باب في إيمان المقلد والمرتاب
المقلد من يدين ما يدين لأنه دين آبائه وقرابته وعشيرته وأهل بلده ومشايخ قومه وليس عنده وراء ذلك حجة يأوي إليها، وإذا سئل عما يدعوه إلى اختيار ما هو فيه على خلافه، ضجر واختلط ولم يكن عنده إلا أن يقول: ديني ودين آبائي وعليه وجدت الشيوخ وهو الطريق المستقيم، ومن خالف هذا لم يكلم إلا بالسيف.
والمرتاب من يقول: اعتقدت الإسلام وتألفت أهله احتياطا لنفسي، فإن يكن حقا وكان بعد الموت بعث وحساب وجنة ونار، فقد فزت وأفلحت، وإن لم يكن من ذلك شيء لم يضرني، وكنت في حرثي محمودا آمنا في نفسي وأهلي ومالي، وواحد من هذين- أعني المقلد والمرتاب- ليس بمسلم. أما المقلد فلأنه أراد بدينه موافقة قوم، وإنما ينبغي أن يراد بالدين إقامة الحق وأداء الواجب وليس يعرف الحق حقا ولا الواجب واجبا بقول الآباء والعشائر وشيوخ البلد. فإن المبطلين لهم آباء كآباء المحقين وعشائر كعشائرهم، وشيوخ كشيوخهم، فمن عرف الحق حقا والواجب واجبا من مثل هذا الوجه فلم يعرفه الحقيقة، واعتقاد الدين من غير معرفة بحصته لا يصح والله أعلم.
وأما المرتاب فلا اعتقاد له لأنه شاك لا يدري الإسلام وما يقوله المسلمون حق أو غير حق. والاعتقاد توطين النفس على أحد، فيسمى المنقسم أو أقسامه إذا كانت متباينة بإثباته ونفي ما سواه. فإذا كان الإسلام هو الاعتقاد، والاعتقاد ما وصفت وهو غير موجود من المرتاب، ثبت أنه ليس بمسلم. وأيضا فإن ما ضاد العلم بالله ضاد الإيمان به، والشك فيه مضاد للعلم به، كما الجهل به مضاد له. فلما استحال وجود الإيمان به مع جحده والجهل به استحال وجوده مع الشك فيه والارتياب به والله أعلم.
فإن سأل سائل عن المؤمن: هل يكون مقلدا؟ أو يصح إيمانه؟ ومن هو؟ ومن المؤمن غير المقلد؟
[ ١ / ١٤٥ ]
قيل له: أما المؤمن غير المقلد فرجلان: أحدهما الذي عرف الله تعالى جده بالدلائل والحجج الدالة على صدقه، ثم اعترف بالله ورسوله، فقبل عن رسوله جميع ما جاء به من عنده، وأسلم نفسه لله بالطاعة فيما أمره به ونهاه عنه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ.
والآخر: من يؤمن بالله إجابة لدعوة نبيه بعد قيام الحجة على نبوته، وهذا فضل يضطرب فيه كثير من الناس ويقولون: كيف يعرف رسول الله من لا يعرف الله، وكيف تثبت نبوة واحد عند من لا يعرف بالباري ﷻ حتى إذا ثبت إجاب دعوته، ولكن الأمر ليس على ما ظنه هؤلاء، وسنبين ذلك بيانا شافيا بإذن الله تعالى فنقول- وبالله التوفيق-:
قد علمنا أن الله ﵎، بعث الرسل إلى أن ختمهم بنبينا محمد ﷺ، إلى طبقات الكفار مع اختلاف آرائهم وتشتت مذاهبهم، فما أحد منهم آمن إلا وثبت إيمانه ومن السنن الذي يخفى أن لقائل الذين آمنوا لم يكونوا كلهم يكلمون الاستدلال على الباري جل ثناؤه ووحدانيته، ولا إن كان منهم من يستدل ثم يؤمن بل كانوا يجتنبون لما يرونه من معجزات الأنبياء صلوات الله عليه، ويكتفون بها ولا يطلبون معها دلالة سواها، وكان أسبقهم إيمانا وأعجبهم إسلاما خيرهم وأحقهم بالتقديم وأفضلهم.
فثبت بذلك أن الإيمان بالله إذا وقع إجابة لدعوة من قد ثبتت نبوته، كان صحيحا، سواء كان المؤمن من أهل الاستدلال بوجه آخر ولم يكن تم بنظر. فإن كان المؤمن قبل أن آمن يثبت الله تعالى، إلا أنه ملحد في أسمائه وصفاته كان إيمانه الحادث تركا لذلك الإلحاد لما يقوله النبي ويدعوه إليه. وإن كان قبل ذلك لا يدين دينا.
ويروى أن لا صانع للعالم فإنه لم يزل على ما هو عليه الآن، فوجه إيمانه بالله لدعوة نبيه هو أن النبي ذكر أن للعالم إلها واحدا لم يزل ولا يزال، لا يسبه شيئا، قادرا لا يعجزه شيء، عالما حكيما، كان ولا شيء غيره، فأبدع كل موجود سواه، واخترعه اختراعا لا من أصل، وأنه أرسله إلى الناس ليعرفه إليهم، وينبههم على آثار خلقه التي يرونها ويعلقون عنها، ويدعوهم إلى طاعته وعبادته، وأن دلالته على صدقه هي ما أمده من كذا مما لا يستطيع الناس وإن تظاهروا أن يأتوا بمثله، وإنه إذا كان واحد من الناس تجمعه وإياهم البشرية ثم تجمعه وأهل بلده الهواء والأرض والماء، وكان ما عدا هذا الذي يذكر أنه أمد به ليكون دلالة على صدقه، لا يباين فيه أحدا من الناس، ويحتاج إلى الطعام
[ ١ / ١٤٦ ]
والشراب إلى مثل ما يحتاجون إليه، ولا يقدر من الأشياء المعتادة إلا على مثل ما يقدرون عليه، ويعجز عما يعجزون عنه، وجب أن تحكموا بأنه من فعل هذا الذي اختص به مما هو خارج عن قضية العادات عاجز مثلهم، وإنه إذا كان عاجزا عنه، وقد وجد به وظهر على يده حق أنه ليس من صنعه، ولكنه من صنع غيره، ولا جائزا أن يكون ذلك الغير من جنسه أو مثله، أو في القدرة تكاثره إذ لو كان كذلك لاستحال وجوده من غيره كما استحال وجوده منه.
وفي ذلك ما يوجب أن يكون من صنع صانع، لا يفعل إل شيئا بمثل القوة والقدرة التي بهما يصنع الصناع المشاهدون. وأنه كما لم يشبه صنعه صنعهم فكذلك هو غير مشبه إياهم، ولا جائز عليه من معاني النقص ما هو جائز عليهم، فانتظمت حجة هذه إثبات الصانع على من يجهله ولا يعترف به، وإثبات رسالته من عنده، فمن استسلم لحجته وصدقه في جميع قوله، وآمن بجملة دعوته كان إثبات الرسول والمرسل منه معا في مقام واحد، ولم يكن إثبات الرسول، قبل معرفة المرسل، فهذا وجه الإيمان بالله إجابة لدعوة رسوله إليه، وهذا ما أجابه بحجه.
ومن هذا الوجه كان إيمان عامة المستجيبين للأنبياء والرسل صلوات الله عليهم، ثم قد كان فيهم من تنبه بعد، فرأى وبحث ونظر، فبصره الله تعالى من الدلائل ما شد بها أزره، وعصم دينه، وقوى نفسه. فطلب من هذا العلم ما ينصر به الدين ويجادل به أعداءه، وينتصر به للتدافع عنه.
فأما أهل الإيمان فما أقل من خرج إيمانه عن الطريقة التي ذكرتها إذا كان الذين شاهدوا الرسول ﷺ، وسمعوا دعوته، وعاينوا حججه، آمنوا به استبصارا بها، ولم يحتاجوا معها إلى دلالة يستشيرونها بآرائهم من شواهد عقولهم.
فكذلك الذين لم يدركوا عصره ولم يشاهدوه، إذا بلغهم خبره، وخبر المشاهدين له بلاغا- لا يمكن أن يكون كذبا ولا غلطا- صاروا كالمشاهدين في وقوع العلم لهم ضرورة بكل ما بلغهم.
فإذا أذعنوا لدعوته من غير حجة جديدة يبغونها كانت منزلتهم في ذلك منزلة الأولين وكان إيمانهم سالما صحيحا، ثم كذلك كلما بلغ ذلك الخبر أهل عصر بلاغا، فوقع لهم العلم فآمنوا كانوا كالمشاهدين، وكان إيمانهم حجة لا تغير، وكل مؤمن اليوم فأصل إيمانه هذا البلاغ، ثم في المؤمنين من يوسع في النظر، واستكثر من وجوه الحجج لحاجته إليها
[ ١ / ١٤٧ ]
في الدفع والجدل، فقويت بذلك بصيرته، واشتدت من الدين مريرته، وحسن في الإسلام بلاؤه، وظهر جده وعناؤه. فأما الأصل فلم يكن إلا ما ذكرنا والله أعلم.
فإن قيل: أرأيت الذي يؤمن اليوم ولا يخطر بقلبه من حقيقة دعوة رسول الله ﷺ وحجته شيء مما ذكرت، ولو أريد إسماعه لذلك لم يسمعه، ولو سمعه لم يدركه، ولو فهمه لم يفهمه، أيقال أنه مؤمن؟
قيل: هذا لا يخلو من أن يكون سمع أن النبي ﷺ ظهر على المشركين بالحجة، فإذا اعتمد هذا البلاغ ولأجله آمن، كان نظير الذين آمنوا واقفين على حجته، وإن لم يعرف هذا عين الحجة، وهذا الذي يدخل في إيمانه شيء من التقليد، ولا يضره لأنه لا يتسع لأكثر منه، وبالله التوفيق.
فإن قيل: أرأيتم من بلغه على ألسنة المؤمنين ما وصفهم، وبلغه على ألسنة الكافرين خلافه، فبماذا يرجح عنده خبر المؤمنين حتى إذا قبله وآمن به صح إيمانه، وإن كان فيه من الحقيقة ما يرجحه. فهو إذا كان غافلا عنه وإن لم يكن في غفلة ما يوصله إلى معرفته، فماذا يعني ذلك عنه.
قيل: إن البلاغ الواقع من قبل المؤمنين رجحانا وهو أن الكفار لا يتهيأ لهم أن يجحدوا أن النبي ﷺ، قد جاء بآيات وأعلام كثيرة، وأنها قد نقلت نقل اليهود أعلام موسى ونقل النصارى أعلام عيسى صلوات الله عليهما فهم مضطرون إلى الاعتراف بإثباته منها، بما يذكره المسلمون. وإذا ثبت ذلك ولم يتهيأ لهم تحقيق شيء فيما يتكلمون فيها، كانوا بترك الإيمان به معاندين، ولم يكن في شيء مما يبلغ مزيد الإيمان عنهم ما يقف موقف ما يبلغه عن المؤمنين، فلا يؤثر خلافهم أثرا، ولا أوقع فيما عند المسلمين من أمر دينهم خللا وبالله التوفيق.
فأما من يبلغه الخبران، ولم يكن ممن يدرك الراجحان، فإنه إذا كان لا يدرك أمور الكلامين وأبينهما فبالحري أن لا يدرك أبهمهما وأظلمهما وهو ما يعارض به الكفار من شبههم وزخاريف أقوالهم، وإذا لم يدركها وسلم البلاغ الذي وصفناه عن النبي ﷺ في صدره خلص من الشك إيمانه وصح والله أعلم.
وأيضا فإن تلك الأعلام وإن كان لا يحصل منها اليوم إلا على الخبر، فالقرآن قائم بين أظهرنا ونحن ندعي أن الأنس والجن لا يقدرون على الإتيان بمثله، فيدل عجزهم اليوم
[ ١ / ١٤٨ ]
كما كان سلفهم عنه عاجزين في الزمان الأول على صدق البلاغ الواقع من قبل المسلمين، وكذب البلاغ الواقع من قبل المخالفين.
وإن سأل سائل عمن آمن وصح إيمانه إذا سمع من بعض الكفار طعنا في دلائل التوحيد ولم يكن من أهل النظر يهتدي إلى جوابه، ماذا يصنع؟
قيل له: إن هذا لا يخلو عند سماعه معارضة المخالفين من أن يفهمها ويشغل بها قلبه، ولا يفهمها ولا يشغل بها قلبه. فإن لم يفهمها ولا اشتغل بها قلبه فليس عليه منها شيء، وإن فهمها واشتغل بها قلبه لزمه أن يسأل عنها من يكشفها عن قلبه، فإن قدر على ذلك ولم يسأل وشرح بالشك صدرا كفر، وإن لم يشرح بالشك صدرا ولكنه اعتقد فيما سمح أنه شبهه وأن نارها ما يحلها وعلم ذلك موجود عند أهله كفاه ذلك، لأنه إذا جاز أن يثبت له الإيمان لو لم يسمع من المخالفين معارضة اتكالا على النبي ﷺ، قد جاء بالحجة الباهرة التي لا يذهب عنها إلا المعاند، ولأجلها آمن به من آمن.
وإن كان لا يعرفها بعينها جاز أن يدوم بعد سماع المعارضة، اتكالا على أن تلك الحجة لا تخلو من أن يكون فيها الدفع نفسها- وإن كان لا يعلم وجه ذلك الدفع، أو على: أن عند القائلين بها من الانفصال عن الشبهة الواردة عيها ما تزاح به العلة، ولا يخلو ذلك من أن يكون وجد في الناس من يعلمه أو لم يوجد.
وكان هذا الذي وصفنا كفره بهذا الاعتقاد داخلا في الذين مدحهم الله بقوله: ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾ لأنه استكمل الإيمان بالحجة التي أوردها رسول الله ﷺ، حتى بلغ من سكونه إليها وثقته بها أن لم يعدل عنها ولم يشكك فيها عند توجه الطعن والمعارضة عليه وعجزه عن الجواب. لكنه وثق بأن ما أورده عليه شبهه وأن بإزائها ما يدحضها، فلم يكن هذا مما يتخلف عن إثبات الجنة والنار والبعث والحساب بحشر الرسول ﷺ، وكان الدخول في الآية التي ذكرتها واستحباب الثناء أولى وأحق والله أعلم.
ولما ذكرناه في أصل هذا الباب من وقوع الاكتفاء معجزات الرسل صلوات الله عليهم نهى من نهى عن السلف عن الخوض في مسائل الكلام، وذلك أنهم رأوا: أنه لا يحتاج إليه ليبين صحة هذا الدين في أصله إذا كان رسول الله ﷺ إنما بعث مؤيدا بالحجج فكانت مشاهدتها
[ ١ / ١٤٩ ]
للذين شاهدوا، وبلاغها المستفيض لمن بلغه، كافيا في إثبات التوحيد والنبوة معا عن غيرها، ولم يأمنوا أن يوسع الناس في علم الكلام، أن يكون فيهم من لا يكمل عقله ويضعف برأيه، فيرتبك في بعض ضلالات الضالين وشبه الملحدين، فلا يستطيع منها مخرجا، كالرجل الضعيف غير الماهر بالسباحة إذا وقع في ماء غامر قوي لم يؤمن أن يغرق فيه ولا يقدر على التخلص منه، ولم ينهوا عن علم الكلام لأن عينه مذموم أو غير مقيد.
وكيف يكون العلم الذي يتخلص به إلى معرفة الله تعالى وعلم صفاته ومعرفة رسله والفرق بين النبي والمصادق عليه، وبين المتنبي الكاذب عليه، مذموما أو مرغوبا عنه، ولكنهم لإشفاقهم على الضعفة أن لا يبلغوا ما يريدون منه فيصلوا بهوا، وكثيرا من الخاصة كذلك كان الاحتياط للبعض في أن يحصلوا منه ما يقدرون به على جدال المخالفين أن هموا أن يغالبوا بالحجة، ويوهموا المسلمين أن دينهم تقليد وأنهم إن فحصوا عنه تثبيت لهم آثار ذلك فيه: بأنه ليس على أحد من في سرية مطمئن بين أهله وولده أن يشتري السلاح ويجمع ويستغل فعل من قد أحس بعدو يقصده، وبلغه خير عن أحد يريده، ولكن ذلك أن وقع وتحقق فحدث عليه خوف، وتغير له حاله لزمه أن يغير تدبيره ويحكم أمره ويستعد للدفع إن قصد، ويتأهب للدفع إن حضر، ولا يغفل عمن ليس عنه بغافل، ولا يهمل من ليس بمهمل.
هذا وقد يحضر المسلم من الكفار من يقول: إني لا أعرف حجة دينكم، ولا أعلم فيما تدعون إليه برهانا، فإن أقمتم على حجة أذعنت لها! فإن هو لم يقدر على إيراد الحجة عليه أصلا، أو قدر من ذلك على ما هو أصل لدعوة لما يثبت فلما أدخل الكافر عليه شبهة أو أحدث له معارضة، انقطع وبقي حائرا عاجزا لا مزيد عنده على ما كان سمعه، قام الكافر من عنده وهو في كفره أرسخ منه، أرجأه وابتدأ مكالمته ولم يتعد أن يكون المسلم قد جهل حال نفسه وظن أن القصور في الدعوة دون علمه، والخلل في الحجة لا في معرفته، فإذا الرجلان قد تفرقا عن اتفاق على الكفر بعد أن كان يرجى أن يتفرقا عن إيمان.
فينبغي للمسلم أن لا يعطل هذا العلم، ولا يغفل عنه أصلا، بل يعد منه للخصام والجدال مثل ما يعده المقاتل للقتال، والله أعلم.
[ ١ / ١٥٠ ]