باب القول فيمن يكون مؤقتا بإيمان غيره ولا يكون
نقول- وبالله التوفيق- أن ما ولد أبوين مسلمين فهو في عامة الأحكام مسلم. وإن كان أبواه كافرين فهو في عامة الأحكام كافرا مثلهما. فإن أسلما أو أسلم أحدهما وهو صغير، صار مسلما. وإن أسلم الجد فقد قبل. وإن أسلم قبل إسلامه كإسلام الأب- وقيل: يفارقه. فإذا سبي الصغير من دار الحرب مع أبويه فدينه دينهما، وكذلك أن سبي ومعه أحدهما فدينه دينه، وإن لم يكن معه واحد من أبويه، فدينه دين سابيه.
وما يقال من هذا في الصغير، والقول في الكبير المعتوه مثله، ثم نذكر وجوه هذه الفصول بإذن الله وتوفيقه فنقول: أما إتباع ولد المسلمين أباهما فلأن الأمل في طلب النسل أنه طريق إلى استبقاء الجنس، والغرض من استبقاء الجنس إكبار المؤمنين بالله، والعابدين له، إذ كان الله ﷿ إنما خلق الجن والإنس ليعبدوه.
وقال النبي ﷺ: "تناكحوا تكثروا، فأني أباهي بكم الأمم". وإذا كان هذا هكذا، صح وقوع الإذن من الله ﷿ في طلب النسل، فحكم الولد بحكمها في الدين أيضا، لأنهما إلى غرضهما من الزيادة في عدد المؤمنين به، ولم يتأخر ذلك إلى أن يبلغ المولود فتوجد حقيقة الإيمان والعبادة منه إذا كان يمكن أن يحترم قبل البلوغ، ويمكن أن يلغ أن يخالف الأبوين، فحكم له بحكمها عادلا لما ذكرت والله أعلم.
وإنما ولد الكافر فإنما اتبعهما لان غرضهما أيضا من طلب النصل إكبار أهل الدين، إلا أن الدين عندهما فإنهما عليه فألحق بهما، كما يقر أهل الكتاب على ما هم عليه بالجزية، لأن عندهم: إن ما هم عليه هو الحق وإن كان الأمر بخلافه والله أعلم.
وأيضا فإن الأبوين المسلمين إذا اكتسبا الإيمان وفشا، فأدامه الله تعالى لهما بعد في سائر الأوقات وإن كان الإيمان لا يخطر بقلوبهما ما لم يحدثا بالكفر كذلك عداه عنهما إلى
[ ١ / ١٥١ ]
الولد الذي هو جزء منهما، فكان الولد مؤمنا من غير سبب إيمان، كما كان الأبوان طول عمرهما مؤمنين من غير كسب منهما في جميعه.
والكافر أيضا إنما اكتسب الكفر وقتا، فأدام الله حكمه لها بعد، في سائر الأوقات، وإن كان ذلك لا يخطر بقلوبهما ما لم يحدثنا إيمانا كذلك عداه فيهما إلى الولد الذي هو جزء منهما. فكان الولد كافرا من غير كسب الكفر كما كان للأبوان طول عمرهما كافرين من غير كسب يكون منهما في جميعه والله أعلم.
وجاء في هذا الباب عن النبي ﷺ: "كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه" وقد اختلف في معنى هذا الحديث، فقيل: أن المراد بالفطرة الدين الذي شرعه الله للخلق الأول الذي هو أصل هذا النسل، هو أبونا آدم ﵇. وهو التوحيد الذي لا تشريك فيه ولا تشبيه، وإنما قيل على الفطرة لأنه أريد على الدين الذي كان عند ابتداء الفطرة وهي الخلقة والبنية.
وقيل: أن المعنى- أن كل مولود يولد خاليا من كل دين لكنه لا يترك كذلك بل يتبع أبويه، فيكونان البساه دين أنفسهما وأدخلاه فيه.
فمن ذهب إلى الوجه الأول احتج بحجج أحدهما قول الله ﷿: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليهما﴾. قال فقد أخبر ﷿ أنه فطر الناس كلهم على الدين فثبت أن معنى قول النبي ﷺ "كل مولود يولد على الفطرة" هو أنه يولد على الحق حتى يكون أبواه هما اللذان يرفعانه عنه، ويمثلان به إلى الباطل.
ودل على صحة هذا أنه لم يقل: حتى يكون أبواه يسلمانه، كما قال يهدوانه وينصرانه. فلو كان معنى يولد على الفطرة فيولد خاليا من كل دين، ومعنى يهودانه أن يجعل تابعا لأبويه في الدين إذ لم يكن له في نفسه دين لذكر الإسلام كما ذكرت أصناف الكفر. ولما لم يذكر، بان أن معنى الفطرة الدين الأول الذي شرع لأول فطور من البشر.
والحجة الثانية: أن الله ﷿ قال في كتابه: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألبت بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا أن تقولوا يوم
[ ١ / ١٥٢ ]
القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم، أفتهلكنا بما فعل المبطلون﴾.
ووردت الأخبار بأن الله ﷿ لما خلق آدم صلوات الله عليه اخرج كل من علم أنه كائن من صلبه أمثال الذر، فأخذ عليهم الميثاق ما لم يحدث خلافه.
فإن قيل: قال الناس لا يذكر أحد منهم أنه أعطى من نفسه هذا الميثاق لا حقيقة ولا ظنا، ولئن كان هذا مما أخذ عليهم فهم في هذه الدار اخذ عهدان منهم في الدار الآخرة، فكيف لا يذكرونه في أقرب الأوقات من وقت هذه الكائنة، ويذكرونه في أبعدها؟
قيل: إن هذا الميثاق لما أخذ عليهم مخرجين من صلب آدم، لا شرك أنه أخذ وقد ركب فيهم الحركة والنطق والعقل، فلما أعيدوا إلى صلب آدم بطل ما كانوا، فردوا به من هذه المعاني فزال العلم الذي كان متعلقا به، ولما عادوا يخرجون من صلبه واحدا بعد واحد على سبيل التوالد، انسوا ذلك الميثاق لأن الدار كانت دار ابتلاء وامتحان وتعبد، فلو ذكر كل واحد ما كان فيه فيها خلال حقه وصدقه يجري الإيمان مجرى الضرورات، وارتفعت المحنة واقتضت الحكمة انساءهم إياه، وابتداءهم بالخطاب والتكليف مقرونين بإرسال الرسم وتأييدهم بالأعلام بعد تركيب العقل فيهم وتمكينهم من التمييز بين الحق والباطل ليكون منهم ما يكون، حتى إذا كان يوم القيامة ذكروا من ذلك ما كانوا نسوه، لاحتجاج به عليهم ما أمدوا به على ألسنه الرسل من التنبيه والوعظ والعد والوعيد وبالله التوفيق.
والحجة الثالثة: ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: "يقول الله ﷿ خلقت عبادي حنفاء فأحلتهم الشياطين عن دينهم". وهذا يدل على أن أصل الناس في دينهم الأيمان وأنهم في ذلك بمنزلة الماء والثوب والأرض التي أصلها الطهارة ما لم يرد عليه راد ينجسها.
ومن قال بالقول الآخر دفع هذه المقالة، فإن الدين كسب لا حيلة، لأن الله تبارك
[ ١ / ١٥٣ ]
وتعالى يثيب ما حسن منه ويعاقب على ما قبح منه، ويأمر بالحسن وينهي عن القبيح، وما كان بابه باب الحيلة، فإنه لا ثواب ولا عقاب لأحد عليه، فإن الله تعالى لا يثيب البصير على بصره ولا يعاقب الأعمى على عماه، وكذلك كل من جرى مجراه. وهو يثيب المسلم بإسلامه، ويعاقب المبطلين على باطلهم، فثبت بذلك: أن الدين من باب الاكتساب لا من باب الجبلة والبنية، وإذا كان كذلك، والمولد بين الكافرين لم يكسب دين الحق ولم يكسبه له أبواه فإني كان مسلما!
وأيضا فإن الله ﷿ لو خلقه مسلما، لم يرع إتباعه الأبوين الكافرين في كفرهما لوجهين: احدهما لأنه ليس من دينه أن يقبل من أحد كفرا بعد الإيمان، والآخر أن كل من اتبع غيره في شيء فإنما يتبع فيما لا يكون له بنفسه، فيكون محتاجا، فلو كان له بنفسه دين لم يتبع في الدين أبويه.
فأما قول الله ﷿: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا﴾ فطرة الله التي فطر الناس عليها الإسلام، لكن ما يتوصل به إلى الإسلام هو الحق من دلالة العقل، وهي التي لا يتهيأ لأحد تبديلها، فإن ذهب عنها ذاهب كانت هي مجالها حجة عليه وداعية له إلى الصراط المستقيم، وبالله التوفيق.
وأما النبي ﷺ لما لم يقل حتى يكون أبواه يسلمانه، دل على أن المراد بالفطرة الإسلام، فلا دلالة له فيه لأنه أراد بين أن فساد الدين ضرر يلحق الأولاد من قبل آبائهم وأمهاتهم. فذكر الأديان الفاسدة، ولم يذكر الدين الصحيح ولأن بنوته للولد بابوية نفع وصلاح له وتأس من الضرر، فإنما سكت عنه لهذا: لا لأن ثبوت الدين الحق له من قبل الخلقه- فإنا قد بينا أن الدين لا يجري مجرى الخلق- ولكنه من باب الاكتساب. وفي ذلك ما يمنع أن يكون المراد بالفطرة الدين.
وأما قول الله ﷿: ﴿وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم، ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم﴾ فإنما معناه أنه أخرجهم من أصلاب آبائهم عقلاء مذ ركب فيهم آلة التمييز ما يعلمون به أن لهم خالقا، فأشهدهم بما في عقولهم المركبة في أبدانهم
[ ١ / ١٥٤ ]
على أنفسهم، لأنه لو خاطبهم وأمرهم، ونهاهم من غير أن يعطيهم عقلا يدركون به مراده لم يكن عليه سؤال ولا عيب، وإذا أعطاهم آلة التمييز والمعرفة نوجه عليهم العيب والسؤال، ولم يكن لهم أن يقولوا كنا عما يلزمنا غافلين، ولا نوجه لاختلافهم أن يجبلوا على إسلامهم.
فالميثاق إذا هو العقل لا غيره، وبيت فساد تعلق من خالف هذا بالآية أن الله تعالى لم يقل: وإذ أخذ ربك من ظهر آدم ذريته، وإنما قال: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم﴾ فظاهر ذلك أنه أراد توكيد بعضهم من بعض على ممر الأزمان، وباشهادهم على أنفسهم، أعطاهم عقلا يدلهم على صانعهم ووحدانيته وقدسه والله أعلم.
وأيضا فإنه إن كان أخرج من صلب آدم صلوات الله عليه جميع ذريته وسألهم عن نفسه، فاعترفوا بأنه ربهم، ولا شك في أنه ركب فيهم الخبرة والعقل والنطق وسألهم، لأن ما لا يدري مالا يقال هل فلا معنى لسؤاله، وإن كان فعل ذلك بهم فلا يخلو من أن يكون قولهم "بلى شهدنا" اضطرارا واستدلالا، فما بالهم لم تتفرق بهم السبل، ولم تضطرب آراؤهم، وكان كأمثال الذر وحبوبهم ومعارفهم، وقواهم بحسب أبدانهم أن تكون على الإصابة بعد ما أكمل خلقهم، وأغرزت عقولهم وقويت معاني الخير فيهم أقدر وله أخلق. وإن كان ذلك وقع منهم اضطرابا فلهم من الحجة يوم القيامة أن يقولوا: لا نكث لعهد منا ولا نقص لميثاق، لأنا شهدنا اضطرارا، فلما زال علم الضرورة عنا، وكلنا إلى آرائنا، كان منا من أصاب ومنا من أخطأ. كما كان ذلك يكون المجلون وآراؤهم في كل شيء.
وهكذا أن قال قائل: كان إقرارهم عن استدلالهم ولكنهم عصموا عنده من الخطأ ووفقوا للإصابة.
قيل لهم: فلهم إذا كان يوم القيمة أن يقولوا: أيدنا يوم شهدنا على أنفسنا بتوفيق وعصمة حرمناها من بعد، ولم أمددنا بها أبدا لكانت شهادتنا في كل وقت وحال كشهادتنا في أول الأمر، ولم يختلف. فقد بان المقصود الذي يدعيه أهل هذا القول، ولا يحصل بالأهل الذي يصفونه، وأيضا فإن الله تعالى يقول: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾.
[ ١ / ١٥٥ ]
فلو كان الناس قد أخذ عليهم بالإيمان ميثاق ما يقولونه- الذي جلبنا قولهم- لما كانت لهم على الله حجة وأن لم يرسل إليهم الرسل، وقد أخبر الله ﷿: أنها كانت تكون، فثبت أن أخذ الميثاق عليهم من الوجه الذي يقولونه، لم يكن، والله أعلم.
فلو قيل: لو امتنع أن يكون المراد بالآية: أعطاهم العقول، لنفس هذه الآية أيضا، قيل: ولا سواء، لأن ما وضع في العقل من المعارف فهو مختلف: فمنه ما ليس فيه إلا وجه واحد، ومنه ما له وجهان أو أكثر، ومنه ما يدرك البديهة، وفيه ما يدرك بالاستدلال والناس في العقول وسائر القوى مختلفون: فمنهم التام عقله، الساكن نفسه، الجيد طبعه، ومنهم: الناقص عقله، المضطرب نفسه، الركيك طبعه. ومنهم: ذو الشغل الواحد، فهمه مقصور عليه. وفيهم ذو الأشغال الكثيرة، فهمه متوزع بينهما، منقسم عليها. مختلف استدل المستدلين بحسب اختلاف أحوالهم، فيكمل من واحد وينقص من آخر، ويضعف رأي واحد، ويقوى رأي آخر. فاحتاجوا لذلك إلى الإمداد بالرسل ليقووا عزائمهم ويحدوا سرائهم، فيأمنوا مكانهم الوقوع في الغلط والخطأ، وإنما الإقرار وان كان وقع عن الجماعة فشئ قد مضى، ولا يتغير عن حاله- كان بعده رسول أو لم يكن- وأكثر ما يمكن أن ينسوه أو ينكروه عند أهل هذا القول أنهم غير معدودين بما عرض لهم فيه، وإن الإقرار محتج به عليهم يوم القيامة، فلا حاجة مع هذا إلى الرسل إذا! وإذا أخبر الله ﷿ أنه أرسل الرسل لقطع الحجة صح أن هذا الإقرار الذي يصفونه على الوجه الذي يذكرونه غير واضع من الجماعة والله أعلم.
وأما ما يروى عن النبي ﷺ من قوله: "يقول الله ﷿: خلقت عبادي حنفاء فاحالتهم الشياطين عن دينهم"، أنه خلق آدم وحواء صلوات الله عليهما، وجعلهما مسلمين وذرا أولادهم على الإسلام، فكذلك كانوا إلى أن ألقى الشيطان فيهم حدث الكفر، فحال به عن ذلك حال عما كان عليه الأصل، وليس المعنى أن كل مولود فإنه يكون مسلما، ثم يكفر منهم من يكفر.
ويقال: لمن زعم أن أصل الناس الإسلام كما أن أصل الماء والتراب والثياب الطهارة:
[ ١ / ١٥٦ ]
قد علمنا أن كل شيء من هذا، حكم بأنه طاهر في أصله، فإن تلك الطهارة تظهر عليها ما بانها، وللإسلام في أهله آيات. فما أنه الإسلام في أولاد المشركين وهم كما يتفضلون عن أمهاتهم يمكن لها بحكم المشركين أو حين يكونون اجنة في بطون أمهاتهم كذلك أيضا، وإذا لم يكن للإسلام فيهم انه قط علم أن الإسلام فيهم وانه لا دين لهم من قبل أنفسهم إذا الدين كسب ولا كسب لهم فهم كذلك يتبعون آباءهم وأمهاتهم ويجعل ما كسباه من الدين ككسبه لعلة الحرونة والله أعلم.
فصل
ثم القول في الأطفال وما هم صائرون إليه من الجنة والنار، يتبع الأصل الذي سبق ذكره وتقديره. فمن قال: أن كل مولود فإنما يولد على الحق، حتى يكون أبواه ينقلانه إلى الباطل. قال: أن الطفل المولود بين مشركين إذا مات ولم يبلغ مبلغ الاختبار، فيختار الدين الحق أو الذي عليه أبواه، زالت عنه ولاية أبويه فزال ما كان فيهما من تغيير دينه، فرجع إلى أصل أمره، فكان بذلك من أهل الجنة.
ومن قال: بالقول الآخر قال لا يقطع في أمرهم بشيء، وقد يجوز أن يكون مع آبائهم وأمهاتهم في النار، لأن الله ﷿ قد اتبعهم إياهم في الدنيا، فيمكن أن يتبعهم إياهم في الآخرة. قال: قد يجوز أن يوردوا النار وإن لم يدينوا، لأن من أورد النار، فلأنه خلق لها، ومن أدخل الجنة، فلأنه خلق لها. واحتج بقول الله ﷿: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجنس والأنس﴾. ويجوز أن يصاروا إلى الجنة في هذا القول.
فيدل ذلك على أنهم خلقوا لها وإن لم يكونوا كسبوا في الدنيا خيرا. وقد قيل: أنهم يصاروا إلى الجنة ليكونوا خدام أهلها، لا تكون الجنة ثوابا لهم. فإن الثواب يقابل الطاعة، وهم لا طاعة لهم. فيكونون لأهل الجنة في الجنة كخدام الملوك في قصورهم وبساتينهم. ومعلوم أنهم بأن ينعموا بها يلبسوا فيها كسادتهم.
فكذلك هؤلاء الأطفال وأن ينعموا بالجنة فليسوا فيها كالذين جعلت الجنة ثوابًا لهم.
[ ١ / ١٥٧ ]
والله أعلم. وقد قيل: إن كل من علم الله منه أنه أن بلغه الكبر آمن به وعده أدخله الجنة، وكل من علم منه أنه بلغه كفر وفخر، أدخله النار. ومن ذهب إلى هذا احتج بما روى أن النبي ﷺ، سئل عن أطفال المشركين. فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين"، وقد يحتمل أن يكون المراد بهذا الخبر غير هذا المعنى، وهو أن الله أعلم بما هم صائرون إليه، وما هو كائن من أمرهم. ويجوز أن يكون سئل عن هذا قبل أن يتبين له ما بهم، فقد كان ﷺ بمكة قبل ما كتب بدعاء الرسل، وما أدرى ما يفعل بي ولا بكم، ولم يكشف له عن عاقبة أمره وأمر المشركين، ثم أنزل عليه: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ ثم أنزل عليه: ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، أنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون﴾، وأنزل عليه، ﴿وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين﴾.
فاعلم أن الذي يفعل به أن يظهره عليهم، والذي يفعل بهم أن يقهروا أو يذلوا، إلا أن يدخلوا في دين الحق، وكذلك يجوز أن يكون لم يعلم خبر الأطفال عند حدوث هذا السؤال فيوقف، وقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين، أيدخلون الجنة آمنين أم يكونوا في النار معذبين".
ولم يرد بذلك أن كل واحد منهم يعامل في الآخرة بما علم الله أنه لو خلاه في الدنيا فعله، لأن ذلك لو كان جزاء، فالجزاء لا يكون بما لو وجد ليجزي إليه سبيل لفعل أو إذا يكون بما قعد فعل، ألا ترى أن أحدا من العصاة لا يعذب على معصية كانت تقع منه لو أمهل وترك في الدنيا، أكثر مما كان بها واحدا من الفقراء لا يعذب على منع زكاة كان يكون منه، لو أولي مالا، فالأطفال الذين هم أضعف منه وأقل قوة أولى أن لا يعاملوا بمثل هذه المعاملة وبالله التوفيق.
وقد قيل أن أمرهم يجري على ما ورد به الخبر عن النبي ﷺ: "من أنه تؤجج لهم نار يوم القيامة، ويؤمرون بدخولها، فمن هم اصرف بها إلى الجنة، ومن أبي أمر به إلى
[ ١ / ١٥٨ ]
النار، وقال الله ﷿: إياي عصيتم، فكيف لو رسلي بالغيب أتتكم". وليس هذا لحديث ثابت، وهو مخالف لأصول المسلمين، لأن الآخرة ليست بدار امتحان. فإن المعرفة بالله فيها تكون ضرورة، ولا محنة مع الضرورة، لأن الأطفال هناك لا لهول من أن يكونوا عقلاء. فإن كانوا عقلاء كانوا مضطرين إلى المعرفة، فلا يليق باحوالهم المحنة. وإن كانوا غير عقلاء، فهم من المحنة أبعد.
فإن قيل: لوم، إذا كانوا مضطرين إلى المعرفة لم يجز أن يكونوا ممتحنين ما وراء المعرفة.
قيل: لأن سائر الطاعات تقع بالمعرفة، فإذا وقع الامتحان وقع ما وراءها، وإذا سقط الامتحان بها لم يثبت فيما وراءها. ولولا أن هذا هكذا لجاز أن يؤمر الكفار إلى الآخرة بأمر، بعد أن عرفوا الله ضرورة واعترفوا به، فإذا انتهوا إليه ادخلوا الجنة. وأن يمتحن الفقراء بأن يؤتوا في الآخر مالا، ثم يؤمر قوم أن سلوهم منه شيئا، فمن أعطى أدخل الجنة، ومن أبى أدخل النار وعذاب عذاب مانع الزكاة. فإذا لم يجز هذا لم يجز مثله، وعليه أن مرجع هذا الحديث إلى أنهم يقدمون على كفر، لو كفروا في الدنيا لكان يقع منهم، وقد بينا أن التعذيب على مثله لا يكون. وأيضا فإن دلائل الشرع قد استقرت على أن التخليد في النار لا يكون إلا على الشرك، وامتناع الصغار في الآخرة من دخول النار المؤججة ليس بشرك، فكيف يجوز أن يخلدوا لأجله نار جهنم.
فإن قيل إذا لا يخلد المسلم بمعاصيه لأنه مؤمن، فهؤلاء لا إيمان لهم مكتسبا. قيل: والكفار إنما يخلدون لكفرهم، وهؤلاء لا كفر منهم أصلا. فثبت بهذا كله أن هذا الحديث مخالف لأصول المسلمين، ولا يجوز إثباته، وبالله التوفيق.
فصل
وأما ولدان المسلمين، فقد توقف فيهم من توقف في ولدان المشركين، فقال: إذا كان كل منهم معامل بما علم الله تعالى منه أنه فاعله لو بلغه، فكذلك ولدان المسلمين.
[ ١ / ١٥٩ ]
واحتج بما روى أن صبيا مات لرجل من المسلمين فقالت عائشة ﵂: "يا رسول الله، طوباه، عصفور من عصافير الجنة لم يدرك شرا، ولم يعمل به. فقال النبي ﷺ أو غير ذلك يا عائشة! أن الله تعالى خلق للجنة أهلا، خلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم. وخلق للنار أهلا، وجعلها لهم وهم في أصلاب آبائهم".
فيما مضى أن ما يروى عن قول النبي ﷺ في أطفال المشركين: "الله أعلم بما كانوا عاملين" يحتمل أن يكون معناه غير ما يقول المحتج به.
وأما هذا الحديث الأخير، فيحتمل أن يكون إنكار النبي ﷺ على التي قطعت: إن الصبي في الجنة، لأن القطع في ذلك بإيمان أبويها، وقد كان يحتمل أن يكونا منافقين، فيكون الصبي ابن كافر. فيخرج هذا على قول من يقول: قد يجوز أن يكون ولدان المشركين في النار، وقد يحتمل أن يكون أنكر ذلك لأنه لم يكن أنزل عليه في ولدان المسلمين شيء، ثم أنزل قوله ﷿: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم﴾. فأخبر ﷿: أن الذين آمنوا في الحياء الدنيا وجعل ذرياتهم إتباعا لهم في الإيمان، فإنه يلحق بهم ذرياتهم في الآخرة. فثبت بذلك أن ذراري المسلمين في الجنة.
جاء عن النبي ﷺ أنه قال: "سألت ربي ﷿ أن يريني أهل الجنة أهل النار، فجاءني جبريل وميكائيل في اليوم فقال: انطلق يا أبا القاسم، وذكر الحديث إلى أن قال: وأنا أسمع لغط الصبيان، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هم ذرية أهل الإسلام الذين يموتون قبل آبائهم، تكفل بهم إبراهيم صلوات الله عليه حتى يلحق بهم آباؤهم". ففي هذا الحديث أيضا بيان أنهم في الجنة، والله أعلم.
فصل
وإذا سبى الصبي من دار الحرب ومعه أبواه أو أحدهما، فدينه دين من معه من أبويه لأنهما يبقيان على كفرهما بعد السبي، فكان في ذلك تابعا لهما كما كان عند الولادة تابعا لهما
[ ١ / ١٦٠ ]
والله أعلم، فإن سبى وحده فدينه دين السابي لأنه وليه الذي لا أولى به منه كفالة وحمل مؤونة وغيرهما. فقام في دينه مقام أبويه كما قام في الولاية والكافلة مقامها والله اعلم.
وإذا أسلم أب الطفل أو أحدهما كان الطفل مسلما، فأما إذا أسلم الأبوان معا فلان دينه دين الأبوين وكذلك كان في حال كفرهما كافرا، فوجب أن يكون في حال إسلامهما مسلما، وبأن أسلم أحدهما صار مسلما، لأن الجمع بين الاسم والكفر له غير ممكن. فكان الإسلام اغلب لأنه أحق والكفر باطل ولن يغلب الباطل حقا. قال الله تعالى: ﴿بل نقذف بالحق على الباطل فإذا فيدمغه هو زاهق﴾.
وإن أسلم الجد فقد قيل: يكون الولد مسلما وقيل: لا يكون، والأولى أن أب الصغير إن لم يكن حيا، وكان جده يكفله، فإسلامه له إسلام، وإن لم يكن الجد عليه ولاية، فليس إسلامه بإسلام، لان المعتبر هو الولاية والكافلة، ألا ترى أنه لو سبي دون أبويه لكان دينه دين السابي دون الأبوين، وكذلك إذا صادف الولاية للجد يموت الأب أو عتقه أو رقه، وجب أن يكون إسلامه كإسلام الأب، وإذا كان الأب حيا، والولاية له، فإسلام الجد غير معتبر كم يعتبر إسلام السابي إذا كان مع الصغير أبواه أو أحدهما، والله أعلم.
فإن قيل: إن كان دين الصغير دين وليه، فينبغي أن يكون دينه دين السابي، وإن كان معه أبواه، لأنه لا ولية لهما عليه وإنما هي السابي. وينبغي إذا أسلم الأبوان وهما رقيقان أو أحدهما أن لا يصير بذلك مسلما.
فالجواب: أن الأصل في هذا الباب أن الولد تابع في الدين لأبويه، فإذا ولد بين كافرين كان كافرا بكفرهما، لأنه جزء منهما، على السياق الذي تقدم تقريره في الباب الأول. وإذا سبوا جميعا كان حكمه حكمهما، لأن السبي لم يوجب تغير دين الأبوين، فكان الولد تابعا لهما في أن يبقى على دينه لبقائهما، وأمكن بهذا الإتباع بعد أن كان سبي الواحدة قد ضمهم فكانوا في الإجماع بعد السبي كما كانوا قبله.
وأما إذا سبي وحده فهذا المعنى غير موجود لأنه لا سبى في الأبوين، فيقال: إن سبيهما إذا لم يوجب تغيير دينهما، كان الولد في ذلك بمنزلتهما، وإذا لم يتهيأ إتباعه إياهما
[ ١ / ١٦١ ]
وكانت ولايته وكفالته قد صارت إلى السابي، ولم يكن للصغير يد من دين، كان السابي أولى بأن يجعل دين الصغير دينه، فكانت الولاية لترجع السابي بها على غيره بعد أن فات إتباع الصغير أبويه، وذلك لا يوجب أن يكون دينه دين السابي مع وجود أبويه.
فإن قيل: فلم لا تركتموه تبعا لوالديه في دينهما، وإن كان منفردا عنهما، وما أنكرتم أنه إذا سبي معها كان تابعا لهما في دينهما لأنه صغير، فكذلك يتبعهما. وإن سبي وحده لأنه صغير وليس سبيه وحده أكثر من موت أبويه، ولو ماتا لم ينقطع بذلك إتباعه إياهما في الدين، فلم لا كان سبيه وحده كذلك؟
قيل: أن السبي إذا كان يقطع حقوق المسبي ولم يغير دينه إذا كان بالغا عاقلا صار ذلك إقرارا مبتدأ له على دينه، فنزل ذلك منزلة عقد الذمة، ألا ترى أن المسبي لا يقبل على الكفر الذي كان يقبل عليه حين حزبيا، كما لا يقبل الذمي على الكفر الذي كان عليه حين كان حزبيا، ومعلوم أن الصغير يتبع في الذمة أباه، وكذلك يتبع ولد المسبي أبويه.
وإذا كان هذا هكذا لم يجز إذا أسبي وحده ومات الأبوين هذا المعنى أن يثبت الولد فيعود أصلا في كفره بعد ما كان تابعا، وإذالم يثبت ذلك له وهو لا يحل قبله ولا يمكن إجباره على تغيير الدين فليس إلا أن سلبي كفر أبويه ويجعل دينه دين غيره. ثم كان السابي أولى الناس به فجعل تابعا له في دينه، وكان هذا هو الذي يقتضيه صغره، وإلا أبقاء على كفر أبويه والله أعلم. وأما إذا مات أبواه وهو صغير، فإن الكفر استقر منهما بالموت، واستحال أن يوجب ذلك زواله عنه، وهو تابع لهما فيه.
فإن قيل: فلم لا يستقر فيه تابع. قيل: لم يستقر حكم، إن المستقر لعجزهما بعد الموت عن تعبير الدين، ولو كان الاستقرار حكما لتبعهما فيه والله أعلم.
فأما إذا سبي بواه فالسبي أيضا لم يضمهم حتى إذا صار أبواه مقرين على كفرهما صار مقرا مثلهما، فبقي في الكفر أسوة بأهل داره كما لو سبي وحده لكان في الدين أسوة بابيه والله أعلم.
وأما إذا أسلم أبو الصغير وهما عبدان، فإنهما إن كانا سبيا معه ثم أسلما عند السابي أو عند من باعه السابي إياهما أو وهبهما له، كان بذلك مسلما. وإن سبي الصغير دونهما ثم أسبيا، سواء سبيناهما من سبي الصغير أو غيره، ثم أسلما لم يصير الصغير مسلما بإسلامهما،
[ ١ / ١٦٢ ]
لأن السبي إذا جرى عليهم معا، فقد حدث لهما إقرار على كفرهما بالسبي، ولست أعني بالإقرار في هذا الموضع أكثر من أن دينهما لم يتبدل بالسبي كما تبدل ذهابهما فأوجب ذلك أن يكون الصغير تابعها لهما في التقاء على ذلك الكفر، كما كان تابعا لهما في نفس الكفر حين حدث بينهما.
وأما إذا سبي وحده، سبى الأبوان، فإن انفراده بالسبي قد أوجب تغيير دينه، فلا يعود تابعا لهما بسبي يحدث عليهما، لأن حال الإتباع حال يحقق الولد مع أبويه كالملوق الذي هو حال يحدث له مع أبويه، والسبي الذي هو حال له مع أبويه. فإذا فات إمكان الإتباع لانفراده بوقوع السبي عليه، لم يعد هذا الحكم، بل ينس أبواه بعده فيجتمع معهما قياسا على أن الميراث إذا كان يستحق باستفاق الدينين عند الموت، فإن كان ذلك إذا فات عند الموت لم يعد بإسلام يحدثه الولد الكافر بعد موت الأب، وكذلك هذا، وإذا لم يعد تابعا لأبويه- إذا سبيا بعده- في الدين، فسبوا، أأسلما بعد ذلك أو لم يسلما.
وأيضا فإنه إذا سبي وحده لم يخل سابيه من أن يكون مسلما أو كافرا: فإن كان مسلما فمن المحال أن يعود الصغير الذي صار مسلما بإسلام سابيه إلى الكفر، إذا لحق به أبواه، لأن الله ﷿ لا يقبل الكفر بعد الإسلام ولا يقر أحدا عليه، وإذا كان كفرا غير كفر الأبوين، والانتقال من كفر إلى كفر غير مقبول من أحد أيضا أن كان كفره كفر الصغير وأبويه والعلة فيما ذكرت بها، وهي تجمع الأحوال كلها من أن حال الإتباع حال يتجدد للولد مع أبويه، فلما فات أمكان الإتباع إلى الحل التي تحدث وهي السبي دون أبويه، لم يعد هذا الحكم بان يلحق به أبواه من بعد فيجتمعوا، وإذا كان الأمر على وصفنا لم يصير مسلما بإسلام أبويه لأن كفر ولم يكن من قبلهما، فيزول بزواله عنهما والله أعلم.
فصل
وإذا حكمنا للمولود بين كافرين بأنه كافر، فإن غاية هذا الحكم أن يبلغ الصغير، فإذا بلغ فله حكم نفسه. فإن اختار دين أبويه، كافرا من ذلك الوقت بكفر نفسه،
[ ١ / ١٦٣ ]
وإن مات على ذلك لم يدخل الجنة أبدا. وإن اختار الإسلام كان مسلما، فإن قتله قاتل قبل أن يمكنه اختيار دين أبويه، والإسلام ضمنه لأنه على جملة الدين المتقدم إلى أن يختار تركه فيسلم، وإن عمل قبله وهو كافر عليه القصاص، وإن أمكنه الاختيار فلم يفعل ولم يسلم بذلك كان مختارا لدين أبويه وترك، فإن قتله قاتل في هذه الحالة ضمنه.
وإذا أسلم أبواه أو احدهما وهو صغير كان مسلما فإن بلغ بقلبه أن يجدد الإسلام، فإن غفل عن ذلك ولم يعلمه أصلا فهو على حكم الدين المقدم إلى أن يمكنه الإسلام أو غيره، ولا إمكان مع الجهل ولا مع السهو والغفلة، فإن قتله على ذلك قاتل عمدا فعليه القصاص إلا أن يكون مسلما، فلا يقبض منه للشبهة، وهي أنه بالغ، لم تثبت له حكم الإسلام بنفسه، وإن أمكنه الاختبار فأسلم، كان كسائر المسلمين، وإن كفروا بالإسلام فإن اختار كفرا سوى دين أبويه الذي كان له لم يترك، وإن أراد الرجوع إلى دين أبويه قبل أن يسلما، فقد قيل: يترك، لأنه وإن كان كافرا بكفرهما في بدء أمره، ثم أزيل الكفر عنه بما عدم من اتفاق أبويه على الكفر، فلما صار له علم نفسه زال حكم الإتباع عنه، فإن عاد إلى ذلك الكفر فكان ما بينهما لم يكن.
وقيل: لا يقر عليه لأنه كفر ببعد إيمان وهذا أولى. والأول مبني على أنه صار مسلما تبعا لأبويه لما اسلما. والثاني مبني على أنه كافر بكفرهما تبعا لهما، فلما اسلما وهو صغير زالت عليه كفره، فلم يجز أن يكون كافرا مع زوال علة الكفر.
وكل كافر زال كفره فلا يزول إلا إلى الإسلام، لأنه لا ضد له سواه. وإن كان المولود بين المسلمين فهو مسلم ما دام صغيرا، فإذا بلغ كان عليه إن يحدد الإيمان، فإن غفل عنه ولم يعلم ذلك أصلا فهو على حكم الإسلام، وإذا علم أن عليه التجديد فلم يجدد الإسلام وهو يمكنه، فلا يقر على كفره، بل يكون كسائر المرتدين والله أعلم.
[ ١ / ١٦٤ ]