويرجى زوالها. وعنه ﷺ أنه قال: (إنما مثل
[ ٣ / ٣٧٦ ]
المؤمن كمثل الزرع لا يزال الريح يفنيه ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء. ومثل المنافق مثل شجرة أرز لا تهتز حتى تستحصد). وأما قوله ﷿ ﴿وحين البأس﴾ فمعناه عند القتال. أي من صبر في موطن القتال فلم يهرب من العدو. ومن هذا الصبر ما يجب ويحرم تركه. ومنه ما لا يجب ويجوز تركه. ونذكر ذلك في باب الجهاد إن شاء الله.
ومما يلتحق بالصبر عند المصائب أن لا يشق المصائب ثوبه ولا يلطم وجهه ولا تنخدش بشرته. ولا المصابة تفعل شيئًا من ذلك، ولا تقطع شعرها ولا ترفع صوتها بالبكاء ولا تنوح ولا تقيم النوح. قال النبي ﷺ: (ليس منا من حلق وسلق وشق) وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية).
وفي ذم النياحة: قال رسول الله ﷺ: (ما من نائحة تموت قبل أن تتوب إلا ألبسها الله سروالًا من نار ودرعًا من جرب).
وفي البكاء على الميت: قيل لعمر ﵁: إن النساء قد اجتمعن يبكين على خالد بن الوليد، فقال: وما على نساء بن المغيرة أن يسفكن دموعهن على أبي سفيان ما لم يكن يقع لأوليائه. قيل: هما جميعًا الصوت السديد. وقيل: النقع صنعة الطعام الذي هو البقيعة.
روى أن أبا بكر الصديق ﵁ لما توفي أقامت عائشة النوح، فأقبل عمر حتى قام ببابها، فنهاهن عن البكاء على أبي بكر، فأبين أن ينهين، فقال عمر ﵁ لهشام بن الحارث أو علي فاخرج إلى بيت أبي قحافة، فقالت عائشة لهشام: اخرج عليك يا بني. قال عمر لهشام: ادخل فقد أذنت لك. فدخل فأخرج أم فروة بنت أبي قحافة، فعلاها بالدرة ضربات فتخرس النوائح حين سمعت ذلك. فقال عمر ﵁: أردتن
[ ٣ / ٣٧٧ ]
أن يقذف أبو بكر ببكائكن عليه، إن رسول الله ﷺ قال: (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه). وقال: (ثلاث من الجاهلية: النياحة، والطعن في الأنساب، وشق الجيب).
ولأن النياحة فيها مشابهة من الشناعة التي يستعملها الآدميون فيما بينهم، كأن النياحة تقول فيما تذكره من مدائح المفقود والفوائد التي كانت لأهله فيه: أيها الناس إن هذا المستجمع لهذه الصفات أحفاد إياه سلبنا، أي أن الإساءة، فمن عمل هذا بمكاننا شديدة، وإضراره بناء عظيم. وفي دون هذا ما يحيط الآخر، ويعظم الوزر.
روى عن رسول الله ﷺ أنه قال لما توفي إبراهيم صلوات الله عليه قال: (القلب يحزن والعين تدمع، ولا نقول ما يسخط الرب وإنا بك يا إبراهيم لمحزنون) فبان بذلك أن التسليم لأمر الله تعالى إذا وقع هو الواجب، وما خالف ذلك فحرام.
* * *
[ ٣ / ٣٧٨ ]