باب القول فيمن يصح إيمانه ولا يصح
أجمع المسلمون على أن البالغ العاقل من الكفار إذا أسلم طائعا صح إسلامه. وأجمعوا على أن الطفل إذا لقن شهادة الحق فقالها متلقنا وهو لا يميزها ولا يعرف ما يراد بها لم يكن ذلك منه إسلاما.
فأما المراهق الذي يدري ويميز ويعرف من كلمة الإخلاص لفظها وتفسيرها أو يعلم في الجملة أنها شهادة الحق، فقد اختلفوا فيه: إذا تكلم بها مريدا للإسلام فكان أشبه قول المختلفين عندنا أن إسلامه لا يصلح لأنه غير مخاطب في كتاب ولا سنة، فكان كالمعتوه لأن الإسلام شهادة أو إقرار والصبي ليس من أهل واحد منهما، فثبت انه ليس من أهل الإسلام بنفسه، ولأنه لو أسلم أبواه وأمه صار مسلما بإسلامه، ومن ثبت له ذلك الإسلام بغيره لا يثبت له بنفسه كالطفل الصغير إذا لقن والمعتوه، ولأنه لم يسلم لم تجب النار عليه ما لم يكفر وهو بالغ. فدل على أنه لا يصح إسلامه بنفسه كالطفل لأنه ليس عليه جهاد المشركين في ماله لصغره، فدل ذلك على أن الإسلام له بنفسه كالطفل، ولأن عقد الإسلام عقد لازم، والصبي ليس من أهل العقود اللازمة بنفسه كالبيع والنكاح والطلاق. ولأن الإسلام ضمان، وضمان الصبي لا يصح كما لو ضمن دين رجل، ولأن ردته ليست بردة، فكذلك إسلامه ليس بإسلام.
والدليل على أن ردته ليست بردة أنه لا يعاقب عقوبة المرتدين وهو صغير، وكل قول لم يؤخذ الصبي بعقوبته لصغره، فإن ذلك القول موضوع عنه أصلا وهو في حكم الساكت عنه كالقذف. وإذا كان كذلك ثبت أن ردته موضوعة عنه، ولان من لا ردة له لا إسلام له كالمجنون. ولأن الموجب لكفره كفر ولييه وكافليه، أعني أبويه، وإسلامه لا يزيل كفرهما. فاستحال أن لا يثبت له الإسلام، فإن الحكم لا يرتفع مع بقاء علته.
[ ١ / ١٦٥ ]
فإن قيل: بل العلة في كفره، عدم الإسلام منه بعد وقوع المعرفة له به. قيل: هذا باطل، لأنه لو كان بين أبوين مسلمين لم يكن قبل البلوغ كافرا. إذا لم يعقد الإسلام بنفسه بعد وقوع المعرفة له به، فثبت أنه إذا كان بين أبوين كافرين، فإنما ألحقه حكم الكفر من قبل أبويه لا لما وصفت والله أعلم.
فإن قال قائل: ليس إذا كان الصبي كافرا لكفر أبويه، وكان إسلامه لا يزيل كفرهما، وجب أن لا يصح إسلامه. فإن الصبي المسبي إنما يكون كافرا لكفر أبويه، وإذا سباه مسلم دونهما، صار مسلما، وإن كان سبيه إياه لا يزيل كفر أبويه.
فالجواب: أن إسلام السابي يجعله مسلما إذا سباه وحده دون أبويه، فإنه نزل منه منزلة أبويه. لما يقل حق الولاية والكفالة عنها إليه، فصار كان أسلما، ولو أسلما لصار مسلما بإسلامها. فكذلك إذا سباه مسلم وحده صار مسلما بإسلامه.
فإن قيل: فقولوا أنه يصير مسلما إذا سباه مع أبويه، لأنه وإن كان سباه مع أبويه، فإن حق الولاية يكون له عليه وعلى أبويه جميعا.
قيل: وإن سباه مع أبويه فإن حق الولاية والكفالة يحتاج إليها الصغير في تربيته، وتنشئته تكون لأبويه. ولا يكون للسابي أن يحول بينهما ولا بينه، ولا يجوز بيعه إياه دونهما ولا بيعهما دونه، وإن كانت أمه ترضعه لم يكن له أن يحول بينهما وبين إرضاعه، وللأب فيه من حق الكفالة التي يتبع لها الرجال مباشرة، وإشارة بها على الأم ما كان يكون له من قبل، فلذلك كان تابعا لهما في الدين. وأما إذا سبي وحده فقد بطل عليهما ما كان لهما فيه من ولاية وكفالة، وصار للسابي، فلذلك صار دينه دينه والله أعلم.
فإن قيل: أليس ولد الأمة يكون رقيقا لرق أمه، ثم قد يعتق وأمه رقيق بحالها فيعتق، ولا يدفع عن الحرية لأجل أن رقع كان حكما لرق الأم ورقها دائم. فكذلك الشاة إذا ماتت نجس جلدها لموتها، ثم يدمغ فيظهر والموت قائم فيه، ولم يرتفع بالدفاع عنه. فلم لا أجزتم أن يكون الصغير كافرا بكفر أبويه، فإذا عقل وميز واسلم صح إسلامه. فإن كان الكفر في أبيه فإنما الجواب: أن رق الأم بشرائطه علة لعلوق الولد رقيقا، فأما دوام رقه فليس معلولا برق الأم.
وكذلك الموت بشرائطه علة لتنجيس الجلد، فأما دوام نجاسته فليس معلولا بالموت،
[ ١ / ١٦٦ ]
لكن علة دوام الرق تمسك المولي بحقه منه، وعله دوام النجاسة إهمال الجلد وإخلاؤه من الدباغة، وأما علة كفر الصغير في حال العلوق وبعدها فكفر الوالدين اللذين هما ولياه وكافلاه بأنفسهما لا غير، وذلك لا يرتفع بإسلامه، فلم يجز أن يكون مسلما مع بقاء ما يوجب كفره.
فإن قال: فإني أقول علوق الولد كافرا لكفر أبويه ودوام كفره إنما هو لتمسكه به وامتناعه من الإسلام.
قيل: لو كان كذلك لم يصير مسلما بإسلام أبويه، كما لا يعتق الولد المنفصل بعتق أمه، وفي وقوع الإجماع على أنه يصبر مسلما ما دل على أن كفره من قبل أبويه. وأيضا فالمولود بين مسلمين يلزمه إذا بلغ أن يتشهد شهادة الحق ويجدد الإيمان ولا يلزمه ذلك قبل البلوغ وإن كان يدري ويميز لزوما لو تركه لكفر، فكذلك المولود بين كافرين كان يلزمه الإيمان إذا بلغ فلا يلزمه قبل البلوغ، لزوما إذا تركه كفر. فصح أن كفره من قبل أبويه اللذين ما وليا وكافلاه بأنفسهما والله أعلم.
قالوا: روينا أن عليا ﵁ أسلم وهو صغير لم يبلغ وإن حكمه، فدل ذلك صحة الصغير.
فالجواب: أن الخبر ورد بأن النبي ﷺ دعاه يومئذ إلى الإسلام والصلاة فاسلم وصلى، فصح إسلامه وصحت صلاته. وأنت تقول: لا صلاة للصغر، فالحديث حجة عليك. وأما أنا فأقول إنما أمره رسول ﷺ بالإسلام والصلاة، فهو أحد شيئين: أما أكون يكون خصه بالخطاب لما صار من أهل التمييز والمعرفة دون سائر الصغار، ليكون ذلك كرامة له ومنقبة، فلما توجه عليه الخطاب والدعوة فلا يصح منهم الإسلام.
أو يكون خطاب النبي ﷺ إياه بالدعاء إلى الإسلام والصلاة يومئذ على أنه بالغ عنه، لأن البلوغ بالسنين ليس مما شرع في أول الإسلام، بل ليس يحفظ قبل قصة ابن عمر في أحد والخندق في ذلك شيء. فالظاهر أن الناس كانوا يحرون في ذلك على رأيهم وما تعارفوه وتوارثوه: من أن الصبي من لا يمكن أن يولد له، والرجل من يمكن أن يولد له. وكان علي ابن عشر سنين لما أسلم. وظاهر من قال: أنه ابن عشر أنه استكمل عشرا ودخل في الحادي عشر، ومن بلغ هذا السن فقد يمكن أن يولد له، ولهذا قلنا أن امرأة
[ ١ / ١٦٧ ]
ابن العشر إذا جاءت بولد كان لاحقا به حتى يبلغ، فينفيه باللعان.
وإن كان هذا هكذا فلا به أن عليا ﵁ كان في حكم يومئذ بالغا، فلذلك صح إسلامه، وتوجه الخطاب عليه. فلما شرع البلوغ بعد ذلك بالسنين، ونظر إلى السن الذي كل من بلغها جاز أن يولد له دون السن الذي يندر ممن بلغها للإيلاد، كان من قصرت سنوه عن ذلك الحد صغيرا في الحكم، ولم يجب أن يصح إسلامه، وهذا أولى ما يقال في هذه القصة والله أعلم.
قال القائل: الإيمان من موجبات العقول، فإذا عقل الصبي الإيمان الزمه عقله أن يؤمن فإذا آمن وجب يعتد بإيمانه لأنه فعل ما التزمته الحجة بفعله.
فالجواب: أن الذين يذهبون إلى أن الوجوب والسقوط يدركان في بعض الأشياء بالعقل، وإن الإيمان بالله جل ثناؤه حسن علينه، والكفر به قبيح لعينه، لا يزيدون في الإيمان على ما أصف، وهو أن العاقل إذا استدل فعرف أن يعتقد- ومعنى يعتقد أن يوطن القلب على أن ما ظهر له صحيح، ثم أن يحدث بما عرف فأخبر عنه صدق ولم يكذب. فأما أن يكون عليه في قضية العقل أن يخبره عما اعتقده، ويتحدث به فلا، وليس ما يلزمه أن يصدق أو يحدث خاصا لما عرفه من الله تعالى، ولكنه عام لكل ما عرفه وأدركه.
وأجمعنا على أن الإيمان لا يتم بمجرد الاعتقاد ولكنه يحتاج معه إلى الإقرار باللسان، وإذا لم يكن إضافة وجوب الإقرار إلى العقل لم يجز أن يقال: أن إقرار الصبي إيمان لأجل انه يعقل والإيمان من موجبات العقول. ويدل على ما قلنا أن العقلاء اختلفوا في أن الإقرار من كمال الإيمان حتى لا يتبقى الكفر إلا به، أو هو من شرائعه وفروعه، وليس من شرطه كماله، ولم يختلفوا في وجوب الاعتقاد بعد حصول المعرفة، فلو كان الإقرار من موجبات العقول لم يختلفوا في وجوبه كما لم يختلفوا في الاعتقاد، وكما لم يختلفوا في أنه أن قصد الإخبار معتقده كان عليه أن يصدق ويخبر بالحق والله أعلم.
وأيضا فإن الإيمان الذي يشاق وجوبه إلى العقل، هو الإيمان بعد المعرفة الناشئة عن الاستدلال، والصبي لا يكمل لمثل هذه المعرفة، فلم يكمل لوجوب الإيمان عليه بالعقل. ويدل على ما قلنا أن الكفار الذين تقع لهم معرفة الباري جل جلالة لما يرون أن الإيمان به
[ ١ / ١٦٨ ]
واجب، وإن كانوا بأنفسهم عقلاء مميزين، بل كان ذلك عندهم داخلا في أبواب المحال.
وإنما رأى أن الإيمان واجب بالعقل من حصلت له المعرفة، فثبت أن الإيمان الناشئ عن المعرفة هو الذي يضاف وجوبه إلى العقل والمعرفة في قصة العقل له أن يكون اضطرارا، وليس ذلك قولنا. وأما أن يكون استدلالا- وهو قولنا- والصبي لا يتكمل الإستدلال المؤدي إلى المعرفة فلم يمكن أن يضاف وجوب الإيمان عليه إلى العقل والله أعلم.
وأيضا فأن الإيمان بالله لا يتجرد على الإيمان بالنبي ﷺ، ووجوب الإيمان بالنبي ﷺ يقع لدعوته، ودعوته خطاب يذيع بالسمع، فلما لم يكن الصبي حط في الخطاب المسمعي، دل ذلك على أن حجة النبوة، إنما تقوم عليه، فتلزمه إذا بلغ، وفي ذلك دليل على أنه لا يكون مسلما- وأن آمن بالله- ما لم يبلغ مؤمن برسوله ﷺ.
فإن قيل: أرأيت إن قلنا إن المقدار الذي يلزمه بالعاقل من الإيمان يصح منه إلى أن يصير من أهل الزيادة عليه.
قيل: ليس لك أن تقول هذا، لأنك قبل منه الإيمان بالله ورسوله، وتنزله في غاية الأحكام الشرعية منزلة الكبير. فلو كنت صححت منه ما يوجبه العقل دون غيره، لوجب أن لا يلبسه الإيمان كله، وهو إنما يلبس ببعضه.
وأما من يخالف هذا الرأي فإنه يقول: العقل يدرك به الحسن حسنا والقبح قبيحا، أو المتحسن والمقبح غيره. كما أن البصر يدرك به الأسود أسود والأبيض أبيض، والمسود والمبيض غيره.
والدلائل على الباري جل ثناؤه ووحدانيته وقدسيته قائمة ظاهرة متجلية للعقول.
فأما أن ذلك المعروف المدل يجب اعتقاده، ويقبح أغفاله، ويجب الإقرار به ويقبح كتمانه، فهذا من فرائض الأمر والنهي المسموعين، وليس واحد منهما حسنا لعينه ولا قبيحا لعينه. وكذلك الصدق والكذب والعلم والعدل وشكر المنعم وكفرانه.
ولولا أن هذا هكذا لوجب إذا بلغ الصبي حد من يعقل ويميز، واستدل بأدنى ما يقدر عليه أو بما ينبهه عليه غيره، فحدثت له عنه المعرفة، فعرق واعتقد وأخبر عن النبي ﷺ إعلامه، ووجد ذلك متتابعا في الناس فحدثت له المعرفة به واعتقده أن
[ ١ / ١٦٩ ]
يكون مؤمنا لم يلزمه إذا قررت عنده الشرائع العامة المتوارثة، ووقعت له المعرفة بها أن يؤديها، لأن إفادة العقل صاحبه، المعرفة بما يوجبه الإخبار العامة لا يتأخر لأجل أن الصبيان غير مخاطبين، وإذا وقعت المعرفة وجب الاعتقاد، ثم إذا كان المعقد أمرا فطاعة الله واجبة بالعقل عندهم. فينبغي أن يجب التقيد فلا يبقى شيء من الشرائع سوى ما جاءت به الأخبار الخاصة، ألا يلزم الصبي العاقل، وفي هذا بعض الشرع المتفق عليه وإزالته عن سنته، فصح وثبت أن المعول في الفرائض كلها على الأمر، والأمر غير متوجه على الصبي، فلم يكن له بنفسه إيمان ولا كفر والله أعلم.
فإن قال: لا يلزم ما ذكرت الصبي وإن أفاده عقله: المعرفة بما توجبه الأخبار العامة عن أمر ونهي، فإن تلك الأوامر والنواهي إنما هي على البالغين، فلا يلزم الصبي بتنفيذها، لأن معرفة الواحد فرض على غيره، لا يلزمه تنفيذه بنفسه.
قيل له: أما علمت أن أهل هذا القول يقولون: وكذلك الصبي وإن عرف ربه بعقله، فلا يعرف أن فرضا عليه توحيده والإيمان به، وإنما يعرف ذلك بالأمر، وهو أن عرف أن أمرا بذلك واضع من الله تعالى لم يلزمه امتثاله، لان الأمر للبالغ دونه، وليس عليه بتنفيذ ما أمر به غيره، والإيمان والشرائع في قولهم سواء والله أعلم.
وأيضا فلو كان في العقل وجوب شيء وحسنه وسقوطه ضده وقبحه، لم يجز أن يتأخر عن الصبي العاقل الخطاب الشرعي، لأن المعرفة بما يخاطب تقع له المعرفة بما تركت في عقله، فإذا صار محجوبا بموجب العقل وجب أن يصير محجوبا بموجب السمع، لأن الخطاب يقرع سمعه، كما المعقول يخطر بقلبه، وصغره لا يدفعه عن المعرفة بواحد من الأمرين.
ولما كان من قول لأمة أنه غير محجوج بخطاب سمعي دل ذلك على أمه غير محجوج بدليل عقلي، ولو كان في العقل الدليل الذي يقولون، لم يجز إلا أن يكون محجوبا به. ولو جاز أن ما يحدث له من بالمعقول فلما أجمعوا على أن حجة لا يقوم عليه بالسمع وهو صغير، دل على أنها لا تقوم عليه بالعقل. فيثبت أنه ليس في العقل هذه الدلالة التي يدعونها، وإنما فيه إحداث الحسن حسنا والقبيح قبيحا، فأما أن يكون حسن لعينه أو قبيح لعينه
[ ١ / ١٧٠ ]
ولا يكون، وإنما يحسن ما ينبغي فعليه الأمر به، ويصح مالا ينبغي فعليه بالنهي عنه وبالله التوفيق.
ويقال لهذا القائل: قال الله ﷿: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك، يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها﴾ ومعلوم أن العقول لا تعدم حينئذ ولكن تكون بحالها دالة على ما كانت تدل عليه من قبل، ولكن خطاب السمع لما زال، لم تعتد بعد ذلك بإيمان أحد ولا بتوبته، وكذلك الكفار في القيامة تكون عقولهم معهم لا يعدمون منها شيئا، ولكن خطاب البعيد لما كان زائلا عنهم لم يعتد بإيمانهم، وأحسنوا أن الصبي المراهق عاقل مميز لحب الإيمان في عقله حسنا والكفر قبيحا، أليس خطاب البعيد غير متوجه عليه! فما أنكرتم أنه لا إيمان له وبالله التوفيق.
وقال قائل: في الاعتراض على ما استشهدت به من العقول: ليس إذا كان الصبي لا يعقد النكاح والطلاق على نفسه، بطل أن يعقد الإنسان على نفسه، فإن أمه لا تعقد النكاح والطلاق عليه، ثم لا يدل ذلك على أنها لا تعقد الإسلام عليه لعقده على نفسها.
فالجواب: أن الصبي لا يعقد شيئا من العقود من نفسه، فلذلك لا يعقد الإسلام الذي هو أشرف العقود وأعلاها، وجواز أن تعقد الأم عليه الإسلام لعقده على نفسه، مع عجزها عن عقد سائر العقود عليه، لا يدل على جواز أن يعقد بنفسه الإسلام على نفسه، مع عجزه عن سائر العقود على نفسه، لأنه تابع في الدين لغيره في الجملة، والتابع يمنع أصلا مرة وأصلا سواه أخرى، وذلك لا يوجب أن يستقل بنفسه فلا يتبع أصلا. ألا ترى أن الولد يتبع في الحرية والرق أمه مرة وأباه أخرى، ولا يمكن أن يكون أصلا في الواحد منهما، فيعلق جزءا وأبواه مملوكان، لا غرور بينهما أو رقيقا وأبواه حران. فكذلك الصغير قد يتبع في الإسلام أمه مرة وأباه أخرى، ولا يمكن أن يكون أصلا في الدين فيسلم فيكون مسلما وأبواه كافران.
وأيضا فإن هذه المعارضة غير صحيحة لأن المرأة لا تلي على ولدها الصغير نكاحا
[ ١ / ١٧١ ]
ولا طلاقا، لا تلي عليه إسلاما وإنما يسلم بنفسها فيصير الولد في الحكم مسلما، فلم يظهر بين الإسلام والنكاح والطلاق من الوجه الذي أراده السائل فرق، والله أعلم وبه التوفيق للصواب.
فصل
وإذا أسر الحزبي وهو من المعطلة أبو عبدة الأوثان فقيل له: لتسلم أو لنقتلنك، فاسلم، صح إسلامه في ظاهر الحكم. فإن لم يؤمن من قلبه فهو عند الله تعالى منافق، وإنما كان إسلامه صحيحا في الظاهر، لأن إكراهه عليه كان حقا إذا لم يكن بدين الله تعالى دينا، فإن الله ﵎ لا يرضى من قادر على التدين والتعطل، ولا يسوغ أحدا أن يشرك به شيئا إذا كان لا الإكراه لحق لم يكن هو المكره والمختار فرق في الحكم كمن أكره على طلاق لحق، أو تفسير إقرار محمل، فإن طلاق ذلك وتفسير هذا كالواقع من المختار.
فإن قيل: ولم يكره أحد على الإيمان، والإيمان لا يصح إلا بالاعتقاد، والإكراه على الاعتقاد لا يتأتى لأنه معيب.
قيل له: لأنه ليس وراء الإكراه إلا الإمساك والتجافي عنه مكان الإكراه أعدل، لأنه قد ينتبه على الإكراه على قبح الكفر وضيعته، فيحدث له ميل إلى الإسلام ورغبة فيكون إيمانه إيمان مختار، ولو ترك لتمادى في كفره، فيكون الإكراه أشبه باستفتاح الكفر واستحبابه من الإمساك والله أعلم.
وأيضا فإن الكافر إذا كان قد سمع دين الإسلام ودعوة النبي ﷺ وبعض ما جاء به من الإعلام، فالأغلب أن امتناعه من الإسلام عناد وليس عن شبهة واقعة له. فإذا حمل على الإسلام بالوعد فاسلم، فالظاهر إن إسلامه لتبين الحق له، وإن كان أخره إلى أن يوعد عليه، وإنما الإكراه إنما اثر في إزالة عناده لا في تقرير صحة الإسلام.
كما أن المريض الذي يعرض عليه الدواء فيمتنع من شربه إذا حمل عليه بوعيد فتناوله لم يخل من أن يكون مستشفيا بالدواء وإن كان أخر تناوله إلى أن يوعد عليه، وكان
[ ١ / ١٧٢ ]
اثر الإكراه إزالة الامتناع لا تحقيق شفعة الدواء عنده. فلهذا جعل مسلما في ظاهر الحكم وإن كان إسلامه عن إكراه والله أعلم.
مسأله وأما الذمي إذا استكرهه المسلمون على الإسلام فأسلم، لم يلزمه الإسلام إلا بأن يقر بأن رأيه تغير وأسلم مختارا لأنه لم يكن لهم أن يستكرهوه بعد ثبوت الذمة له، فكان ذلك كاستكراه الكفار المسلم على الفر. ومعلوم أنه أن تكلم بالكفر غر مختار لم يكفر. فكذلك الذمي إذا استكره على الإسلام فكلم بالحق غير مختار لم يسلم.
فإن قيل: الإكراه على الحق ينبغي أن يكون بحق حتى يصير المكره كالمختار. فأما إذا كان ما يقع الإكراه عليه حقا في نفسه، ألا أن الإكراه عليه غير مملوك، للمكره فيه حكم المختار.
ألا ترى أن رجلا من عرض الناس لو استكره رجلا على بيع شيء من ماله في دين عليه في بلد فيه سلطان أو قاض لم يلزمه ذلك البيع. ولو استكرهه عليه الحاكم فباع لزمه، وما افرقا إلا لأن الحاكم يملك والأجنبي لا يملكه، والبيع إذا لم يوصل إلى البعد إلا به حق في الحالين، فكذلك إكراه الذمي على الإسلام غير مملوك للمسلم، وإن كان الإسلام حقا، فواجب أن لا يكون المكره عليه كالمختار والله أعلم.
فإن قيل: لم لا قلتم أنا لمسلمين إذا استكرهوا الذمي ساروا بذلك ناقضين عهده، فإذا أسلم كان ذلك كإسلام من لا عهد له.
قيل: عهده لا ينتفض، فنقض من المسلمين من غير جناية بحدثها أو اختلاف شرط أن يكون منه، وليس نقضهم عهده كنقضه، لان العهد له وهو المحتاج إليه، فإذا نقضه انتقض، لأنه لا يضر بذلك إلا نفسه، وإذا نقضه المسلمون من غير عذر لم ينتقض لأنه إنما عقد له دفعا لما يخشاه من الضرر من جنايتهم، فلو لم يلزمهم وكان ينتقض أو ينقضوه لم يكن فيه فائدة واستوي وجوده وعدمه والله أعلم.
[ ١ / ١٧٣ ]
فصل
وإذا ارتد المسلم عن دينه وهو سكران أخذ به، لأنه فيها عليه بمنزلة الصاحي إلا ترى أنه لو أقر بدين أو طلق امرأته أو أعتق عبده لزمه، وهو في وجوب الصلاة بدخول الوقت كالصاحي. فكذلك الردة عليه، فكان فيها كالصاحي. فإن رجع إلى الإسلام وهو سكران صح إسلامه لأنه إقرار وعدل ويلزم نفسه به حقوقا. فهو كنكاحه وطلاقه وعتاقه وإقراره بالديون والجنايات، فلما كان تلك يلزمه فالإسلام أولى أن يلزمه والله أعلم.
[ ١ / ١٧٤ ]