باب في ألفاظ الإيمان
قال الله تعالى: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون﴾.
وقال تعالى: ﴿فلما رأوا بأسنا قالوا: آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين، فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا﴾.
وقال تعالى: ﴿فإن حاجوك فقل: أسلمت وجهي لله، وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب﴾.
وقال: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين، وجعلها كلمة باقية في عقبه﴾.
وقال تعالى: ﴿إذ قال له ربه أسلم قال: أسلمت لرب العالمين﴾.
وقال: ﴿يا قوم إني بريء مما تشركون، إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين﴾.
وقال النبي ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" فكان القول الذي قبله الله تعالى من الكفار إذا أسلموا أو استفاض وانتشر فصار علم الإيمان، وأشركت العامة والخاصة في معرفة قول: ﴿لا إله إلا الله﴾.
وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: "إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل
[ ١ / ١٣٣ ]
الجنة". ولا أعلم من أهل الفتيا خلافا في أن الإيمان قد ينعقد بغير القول المعروف فدل ذلك على أن معنى قول رسول الله ﷺ "حتى يقولوا لا إله إلا الله" أي يقولوها وما يؤدي معناها، ودل الكتاب على ذلك أيضا لأن الله ﷿ أخبر أن إبراهيم صلوات الله عليه قال لأبيه وقومه: ﴿إني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني﴾ ثم قال: ﴿وجعلها كلمة باقية في عقبه﴾ وليست هذه الكلمة بعينها موجودة في عقبه إنما الموجود فيهم قول: "لا إله إلا الله" فثبت أنه لا فرق بين هذا القول وبين ما يؤدي معناه والله أعلم.
التفريع إذا قال الكافر: آمنت بالله ولم يكن يدين من قبل دينا صار مؤمنا بالله، وإن كان ممن يشرك بالله وغيره لم يكن بهذا القول مؤمنا حتى يقول: آمنت بالله وحده وكفرت بما أشرك به.
قال الله ﷿: ﴿فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين، فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا﴾ فأخبر أن ذلك إيمان منهم، إلا أهم لم ينفعهم لأجل الحال والوقت. فدل ذلك على أنهم لو قالوه في غير ذلك الوقت أو في غير تلك الحالة لكان مقبولا منهم، وكان أنزل لا إله إلا الله وإن كان كفره من قبل جحده نبوءة نبينا ﷺ فقال:
"آمنت بالنبي محمد ومحمد النبي"، كان ذلك كقوله محمد رسول الله كما يكون قوله: "آمنت بالله، كقوله: الله ربي، وإن قال أسلمت لرب العالمين، ولأن الله ﷿ قال: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ فمن قال: أسلمت لله، فقد دخل في الإسلام، الذي هو الدين عند الله تعالى وتقبله. فإن قال: أسلمت وجهي لله، فهو كقوله: أسلمت لله.
قال الله ﷿ لنبيه صلوات الله عليه: ﴿فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله﴾. وقال: ﴿وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم، فإن أسلموا فقد اهتدوا﴾
[ ١ / ١٣٤ ]
وظاهر هذا أنهم لما قالوا: أسلمنا لله، أو، أسلمنا وجوهنا لله لكانوا مسلمين ويحتمل أن الكافر إذا قيل له: أسلم لله، أو آمن بالله، فقال: أسلمت أو آمنت، كان مؤمنا، وكان ذلك جوابا صحيحا، وهذا ظاهر الآية.
وإن قال: أو من بالله، أو قال: أسلم لله، بهذا أبان، كما أن قول الرجل: أقسم بالله يمين، ولا يحمل على الوعد أن يريده، فإن ادعى أنه أراده، كان القول قوله. فإذا قال الكافر: الله ربي؛ أو قال: الله خالقي، فإن كان من قبل لا يدين دينا فهذا منه إيمان وإن كان من الذين يقولون بقدم أشياء مع الله- تعالى عما يقولون علوا كثيرا- لم يكن مؤمنا حتى يقول: لا قديم إلا الله، وإن قال من فكر: بأن لا خالق إلا الله، لم يكن مؤمنا. لأنهم يقولون: الله خالق ما خلق لكن من أصل قديم.
فإذا قال اليهود المشبه، ويقول: ﴿ليس كمثله شيء﴾، وإن قال مع ذلك محمد رسول الله، فإن كان يعلم أن محمدا ﷺ جاء بإبطال التشبيه كان مؤمنا، وإن كان لا يعلم ذلك لم يكن إيمانه بالله حتى يتبرأ من التشبيه، وكذلك الذين يقولون بقدم أشياء مع الله جل ثناؤه، وإن علم أن محمدا ﷺ جاء بإبطال ذلك فقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، كان ذلك إيمانا منه، وإن كان لا يعلم ذلك، لم يكن مؤمنا بالله، نازعا عن كفره به حتى يعترف بأنه لا قديم إلا الله.
وإن قال النصراني لا إله إلا الله وكان يعتقد من قبل أن عيسى هو الله لم يكن هذا منه إيمانا بالله ﷿، وهكذا إن كان يعتقد أن عيسى ابن الله حتى يتبرأ من دينه الأول، فإن قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فهو يعلم أن محمدا ﷺ جاء بأن الله لم يلد ولم يولد، وأن عيسى عبد الله ورسوله كان إيمانا تاما صحيحا، وإن كان لا يعلم ذلك لم يكن نازعا عن كفره حتى يتبرأ من قوله.
فإن قال قائل: إذا كان من يدخل في الإسلام لا يحتاج في صحة إيمانه محمد ﷺ إلى أن يعلم ما الذي جاء به من الشرائع، فلم احتاج إلى أن يعلم أنه جاء بإبطال التشبيه، وبأن لا شيء دون الله قديما حتى يصح إيمانه به!
قيل: الشرائع لا طريق إلى معرفتها إلا السمع وهو يعرض التبديل. فمن صدق بنبوة
[ ١ / ١٣٥ ]
نبي فقد ألزم أن يقبل شرائعه عنه، وأما توحيد الله تعالى جده وتنزيهه عن الأشياء فليس إدراكه مختصا بالسمع، ولكنه مما يدل بالعقول، وما ثبت من ذلك فليس بممكن أن يتبدل ويتغير. فمن اعتقد أن شيئا سوى الله قديم وأن الله تعالى يشبه شيئا من خلقه فإنما زل عن المعقول، ونحل العقل ما لا جواز له فيه، واعتقد أنه لا يمكن أن يكون الحق غيره. ومن كان بهذه الصفة فأي شيء من الأشياء فإنما يؤمن به على أن يقبل عنه ما لا يعرف إلا بالسمع، وما يمكن أن يكون قد يدل على لسانه من شريعة غيره، ولا يظن به أنه يأتي بخلاف ما هو المعقول عنده، فدخل في جملة إيمانه به تقبل شرائعه ولم يدخل فيها نفي التشبيه وإبطال أن يكون قديم سوى الله إلا أن يكون علم أنه أتى بهما، فاتبعه على ذلك وآمن به والله أعلم.
كذلك النصراني إذا كان يزعم أن عيسى أخبرهم أنه إله، أو ابن إله وابن الإله، فهو يرى أن هذا لا يتبدل ولا يجوز أن يصح خبر بخلافه، فلم يكن ذلك كالشرائع التي تعلم أنها تعرض التبديل، ولم يصح إيمانه بنبينا محمد ﷺ حتى نعلم أنه جاء: بأن عيسى عبد الله وأن الله لم يلد لم يولد، وأن عيسى لم يكن يحيي الموتى، ولا يبرئ ذوي العاهات، ولا يجعل الطين بنفخة طائرا، وإنما كان يفعل ذلك كله ربه الذي خلقه، ويتبعه على ذلك ويؤمن به فيكون بذلك راجعا عن مقالته والله أعلم.
وإذ قال الثنوي: (لا إله إلا الله) لم يكن مؤمنا حتى يتبأ بقدم النور والظلمة، وإن قال: لا قديم إلا الله كان مؤمنا.
وإذا قال الوثني: (لا إله إلا الله)، فإن كان من قبل يثبت الباري ﷻ ويزعم أن الوثن شريكه صار مؤمنا. وإن كان يرى أن الله هو الخالق، ويعظم الوثن يتقرب إليه، كما حكى الله ﷿ عن بعضهم أنهم قالوا: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾. فلم يكن مؤمنا حتى يتبرأ من عبادة الوثن.
وإن كان يهودي يقول: (لا إله إلا الله)، إلا انه يشبهه بخلقه، فتبرأ من التشبيه فقال: ليس كمثله شيء، صحت بذلك كلمته، وإنما يبقى أن يؤمن بمحمد وعيسى صلوات
[ ١ / ١٣٦ ]
الله عليهما. فإن الله ﷿ لا يقبل الإيمان ممن آمن به حتى يؤمن برسله ولا يفرق بين أحد منهم، فإن فعل تم إيمانه، وهكذا إن كان نصراني يقول: لا إله إلا الله أنه يزعم: أن عيسى ابن الله فتبرأ من قوله، وقال: المسيح عبد الله ورسوله صحت بذلك كلمته، وإنما ينبغي أن يؤمن بمحمد ﷺ، فإن فعل تم إيمانه.
وإن كان نصراني يقول: لا إله إلا الله، ويزعم مع ذلك أن عيسى هو الله، ثم يرجع وقال: عيسى خلق الله وليس هو الله صحت بذلك كلمته، فإن آمن يتبع ذلك نبينا صلوات الله عليه، كما إيمانه.
وإذا قال أحد البراهمة الذين يؤمنون بالله ويوحدونه، ولا كفر منهم إلا جحد الرسول محمد رسول الله، صار مؤمنا لأن كفره لم يكن إلا جحد النبوة، فإذا قبلها زال الكفر. ولو قال: إبراهيم رسول الله أو أقر بذلك النبي قبل محمد ﷺ لم يكن مؤمن لأن إقراره بنبوة من قبله إقرار بنبوة بعض الأنبياء، وإقراره بنبوة جميع الأنبياء لأنه صدقهم وشهد لهم.
وإذا قال اليهودي الذي لا يشبه أو النصراني الذي يقر بأن عيسى عبد الله ورسوله محمد ﷺ، فإن كان من الذين يزعمون أن محمدا رسول الله، ولكن إلى العرب خاصة، أو أنه لم يبعث، لم يكن مؤمنا حتى يتبرأ من قوله الذي هو ضلالة وكفر، وإن كان يرى من قبل أن محمدا ليس برسول ولا نبي بعد موسى أو عيسى صار بما أقر به مؤمنا. وإن قال الكافر: محمد رسول الله، ولا إله إلا الله، أو محمد رسول الله الذي لا إله غيره أو إلا هو، كان هذا كله كفر. لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وإن قال المعطل: محمد رسول الله، فقد قيل: يكون مؤمنا لأنه أثبت الرسول والرسل معا، وليس في أنه ينفي بلفظه أن يكون لله شريك ما يفسد إيمانه لأن كفره إنما كان من قبل التعطيل لا من قبل التشريك. وإذا قال الكافر لا إله إلا الله آمنت به المسلمون كان حرا مؤمنا، أخبر الله تعالى عن فرعون أنه لما أدركه الغرق قال: ﴿آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل﴾ فرد إيمانه لأجل الحال. وقيل له: الآن يدل ذلك على أنه لو قال في غير تلك الحالة لقبل منه.
[ ١ / ١٣٧ ]
أو قال الكافر: آمنت بالذي لا إله غيره لم يكن مؤمنا لأنا لا ندري من يريد ولعله يريد عظيم قومه أو الوثن حتى يقول آمنت بالله الذي لا إله غيره فإن قال: آمنت بالله وبمحمد لم يكن مؤمنا بمحمد وكان مؤمنا بالله لأنه أثبت الإله بهذا القول وإثباته إياه إيمان به، وقد أثبت محمدا أيضا إلا أن إثباته إياه في نفسه، ليس بإثباته نبيا، فلا يؤمن به حتى يقول: آمنت بمحمد رسول الله، ولو قال آمنت بمحمد الرسول لم يكن ذلك لقوله آمنت بمحمد النبي، لأن النبي لا يكون إلا لله والرسول قد يكون لغير الله.
وإذا قال الكافر لا إله إلا المحيي المميت، فإن لم يكن من القائلين بالطبائع كان مؤمنا، وإن كان منهم لم يكن مؤمنا لأنهم ينسبون الحياة والموت إلى الطبيعة حتى يقول لا إله إلا الله أو الباري، أو يأتي بلفظ لا إشكال فيه ولا شبهة.
وإن قال يهودي: لا إله إلا الله لم أجعله بهذا مؤمنا لأني لا آمن أن يكون أفاد ملك قومه، وقد قال فرعون: ﴿يا أيها الملأ أعلمت لكم من إله غيري﴾ وقد كان ملكهم. وهكذا إن قال لا إله إلا الرازق أو الرزاق، لأنه قد يريد بذلك ملك الجند الذي يقيم لهم العطايا، ولو قال لا ملك إلا الله أو لا رازق إلا الله جعلته مؤمنا، لأنه إن كان أراد ملك قومه فإنما نفى عنه الملك فأضافهما إلى اله ﷿ وهو في ذلك محق.
وعلى هذا قول القائل: لا إله إلا الله العزيز، وقوله: لا عزيز إلا لله، ولا إله إلا العظيم، ولا عظيم إلا الله. ولا إله إلا الحليم ولا حليم إلا الله. ولا إله إلا الكريم ولا كريم إلا الله. وإذا قال: لا إله إلا الملك الذي في السماء أو إلا ملك السماء، كان مؤمنا.
وقد قال الله ﷿: ﴿أأمنتم من في السماء﴾ وهو يريد نفسه وليس ذلك على أنه محصور فيها، لكن بمعنى أن أمره ونهيه إنما جاء من قبل السماء، وإن قال: لا خالق إلا الله، كان مؤمنا، وقد تقدم القول فيه. فإن قال: لا إله إلا الخالق، فهو كذلك، لأن من أثبت مع الله أصلا قديما للموجودات، لم يقل: أن ذلك الأصل إله، ويزعم أن الله خلق ما خلق من ذلك الأصل، ولا يكون قوله: لا إله إلا الخالق توحيدا، حتى يعترف بأن لا قديم سوى الله.
وإن قال الكافر: لا إله إلا الرحمن أولا رحمن إلا الله، أو لا إله إلا الباري، أو لا باري إلا
[ ١ / ١٣٨ ]
الله، كان هذا كقوله: لا إله إلا الله. وإن قال: لا إله إلا بديع السموات والأرض أو إلا خالق السموات والأرض أو إلا فاطر السموات والأرض، فهذا مثل أن يقول لا إله إلا الخالق، وقد تقدم القول فيه.
وإن قال: لا رحيم إلا الله أو لا جبار إلا الله، كان هذا مثل أن يقول: لا إله إلا الله. وإن قال الدهري: لا إله إلا الرحيم، ولا إله إلا الجبار، لم يكن مؤمنا لأنه يمكن أن يكون أراد ملكهم الذي يرحمهم الإحسان إليهم، أو يجبر أحوالهم، أو يجرهم على ما يريده منهم.
وإذا قال الكافر: لا إله إلا ساكن السماء، لم يكن مؤمنا، لأن سكان السماء الملائكة وإن قال: لا إله إلا الله ساكن السماء كان هذا زيادة كفر منه، لأن السكن غير جائز على الله تعالى واحتظار الأمكنة ليس من صفاته، وإن قال: لا إله ما خلا الله أو لا إله سوى الله، أو لا إله غير الله، أو لا إله ما عدا الله، أو لا إله حاش الله، فهذا كله بمنزلة أن يقول: لا إله إلا الله، وهكذا إن قال: من إله إلا الله، أو ما في إله إلا إله واحد.
وإن قال: لا إله إلا الله، أو لا إله إلا الله فهما سواء. وإن قال: لا إله إلا صاحب العرش، أو لا إله إلا رب العرش. فإن كان من قبل دهريا معطلا لم يكن مؤمنا، لأني لا آمن أن يريد بذلك ملك قومه، ويريد بالعرش سرير ملكه، وقد قيل: البلقيس ولها عرش عظيم.
وقال سليمان صلوات الله عليه: ﴿أيكم يأتيني بعرشها﴾، وإذا قال رجل من معطلة الفلاسفة أو نظارهم: أشهد أن الباري علة الموجودات أو سبب الموجودات أو مبدأ الموجودات لم يكن ذلك إيمانا حتى يعترف بأنه مخترع كل ما سواه من الأشياء مبدعه ومحدثه بعد أن لم يكن.
وإن قال الكافر: آمنت بالله إن شاء، لم يكن مؤمنا، لأن مثل هذا إنما يحمل على معنى إن قال شئت، ألا ترى أن رجلا لو قال لامرأته: أنت طالق إن شئت، لم يقع الطلاق حتى تقول: شئت. ومن قال: إن مشيئة الله تعالى للأشياء قديمة، فإن هذا الكلام فاسد، لأنه تعليق الإيمان بشرط مشيئة يحدثها الله، ويستحيل على مشيئة الله
[ ١ / ١٣٩ ]
تعالى أن تحدث، كما يستحيل على علمه أن يحدث. وإن قال: إن كان الله شائيا إيماني به فقد آمنت، لم يكن مؤمنا، لأن نفس الشرط تشكيل في المشترط إذا كان سبيل معرفته، فأوقع ذلك شكا في الإيمان المعلق به، والشاك في الإيمان لا إيمان له. هذا جواب ينبغي أن لا يختلف فيه.
وإذا قال الكافر: لا إله إلا الله، أحمد رسول الله، فذلك وقوله محمد رسول الله سواء، قال الله ﷿: ﴿ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ وتأويل اللفظية واحد. لأن أحمد هو الأحق بالحمد، ومحمد هو البليغ فيما يحمد، وإنما يكون الأحق بالحمد البليغ فيما يحمد، والبليغ في الحمد أحق بالحمد من المقصر فيه، فلا فرق بين أحمد ومحمد، وإن قال: أبو القاسم رسول الله فكذلك والله أعلم.
فصل
وإذا قال اليهودي: أنا بريء من اليهودية، أو قال النصراني: أنا بريء من النصرانية وحدها، حتى إذا تبرأ منها صار داخلا في الإسلام، ولكن له أضداد كثيرة فكل ملة تخالفه فهي له ضد. والتعطيل ابتداء الأضداد، فلو تبرأ من كل ملة تخالف الإسلام كفر التعطيل الذي هو ضد وليس بملة، ولم يمكن أن يجعل مؤمنا حتى يتبرأ منه، فإن قال: أنا بريء من كل ما يخالف دين الإسلام من دين ورأي وهوى، كان مسلما لأنه لم يمكن تبرئته من عامة ما يخالف الإسلام الآن بأن يجعل مسلما، فإنه لا يمكن أن يجعل مسلما، فإنه لا يمكن أن لا يجعل مسلما ولا مخالفا للإسلام.
فإن قال: الإسلام حق، لم يكن مسلما فإنه لا يمكن أن لا يجعل مسلما ولا مخالفا للإسلام. فإن قال: الإسلام حق لم يكن مسلما لأن الإقرار بالحق غير إعظامه، وقد تقدمه من يحبسه ولا يرقبه ويؤخذ في هذا وفي قوله "أنا بريء من اليهودية أو النصرانية" بأن يسلم، فإن أسلم وإلا قتل، وإن كان كافرا: أسلمت أو آمنت ولم يزد على هذا لم يكن مسلما ولا مؤمنا كرجل يقول: خلقت أو أقسمت فلا يكون خاليا، فإن قيل
[ ١ / ١٤٠ ]
لعلي: أسلم! فقال: أنا مسلم، لم يكن بهذا إقرار بالإسلام، لأنه يسمي دينه الذي هو فيه إسلاما، ولم يزل الإسلام اسما للمثبت الموحد.
قال الله ﷿: ﴿أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت، إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي، قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق إلها واحدا ونحن له مسلمون﴾.
وقال: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا﴾.
وقال: ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده، هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج، ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل﴾ أن يكونوا. والآن إذ كنت معنى قوله: ﴿ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾، فإن كان هذا هكذا، فقد سمى نفسه أيضا مسلما وجميع ذريته الموحدين المسلمين. فإن قال آخر من أولاده المتمسكين بملة من الملل المتقدمة: إني مسلم، فلذلك محمول منه على أنه سمى دينه إسلاما، لا على أنه انتقل من غير الإسلام إلى الإسلام.
وإن قيل لمعطل أسلم، فقال: أنا مسلم، وأنا من المسلمين، كان هذا منه إقرارا بالإسلام، لأن الإسلام اسم الدين وإذا أقر به فقد أقر بالدين بعد إن لم يكن له دين أصلا، إذ المسلم اسم لمتدين معلوم، والمسلمون اسم لمتدينين معروفين. فإذا أقر بأنه منهم أخذ بإقراره.
وأما إذا قال: أسلمت ولم يقل لله، فإن كان ذلك في موضع العقد لم يكن مسلما حتى يقول: أسلمت لله. وإن كان على وجه الإقرار أجراه قبل منه كما أن رجلا لو قيل له: ما فعلت بابنتك؟ فقال: زوجتها. أو: ما فعلت بأمتك؟ قال: بعتها، كان هذا جاريا في هذا الموضع ولا يجري في موضع العقد. وهكذا إن قال المعطل: أنا من المسلمين، وهو يريد العقد لا الخبر لم يتم إسلامه إلا بأن يقول لله، والعقد مقارن للخبر كما ينتبه.
فإن قيل: فقد قال الله ﷿: ﴿ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا
[ ١ / ١٤١ ]
وقال إنني من المسلمين﴾ مقام قول: لا إله إلا الله، فثبت بذلك أن كل واحد من الكلامين صالح للعقد.
فالجواب: أن هذا إن كان هكذا، فيقول المؤذن في أذانه: لا إله إلا الله، ليس من العقد وإنما هو تأكيد للعقد الذي سبق بتطوع منه، ولو أجيز له أن يقول مكانه: إني من المسلمين، فقال: لم يكن منه الاحتراز أو ليشأ، أو ينكر أن يكون هذا القول في موضع الخبر كافيا.
وجواب آخر: وهو أن الله ﷿ إن كان جعل المؤذن بقوله: لا إله إلا الله قائلا إني من المسلمين، فقد جعله بقوله: حي على الصلاة داعيا إلى الله فليقم قول القائل: أنا أدعوكم إلى الله، مقام قوله: حي على الصلاة.
وجواب ثالث: وهو أن المسلمين أجمعوا على أن المؤذن أن أبدل قوله: لا إله إلا الله بقوله: إني من المسلمين، لم يقم ذلك مقامه مع ما أن الآية فيه، فكيف يستقي منها أن الكافر إذا أراد الإسلام فقال: أني من المسلمين، قام ذلك مقام قول "لا إله إلا الله" ويدل على مفارقة العقد الخبر أن الكافر إذا قال: أسلمت لله، قام هذا مقام شهادة الحق ولم يتم إيمانه حتى يشهد بنوبة ﷺ. ولو توهمنا قولنا: أسلمت، كافيا ما قام ذلك إلا مقام شهادة الحق وحدها.
ومعلوم أنه إذا سئل عن دينه فقال: أنا من المسلمين، كان هذا إقرار بدين، فلم يدخل فيه التوحيد، والإقرار بنبوة النبي ﷺ وقبول جميع ما جاء به من عند الله، وهكذا لو قال: أسلمت وهو يريد أمخبر أني قد صرت من المسلمين، فعلم بهذا أن صلاح كل واحد من هذين اللفظين لما صلح له من معنى الخبر لا يوجب صلاحه للعقد والله أعلم.
فإذا قيل له أسلم، فقال: طال ما أنا مسلم مثلك، أو طالما أنا مسلم مثلكم، أو طالما مسلم منكم، كان هذا إقرار بالإيمان يوجد به. وإن كان كافيا في قوله لم يكن بين الله تعالى وبينه مسلما، كرجل طلق امرأته ثم قال لرجل غيره: طلق امرأتك فقد طالما أنا مطلق مثلك. أو أعتق عبده، فقال لرجل: أعتق عبدك! فقال: طالما أنا معتق مثلك، أو حلف بالله ثم قال لغيره: أحلف، فقال: طالما أنا حالف مثلك كان هذا
[ ١ / ١٤٢ ]
إقرار بما يقول، فإن كان كذبا وارد بما قال التلبيس عليه، لم يكن عليه فيما بين الله تعالى وبينه شيء مما قال، والله أعلم.
فصل
وإن قال مسلم لمسلم: يا كافر، فهذا على وجهين: إن أراد أن الدين الذي يعتقده كفر، كفر بذلك، وإن أراد به كافرا في الباطن ولكنه يظهر الإيمان نفاقا، لم يكفر، وإن لم يرد شيئا لم يكفر لأن ظاهره أنه رماه بما لم يعلم في نفسه مثله، ولأن الإسلام ثابت له باليقين فلا يخرج منه بالشك، وإذا تمنى مسلم كفر مسلم، فهذا على وجهين:
أحدهما: أن يتمناه كما يتمنى الصديق لصديقه الشيء سيحسنه، فيجب أن يكون له فيه نصيب، فهذا كفر لأن استحسان الكفر كفر.
والآخر: أن يتمناه له كما يتمنى العدو لعدوه الشيء يستقطعه، فيجب أن يقع فيه، فهذا ليس بكفر. تمنى موسى صلوات الله عليه بعد أن أجهده فرعون، أن لا يؤمن فروعن وملأه ليحق عليهم العذاب، وزاد على ذلك أن دعا الله ﵎ فقال: ﴿ربنا اطمس على أموالهم وأشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم﴾. فلم ينكر الله تعالى ذلك عليه لعلمه أن شدته على فرعون وغلظه عليه لما رآه من عتوه وتجبره هي التي حملته على ذلك، فمن كان في معناه فله حكمه.
فصل
وإذا نوى مسلم أن يكفر إن كان كذا، وإذا جاء وقت كذا، كفر بالحال. وإن نوى كافر أن يسلم إن كان كذا له إذا جاء وقت كذا، لم يكن بذلك مسلما، لأن كافرا لو قال أسلمت لم يكن بهذا القول مسلما، فأولى أن لا يكون مسلما. أو نوى أن يقول ذلك لوقت مستقبل ولما نقله، ولأن الإسلام فرض دائم ولا يصح إلا مع الإخلاص، فإذا نوى مسلم أن يكفر غدا فقد أفسد الإخلاص بما أحدث من عزيمة الكفر ففسد
[ ١ / ١٤٣ ]
إسلامه بزوال شرطه وصد الإسلام الكفر، فإذا عدم عدم إليه.
والكافر إذا نوى أن يخلص غدا فلا إخلاص منه لأنه متشبث في الحال بالكفر، فلم يكن له إسلام في الحال، ولا إذا جاء عدوا أيضا. فإنه إذا نوى أن يكفر غدا، فقد استحسن الكفر فصار بذلك رافضا للإسلام، لأن استحسان الكفر استقباح الإسلام. وإذا نوى أن يسلم غدا فهو للكفر مستحسن في الحال، واستحسانه إياه استقباح للإسلام في الحال، فلماذا كفر؟ قيل لأن فرض الإسلام فرض دائم لا يجوز تعريفه ولا تقطيعه، فلم ينعقد استحسانه الإسلام في الحال، إذا كان لا يستحسنه فيما بعد الحال، والله أعلم.
***
[ ١ / ١٤٤ ]