باب فيمن مات مستدلا بقول
-وبالله التوفيق- من بلغ عاقلا مميزا، أو عرف الدعوة وسمع بعض إعلام النبي ﷺ المطبق الذي لا يمكن أن يكون كذبا ولا غلطا، فلم يذعن له، ودافع بالإيمان ليستدل وينظر، فهو كافر، وإن مات مستدلا مات كافرا، لأن إعلام الأنبياء صلوات الله عليهم باهرة للعقول، فكما أن من شاهدها ولم يؤمن بها، وشكك فيها نفسه وزعم أنه يستدل وينظر لم يكن معذورا.
فكذلك من بلغه خبر هذا البلاغ الذي وصفت، فلم يؤمن لم يكن معذورا. فأما من كان في طرف من الأرض بعيد، لا يبلغه إلا الإفراد في الإفراط، فسمع خبر النبي ﷺ وبعض إعلامه، فتوقف عن الإيمان به لينظر: أيصدق الخبر به أو يكذب، واعتقد أن الأخبار إن تظاهرت بمثل ذلك، آمن ألا أنه لم يبرح من موضعه ليخشى الأخبار، والبراح يمكنه فهو كافر، لأنه رضي لنفسه بالشك بدلا من اليقين، وغرر مع ذلك بالدين، وإن كان البراح لا يمكنه ولم يكن عنده إلا هبر من يمكن الكذب منه، لم يكن محجوجا به.
ولا يشبه هذا، الواحد كان يبعثه رسول الله ﷺ إلى أحد الملوك بكتابه ليدعوه إلى الإسلام لأنه لم يغفل ذلك إلا بعد انتشار خبره وتطاير الركبان بذكره، وما غافص أحدا برسول أو كتاب، فكان يخلص كتابه إذا ورد على المكتوب إليه لدعوة دون التعريف، فلذلك كان من ورد عليه الكتاب على يد واحد، محجوجا بدعوته والله أعلم.
وإذا سمع سامع بدعوته ولم يسمع بشيء من إعلامه لم يكن محجوجا بما سمع، إلا
[ ١ / ١٧٩ ]
أنه ينبغي له أن يتوقف، فإن سارع إلى تكذيبه كفر، وإن لم يسمع بشيء من إعلام نوبته إلى القرآن، وقوله: ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾ وكان من عليه أهل البلاغة، وأخذ يمتحن نفسه لينظر: هل يتهيأ له بمعارضته، وهو يعتقد أنها لم تستوله واعتاصت عليه آمن به وانفضت مدة لو كانت المعارضة مؤاتيه في ممكنته لواته فيها وأمكنته، فلم يقدر على شيء وآخر الإيمان به كفر. فإن قبل أن يمكنه معرفة حاله وهو يراود نفسه فربما طبع، وربنا يئس، ولم يظهر له من حال نفسه ما يمكنه القطع به. وكان من قبل هذا البلاغ متمسكا بدين حق مات مؤمنا بإيمانه المتقدم.
فإن قيل: لم كفرتموه إذا يئس من إمكان المعارضة، وهو يقول: الست أنا الناس كلهم؟ ولعل غيري يقدر على ما عجزت عنه، وأما أنا واحد من الجمع!
قيل: لأن مباينة القرآن سائر الكلام المنظوم، إنما هي من قبل خروج نظمه عن معارف الناس، فإنه ليست له طريقة تدرك فيحافظ عليها، كما للشعر الذي إذا أجاب طبع الواحد إليه والأقدر على تعلمه والتوصل إليه بأسبابه، وإذا كان كذلك، فكل من كان من أهل البلاغة والنظم وجاهد نفسه في معارضة سورة من القرآن فلم يقدر عليها، لأن معرفته لم تحط بنظمه ولم تقف له على هيئة مطردة وطريقة منسقة صار محجوبا لعجزه. وكان علمه بما ظهر له من حاله علما باحوا لمن كان في مثل معناه.
ألا ترى أنه لو بلغه فمكان القرآن أنه يقول الدلالة على نبوتي، ولزوم أن أحدا لا يسمع كلامي وقولي إلا وينسينا اسمه، فلا يذره ولا غيره إلا أن اذكره، فنسي هذا المبلغ اسمه عند هذا البلاغ ونسبه مبلغه وجهد جهده في تذكره ولم يذكر لصار محجوجا بما بلغه. وإن لم يكن له أن يتوقف عن الإيمان معتلا بأن يقول: إن كنت نسيت اسمي ولم أذكره فلعل غيري لا ينساه أو يذكره، لأن لم ينس اسمه لعارض من العوارض التي تحدث للطباع فينسى ويغفل. فقال: لعل الناس يتباينون في ذلك، فعسى أن يعرض لواحد ولا يعرض لغيره، وإنما نسي لأمر خارج من الطباع فهو وغيره فيه سواه، وليس إلا التصديق والتسليم، فكذلك هذا في العجز عن معارضة القرآن والله أعلم.
فإن سأل سائل: عن امرأة ولدت ولدا على رأس جبل إلى أن يعيش وحده، ماتت أمه
[ ١ / ١٨٠ ]
وبقي وحده فكبر وعقل ولم ير أنسانا قط، ولا يسمع خبرا إلا أنه يفكر في أمره أول ما اتسع للرأي والنظر ليعلم ما هو وما هذه المحسوسات التي يراها وهل يجب أن يكون لها فاعل؟ أو هي قديمة؟ فلم يزل ينظر ويستدل ولا يغفل عن النظر وقتا إلى وقت تدفعه عنه ضرورة، فمات قبل أن ينتهي استدلاله، فيظهر له ما يطلب، أيموت كافرا أو يموت مسلما؟
قيل له: هذا ينبغي أن ينظر فيه من أصول سبق ذكرها:
أحدها: القول بالميثاق. فمن أثبته زعم أن الناس كلهم مولودون على حكم الميثاق المأخوذ عليهم. فمن نقصه بالكفر زال عنه حكمه، ومن لم ينقصه بحدث يحدثه ثبت له حكمه. فقال في هذا الذي مات مستدلا أنه مات مؤمنا ومآبه الجنة.
وهكذا من لم يقل بالميثاق ويزعم أن الله تعالى جعل أصل الناس الاستقامة، كما جعل أصل الماء الطهارة، فكذلك يقول أيضا. ومن قال: أصل الناس انه لا يدن لأحد منهم بنفسه، ولكن يجعل في صغره تابعا لأبويه، وإذا بلغ كان له حكم نفسه، قال أن الذي وقع السؤال عنه لا يمكن أن يكن لأنه لو كان، لا يمكن أن يقطع بأنه يموت كافرا، ولا بأنه يموت مسلما.
وقد قسم الله عباده قسمين، فقال: ﴿هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن﴾، ولما قسمهم في الآخرة جعلهم بين وعد ووعيد، فقال: ﴿فمنهم شقي وسعيد﴾ وقال: ﴿فريق في الجنة وفريق في السعير﴾ فثبت أن أحدا ألا يخرج من هذين القسمين. وصح أن المسألة بنفسها فاسدة، وجوابها أن المولود الذي سئل عنه إن كان بلغ حد الاستدلال. فإن الله تعالى يمهله إلى ينهي استدلاله حقا فيصيب، أو ينهيه وعند نفسه باطلا فيخطئ فيحق له الوعد أو يحق عليه الوعيد ولا يعاجله بالاحترام قبل أحد هذين والله أعلم.
فإن قيل: أرأيتم إذا استدل أو عرف الحق فآمن بالله كان إيمانه ذلك فرضا أداه، وكان استدلاله وإيمانه حسنين عند الله تعالى أولا. فإن قلتم: لم يكونا حسنين لزمكم أن تقولوا كانا قبيحين. وإن قلتم: كانا حسنين فقد اعترفت بأن الإيمان حسن لعينه، وإن
[ ١ / ١٨١ ]
ذلك مدرك بالعقل من حلمه، وليس يحتاج في تحسينه إلى أمر يرد به.
فالجواب: أن من قال أن من الأشياء أشياء حسنة لأعيانها، وأشياء قبيحة لأعيانها، والعقل فارق بين الصنفين، فإنه يقول: كان إيمانه واستدلاله حسنين واجبين، وتركهما- لو تركهما- قبيحين محظورين. ومن خالف هذا الرأي قال: السؤال محال! لأن الله تعالى اخبر أنه لا يرضى لعبادة الكفر، وإذا لم يرضه لهم نهاهم عنه وأمرهم بضده، فلا يمكن أحد المستعين لإدراك الأمر ومعرفته يحكى عن الأمر بالإيمان، فيحتاج إلى أن يتكلم عليه إذا خلا عنه واستدل بعقله على الإيمان. واعتقده، كان ذلك منه حسنا أو غير حسن وواجبا له غير واجب ويعتبر هذه المسائل بعد معرفة الأصل لا وجه له لأن ذلك إنما يراد به المغالطة وليست من فعل أهل الدين إنما فعلهم النصح للمسلمين، وبالله التوفيق.
***
[ ١ / ١٨٢ ]