وهو باب في محبة الله جل ثناؤه
قال الله تعالى: ﴿ومن الناس يتخذ من دون الله أندادًا، يحبونهم كحب الله، والذين آمنوا أشد حبًا لله﴾. فدل ذلك على أن حب الله تعالى. ويدعو إلأيه.
ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فالرجل يحب المرء لا يحبه إلا الله. والرجل إن قذف في النار كان أحب إليه من أن يرجع يهوديًا أو نصرانيًا" فبان بهذا الحديث أيضًا أن حب الله تعالى جده من الإيمان. وقال الله جل ثناؤه: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ فأبان ﷿ أن اتباع نبيه ﷺ من موجبات محبة الله.
فإذا (كان) اتباع النبي ﷺ إيمانًا فقد وجب أن يكون حب الله الموجب له إيمانًا من العبد، كما أن اتباع النبي ﷺ لما كان من موجبات الإقرار بالله تعالى. فكان بنفسه إيمانا، كان الإقرار الموجب له إيمانًا من العبد والله أعلم.
فصل
فإن قال قائل: ما معنى محبة الله تعالى جده؟
قيل له: إن محبة الله ﵎ ليست اسمًا لمعنى واحد ولكنه اسم لمعان كثيرة. أحدهما: اعتقاد أنه- عز اسمه- محمود من كل وجه، لا شيء من صفاته إلا وهو مدح له.
[ ١ / ٤٩٦ ]
والثاني: اعتقاد أنه محسن إلى عباده بنعم متفضل عليهم.
والثالث: أن الإحسان الواقع منه اكبر وأجل من أن يقضي قول العبد وعمله، وإن حسنًا وكثرا شكره.
والرابع: أن لا يستقل العبد قضاياه ولا يستكبر تكاليفه.
والخامس: أن يكون في عامة الأوقات مشفقًا وجلًا من إعراضه عنه، وسلبه معرفته التي أكرمه بها، وتوحيده الذي حلاه وزينه به.
والسادس: أن تكون آماله معقودة به، ألا ترى في حال من الأحوال أنه غني عنه.
والسابع: أن تجمله يمكن هذه المعاني في قلبه، في أن يديم ذكره بأحسن ما يقدر عليه.
والثامن: أن يحرص على أداء الفرائض والتقرب إليه من نوافل الخير بما يطيقه.
والتاسع: أنه إن سمع من غيره بني عليه، وعرف منه تقربًا إليه، وجهادًا في سبيله سرًا وعلانية مالاه وولاه.
والعاشر: أنه سمع من أحد ذكرًا له بما يجل عنه، أو عرف عنه عناء عن سبله شرًا وعلانية فأنبه وناوأه، فإذا استجرت هذه المعاني في قلب أحد فاستجماعها من المشار إليه باسم محبة الله تعالى جده وهي إن لم تذكر مجتمعة في موضع، فقد جاءت مفرقة عن النبي ﷺ فمن دونه.
فما جاء عنه ﷺ مما رواه عنه ابن عباس ﵁ فإنه قال: "أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمة" وهذا يحتمل أن يكون عاملا بالأنعمة كلها، وأن يكون اسم الغذاء في الطعام والشراب حقيقة، ولما عداهما من التوفيق والهداية ونصب أعلام المعرفة، وخلق الحواس والعقل مجازًا، ويكون جميع ذلك بالاسم مرادًا.
فقد جاء في بعض الأخبار- وقد رويناه- ثلاث من كن فيه، وجد حلاوة الإيمان" وفي بعضها "طعم الإيمان جازت تسميته غذاء" فيدخل الأيمان وجميع نعم الله في هذا الحديث والله أعلم.
[ ١ / ٤٩٧ ]
وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: "علامة حب الله تعالى جده، لم يعد المصائب التي يمتضيها عليه إساءة منه إليه، ولم يستقل وظائف عبادته وتكاليفه المكتوبة عليه، كما أن من أحب أحدًا من جنسه لم يلد يبصر منه إلا ما يستحسنه ويزيده إعجابًا به ولا يصدق به من خير المخبرين عنه إلا ما يجده سببًا للولوغ به والغلو في محبته"
وجاء عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: من ذاق حب الله تعالى شغله ذلك عن حب الدنيا، وهذا لأنه إذا تشاغل بالدنيا عن عمارة السبل التي تؤدي إلى الله تعالى جده لم يأمن أن يقطع الله عنه الطاقة ويكله إلى نفسه. وقد حكى الله ﷻ عن أهل الجنة أنهم يقولون ﴿إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين﴾. فقيل في تفسير: كانوا مشفقين أن يسلبوا الإسلام، وهذا أحد ما تقدم ذكره.
وجاء بعض المتقدمين أنه قال: لا يكون العبد محبًا لربه حتى يذل نفسه في مرضات الله ظاهرًا وباطنًا وعن بعضهم أنه قال علامة من أحب الله أن يحب ما أحب الله، ويبغض ما أبغض الله، وعلامة من أحب الله أن يبغض الدنيا ومتاعها ويقال أن في كتاب داود ﵇: من أحب الله لجأ إلى طاعته، ومن أبغض الله لجأ إلى معصيته.
وعن سعيد المقبري ﵁ أنه قال: مفتاح حب الله تعالى معرفة منه الله.
وقال بعض السلف: أول أحوال المحبة الموافقة والإقفال على من هو مقبل عليه، والإعراض عمن هو معرض عنه، وخوف السقوط من عينيه، قال ومن علامة حب النبي ﷺ حب القرآن فحب القرآن ما احمداه وبعض ما ذماه.
قال بعضهم: علامة المحبة استجلاء الطاعة ولزوم الخدمة وإدامة الفكرة. وقال بعضهم: الحب اللزوم، فإن من أحب شيئًا لزم ذكره قلبه فمحبة الله تعالى لزوم ذكرهن وهذا الذي فسر به هذا القول: المحبة من أنه اللزوم وموافق لقول أهل اللسان لأنهم يقولون: أحب وإذا ترك فلزم مكانه.
وقيل في قوله ﷿ حكاية عن سليمان ﵇: "إني أحببت، أي كسلت فأقمت مكاني من حب الخيل حتى توارت الشمس بالحجاب، ولم أقم الصلاة. وقد قال ﷿
[ ١ / ٤٩٨ ]
لرسوله ﷺ: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ أي إنكم تحبون الله فإني قائم بالدعاء إلى الله جل ثناؤه، وأداء حقوقه والجهاد في سبيله وإعلاء كلمته وحشر الناس إلى دينه، فلا أحد أشد موافقة لكم مني، فأحبوني تحبوا الله، واتبعوني فإن محبتكم لله تعالى تقتضي اتباعي لا مخالفتي والإزورار عني، فإن أبيتم فاعلموا أنكم غير محبي الله، وإن اسم العداوة والبغض أولى بكم وألزم بكم من اسم المحبة والله أعلم.
وقال الله ﷿: ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله، فتربصوا حتى يأتي الله بأمره، والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾.
فأعلمهم جل ثناؤه أنهم إذا قعدوا عن الجهاد إشفاقًا من أن يصابوا فيتضرر بذلك قراباتهم أو حسرة على المساكن التي يرضونها، وأسفًا على ما يفوتهم من التنعم بسكناها، أوشحًا بالأموال التي اكتسبوها، وخوفا من نقصانها، لم يكونوا محبين الله ﷿ بل كان ما يتركون لأجله الجهاد في سبيله، ويحملوا بسببه كفر الكفار، وغيهم وانتهاكهم محمارم الله، هو الأحب إليهم والآثر لديهم. فإن واحدًا من أمثالهم لو سبهم وأذاهم وأسمعهم في أنفسهم أو في بعض أسلافهم، وحسب لأحدهم امرأة وجارية لقاتلوه ولم ينتفعوا على أموالهم ولا مساكنهم ولا على ما يكسد من تجارتهم.
وإذا سمعوا الذين يلحدون في أسماء الله. ويستهزئون بآيات الله، وعرفوا ما قدم أسلافهم من قبل الأنبياء صلوات الله عليهم، وأنهم اليوم لفعلهم راضون، ثم لم يوادوهم إشفاقًا على القرابات والأموال أو على الأنفس لم يكونوا محبين لله تعالى جده حقًا، بل كانوا أحب بغيره منه، أي لا ينبغي أن يكون ذلك كذلك، بل خلاف ذلك هو الأولى بكم والألزم لكم، فثبت بجميع ما يثبت أن حب الله تعالى من الإيمان وبالله التوفيق.
فإن سأل سائل: عن قول الله ﷿: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله﴾ فإذا أريد به: الذين يعترفون بالله جل ثناؤه. فإن ظاهره
[ ١ / ٤٩٩ ]
يوجب أن يكون الكفار محبين لله جل ثناؤه، ولولا ذلك لم يقل: يحبونهم كحب الله، أي كحبهم لله.
قيل له: قد يجوز أن يكون المعنى يحبونهم كالحب الذي ينبغي أن يكون لله ﷿ وقد يحتمل أن يكون أراد به المشركين الذين يعترفون بالله ﷿ ويزعمون أنهم يحبونه، وهو أيضًا يحبهم، غير أنهم مشركون به بعض خلقه، كالنصارى الذين يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه وزعموا مع ذلك أن المسيح ابن الله. ومشركي العرب الذين عبدوا الأوثان وعظموا، وقاتلوا من سبها، هي بعينها، وقالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فأحبوا الله تعالى وأحبوا الأوثان أكثر من حبهم لهم، فحبط بذلك حبهم لله تعالى، ولم يحصلوا على ثواب واستحقوا بإيجادهم الأنداد من دونه أعظم العقاب والله أعلم.
فصل
فأما ما بدأ بذكره من معاني المحبة وهو في اعتقاد أن الله ﷿ محمود ممدوح من كل وجه، فإنه أبين أركان المحبة إذا كانت العبادة الجارية ماضية به، فإن أحدًا لا يحب المذمة تكون فيه، وإنه يحب لمحمده يعرفها له إما بالإطلاق وإما بحسب ما يكون عنده فيها. فإما بالإطلاق: فنحو محبة المسلمين بعضهم بعضًا لأن المواتاة والموافقة من بعض لبعض محمودة عندهم، وإن كانت الموافقة على الخير هي المتسوفية للحمل. فثبت أن الحب لا يكون إلا على ما يحمدون ما يذم بحبة الله تعالى، أولها: اعتقاد أن كلها مدائح، وهي كذلك بالحقيقة، فوجبت لها المحبة عليها وبالله التوفيق.
وكذلك اعتقاد المعنيين الآخرين وهما إحسانه وإنعامه، وإلا مجاوزتها حد ما يأتي عليه الشكر، هما باللسان للمعنى الذي تقدم ذكره، لأن أولها يلزم الشكر والآخر يضاعفه والأول يلزمه المنة والآخر يؤنس من إسقاطها، نوكل واحد منهما ينافي البغض لأن من أبغض أحدًا لم يستطع حمده ونشر محاسنه، والاعتراف له بالفضل والأفضال.
[ ١ / ٥٠٠ ]
ومن أنس من مقابلة منعم إذا شكره علم أن أقل ما يلزمه له أن يعتقد أنه مرتهن بحقه، ويصلح قلبه له حتى لا يتمكن منه ما لو بدأ المنعم يكرهه، ولا بتوطئه إلا ما ظهر له منه كبيرة وأعجبه، والله ﷿ لا يخفى عليه شيء ولا إنعام يعدل إنعامه، ولا إحسان يوازي إحسانه. فهو أحق بأن لا يعتقد العبد في ذاته إلا ما يرضاه، ويعصي في ارتكاب ما يكرهه هواه وبالله التوفيق.
وكذلك ما ذكرته في ترك الإشتغال لقضاياه، وتر الاستكثار لتكاليفه، لا استقال القضايا واستشعار ظلم، واستكثار التكاليف واستشعار حمل، وكل واحد منهما حقا وأعيان فمن أضمر هذا للآخر في نفسه فقد سهل لبغضه لأن المظلوم لا يحب الظالم ولا المحمول عليه الحامل.
وأما إذا لم يستقل القضايا وعلم ما نفذ فيه قضاؤه فإنما كان ملكه، وكان أولى به منه أو تجاوز ذلك إلى أن يستجلي ما يجزي به القضايا لأجل إنما عرض، فمن قبل المولى من قبل أحد، لقوله: وواحد، فيكون ذلك عائدا عليه بفضاضة وحقارة، فناهيك بالأمرين: أما أولها فإبعاد لما يفسد المحبة عن القلب، والآخر فيوصل إلى اكتساب محبة الله، وكل واحد منهما مما تبعث عليه الرغبة في رضا الله ﷻ، والكراهة تسخطه، وإذا لم ينكر الفرائض علم أن الله تعالى قد أبقى عليه ولم يخرجه، ويساهله ولم يشدد عليه، فدعاه ذلك إلى نعيم طاعته، ويطلب رضاه وموافقته.
فإن الإتقاء ممن يملك الاستيفاء اتصال، كما أن الاستيفاء ممن يملك الاتقاء شديدو الإيفاء والإنعام والإفضال عن دواعي المحبة والبواعث عليها. وكذلك للإشفاق من انقطاع نظر الله ﷻ هو اكدار كان المحبة، لأن الإشفاق لا يكون إلا على مظنون به متنافس فيه فمن كان نظره إلى ما أكرمه الله تعالى من معرفته وتوحيده هذا النظر دل ذلك من حاله على علمه بحقه.
والعارف بحق سيده والمنعم عليه لا يكون مبغضا له وكذلك تعلق الأمل بالله ﷿، مع العلم بأنه لا غنى عنه، وأنه جواد كريم هو من أسباب المحبة، لأن أحدا لا
[ ١ / ٥٠١ ]
يبغض من لا يصل إلى محبوبه إلا به ومن قلبه، فكذلك يجب من يوصله إليه، ولاسيما إذا لم يكن له إليه موصل غيره، وكان كريما يصدق الأمان ويكثر الأفضال ويحب الدعاء ولا يحب الرجاء.
وكذلك هيجان القلب للذكر الحسن والتقرب بنوافل الخير، ومولاة من يجده على طريقته، ومناوأة من لا يجده وتبرئه منه، والغلظة عليه كل ذلك من أركان المحبة في العبادات المعروف، وهو أمر لازم للطباع. وقد قال الله ﷿: ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر، يوادون من حاد الله ورسوله، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾.
وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان﴾، ومن يتولهم منكم، فإنه منهم﴾.
وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾.
فدل ذلك على أن ولاية الله تعالى جده لا تفارق موالاة أعدائه من أعلام ولايته ومحبته والله أعلم.
فصل
فأما إدامة ذكر الله تعالى جده التي ذكرناها أنها من إمارات المحبة، فقد جاء منها قول الله ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا﴾ وقوله ﷿: ﴿فاذكروني أذكركم﴾.
وجاء عن رسول الله ﷺ، وفي الأحوال التي يستحب الذكر فيها وفي فضيلته والحث عليه أخبار، فمنها ما جاء في الحث والاستكثار من الذكر، فإنه ليس شيء أفضل من ذكر الله، ولو اجتمع الناس على ما أمروا به من ذكر الله ما كتب الله الجهاد على عباده وإن الجهاد شعبة من ذكر الله.
[ ١ / ٥٠٢ ]
وفي هذا الحديث أن المراد بالذكر ليس هو الذكر باللسان وحده ولكنه جامع اللسان والقلب، والذكر بالقلب أفضل لأن الذكر باللسان لا يردع عن شيء، والذكر بالقلب يردع عن التقصير في الطاعات والتهافت في المعاصي والسيئات، وعنه ﷺ، أنه أتى في طريق مكة على جبل فقال: "الله أكبر، هذا حمدان، سبق المؤذنون قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات". وفي بعض الروايات: "الذين اهتزوا بذكر الله". وعنه ﷺ، فيما ذكر عن الله تعالى جده: "أنا مع عبدي ما ذكرني، وتحركت بي شفتاه يعني باسمي وقال- إن أهل الجنة لا يتحسرون على شيء إلا على ساعة مرت بهم ولم يذكروا الله فيها".
ومنها ما جاء في لزوم مجالس الذكر ومصاحبة أهله، قال النبي ﷺ: "إذا مررتم برباط الجنة فارتموا، قالوا يا رسول الله، وما رباط الجنة؟ قال: مجالس الذكر، فأعدوا فيها وروحوا في ذكر الله" وعنه ﷺ: (ما لمجتمع قوم يذكرون الله إلا حتفهم الملائكة وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده".
ومنها ما جاء في عمارة البيت بذكر الله ﷿، وقال النبي ﷺ: "مثل البيت الذي يذكر الله فيه، والبيت الذي لا يذكر الله فيه كمثل الحي والميت".
ومنها: الأحتراز من الشيطان بذكر الله تعالى جده، يروى أن رسول الله ﷺ قال: "أوحى الله إلى يحيى ثم زكريا ﵇ أن الله يأمر الناس بكر الله تعالى".
ثم قال: "مثل ذاكر الله كمثل رجل طلبه العدو وسارع في أثره حتى أتى حصنا حصينا فأحرز نفسه فيه، فكذلك العبد لا ينجو من الشيطان إلا بذكر الله". وعنه
[ ١ / ٥٠٣ ]
ﷺ: "أن الشيطان واضع خطمه في قلب ابن آدم، فإن ذكر الله حبس وإن نسي الله التقم قلبه".
ومنها: ما جاء في مفارقة المجلس من غير ذكر الله تعالى جده فيه ثم يفرقوا عنه إلا كان كأنما يفرقوا عن صفة حمار، وكان ذلك عليهم حسرة يوم القيامة.
ومنها: "الذكر عند كل اضطجاعه، قال النبي ﷺ: "من اضطجع مضجعا لا يذكر الله فيه كان شره عليه يوم القيامة".
ومنها الذكر عند كل مشي، قال رسول الله ﷺ: "من مشى مشيا لم يذكر الله فيه، كان عليه برة يوم القيامة".
ومنا ذكر الله ﷿ عند كل حجر ومدر وشجر، قال معاذ بن جبل رضي الله لرسول الله ﷺ، أوصني! قال: "اذكر الله عند كل حجر وشجر، واتق الله ما استطعت".
ومنها الذكر في الخلوة، قال رسول الله ﷺ لأبي زرين: "يا أبا زرين، إذا خلو فأكثر ذكر الله" والأغلب أن المراد به في هذا الحديث ذكر القلب، لئلا يكون منه في الخلوة ذنب لا يستطاع منه في الملاء. وعنه ﷺ: "سبعة في ظل الله يوم القيامة منهم رجلا ذكر الله خاليا ففاضت عيناه".
ومنها الذكر في الملأ، قال رسول الله ﷺ فيما يحكي عن الله ﷿ "أنا مع عبدي إذا ذكرني، فإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وأطيب".
ومنها الذكر الخفي، وهو ضربان: أحدهما الذكر في النفس، وقد قال الله ﷿
[ ١ / ٥٠٤ ]
﴿واذكر ربك في نفسك تضرعا وخفية﴾ والآخر ما دار به اللسان ولم يسمعه إلا صاحبه.
وقال النبي ﷺ: "خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي".
وقال: "يفضل الذكر الخفي الذي لم تسمعه الحفظة على الذي سمعته الحفظة سبعين ضعفا".
ومنها الذكر عند الشدة قال رسول الله ﷺ: "فيما يؤثر عن الله ﷻ: عبدي الذي هو عبدي حقا الذي يذكرني وهو ملاق﴾. وعنه ﷺ قال: "طوبى لمن أكثر من ذكر الله جل ثناؤه في الجهاد، والكلمة بسبعين ألف".
ومنها: الذكر بعد الغداة إلى طلوع الشمس، قال النبي ﷺ: "لأن أجلس إلى قوم يذكرون الله بعد صلاة الغداة إلى أن تطلع الشمس، أحب إلى مما طلعت عليه الشمس".
ومنها- الذكر بعد العصر إلى غروب الشمس، قال النبي ﷺ: "لأن أجلس مع قوم يذكرون الله بعد العصر إلى غروب الشمس أحب إلي مما طلعت عليه الشمس".
ومنها: الذكر بين الغافلين قال رسول الله ﷺ: "ذاكر الله في الغافلين كالذي يقاتل في الغازين، وذاكر الله في الغافلين مثل المصباح في البيت المظلم، وذاكر الله في الغافلين مثله مثل الشجرة الخضراء وسط الشجر الذي قد تجاف ورقها، وذاكر الله في الغافلين يغفر له بعدد كل فصيح وأبكم، وذاكر الله في الغافلين يعرفه الله مقعده في الجنة".
ومنها: الاشتغال بالذكر عن المله، قال رسول الله ﷺ، فيها ذكره الله ﷿:
[ ١ / ٥٠٥ ]
"من شغله ذكري عن ملتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" ثم الذي شذ عن هذا كله ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من أكثر من ذكر الله بريء من النفاق".
وعن معاذ بن جبل رصي الله عنه، قال: سألت رسول الله ﷺ أي الإيمان أفضل؟ قال: "أن تعمل لسانك في ذكر الله" فبان بهذا أن ذكر الله تعالى إيمان وإذا كان الذكر وهو مما يبعث عليه الحب والخوف، وكل واحد منهما كسب العبد، ثبت أنهما إيمان، كما أن عقد القلب لما كان هو الباعث على الإقرار باللسان، وكان الإقرار إيمانا، كان الاعتقاد إيمانا، والله أعلم.
وإذا كان محل ذكر الله ﷿ ما وصفت، كان من حق المبد أن يحافظ عليه، ولا يخل به ما استطاع ثم أن يتخري من الأذكار ما طهر فضله وجاء عن رسول الله ﷺ، الحث عليه. فمن ذلك قوله الذي صح منه: "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحا الله وبحمده، سبحان الله العظيم".
ومن ذلك ما جاء عنه ﷺ أنه قال: "أربع كلمات لا تضرك هذه دابة: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر". وقد خصت بهذه الأذكار صلاة شرع التنفل بها لمن أحب، فروي أن النبي ﷺ قال لجعفر بن أبي طالب ﵁ لما قدم من أرض الحبشة: "ألا أخبرك إلا لنجيك" فعلمه هذه الصلاة.
وروي عنه صلى الله ﵊ أنه علمها العباسي، وأمره أن يصليها كل يوم مرة فقال لا أستطيع قال ففي كل جمعة. قال: لا أستطيع. قال: في كل شهر. فقال: لا أستطيع. قال: ففي كل سنة مرة تكبر الله وتقرأ الفاتحة وسورة ثم تقول: سبحان الله والحمد لهل ولا إله إلا الله والله أكبر خمس عشرة مرة، ثم تركع فتقولها عشرا، ثم ترفع فتقولها عشرا. وفي الثانية مثل ذلك، فذلك مائة وخمسون مرة، ومن ذلك الاستغفار.
[ ١ / ٥٠٦ ]
قال الله ﷿: ﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا﴾.
وجاء عن النبي ﷺ: أنه قال: "للقلوب صدأ كصدأ النحاس، وجلاؤها الاستغفار" وعنه ﷺ: "من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، وفي كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب" وقال "إن لأستغفر الله في اليوم مائة مرة".
وعنه ﷺ: "ما لقي عبد ربه في صحيفته بشيء خير له من الاستغفار".
وعنه ﷺ: "من استغفر الله إذا وجبت الشمس سبعين مرة غفر له ذنبه" وشكا إليه ﷺ حذيفة دون اللسان على أهله، وقال إني أخشى أن يدخلني النار: فقال له: "فأين له أنت يا حذيفة من الاستغفار، فإني أستغفر الله كل يوم مائة مرة" وبالله التوفيق.
[ ١ / ٥٠٧ ]