الإيمان اسم مشتق من الأمن الذي هو ضد الخوف، كما قال ﵎: ﴿فإن خفتم فرجالا أو ركبانا، فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾، ومعناه والغرض الذي يراد به عند إطلاقه هو التصديق والتحقيق لأن الخبر هو القول الذي يدخله الصدق والكذب والأمر والنهي كل واحد منهما قول يتردد بين أن يطاع قائله وبين أن يعصى، فمن سمع خبرا فلم يستشعر في نفسه جواز أن يكون واعتقد أنه حق وصدق، فإنما أمن نفسه باعتقاد ما اعتقد فيما سمع من أن يكون مكذوبا له ملبسا عليه، ومن سمع أمرا ونهيا واعتقد الطاعة له، فكأنما أمن نفسه باعتقاد ما اعتقد فيما سمع من أن يكون مظلوما أو مستسخرا، أو محمولا على ما لا يلزمه قبوله والإنقياد له، فمن ذهب إلى هذا المعنى أنزل قول القائل: أمنت بكذا، والمراد نفسي منزلة قولهم ووطنت نفسي على كذا، أو حملت نفسي على كذا، أو رصنت نفسي أو ذللتها، وصنت نفسي عن كذا بمعنى أمنت، أي بدا لي صدق وما سمعت بأذني، وحق ما أدركته بعقلي، وما اعتقدته أمنا من الخطأ فيه، ويكون تركهم ذكر النفس في قولهم: أمنت، إختصارا لما قد كثر استعماله كما يقال بسم الله بمعنى بدأت، أو ابدأ باسم الله، وحذف ذكر الابتداء لكثرة الاستعمال. والله أعلم.
وفيه وجه آخر وهو أن يكون معنى أمنت، أي أمنت مخبري أو الداعي لي من التكذيب، والخلاف بما صرحت له به من التصديق والوفاق، فإذا قيل: آمنت بالله، فالمعنى أمنت الداعي إلى الله من الخلاف والتكذيب بما أظهرت له من الوفاق والتصديق
[ ١ / ١٩ ]
والإيمان بالرسول، إيمانه في نفسه من الشقاق عليه بإظهار التصديق له، والإيمان بالملائكة والكتب إيمان المخبر عنها من الخلاف بإظهار الوفاق.
وقد يجوز أن يكون إيمان من آمن بالله من الملائكة لا عن رسول كان إليه إيمانه بنفسه يحسن الإعتقاد لما أوجبه استدلاله من أن يكون الذي وقع له وسوسة أو ظنا، ويدخل في هذا إيمان المستدلين من الناس أيضا، وذهب بعض الناس إلى أن معنى آمنت بالله، أمنت نفسي من عذاب الله بالاعتراف به والتوحيد له، وهذا لا يصح لأنه لا سبيل لأحد من المؤمنين إلى القطع بأنه قد أمن عذاب الله، وقد قال الله تعالى ﷿: ﴿فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون﴾، ولأن الأمور بعواقبها ولا يدري أحد بماذا يختم له، ولأن لقطة الإيمان ليست تستعمل فيما يعقب الذهاب عنه عذابا فقط، ولكنه مستعمل حيث لا يتوهم فيه عذاب، لأن معنى الإيمان التصديق، فقد يجوز أن يقول القائل لصاحبه فيما يحدثه: لا أؤمن بما تقول، كما يقول: لا أصدق: ثم لا يكون المعنى لا أؤمن نفسي من العذاب بتصديقك. فبان أن ليس تأويل الآية ما قاله هذا القائل والله أعلم.
فصل
ثم إن الإيمان الذي يراد به التصديق لا يعدو إلى من يضاف إليه ويلصق به إلا بصلة وتلك الصلة قد تكون باء وقد تكون لاما. أما ما جاء بحرف الباء فمنه قول الله تعالى: ﴿والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك﴾، وقوله: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله﴾، وقوله جل وعز: ﴿آمنوا بالله ورسوله﴾، وأما ما جاء باللام فمنه قوله تعالى في قصة إبراهيم صلوات الله عليه: ﴿فآمن له لوط﴾، وقوله حكاية عن نوح صلوات الله عليه: ﴿أنؤمن لك واتبعك الأرذلون﴾، وعن قوم فرعون أنهم قالوا لموسى وهارون
[ ١ / ٢٠ ]
صلوات الله عليهما: ﴿أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون﴾، وعن أبناء يعقوب صلوات الله عليهم أنهم قالوا لأبيهم: ﴿وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين﴾، وعن كفار العرب أنهم قالوا فيما بينهم: ﴿ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم﴾. فمن الناس من قال: إن قولهم "آمنت به"، و"آمنت له" لغتان يعبر بهما عن معنى واحد. والصحيح ما خالف هذا، وهو أن قولهم: "آمنت به" إنما يراد إثباته وتحقيقه والتصديق بكونه ووجوده. وقوله: "آمنت له" إنما يراد إتباعه وموافقته،.فالإيمان بالله تعالى جده إثباته والاعتراف بوجوده، والإيمان له القبول عنه والطاعة له. والإيمان بالنبي إثباته والإعتراف بثبوته، والإيمان بالنبي موافقته والطاعة له. ويدل على افتراق الصلتين أن إحداهما تصلح حيث لا تصلح الأخرى، فإن بني يعقوب ﵇ لو قالوا لأبيهم: "وما أنت بمؤمن بنا" لما صلح لذلك. ولو قال كفار العرب: "ولا تؤمنوا إلا بمن اتبع دينكم" لما أدى ذلك لما أرادوه من المعنى. وأمر الله نبيه محمدا ﷺ أن يقول للمنافقين: ﴿لن نؤمن لكم﴾، أي لن نقبل منكم عذركم، ولو كان مكانه: "لن نؤمن بكم"، ما جاز ولا حسن. وقال جل ثناؤه: ﴿قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين﴾، ولو كان مكان ذلك: "ويؤمن بالمؤمنين" لما جاز ولا صلح. فثبت بما اقتصصنا أن الصلتين موضوعان لمعنيين متغايرين لا لمعنى واحد. ويدل على صحة ما ذكرت أن اسم التصديق الذي هو حقيقة الإيمان قد يحتمل صلتين: إحداهما الباء والأخرى الهاء. فأما الباء فإنه يليق بالتصديق وبما يتصرف عنه من فعل ونعت. وأما الهاء فإنه يلزم ما ينصرف عنه من فعل، فإذا جاء النعت جازت اللام مكان الهاء، فيقال: "صدقت فلانا وصدقت به"، فمعنى صدقته أثبت قوله وخبره ووثقت بصحته ومعنى صدقت به: أثبت وجوده وكونه. ثم يقال: صدقت به وأنا مصدق. وإذا قيل صدقته، جاز أن يقال: "وأنا مصدقه ومصدق له، قال الله تعالى: ﴿مصدقا لما بين يديه من الكتاب﴾، ولا يصلح مكانه ومصدقا بما بين يديه لأن الغرض، أن هذا الكتاب
[ ١ / ٢١ ]
مثبت من وحدانية الله تعالى وقدسه ووجوب طاعته وتحسين العدل، وتقبيح الظلم والشهادة للذين جاؤوا بالكتب المقدمة، بأنهم جاؤوا بها من عند الله تعالى ما أثبتته تلك الكتب أنفسها. ولو قيل: "مصدقا لما بين يديه من الكتاب"، لصلح، فعلم أن اللام قائمة مقام الهاء في صدقته. ولو قيل: "ومصدقا بما يديه"، لم يدلك على أكثر من أنه أثبت أن كتبا كانت قبله، فثبت بهذا افتراق الصلتين، وتغاير ما يراد بهما، والله أعلم.
وما ينبغي لأحد أن يستنكر هذا الفرق، فإن الوجود منه هو الموافق للصواب والحكمة إذ كان الاعتراف بالله ﷻ، لابد من أن يسبق حتى يصح القبول عنه وطاعته وعبادته من بعد، والاعتراف بالنبي كذلك لأنه يسبق، ثم تكون متابعته والقبول عنه، ولو تجردت المتابعة بفعل ما يأمر به، والانتهاء عما ينهي عنه عن الاعتراف بالنبوة لما سلمت، ولا سلمت نفعت، فكان حقا أن يعود الأصل من هاتين الخصلتين بإحدى هاتين اللفظتين والتابع منهما بالأخرى. فيكون التصديق بالله إثباته والاعتراف بوجوده، والتصديق له قبول شرائعه، وإتباع فرائضه على أنها صواب وحكمة وعدل، والطاعة فيها لازمة، والمحافظة على حدوده، والثقة بوعده ووعيده.
وكذلك التصديق بالنبي، غير التصديق له. فالتصديق به: هو الاعتراف بوجوده وكونه وإثباته نبيا في الجملة. والتصديق له: إتباعه وطاعته وقبول ما جاء عنه، وكذلك الإيمان بالله: هو الاعتراف به وإثباته: والإيمان له: طاعته وإتباع أمره. وعلى هذا الإيمان بالله أو النبي، إيمان بالدلائل التي دلت عليه، لأنه قبول لدلالتها عنها، وانقياد لموجبها. والإيمان بالكتاب إيمان للدلائل التي دلت على أنه من عند الله.
[ ١ / ٢٢ ]
فأما إذا قلت: "آمنت بالكتاب"، لم تكن دللت على أكثر من أنك أثبته كتابا لله تعالى، والإيمان بالنبي إيمان لله لأنه قبول لدلالته التي أيده بها، وطاعة له فيما أتى به من عنده، والإيمان بالله إيمان بالنبي لأنه إجابة لدعوته ومتابعة له على مقالته. وقد يجوز أن يقول: آمنت للكتاب والتزمت العمل بأمره ووعيده. فإن قال قائل: فما يمنع أن يكون الإيمان بالله إيمانا لله؟ لأن الإيمان بالله من فرائض الله، وطاعته فيه إيمان له، والإيمان بالنبي إيمان للنبي لأنه مؤمن بنفسه كما هو مؤمن بالله، والإقرار له بذلك متابعة له على ما هو عنده، فرجع الأمر: إلى أن الإيمان بمن يضاف الإيمان إليه والإيمان له سواء، فالفرق بينهما ساقط!
فالجواب: إنا لا ننكر أن يكون هذا هكذا إذا كان أحد هذين المعنيين مضافا إلى صيغة اللفظ الآخر وإلى تأويله! وإنما ينكر أن يكون جميعا مضافين إلى صيغة اللفظ إذا كانت الشواهد التي تقدم ذكرها تشهد بأن كل واحدة من اللفظتين موضوعة لغير ما وضعت له الأخرى. فكانت نفس الصيغة تدل على ذلك، لأنه إذا قيل: آمنت بكذا، أوجب ذلك إلصاق الإيمان بذلك الكذا، إذ الباء عندهم حرف إلصاق، فلا يكاد هذا اللفظ يدل على أكثر من التصديق بذات من أضيف الإيمان بالله. فإذا قيل: آمنت لكذا، أوجب ذلك إيمانا غير ملصق بذلك الكذا لكن واقعا لأجله. فكان قولهم: "آمنت بالله"، كقولهم "أثبت الله واعترفت به". وقولهم: "آمنت لله"، كقولهم: "خضعت لله، والخضوع له عز اسمه معنى غير إثباته، فلو جاز أن يقال: أن أحدهما هو الآخر. مع افتراقهما من حيث ذكرت، لجاز أن يقال: أن اسم الصلاة لصيغته موضوع لطاعته، إذ كانت الصلاة لله طاعة له، والصيام وكل عبادة مثلها، فتكون الصلاة صياما لأنها طاعة مثله، أو الصيام صلاة لأنه طاعة مثلها، وكل واحد منهما مستعملا حيث تستعمل الطاعة، إذ كان كل واحد منهما طاعة. فإذا لم يجز أن يقال ذلك لافتراق الاسمين فيما صيغ كل واحد من اللفظين له من المعنى، فكذلك الإيمان بالله والإيمان لله، هذه منزلتهما.
ويدل على صحة ذلك اسم الإسلام يصلح مكان اسم الإيمان عند وصله باللام، ولا
[ ١ / ٢٣ ]
يصلح مكانه عند وصله بالباء. إذ قد يجوز أن يقال: "آمنت لله وأسلمت لله"، ولا يجوز أن يقال: "أسلمت بالله" كما يقال: "آمنت بالله". فثبت بهذا ثبوتا ظاهرا إن الإيمان لله غير الإيمان بالله، وأن الإيمان بالله إثباته والاعتراف به. فلما لم يكن من قولهم أسلمت بالله، هذا المعنى، لم يجز استعماله وأن الإيمان لله هو الطواعية له بإتباع أوامره بعد الاعتراف به، إذ كان إتباع الأمر مع الجحود لا يتحقق، فلما كان ذلك إسلاما للنفس وتسليما لأمر الله، صح أن يقال: "أسلمت لله"، فبان عما قلنا أن من قال: "آمنت بالله"، كان الإثبات والاعتراف به هو المعنى المضاف إلى صيغة اللفظ، وأما ما فيه من معنى الطاعة فهو من تأويل اللفظ لا من حكم صيغته. وأما من قال: "آمنت الله"، كان الإذعان والطواعية له بقبول أوامره وسائر ما جاء من عنده، هو المعنى المضاف إلى صيغة اللفظ. فأما ما فيه من معنى الإثبات له والاعتراف به، من حيث أن إتباع الأمر والنهي لا يكون إلا مع الاعتراف، فهو من تأويل اللفظ لا من حكم صيغته، والله أعلم.
فصل
ومن هذا الوجه الذي بيناه أوجبنا أن تكون الطاعات كلها: فرائضها ونوافلها إيمانا، ولم نوجب أن تكون المعاصي الواقعة من المؤمنين كفرا. وذلك أن الكفر بالله أو برسوله مقابل الإيمان به. فإذا كان الإيمان بالله أو برسوله الاعتراف به والإثبات له، كان الكفر به جحوده والنفي له والتكذيب به. فأما الأعمال فإنها إيمان لله ولرسوله بعد وجود الإيمان به. والمراد به إقام الطاعة على شرط الاعتراف المتقدم، فكان الذي يقابله هو الشقاق والعصيان دون الكفر، فلذلك قلنا أن تارك الإتباع مع الثبات على التصديق فاسق وليس بكافر. وكان هذا هو الذي يوجبه اللسان إلى أن يحقق المعاني وينظر فيما يوجبه، والله أعلم.
[ ١ / ٢٤ ]
فصل
ثم أن التصديق الذي هو معنى الإيمان بالله وبرسوله ينقسم: فيكون منه ما يخفى وينكتم، ويكون منه ما يتجلى ويظهر، وأما الذي يخفى فهو الواقع منه بالقلب ويسمى اعتقادا، وأما الذي يظهر فهو الواقع باللسان ويسمى إقرارا ويسمى شهادة. وكذلك الإيمان لله ولرسوله ينقسم: إلى جلي وخفي. فالخفي منه هو النيات والعزائم التي لا تجوز العبادات إلا بها. واعتقاد الواجب واجبا والمباح مباحا والرخصة رخصة والمحظور محظورا والعبادة عبادة والحد حدا ونحو ذلك. والجلي ما يقام بالجوارح إقامة ظاهرة وهو عدة أمور: منها الطهارة ومنها الصلاة ومنها الحج ومنها العمرة ومنها الزكاة ومنها الصيام ومنها الجهاد في سبيل الله، وأمور سواها ستذكر في مواضعها. وكل ذلك إيمان وإسلام وطاعة لله ﷿ ولرسوله ﷺ إلا أنه إيمان لله بمعنى أنه عبادة له، وإيمان للرسول بمعنى أنه قبول عنه دون أن يكون عبادة له، إذ العبادة لا تحق لأحد ﷿.
فصل
ونقول: الخلاف في هذا الأصل الذي تقدم من قبل اللسان تمهيده كثير، ولكن القصد في هذا الكتاب، الكلام على الفريقين:
أحدهما: الذين يقولون أن التصديق بالقلب كان لإثبات الإيمان ومزايلة الكفر، وأن الإقرار باللسان وإن كان فرضا، فليس أن الكفر لا ينتفي إلا به، وإنما هو كالصلاة والزكاة وغيرهما من أركان الإسلام. وهي وإن كانت فرضا، فالكفر ينتفي من دونها، فكذلك الإقرار.
والآخر: الذين يقولون أن التصديق بالقلب واللسان معا هما الإيمان، فمن اعتقد بقلبه وأقر بلسانه فقد استكمل الإيمان، وأما سائر الطاعات والعبادات فاسم الإيمان لا يلحقها، وإنما يقال أنها حقوق الإيمان أو شرائع الإيمان، فأما الإيمان نفسه الاعتقاد والإقرار. وأما نحن فنقول: أن اسم الطاعات كلها فرائضها ونوافلها. فالاعتقاد
[ ١ / ٢٥ ]
إيمان، وكل عبادة من صلاة أو زكاة أو حج أو جهاد أو غيرها فهي إيمان. ثم في تسميتها إيمانا وجهان:
أحدهما أن كلها إيمان بالله ﷿ وبرسوله ﷺ.
والآخر: أن الاعتقاد والإقرار إيمان بالله وبرسوله، وسائر الطاعات والعبادات إيمان لله ورسوله. وسنتكلم عن كل واحد من الوجهين عند الحاجة إليه إن شاء الله.
والدليل على أن التصديق بالقلب لا ينفك عن الكفر دون أن ينضم إليه الإقرار باللسان إذا كان مقدورا عليه- إن الله ﷿ أمر بالقول فقال: ﴿قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون﴾. ثم قال ﷿: ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا. وإن تولوا فإنما هم في شقاق﴾. فأمر المؤمنين أن يقولوا: "آمنا" ثم أخبر- بقوله تعالى: فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به- إن ذلك القول منهم إيمان، وسمي قولهم مثل ذلك إن قالوه وإيمانا، إذ لا معنى لقوله: ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به﴾ إلا فإن آمنوا بأن قالوا: "مثل ما قلتم"، فكانوا مؤمنين كما آمنتم. فصح أن القول إيمان، وبأن قوله تعالى: ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم فقد اهتدوا وأن تولوا فإنما هم في شقاق﴾ بعد ما ثبت أن تقديره ما وصفنا أن المعنى. فإن قالوا مثل ما قلتم فقد اهتدوا وإن تولوا وأبوا وامتنعوا فإنما هم في شقاق، ومشاقة الله تعالى كفر، فصح أن القول باللسان محتاج إليه لنفي الكفر، والله أعلم.
وقال ﷿ في آية أخرى: ﴿فلما رأوا بأسنا قالوا: أمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين، فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا﴾. إن ذلك القول لم ينقلهم عن الكفر، لأنه كان بعد رؤية البأس، فثبت أنه لو كان قبلها، لنفعها بأن كان ينقلهم عن الكفر إلى الإيمان.
ودلت السنة على مثل ما جاء به القرآن، فروي أن النبي ﷺ قال: (أمرت أن
[ ١ / ٢٦ ]
أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها). ومعلوم أن الإيمان هو الواجب للعصمة، فلما أخبر النبي ﷺ: أن العصمة المزايلة بالكفر تثبت بالقول، صح أن القول إيمان، وأن الحاجة إليه كالحاجة إلى الاعتقاد لانتفاء الكفر، والنظر يدل على صحة هذا القول، لأن اللسان محل التوحيد كالقلب، فإن القاصد إلى الإيمان كما يخطر بقلبه أن لا إله إلا الله، ويوطن نفسه على أن ذلك كذلك، فيكون موحدا بقلبه. فكذلك يجري لسانه بمثل ما كسب قلبه ويعبر عما في ضميره فيقول: لا إله إلا الله، فيكون موحدا بلسانه، فبان بذلك أن كل واحد من القلب واللسان محل التوحيد، ووجب إذا كان اعتقاد التوحيد أمرا لا ينتفي الكفر بدونه أن يكون القول باللسان في هذا مثله، وأن لا يقضي بزوال الكفر مع خلو محل التوحيد وبالله التوفيق.
ووجه آخر: وهو أن الكفر لما كان يقوم بالعقد وحده وبالقول وحده، لأن من تكلم بكلمة الكفر مختار عالما بمعناها غير حاك لها عن غيره كفر، وإن ما كان لا يعتقد أن ما تنبي عنه الكلمة صحيح، كما أن من اعتقد ضربا من ضروب الكفر كفر، وإن لم يعبر عنه بلسانه. دل ذلك على أنه لا ينتفي إلا باجتماع العقد والقول على نفيه، لأنه لما احتيج إلى عقد القلب لنفي الكفر لم تكن العلة فيه، إلا أن فساد العقد مثبت للكفر، وهذا المعنى موجود في القول لأن فساده موجب للكفر، فصح أنه محتاج إليه لنفي الكفر كالعقد، فوجب أن لا يثبت الإيمان إلا بالجمع بين الاعتقاد الصحيح والإقرار الصريح وبالله التوفيق.
ووجه آخر: وهو أن الإجماع قد حصل على أن الإقرار فرض، وإن كان مختلف في أن البراءة من الكفر تقع من دونه أو لا تقع، فلا يخلو وجوبه من أوجه ثلاثة.
أما أن يكون لشغل جاز حتى التوحيد للجمع بذلك بين ظاهر الإيمان وباطنه، أو
[ ١ / ٢٧ ]
ليعلم المقر غيره أنه قد اعتقد التوحيد وترك ما يخالفه، أو لا لهذا ولا لذلك. ولكنه فرض كسائر الفروض التي هي الصلاة والزكاة والصيام، فبطل أن يكون وجوب الإقرار ليعلم المقر غيره حال نفسه من الإيمان، فإن المنفرد بنفسه حيث لا بأس عنده ولا أحد معه يلزمه من الإقرار والتشهد بشهادة الحق، ما يلزم التارك بين الجماعة ومعلوم أنه إذا كان خاليا بنفسه، فليس يحتاج أن يعلم غيره إيمانه بل لا غير فيعلمه، فثبت أن وجود الإقرار ليس للإعلام، ودل على ذلك أيضا أنه لو أقر من حيث لا يسمع إلا لنفسه لسقط عنه فرض الإقرار، فعلم أن وجوبه ليس لأعلام الغير، وبطل أن يكون وجوبه كوجوب الصلاة والزكاة لأنه أخف كلفة وأقل شغلا من الصلاة والزكاة والصيام، ثم لا يتكرر تكرارا متداينا ولا ييكر امتزاجيا، فلو كان وجوبه على أنه من فروع الإيمان لتكرر كما يتكرر ما هو أشق وأثقل منه، فإن قال: فإن الإقرار يتكرر في الصلوات، قيل: أول ما يجب الإقرار فإنما يجب في غير الصلاة فتكرره يجب مرة بعد أخرى في غير الصلاة ليكون مقصودا بنفسه، وأما إذا وجب في الصلاة فإنما يجب لتكميلها، وليس ذلك من وجوبها لنفسها بسبيل. ألا ترى أن عامة ما يجب على الصائم الإمساك عنه، يجب على المصلي الإمساك عنه؟ ثم لا يكون تكرر صيام لأنه مشروط غيره وليس بمقصود في نفسه! فكذلك الإقرار والله أعلم. ولما بطل هذان الوجهان صح الثالث وهو أن الإقرار إنما يلزم لينضم إلى الاعتقاد ويعاونه على نفي الكفر والله أعلم.
ووجه آخر: يدل على أن الإقرار إنما يجب وجوب الاعتقاد، أنه يلزم العاقل البالغ معجلا مضيقا كما يلزمه الاعتقاد معجلا مضيقا، فبان أنه للجمع بين ظاهر الإيمان وباطنه لا لدلالة الغير على استحداث الإيمان، فإن الغرض من الإقرار لو كان تعريف الحال لجاز أن يتأخر إلى أن تقع الحاجة إلى التعريف، ولما لم يجز تأخيره بعد حصول المعرفة كما لا يجوز تأخير الاعتقاد دل على ذلك على أنه لما قلنا من الجمع بين ظاهر الأمر وباطنه والله أعلم.
[ ١ / ٢٨ ]
ووجه آخر: وهو أن الكافر إذا اعتقد وأقر كان مؤمنا، ثم لا يلزمه في غير أحوال الصلاة أن يتكلم بشهادة الحق، وإن اعترضت في أمره شبهة فاحتاج إلى إزالتها للدفع عن نفسه كفاه أن يقول: إني مسلم أو قد أسلمت من وقت كذا، ولم يلزمه أن يأتي بالشهادة على وجهها. فبان أن ذلك للجمع بين ظاهر الإيمان وباطنه لا لمعنى سواه، إذ لو كان الدلالة على حال نفسه للزمه في كل حال من أحوال الأشكال الواقع في أمره أن يأتي بالشهادة على وجهها. وإذا لم يلزمه في ذلك ما يلزم في بدئ أمره، صح أن مجموع الاعتقاد والإقرار هو الإيمان وبالله التوفيق.
فإن قال قائل: فما أنكرتم أن الإيمان هو التصديق بالقلب وحده، لأن الله ﷿ أمر بالإيمان بقوله: ﴿آمنوا﴾ والتصديق بالقلب إيمان في اللسان، فمن جاء بذلك فقد وفى الأمر حقه وخرج عن عهدته:
فالجواب أن التصديق المطلق قول القائل: صدقت، بقول العرب: إن صدقت فصدقني، وإن أصبت فصوبني، وإن أخطأت فخطئني، وإن أسأت فسؤني، على أن قيل لي: صدقت، أصبت، أخطأت، أسأت،. وقال الله ﷿: ﴿ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما﴾. فسمى قوله: ﴿وصدق الله ورسوله﴾ بعد تقديم الإيمان زيادة إيمان. فثبت أن الإيمان ليس التصديق بالقلب دون القول به، وأيضا فإن هذه الآية لم تتجرد عن سائر الآيات والسنة التي فيها اشتراط القول لثبوت الإيمان، فوجب أن يكون محمولا على الإيمان ومضمومه إليها. وأيضا فإن لا خلاف بيننا وبين قائل هذا القول في أن الإقرار إيمان لأنه يقول الطاعات كلها إيمان، والإقرار طاعة. فهو إذن إيمان. فإن كان قوله ﷿: آمنوا، محمولا على الإيمان الجامع لجميع شعبه، فالإقرار منها بل هو رأسها. وإن كان محمولا على كل شيء يلحقه اسم الإيمان فلا ينبغي أن يكون التصديق بالقلب أندر إليه من التصديق باللسان، ولا التصديق باللسان أندر إليه من التصديق بالقلب.
[ ١ / ٢٩ ]
فإن قال قائل: ما أنكرتم أن الإيمان هو التصديق بالقلب وحده لقول الله ﷿: ﴿قالت الأعراب آمنا، قل: لن تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾. فأخبر أن القول ليس بإيمان وأن ما في القلب هو الإيمان.
فالجواب: أن الآية إن كانت توجب أن لا يكون القول إيمانا، فإنما ذلك في القول العاري عن الاعتقاد، ولسنا نخالف ذلك، بل نقول به، فإن قال: فإن في الآية أن التصديق بالقلب إيمان، وإنه لو كان في قلوبهم، لكانوا مؤمنين. قيل: لو كان في قلوبهم لكانوا مؤمنين لجمعهم بين التصديق بالقلب والقول باللسان لا التصديق بالقلب وحده، لأن الله تعالى وصفهم بالقول، لا إنه سلب ذلك القول اسم الإيمان ليعري القلب عن حقيقته، فدل على أن حقيقته إذا كانت موجودة في القلب كان وجود الإيمان بالقلب واللسان معا لا بأحدهما دون الآخر. فإن قال: ما أنكرتم أن الاعتقاد وحده إيمان، لأن من سلب البيان يصح منه الإيمان بقلبه، ومن سلب العقل لم يصح الإيمان منه بلسانه. فعلم أن مدار الإيمان على القلب لا على اللسان! فالجواب أن من سلب البيان صحت منه الصلاة بلا كلام، ومن سلب العقل لم تصح له صلاة أصلا، ولا يدل ذلك على أن الجمع بين العقل والقول غير محتاج إليه في وجود حقيقة الصلاة عند القدرة على الجمع بينهما، فكذلك ما ذكرتم، ثم لا يدل على أن الجمع بين العقل والقول غير محتاج إليه في وجود حقيقة الإيمان عند القدرة على الجمع بينهما. وأيضا فإن من سلب العقل، كما لا يصح منه الإيمان بلسانه فكذلك لا يصح منه الكفر بلسانه، وذلك لا يدل على أن الكفر النافي للإيمان لا يقع باللسان، فلذلك امتناع صحة الإيمان من المجنون لا يدل على أن نفي الكفر لا يقع باللسان، والله أعلم.
فإن قال: لما كان المكره على الكفر يحفظ الإيمان على نفسه بالثبات على اعتقاده مع إجرائه الكفر على لسانه، دل ذلك على أن الاعتماد في الإيمان على القلب.
فالجواب: أن المكره ليس يحفظ الإيمان على نفسه، بمجرد الاعتقاد، لكن به وبالإقرار السابق الذي قدمه ثم لم يتبعه ما ينقصه، وذلك أن القول الذي أكره عليه،
[ ١ / ٣٠ ]
لا يكمل لنقص الإقرار السابق إذ كان المكره لا يتكلم به لما تحته من المعنى، وإنما يتكلم به لأنه محمول عليه بعينه، فلا يخلص نفسه إلا به. فأوجب ذلك إهدار كلامه حتى إذا هدر كان دوام الإيمان بالاعتقاد وبما تقدم من الإقرار الذي سلم عما ينقصه ويرفعه لا بالاعتقاد وحده، والله أعلم.
فإن قال: الإقرار عمل بإحدى الجوارح الظاهرة، فهو كالصلاة والصيام والحج والجهاد. ومعلوم أن كافرا لو أسلم وقت صلاة أو قبل الفجر من ليلة من ليالي رمضان، أو في وقت قد وقع النفير، لم يتوقف انتقاله عن الكفر وبراءته منه، على فعل ما قد وجب من هذه الأعمال. فكذلك الإقرار شبيه بها، فكان حكمه حكمها!
فالجواب: أن الاعتقاد يتوقف عن الإقرار لأن المقدمة هو المعتقد، والذي يجري على اللسان من الإيمان هو الذي يخطر على القلب ويعقد عليه. وإنما يفرق بين الأمرين الأدلة والوصف، فإن أحدهما يفعل باللسان، والآخر بالقلب، وأحدهما يظهر والآخر لا يظهر. وأما العمل نفسه، فإنه متفق غير مختلف ولا ممنوع فيوقف الاعتقاد على الإقرار للجمع بين ظاهر الإيمان وباطنه. وأما سائر الأعمال، فإنها غير المعتقد بالقلب، والمعبر عنه باللسان، وكلها تزد من الاعتقاد والإقرار منزلة الإمارات من الصحيح، لأن كل واحد بين الاعتقاد والإقرار صريح تصديق، ولا يمكن أن يكون فوقهما أشد صراحة منهما. وأما الأعمال الأخر، فإنها أمارات التصديق يعني أنه إذا كان عاقلا لا يخضع بالتقرب إلى من ينكر وجوده، ولا يتحمل الجهد والمشقة الغليظة في تكلف الأعمال وهو لا يثبته. وإن كان يثبته لا يرى أنه موضع رغبة إليه أو رهبة منه، كانت إقامة العبادات المشروعة ممن يقيمها تصديقا بصانعه، وثقة بوعيده ووعيده، وتصديقا لمن أدى إليه عنه، أنه مريد منه ما هو فاعله ومتعرف عليه. فأما أن يكون ذلك صريح تصديق، فلا! فلم تجز إذا وجد الصريح منه أن يتوقف الحكم به على وجود ما هو أمارة. لأن التوقف على الحكم بأقوى الدلالتين انتظارا لوجود أضعفها، لا معنى له، والله أعلم.
ودل على ما قلنا: أن رجلا لو أقر لرجل بمال ادعاه عليه، لأخذ بدفعه إليه، ولم
[ ١ / ٣١ ]
يتوقف الإقرار على الدفع حتى لا يكون صحيحا إلا به إن كان الدفع- إذا وجد- تصديقا للمدعي كما كان قوله باللسان تصديقا. وما ذاك إلا لأن القول صريح، والدفع أمارته. فلم يجز أن يتوقف صحة الصريح على وجود الإمارة. فكذلك هذا في الإيمان والله أعلم.
ووجه آخر: وهو أن الاعتقاد والإقرار معا إيمان بالله ﷿ ونزلا منزلة واحدة. وأما الأعمال فإنها إيمان لله ﷿ ولرسوله ﷺ، والإيمانان جميعا واجبان، غير أنهما متغايران في الحد والحقيقة، فلم يتوقف أحدهما على الآخر لذلك، ولا تغاير بين الاعتقاد والإقرار في حقيقتهما، فاحتيج إلى وجودهما معا ليقع به الجمع بين ظاهر الإيمان وباطنه والله أعلم.
فإن قيل: إن كانت الأعمال إيمانا لله ﷿، فهل وجدتم في كتاب أو سنة إيجابهما بهذا الاسم؟ فإن كنتم لم تجدوه، فليس علينا أن نقبله منكم بلا رهان.
فالجواب: إنا وجدنا ذلك لأن الله ﷿، أخبر عن قوم نوح ﵇: ﴿أنؤمن لك واتبعك الأرذلون﴾ قدمهم بذلك، فدل ذلك على أن نوحا ﵇ كان يدعوهم إلى أن يؤمنوا له فيمتنعون ولولا ذلك لما جادلوه بأن يقولوا له: ﴿أنؤمن لك واتبعك الأرذلون﴾، ولا ذم الله تعالى ذلك منهم إذ قالوه. وهكذا قوم موسى ﵇: ﴿فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا﴾ فدل ذلك على أن موسى وهارون ﵉ كانا يأمرانهم أن يؤمنوا لهما. وإذا ثبت ذلك في غير شريعتنا، وكانت الشرائع كلها متفقة على أنها أعمال وقع التعبد بها. صح أنا من حيث أمرنا بها مأمورون بالإيمان لنبينا ﷺ. فصح لنا ما قلناه من هذا الوجه.
فإن قيل: ما أنكرتم أن معنى قولهم: "أنؤمن لك، أنؤمن بك، وكذلك معنى أنؤمن لبشرين مثلنا، أنؤمن ببشرين مثلنا!
قيل: ليس كذلك! لأن قوم نوح لما قالوا: "أنؤمن لك، وصلوا ذلك بقولهم:
[ ١ / ٣٢ ]
"واتبعك الأرذلون"، فدل على أنهم أرادوا بقولهم، أؤمن لك. أنقبل عنك ونتابعك ولا نرى أحدا اتبعك إلا الأرذلون لنكون أسوة الأراذل، وإنما نحن أماثل. وكذلك قوم موسى لما قالوا: "أنؤمن لبشرين مثلنا" وصلوا ذلك بقولهم ﴿وقومهما لنا عابدون﴾، فدل ذلك على أنهم أرادوا: نلتزم طاعتهما فنكون قد عبدنا أنفسا لهما وقومهما لنا عابدون. فنحول الذلة عن قومهما إلى أنفسنا، والعز والرفعة عن أنفسنا إليهما وإلى قومهما. ولو كان المراد نفس التصديق لم يلق أن نعتذر من التأخر عنه بما حكى الله عنهم، أنهم قالوا: لا في الطباع والعادات ولا في قياس النظر، لأن أتباع الأراذل رجلا لا يجعل أن يكون صادقا في قوله، ولا العبودة تجعل أن يكون العبد صادقا في قوله. فأما الاعتذار من ترك الطاعة والانقياد بمثل ما ذكر فلائق بما في الطباع، وإن كانت الشرائع لا تسوغه. فيثبت أن المراد بالاثنين ما قلنا، وفي ذلك ثبوت ما وصفنا. وبالله التوفيق.
وجواب آخر: وهو أنا وجدنا في الكتاب والسنة وإيجاب العمل والندب إلى أعمال. ووجدنا في اللسان أن إتباع الأمر إيمان للأمر. فعلمنا من ذلك أن الأعمال التي أمر الله جل وعز طاعة له، والفرق بين الإيمانين قد مضى ذكره وتقريبه والله أعلم، وبه العصمة والتوفيق.
ذكر الكلام مع الفريق الآخر: وأما الدليل على أن الطاعات كلها إيمان. فهو أن الإيمان عند العرب التصديق، وكل طاعة تصديق، لأن أحدا لا يطيع من لا يثبته، أو لا يثبت أمره ولا يعتد به، وإذا كانت الطاعة لا تقع إلا لأمر آمر علمنا أن فعل الطاعة تصديق بالأمر وللآمر، فكذلك قلنا أنه إيمان.
ووجه آخر: وهو أن الدوام على الإيمان إيمان، وهو منزلة بعد الانتقال عن الكفر، وإنما كان ذلك إيمانا لأنه طاعة، فكل طاعة فهو إيمان قياسا عليه.
ووجه آخر: وهو أن كل مستحق بفعله ثواب وبتركه عقاب، فهو إيمان قياسا على الإقرار والاعتقاد.
[ ١ / ٣٣ ]
ووجه آخر: وهو أنه ما لا يلائم الكفر ولا يكون معه برا وقربة فهو إيمان كالإقرار.
ووجه آخر: وهو أن الله ﷿ وصف المؤمنين في كتابه فقال: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون، الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، أولئك هم المؤمنون حقا﴾، فلما أخبر ﷿: أن المؤمنين هم الذين جمعوا هذه الأعمال، دلل ذلك على أنها من جوامع الإيمان.
فإن قيل: هذا حجة عليكم! لأن الله جل وعز أثبت أن هؤلاء مؤمنون حقا. وأنتم تقولون: أن هؤلاء الموصوفين إن لم يحجوا، ولم يجاهدوا من غير وقوع الكفاية بغيرهم، أو دعي أحدهم إلى شهادة قد تحملها فأبى، أو جحد وديعة عنده، أو كذب، أو قتل، أو زنا، أو سرق، أو شرب خمرا، فليسوا المؤمنين حقا، لأن إيمانهم إيمان ناقص، فالآية توجب أن يكونوا مؤمنين حقا. فهي إذا حجة عليكم!
فالجواب: أن هذه معارضة ساقطة عنا، لأن الآية فيمن إذا تليت عليه آيات الله زادته إيمانا، وليس المتخلف عن الفرائض، والقعود عن الواجبات اللوازم، من زيادة الإيمان بسبيل. فالآية فيمن إذا ذكر الله وجل قلبه، وليس ارتكاب المعاصي ومخالفة الأوامر من إمارات الوجل. فصح أن الذين بيننا: أن يكونوا مؤمنين حقا أو حسبنا أن يكونوا ناقصي الإيمان، غير داخلين في الآية. وأيضا فإنه إذا ثبت أن الموصوفين في الآية، إنما كانوا بما استوجبوا اسم المؤمنين حقا لمكان الأعمال التي وصفهم الله بها، ولم تكن الأعمال المتعبد بها هذه وحدها، صح أن المراد بذكرها هي وما في معناها من الأعمال المفروضة أو المندوب إليها، والصلاة إشارة إلى الطاعات التي تقام بالأبدان خاصة، والإنفاق مما رزق الله ﷿ إلى الطاعات التي تقام بالأموال، ووجل القلوب إشارة إلى الاستقامة من كل وجه. ويدخل فيها إقام الطاعات والابتعاد عن المعاصي. وأيضا فإن الله ﷿ وصف الصلاة: أنها تنهي عن الفحشاء والمنكر. فبان بذلك، أن المحافظ على الصلوات، المقيم بها كما شرعت، الموفي حقها من الاستكانة والتباؤس والخشوع لا
[ ١ / ٣٤ ]
يكون إلا منتهيًا عن الفحشاء والمنكر، فخلصت الآية إذا في الممتنعين من الفواحش التي وقعت بها المعارضة، والله أعلم.
فإن قيل في الآية ﴿الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾ والوجل أمر يجده المؤمن مجتلبا، لأن من اعتقد من وحدانية الله وعظمته وقدرته والثقة بوعده ووعيده، ما يحق ويلزم، ثم عكف عن التفكر والتدبر، ولم يعرف عنه إلى شهوات الدنيا بقلبه، أورث في قلبه الخشية. وكلما استجد لله تعالى ذكرا استجد منه خشية، فيكون ما يجده منها في قلبه من جلب إكسابه. فلذلك يصح أن يضاف إليه ويسمى إيمانا، ويمدح به ويثني عليه به والله أعلم.
ووجه آخر: وهو أن الله جل وعز وصف الإيمان في هذه الآية بالزيادة. ومعلوم أن الإقرار والاعتقاد إذا كانا هما الإيمان، فزيادة الإيمان تأكيد الاعتقاد، وتكرير الإقرار فثبت أن تكرير التوحيد إيمان. فإذا ثبت ذلك بلغ أن الصلاة وما معها من أعمال الإيمان إيمان، إذ يستحيل أن يكون التوحيد المنتقل به إيمانا، والصلاة المفروضة وما يجري من الشهادة المفروضة فيها غير إيمان، وبالله التوفيق.
فإن قيل: ما أنكرتم أن زيادة الإيمان تأكيد الاعتقاد، فإن الاعتقاد قد يكون في أول درجاته يدنو من الشك، وقد يكون آكد ومن الشك أبعد. ولهذا صار المعتقد يوصف بقلبه الرأي مرة، وبالإحاطة واليقين أخرى، وكل واحد منهما منزله وراء الشك. فإذا جاز أن يزول الشك إلى غلبة الرأي، ثم يزداد حتى يكون يقينا، جاز أن يزداد حتى يقارب الضرورة أو يكون بمثلها. فهذا زيادة الإيمان ولهذا قال النبي ﷺ: (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال شعرة من إيمان)، وأنه ﷺ أشار بذلك إلى زيادة الاعتقاد ونقصانه، وقربه من الضرورة وبعده. وإلى هذا أشار الله ﷿ بقوله: ﴿وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب، ويزداد الذين
[ ١ / ٣٥ ]
آمنوا إيمانا، ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون﴾. فإن سياق الآية يدل على أن المراد بزيادة الإيمان زيادة اليقين.
فالجواب: أن هذا السؤال غير ملائم أصل السائل، لأنه يأبى أن يكون الاعتقاد وحده إيمانا في مبتدئه ولا في دوامه. فلا يصح أن يقول: إن الزيادة التي تخص الاعتقاد زيادة إيمان، بل ينبغي له أن يقول: إن الاعتقاد إذا تزايد وتأكد الإقرار معه بالتكرير أو بذكر شبهه، فذاك ازدياد إيمان. وإذا قال ذلك، فقد أوجب أن يكون ذكر الله ومدحه والثناء عليه، الذي دعا تأكدا لاعتقاده إليه إيمانا. وإذا دخل في هذا، لم يجد بدا من أن يقول: وإذا بعثه ما تأكد من إيمانه على أن لا يدع طاعة إلا أتاها، ولا معصية إلا اتقاها، كان ذلك منه إيمانا.
فإن قيل: إني كنت لا أقول أن الاعتقاد وحده إيمان ثابت، لا نقول أن الصلاة وحدها إيمان، ثم لم يمتنع من أن يقول: إن إقام الصلاة زيادة إيمان، فلم أمتنع على أن أقول تأكدا لاعتقادي زيادة إيمان؟ وقيل له: ليسا سواء، لأن زيادة الإعتقاد والإقرار بالصلاة عندي كزيادة المال بانضمام مستقاد منه مستقاد، اتفق الجنس أو اختلف، ومل شيء من ذلك حدث، فلا يقتضي صحة وصفه بالزيادة معي سوى سلامة الحادث قبله. فكذلك هذا، وأما أنت فإنك تجعل الاعتقاد الماضي بما حدث من تأكده أقوى، وتلك القوة الحادثة محض الاعتقاد ولا تتعداه إلى الإقرار وإذا كان عندك، أن مجموع الاعتقاد والإقرار هو الإيمان. لم يكن لك أن تقول: أن تأكد الاعتقاد وحده وقوته زيادة إيمان. وأما أنا فإني أجعل سابغ الأعمال زوائد إيمان من طرق كثيرة الأجزاء والعدد. فكلما أحدث منها حادث، وصادفه ما تقدمه ثابتا، صح لي أن أقول زيادة إيمان، لأنه من طريق العدد. فكثر بما تقدمه، والذي تقدمه يكثر به. وهذا فرق ما بيننا.
وجواب آخر: عن أصل الكلام وهو الذي يسلمه، من أن تأكد الاعتقاد زيادة إيمان، حجة عليه. لأن أدنى اليقين كاف للنقل عن الكفر إلى الإيمان. ثم كان ما جاوزه
[ ١ / ٣٦ ]
مما يدني المتيقن من المضطر زيادة إيمان باتفاق، ولم تكن العلة فيه إلا أنه زيادة تصديق. فكذلك كل ما حادث من طاعة فهو فصل تصديق، لأن الطاعة لا تكون إلا لأمر مرغوب إليه مرغوب إياه. فإذا وجدت من أحد كان وجودها تصديقا بالمعبود والموعود. فوجب أن يكون ذلك إيمانا، وحدوثه حدوث إيمان.
فإن قال: التصديق الواقع بالفعل هذا الذي سبق وقوعه بالاعتقاد. وإنما الفعل إظهار لذلك التصديق! قيل: هذا لا يمنع من أن يكون الفعل تصديقا سوى التصديق الواقع بالاعتقاد. فيكون انضمامه إليه زيادة تصديق حادث، كما أن الإقرار إظهار للمعتقد أيضا ثم لا يمنع ذلك من أن يكون تصديقا سوى التصديق الواقع بالاعتقاد، ويكون انضمامه إليه زيادة تصديق حادث والله أعلم.
وأما قول الله ﷿: ﴿ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا﴾. فليس المراد به: أن المؤمنين يزدادون يقينا، وإنما هو: ويصدق المؤمنون بالله ورسوله. فهذا الخبر غير شاكين فيه، فيزداد إيمانهم بانضمام شعبة منه إلى شعبة تقدمتها، وهذا يوجب أن يكون تصديق حادث زيادة إيمان. وما من طاعة تحدث إلا وهي تصديق حادث كما بينت، فوجب أن يكون إيمانا.
ووجه آخر للمسألة: وهو أن الله ﷿ سمى الصلاة إيمانا، فقال في كتابه نصا: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾. وأجمع المفسرون على أنه أراد صلاتكم إلى بيت المقدس. فثبت أن الصلاة إيمان. وإذا ثبت ذلك، فكل طاعة إيمان، إذ لم أعلم فارقا فرق في هذه التسمية بين الصلاة وسائر الطاعات.
ووجه آخر يدل على أن الطاعات كلها إيمان. وهو أن المؤمن إذا طرى الإيمان في الوقت بعد الوقت. فجدد الاعتقاد وكرر الإقرار، كان ذلك إيمانا منه. وإنما كان كذلك، لأنه بر وقربة، فكذلك كل طاعة فهي بر وقربة وعبادة فإن أنكروا ما قلناه ثبتناه عليهم بالدليل وقلنا لهم: لما كان الاعتقاد والإقرار إيمانا وجب إذا كرروا
[ ١ / ٣٧ ]
تكريرهما بر باتفاق أن يكون حكم الإعادة حكم الابتداء، حتى إذا كان المبتدأ إيمانا كان المعاد إيمانا، ألا ترى أن الصلاة إذا أعيدت- وكانت إعادتها برا-كانت صلاة كالأولى. والوضوء إذا جدد، كان الثاني وضوءا كالأول. والحج إذا كرر كان حجا كالأول. وكذلك الاعتقاد والإقرار إذا أعيدا وكانت إعادتهما برا، وجب أن يكون المعاد إيمانا كالأول. فإن قالوا: كيف يكون المعاد إيمانا كالأول وهو لا يزيل كفرا؟ قيل: كما كان الوضوء المجدد وضوءا ولا يزيل حدثا، وكما كانت الصلاة الثانية صلاة وليست تسقط فرضا، والحج الثاني حجا وليس يرفع واجبا، كذلك الاعتقاد والإقرار إذا أعيدا كانا إيمانا، وإذ لم يرفعا كفرا، والله أعلم.
ووجه آخر: وهو أن كل عبادة كان التكذيب بها كفرا، كان فعلها مع الإخلاص جزءا من أجزاء الإيمان كالإقرار. وأنه لما كان التكذيب بوجوبه كفرا، كان الإتيان به مع الإخلاص من أجزاء الإيمان. وكذلك كل عبادة. ومما يقرر هذا، أن التصديق بالشرائع لما كان إيمانا، لم يجز أن لا يكون فعلها وأداؤها إيمانا، كما أن التصديق بوجوب الإقرار لما كان إيمانا، لم يجز أن يكون فعلها مع الإخلاص إيمانا. والله أعلم. فقد بان أن ما كان اعتقاد حكم العبادة فيه إيمانا فلا يخلو وأداؤه مع الإخلاص من أن يكون إيمانا، والله أعلم.
فإن قيل: أن الاعتقاد الذي هو أول جزء من أجزاء الإيمان يتقدمه العلم بوجوبه، ويتقدم ذلك العلم الاستدلال المؤدي إليه إلى علم التوحيد، ثم اعتقاد وجوب ما ظهر بالدليل، وعقد القلب عليه دون التغافل عنه، إيمان.
قيل: هذا يختلف! فإن كان رجل سمع التوحيد والنبوة فقبلهما واعتقدهما واعترف بهما تصديقا لمن أخبره بهما، ثم أراد أن يعلم ذلك بالدليل. واستدل غير شاك عند استدلاله، في أن ما اعتقد حق، وأن صحته إن لم تظهر له باستدلاله. فلتقصيره وأخطائه جهته، كان هذا الاستدلال منه إيمانا. وإذا ظهر له نية مطلوبة، واعتقد أن الاستسلام لما قال الدليل عليه واجب، وأن إغفاله وتضييقه حرام، كان هذا الاعتقاد إيمانا منه.
[ ١ / ٣٨ ]
فأما إن كان رجل خطر بقلبه النظر في حال العالم فلم يعتقد فيه شيئا حتى استدل فكان عنده أن الاستدلال قد يؤدي إلى حدث العالم، وقد يؤدي إلى قدمه. لم يكن هذا الاستدلال منه إيمانا بعد أن كانت حقيقة الإيمان ما ثبت في صدر هذا الكتاب وبالله التوفيق.
ووجه آخر: وهو أن الاستكبار على الله ﷿ بترك الطاعة له فيما أقر به كفر، فدل على أن الاستجداء له بالطاعة إنما يدل على ذلك أن الاستكبار على الله ﵎ الإقرار به لما كان كفرا كان الإذعان له بالإقرار بربوبيته ووحدانيته إيمانا. فكان كل طاعة في هذا مثله.
ووجه آخر: وهو أن الله ﷿ قال: ﴿وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا. فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون﴾. فلا يخلو قوله ﷿ هذا من أحد معنيين:
أما أن يكون المراد به فزادتهم ثقة بنبوة النبي ﷺ لما فيها من إطلاعه على أسرار المنافقين، إذ كان لا يمكن أن يكون وقف عليها إلا من قبل الوحي.
أو يكون المراد، أيكم رغبته هذه السورة في جهاد المشركين، ودعته إلى بذل النفس والمال فيه. فإن كان المراد هو الأول، فقد بان أن أحداث تصديق النبي ﷺ بامتثال أمر من أوامره، وأقام عبادة لله على حده هو الذي دعا إليها ونبه عليها زيادة إيمان.
وإن كان المراد هو الثاني فقد ثبت أن الجهاد إيمان، فوجب على قياسه أن تكون كل عبادة إيمانا. وهكذا قوله ﷿: ﴿هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم﴾، لا يخلو من أن يكون المراد به ليثقوا بصدق النبي ﷺ فيما أخبرهم به من الفتح الكائن، فتعجل السرور به، ولا يحزنوا بما وقع عليهم من الصد عن البيت، أو يكون المراد به ليطيعوه بالدخول في الصلح الذي يأمرهم به، وإن كان شديدا عليهم أن يخلوا من أخراهم ويرجعوا وراءهم. فإن كان المراد هو الوجه الأول لزم أن تكون الثقة بصدقه لذي كل عزمة على طاعة بتنفيذها وفعلها، وكل عزمة على
[ ١ / ٣٩ ]
معصية بتركها والإمساك عنها، زيادة إيمان. لأنها تصديق حادث في أمر حادث، إذ لا فرق بين أن يكونوا صدقوه في بدء الأمر جملة، ثم يعودوا فيصدقوه في نبأ من أنباء الغيب، ويثقوا بوعده فيه وبين أن يكونوا صدقوه في جملة ما جاء به من عند الله تعالى جميعه، ولم يصدقوه بفعل ما أمرهم به، وترك ما نهاهم عنه ثقة بموعوده من الجزاء عليه. وإن كان المراد هو الوجه الثاني، فقد بان أو صح بيان أن كل ما وقع بأمر الشرع طاعة له وتسليما فهو إيمان، والله التوفيق.
ووجه آخر: وهو أن الله ﷿ قال: ﴿ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾، فقابل ﷿ بين ما حببه إلينا وبين ما كره إلينا، ثم أفرد الإيمان بالذكر فيما حبب، وقابله بالكفر والفسوق فيما كره، فدل ذلك على أن للإيمان ضدين، أو أن من الإيمان ما نقيضه الكفر، ومن الإيمان ما نقيضه الفسوق، وفي ذلك ما أبان أن الطاعات كلها إيمان، ولولا ذلك لم يكن الفسوق ترك إيمان، والله أعلم.
ووجه: وهو أن النبي ﷺ قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)، ولا يخلو أن يكون أراد بذلك: أن تعاطي هذه الفواحش ترفع الإيمان، وأما ما أراد من ذلك، فإن كنا لا نقول بالأول فقد ثبت أن التعفف عن الفواحش إيمان.
فصل
ذكر الأسئلة والاعتراضات: فإن قيل ما أنكرتم أن الأعمال كلها ما خلا الاعتقاد والإقرار ليست بإيمان، وبينها في كتابه فقال: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ فثبت بذلك أن الأعمال ليست بإيمان.
[ ١ / ٤٠ ]
فالجواب: أن الله ﷿ كما قال: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾، فلذلك قال: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾، ولم يدل ذلك على أن التواصي بالحق وبالصبر ليس من الأعمال الصالحة، فكذلك قوله ﷿: ﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ لا يدلل على أن عمل الصالحات ليس بإيمان، وقد قال ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا، آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل﴾، فأثبت لهم الإيمان مطلقا أولا، وناداهم باسمه ثم أمرهم بالإيمان بالرسل والكتب، ولم يدلل ذلك على أن الإيمان بالرسل والكتب ليس بالإيمان الذي لا تمام للإيمان بالله إلا به، فكذلك قوله ﷿: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات؛ لا يدل على أن عمل الصالحات ليس بالإيمان الذي لا كمال للاعتقاد والإقرار إلا به. وقد قال ﷿: ﴿من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾. ولم بذلك فضله بينهما وبين الملائكة في الذكر، على أنهما ليسا بملكين، فكذلك لابد فضله ﷿ بين عمل الصالحات وبين الإيمان، على أن العمل الصالح ليس بإيمان، ثم المعنى في ذلك، والله أعلم، إن الذين آمنوا أقل الإيمان وهو الناقل عن الكفر والمخرج منه، ثم لم يقتصروا عليه، ولكنهم ضموا إليه الصالحات فعملوها، حتى ارتقى إيمانهم من درجة الأقل إلى الأكمل، كما يقال: أن من صلى وأطال القنوت والقراءة واستكثر من الذكر فله كذا، فيراد بمن يصلي: من حصل الأركان التي لا أقل منها، وبما وراء ذلك، من ضم إليها من نوافل الخير ما يقع منه مع غيره صلاة فيكثر ذلك الخير بها، ويفضل ويشرف. أو يقول: أن المراد بالذين آمنوا، الإيمان بالله وبعمل الصالحات، الإيمان لله، والإيمانان متغايران، فلذلك سميا باسمين ليدل بالتفريق بينهما، والاسم على تغايرهما. وقد مضى بيان هذا المعنى.
فإن قيل: فإن الله ﷿ قد قال في أنه أجزى: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا﴾،
[ ١ / ٤١ ]
فدل ذلك على أن الأكساب الصالحة معترضة في الإيمان، لا أنها بنفسها إيمان.
فالجواب: أنه لا يمتنع أن يقال لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، فيكون قد حاز أقل الإيمان إلى أفضله، إذ كسب الخير في الإيمان إيمان. كما لا يمنع أن يقال: لمن صلى إذا دخل الوقت، أو قرأ في صلاته فضل قراءة، أو سبح فيها أو كبر، فيكون المعنى- أو فعل ما ذكرنا- فيكون قد كسب لصلاته كمالا، إذ القراءة والتسبيح والتكبير في الصلاة صلاة.
ويدل على أن كسب الخير في الإيمان إيمان، قول الله ﷿ في أجزائه الظهار الذي هو منكر من القول، وزور بعد إيجاب الكفارة: ﴿ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله﴾ وإنما أراد ذلك ليمتنعوا من الظهار، الذي هو منكر من القول وزور طاعة لله الذي حرمه عليكم، فسميت الطاعة لله بترك الظهار إيمانا، فثبت أن كل طاعة إيمان، وأن معنى الآيات المتقدمة ما وصفت والله أعلم.
فإن قيل: روينا (أن رسول الله ﷺ برز للناس يوما، فجاءه رجل فقال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان. قال: يا رسول الله، ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك). فبان بهذا الحديث: أن الإيمان غير الإسلام، وأن هذه الشرائع إن كانت إسلاما فالإسلام إيمان.
قال الله ﷿: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾. فأخبر أنهم لا يؤمنون حتى يسلموا الأمر رسول الله، وإذا كان التسليم لأمر رسول الله، إنما كان التسليم لأمر الله إيمانا.
والإسلام والتسليم كالتكريم والإكرام، والتعظيم والإعظام، والتكبير والإكبار، والطاعات كلها تسليم وإسلام لله ﷿. فثبت أنها إيمان، ويدل على صحة هذا أن الله ﷿ قال: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾. وقال: ﴿قولوا آمنا بالله﴾،
[ ١ / ٤٢ ]
فصح أن قولنا: آمنا بالله، إسلام. وحكي عن إبراهيم ﵇ أنه قال له: ﴿أسلم! قال: أسلمت لرب العالمين﴾، فبان أن الإسلام إيمان. وقال في آية أخرى من قصة لوط ﵇: ﴿فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين، فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين﴾، فسماهم مرة مؤمنين ومرة مسلمين، وهو لا يريد لواحدة من التسميتين إلا تمييزهم من غيرهم بأديانهم.
فصح أن الإسلام والإيمان إسمان لدين واحد، وإن كانت حقيقة الإسلام التسليم، وحقيقة الإيمان التصديق، وأن اختلاف الحقيقة فيهما لا يمنع أن يجعلا اسما لدين واحد، كالغيث والمطر هما اسمان لمسمى واحد، وإن كانت حقيقة الغيث في اللسان غير حقيقة المطر. وقال النبي ﷺ: "لي خمسة أسماء، أنا محمد وأحمد والماحي والحاشر، والعاقب"، ومعلوم أن لكل اسم من هذه الأسماء الخمسة معنى وحقيقة سوى الذي هو فيها لغيره. ثم لم يمنع ذلك من أن يكون اسما لمسمى واحد. فكذلك الإسلام والإيمان. ثم بين أن بين حقيقة اسم الإيمان وحقيقة اسم الإسلام من التناسب ما ليس بين حقائق هذه الأسامي التي وقع الاستشهاد بها، لأن الإيمان إذا كان هو التصديق بالله، والتصديق بالله يقتضي الإيمان له بالطاعة، وذاك هو الإسلام. والإسلام له لا يكون إلا مع التصديق. فأما التكذيب فإنه من موانع الإسلام دون حواليه. فصح أن الإسلام إيمان، والإيمان إسلام.
فإن قيل: فإن كان هذا هكذا! فلم فصل في الحديث بين الإسلام والإيمان؟.
قيل: وقد فصل بينهما وبين الإحسان. أفيدل ذلك على أن الإيمان والإسلام ليسا بإحسان؟ وقد قيل في أول درجات الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا. ليدل ذلك على أن إخلاص العبادة لله ومجانبة الشرك والرياء ليس بإيمان. فإن كان لا يدل على ذلك، فلذلك لا يدل على ذلك! كذلك لا يدل على أن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ليسا بإيمان، وإنما فصل بينهما- والله أعلم- لأنه أريد بالحديث: الإيمان الناقل عن الكفر،
[ ١ / ٤٣ ]
والإيمان التابع له. فسمي أسبق الإيمانين إيمانا بالإطلاق، أو أحدهما إسلاما. أو بقول فصل بين صريح التصديق وبين إماراته، فسمي صريحه إيمانا وسميت إماراته إسلاما. أو بقول فصل بين ما هو إيمان بالله، وما هو إيمان لله. فسمي الإيمان بالله إيمانا بالإطلاق، وسمي الإيمان لله إسلاما. وإلا فالإسمان موضوعان لدين واحد، والله أعلم.
وجواب آخر: أن يقول: اختلفت الروايات في ذكر الإيمان والإسلام. فقيل في بعضها: (قال: ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت. فقال: ما الإسلام؟ قال: إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج البيت والغسل من الجنابة). وهذا يومئ إلى أن يكون الإيمان هو الخصال الناقلة عن الكفر، والإسلام هو الطاعات التي تصح وراء الانتفاء عن الكفر، وهي شرائع الإيمان.
وقيل في بعض الروايات: (ما الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، إلى آخره. قال: ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر). وهذا يوجب أن يكون الإيمان هو الاعتقاد بالقلب، وأن يكون الإقرار مع سائر الطاعات من جملة الإسلام، ويكون الإسلام غير الإيمان. وهذا يلتحق بالمقالة التي بدأت بالكلام عليها، إلا أن فيه على أهل هذا القول- الذي نتكلم عليهم- حجة، وهي أنه لا خلاف بيننا وبينهم أن الشهادة إيمان كالاعتقاد، وقد سميت في هذا الحديث إسلاما، وألحقت بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. فقد وجب بذلك أن يكون الإيمان والإسلام اسمين لدين واحد، وأن تكون الطاعات كلها إيمانا. غير أن الإيمان ما بطن والإسلام ما ظهر، ثم هما جميعا إيمان، لأنه لا صحة للباطن إلا بالظاهر، ولا بالظاهر إلا بالباطن. وهما جميعا إسلام، لأن كل واحد من تقويم الظاهر والباطن إذعان لله وخضوع، ولا يكون ذلك إلا مع التصديق. وبالله التوفيق.
ويدل على صحة هذا خبر ثالث، وهو ما روي أن النبي ﷺ قال لوفد عبد القيس:
[ ١ / ٤٤ ]
(هل تدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله! قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغانم الخمس). فسمى الشهادة وهذه الأعمال إيمانا، كما سماها في الرواية التي قبل هذه إسلاما فبان أن كل واحد من الاعتقاد والإقرار والطاعات كلها إيمان، وكل واحد منها إسلام.
ثم جاءت رواية رابعة تؤكد هذا كله، وهو أن النبي ﷺ قال لرجل من أهل الشام: (أسلم تسلم! قال: وما الإسلام؟ قال: أن تسلم قلبك لله، ويسلم المسلمون من لسانك ويدك. قال: فأي الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان. وقال: وما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث بعد الموت، قال: وأي الإيمان أفضل؟ قال: الهجرة. قال: وما الهجرة؟ قال: أن تهجر السوء. قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال: الجهاد. قال: وما الجهاد؟ قال: أن تقاتل الكفار إذا لقيتهم لا تغل ولا تجبن)، ثم قال النبي ﷺ بأصبعيه (هما من أفضل الأعمال: حجة مبرورة وعمرة).
فأبان هذا الحديث أن الإسلام الذي أخبر الله ﷿ أنه هو الذي عنده بقوله: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾، وقوله: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه﴾. وقوله ﷿: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا﴾، ينتظم الاعتقاد والأعمال الظاهرة. لأن قوله: (الإسلام أن تسلم قلبك لله) إشارة إلى تصحيح الاعتقاد. وقوله (ويسلم المؤمنون من لسانك ويدك) إشارة إلى تصحيح المعاملات الظاهرة. ثم صرح بذلك فأخبر أن الإيمان أفضل الإسلام، وفسره: بأنه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث. أراد أن الإيمان بالغيب أفضل من الإيمان بما يشاهد ويرى. وهذا موافق لقول الله ﷿: ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾ مدحا لهم وثناء عليهم.
[ ١ / ٤٥ ]
ثم أبان الاعتقاد وعامة الأعمال إيمان، فقال: (أفضل الإيمان الهجرة) ثم فرع الهجرة، فدل ذلك على أن الطاعات كلها إيمان كما هي إسلام، وأن الإسلام الإذعان لله جل وعز، سواء وقع بأمر ظاهر أو بأمر باطن، بعد أن يكون الأمر مما رضي الله لعباده أن يتقربوا به إليه.
ثم جاء نصا عن النبي ﷺ أنه قال: (أتدرون أي عرى الإيمان أوثق؟ قالوا: الصلاة! قال: إن الصلاة لحسنة، وما هي به. قالوا: الحج! قال: إن الحج لحسن، وما هو به، قالوا: الصيام! قال: إن الصيام لحسن، وما هو به. قالوا: الجهاد! قال: إن الجهاد لحسن، وما هو به. فلما رآهم يذكرون شرائع الإسلام ولا يصيبون، قال لهم: أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله) لا ينكر عليهم أن ما عددوا عرى الإيمان، ولكنه أخبر أن الأوثق الذي سألهم عنه غيرها. وزاد ذلك بيانا في حديث آخر فقال: (من أعطى لله، ومنه لله، وأنكح لله، ونكح لله، وأحب في الله وأبغض في الله، فقد استكمل الإيمان). فصرح بأن هذه الخصال إيمان. وأبان بأن أوثق عرى الإيمان الإخلاص.
وجاء عن عبد الله بن عمر﵄- أنه قال: (إن الإيمان بني على خمس: تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان)، كذلك حدثنا رسول الله ﷺ. وجاء عن ابن عمر﵄- في رواية أنه قال. قال رسول الله ﷺ: (بني الإسلام على خمس ..) فذكر هذه الأعمال، فبان بذلك أن الإيمان والإسلام اسمان لدين واحد ينتظم أعمالا كثيرة، ويتصف أوصافا مختلفة، وأن واحدا من هذين الاسمين ليس لشيء منها دون شيء، والله أعلم.
ثم الذي يشمل جميع ما ذكرنا وبينا قول النبي ﷺ: (الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق). ومعلوم أن هذه
[ ١ / ٤٦ ]
الشعب هي الأعمال والشرائع. وقد جاءت الأخبار بالنص عليها أو على أكثرها، ودل الكتاب عليها. فثبت أن اسم الإيمان شامل لها، وستذكر في بابها إن شاء الله تعالى. فإن قال قائل: لو كانت الطاعات كلها إيمانا أوجب أن يكون تركها كفرا، فإنكم شبهتم كل طاعة بالإقرار، وترك الإقرار كفر، فلذلك كان فعله إيمانا. وترك الصلاة ليس بكفر فصح أن فعلها ليس بإيمان.
فالجواب- وبالله التوفيق- أن الطاعات كلها إيمان بشرط أن تكون موجودة في الإيمان، والطاعة في الإيمان، والطاعة في الإيمان إيمان، ومتى جعلنا فعل الطاعة بشرط التمسك بالإيمان المتقدم إيمانا، لم يلزمنا أن نجعل تركها وحدها كفرا. لأن تركها وحدها ليس بضد لمجموع الفعل وقرينه، فإن هو ترك الفعل وقرينه بأن جحد وجوبه أو جحد الأمر به أو المبلغ له لم ينكر أن يكون ذلك كفرا منه.
فإن قيل: هذا جواب غير شديد لأن الإقرار إنما يصح إذا صادف الاعتقاد، ولا يدل ذلك على أن المتكلم بالكفر مع الاختيار لا ينفك عن الإيمان إلا مع تبديل الاعتقاد، ولكنه ينقله وإن كان الاعتقاد سليما بحاله، فقد كان ينبغي أن يقولوا: إن ترك الصلاة ينفك عن الإيمان وإن لم يكن معه تبديل الاعتقاد، إن كان فعلها إيمانا.
فالجواب: أن التكلم بالكفر ينسخ الإقرار، فمن تكلم به ولم يبدل الاعتقاد كان كمن اعتقد في أول أمره ولم يعترف. وليس في مجرد ترك الصلاة فسخ إقرار ولا تبديل اعتقاد فافترقا.
فإن قيل: الطاعة في الإيمان إن كانت تكون إيمانا، فذاك لا يمنع من أن يزول الإيمان بالمعصية، كما أن الركوع في عقد الصلاة يكون صلاة، ثم إن تركه في موضعه رفع عقد الصلاة.
قيل: لا يشتبهان، لأن كل عمل من أعمال الصلاة تقتضي صحته إيصال ما بعده به، فإذا انفرد لم يكن بنفسه صلاة. وكل شعبة من شعب الإيمان عندي لا تقتضي صحتها اتصال أمثالها بها، لكن ما أتى به منها صحيح في نفسه وإن لم يلحق به غيره. فلهذا
[ ١ / ٤٧ ]
لم يكن ترك الصلاة مثلا رافعا لعقد الإيمان، كما كان ترك الركوع مثلا في موضعه من الصلاة رافعا عقد الصلاة. وقد نجد أيام شهر رمضان مجتمعة فيما يجب من صيامها، ثم إن صيام كل يوم إذا لحق الشهر لمصادفته إياه ووقوعه فيه، والفطر فيه لا يوجب هتك حرمة الشهر أصلا حتى تفسد به صيام ما مضى قبله. فلا ينكر أن تكون كل طاعة إيمانا لوقوعها في الإيمان، والمعصية لا توجب حل رباط الإيمان أصلا حتى تحبط ما قدم منه والله أعلم.
وجواب آخر: عن أصل السؤال وهو أن الأعمال تترك من الاعتقاد والإقرار منزلة الإمارات من البيان الصحيح الصريح، وقد تقدم هذا المعنى. فكما أن كافرا لو أسلم في وقت صلاة يصبح إسلامه بالاعتقاد والإقرار، ولم يتوقفا على أن يقيم الصلاة، لأن وقف البيان الصريح على وجود الإمارة لا معنى له، وإنما توقف الشيء على وجود شيء مثله أو ما هو أقول منه. فأما وقفه على إمارات نفسه فلا يجوز، وكذلك من وجبت عليه من المؤمنين طاعة فتركها لم يكفر، لأن ترك الطاعات تنزل من صريح الكفر منزلة الطاعة من صريح الإيمان في أنه إمارة من إمارات الكفر، فلا يجوز أن يستعمل الإمارة ويلغي ما قد حصل من صريح الإيمان. فقدم الإمارة على البيان كما لم يجز في الابتداء أن يتوقف عن الحكم بالإيمان بعد وجود الاعتقاد والإقرار انتظار الإمارات، والله أعلم.
وجواب ثالث: وهو أن الإيمان ضربان: إيمان بالله ورسوله، وإيمان لله ورسوله ﷺ. فالإيمان بالله ضده الكفر، لأن ضد التصديق بالله تعالى هو التكذيب به، وذلك كفر. وضد التصديق بنبوة النبي ﷺ التكذيب به، وذلك كفر. وإنما الإيمان لله تعالى ولرسوله ﷺ، فضده النفاق والخلاف والفسوق والعصيان، إذ الإيمان له هو الطاعة والاتباع، وليس ضد التكذيب الكفر، وقد قلنا بذلك وأثبتناه فلم يلزمنا أن نثبت وراءه ما ليس بضد لهذا الضرب من الإيمان، ولا مناقض إياه، والله أعلم.
فإن قال قائل: فما أنكرت أن الأعمال ليس بإيمان، لأن فعل ما يجب منها لا ينفك عن كفره، وتركه لا يوقع في كفره. فالواجبات من هذا الوجه كالمباحات فلما لم يكن فعل المباح إيمانا، لم يكن فعل الواجب إيمانا.
[ ١ / ٤٨ ]
فالجواب: أن فعل المباح إرادة لوجه الله إيمان، وذلك كالكسب الذي يراد به إعانة العاجز، والتسحر لصيام الغد، وإتيان الأهل من غير حاجة إليه نظرا لها، أو توقعا لولد يعبد الله ويوحده، وكالإفطار عند مجيء الليل تحررا من شبه الوصال. وليس شيء من الطاعات إلا ويراد به وجه الله تعالى، فإذا قلنا: إن المباح الذي يراد به وجه الله تعالى، ففعله إيمان. فقد سوينا بين الطاعات وبين ما يشبهها من المباحات، وسقط السؤال عنا لأنه لا يبقى وراء هذا الصنف من المباح إلا ما يراد به وجه الله، وليس ذلك لصفة الطاعات، فلا يلزمنا أن نسوي بينهما مع اختلافهما وتباينهما في المعنى والله أعلم.
وجواب آخر: وهو أن هذا الإعتلال لا يقوم به حجة، لأن معنانا في أن كل طاعة إيمان، إن الإيمان هو التصديق، والطاعة تصديق بالأمر وآمره ووعده ووعيده فكانت إيمانا، فهذا ما لا يتهيأ جحده ولا نفيه بالمقايسات، لأن كل ما ينصب منها، لنفي أن تكون كل طاعة إيمانا، فإنما يرجع إلى نفي أن تكون كل طاعة تصديقا، وما كان تصديقا ضرورة، فنفي أن يكون تصديقا بالمقايسة لا معنى لها. وهو كمن ينفي أن يكون خبر يذكره خبرا بعلة يعتل فلا يقبل منه، لأنه إذا كان الخبر مما يدخله الصدق والكذب، وكان ما يذكره قولا يدخله الصدق والكذب، فقد وجب أن يكون خبرا، وكل علة نفى بها أن يكون خبرا فإنما ينفي أن يكون محتملا للصدق والكذب، وذلك وصف ثابت له ضرورة فلا يلتفت إلى نفيها بالمقايسة، فلذلك هذا الاعتلال، وبالله التوفيق.
فصل
إن قال قائل: أخبرنا عن قولكم: إن الطاعات من الإيمان، ما الذي تستفيدون به إذا ثبت لكم، وأنتم لا تقولون أن ترك العمل بالواجب كفر، ولا أن الفسوق خروج من الإيمان، وليس بدخول في الكفر، فما الذي يفيده ثبوت هذا الأصل على قولكم؟ وما الذي يجب به من الحكم عندكم؟
قيل: -وبالله التوفيق- أول ما في هذا أن كل أصل وقع البحث عن حقيقته، فإنما ذلك لإدراكه على ما هو عليه، لا لما يرى أنه يتوصل منه إليه. وقد أمرنا بالإيمان،
[ ١ / ٤٩ ]
ووجدنا الإيمان شعبا منسوبة إليه، فلما نظرنا في أن تلك الشعب كلها إيمان، أو بعضها إيمان، وبعضها حقوق الإيمان من غير أن تكون إيمانا نفسها. تبين لنا بالدليل أن كلها إيمان، فوصفناها بذلك لنكون مخبرين عن الإيمان ما هو عليه، ومعتقدين إياه على وجهه وحقيقته ثم سواء استفدنا وراء ذلك فائدة أخرى أم لم نستفد، فقد أثرنا بالنظر اعتقاد الشيء على ما هو عليه، وحصلنا به على الغرض المطلوب، وبالله التوفيق. ثم أن هذا الأصل إذا ثبت تفرغ عنه أن الكفار مخاطبون بالشرائع كلها، ومخاطبون بالاعتقاد والإقرار. لأن الطاعات كلها إذا كانت إيمانا لم يجز أن يخاطبوا بشيء منها دون شيء مع اتساعهم لجميعها. ولا يخرج على قول من لا يثبت الطاعات كلها إيمانا، أن يكونوا مخاطبين بالأعمال إلا بعد أن يصح لهم الاعتقاد والإقرار، كما لا يطالب أحد بحق عقد من العقود- ما كان- إلا بعد أن يصح منه أصله، والله أعلم.
وقد جاء في هذا الفصل خاصة أن رجلا قال: يا رسول الله! أيؤاخذ الله أحدا بما عمل في الجاهلية؟ فقال: من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية (ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر) وهذا على أن الطاعات في الإيمان إيمان، والمعاصي في الكفر كفر. فإذا أسلم الكافر أحبط إسلامه كفره، فإن أحسن في الإسلام أحبطت طاعاته تلك المعاصي التي قدمها في حال كفره، وإن لم يحسن في الإسلام بقيت تلك المعاصي بحالها إذا لم يجد ما يحبطها، فأخذ بإساءته في الإسلام وفيما قبله. ومما يؤكد هذا أن المعاصي قد توجد من المسلم في إسلامه فلم يزل أني يحبط ما وجد منها في الكفر بالإسلام الحادث. وبان بهذا أن قول الله ﷿ ﴿قل للذين كفروا أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ معناه يغفر لهم كفرهم فيما خلا من أعمارهم، فإن كان عاما للكفر والذنوب فهو مغفور بشرط الانتهاء. وفي ذلك بيان أنهم إن لم ينتهوا عن المعاصي التي كانوا عليها لم يغفر لهم، كما أنهم ما لم ينتهوا عن الكفر لم يغفر لهم.
[ ١ / ٥٠ ]
فإن قيل: فالزموهم قضاء ما سلف من صلاة أو صوم!
قيل: لا يلزمنا هذا، لأنهم إن صلوا وصاموا بعدما أسلموا، سقط عنهم ما تركوا في الكفر بدلالة الحديث، وإن لم يصلوا أو لم يصوموا، أمروا بالصلاة والصيام، وحملهم على ذلك حملهم على ما إذا فعلوه سقط ما مضى عنهم، فلم يلزمنا أن نأمرهم بتجديد القضاء لما تركوا.
فإن قيل: فما بال المسلم التارك للصلوات، إذا بات واستقبل فأقام الصلاة لا يسقط ذلك عنه ما مضى منها.
قيل: لأن ترك المسلم الصلاة لا يستند إلى أصل معفو عنه، فكان شرط يؤتيه قضاء ما ترك منها، وترك الكافر الصلاة مستند بعد الإسلام إلى أصل قد عفي عنه وهو الكفر. ثم أن ذلك العفو عن ماضيه غنما وقع لا بتدارك- كان له من الأصل إذ ذاك- غير ممكن، لكن باستقبال خلافها والله أعلم.
ومما يتفرع عن هذا الأصل أن الفاسق ينبغي أن يكون مردودا لشهادة غير معتمد القضاء بين الناس، ولا لولاية التزويج ولا لولاية أموال الغير، لأنه ناقص الدين، ونقصان الدين يحول عن الترقي إلى مراتب أهل الفضل والكمال في الدين. فإن قضى قاض لم يجز قضاؤه، كما لو أفضى شهادة كافر لم ينعقد قضاؤه ومن لم ينسبه إلى نقصان الدين ردت شهادته للتهمة، فأداه ذلك إلى أن يقول أن الحاكم أن ظن به خيرا أو قبل شهادته كان قضاؤه جائزا، لأن الأصل أنه بريء من الكذب غير مفارق له حتى يثبت خلافه، وأجاز الوصاية إليه، وأثبت له الولاية على أطفاله، ونحن لا نقول ذلك والله أعلم.
ومما يتفرع عن هذا الأصل، أن الأعمال إذا كانت إيمانا كان بكاملها تكامل الإيمان، وتناقصها تناقص الإيمان. وكان المؤمنون متفاضلين في إيمانهم، كما هم متفاضلون في أعمالهم. وحرم أن يقول قائل: (إيماني وإيمان الملائكة والنبيين واحد) لأن الطاعات كلها إذا كانت إيمانا! فمن أكثر طاعة كان أكثر إيمانا، ومن كان أفضل طاعة كان أفضل إيمانا، ومن خلط الطاعات بالمعاصي كان أنقص إيمانا ممن أخلص الطاعات، والله أعلم.
ويتبع هذا الأصل أن المعاصي إذا كانت تنقص الإيمان جاز أن يكون فيها ما يوجب
[ ١ / ٥١ ]
القتل، لأن الإيمان هو العاصم للنفس فلا يجوز أن تزول العصمة وهو باق بحاله. وعلى كماله الذي كان له حين أوجب العصمة. وفي هذا ما أبان أن قتل القاتل والزاني المحصن وتارك الصلاة لا يخرج إلا على أن تكون هذه الجنايات مؤثرة في سبب العصمة، ناقصة من درجاته، مخففة لوزنه. ولولا ذلك لما جاز أن يستحل بها الدم. فإن قيل: فيقولوا أن كل معصية فهي تبيح الدم! قيل: لا يلزمنا أن نقول ذلك، لأن سبب العصمة إذا كان إيمانا لا ثلمة فيه. فحديث فيه ثلمة احتمل أن يقال: أن العصمة تزول، واحتمل أن يفصل الثلم ويقال فيها عظم منها أنها تزيل العصمة، وفيما صغر منها أنها لا تزيلها. كما يقال: إن العمل الكثير الذي ليس من جنس الصلاة يفسد الصلاة، والعمل القليل لا يفسدها. وقد قالوا: إذا زاد في صلاته أقل من ركعة لم يفسدها، وإن زاد فيها ركعة أفسدها. وأما الصوم فإن قليل الأكل فيه والشرب وكثيره سواء. ولكن مهما كان سبب العصمة في الأصل إيمانا لا ثلمة فيه لم يجز أن يكون هذا السبب قائما بكماله والعصمة زائلة. فبان بهذا أن قيل: أحد من المسلمين عمل معصية تكون منه، لا تخرج إلا على أن تكون الطاعات إيمانا، والمعاصي ثلما في الإيمان، والله أعلم.
***
[ ١ / ٥٢ ]