قول الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣].
قال ابن القيم في الآية الأولى: "أقسم سبحانه بنفسه المقدسة قسما مؤكدا بالنفي قبله على عدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع وأحكام الشرع وأحكام العباد والصفات وغيرها، ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد التحكيم حتى ينتفي عنهم الحرج - وهو ضيق النفس ـ، وحتى ينضاف إلى ذلك الرضى به والتسليم لحكمه" (١). اهـ.
وعن عروة بن الزبير أن عبد الله بن الزبير حدثه أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير عند رسول الله - ﷺ - في شراج الحرة التي يسقون بها النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر، فأبى عليهم، فاختصموا عند رسول الله - ﷺ -.
فقال رسول الله - ﷺ -: «اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك»، فغضب الأنصاري، فقال: يا رسول الله، أن كان ابن عمتك، فتلون وجه نبي الله - ﷺ - ثم قال: «يا زبير اسق، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر».
_________________
(١) التبيان في أقسام القرآن (٢٧٠) دار الفكر.
[ ١٥ ]
فقال الزبير: والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. متفق عليه (١).
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: بينما نحن جلوس مع النبي - ﷺ - في المسجد إذ دخل رجل على جمل، ثم أناخه في المسجد ثم عقله، ثم قال: أيكم محمد؟ والنبي - ﷺ - متكئ بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ.
فقال له: ابن عبد المطلب، فقال له النبي - ﷺ -: «قد أجبتك».
فقال الرجل: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة، فلا تجد علي في نفسك.
قال: «سل عما بدا لك».
قال: أسألك بربك ورب من قبلك، آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟.
قال: «اللهم نعم».
قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟.
قال: «اللهم نعم».
قال: أنشد بالله، آلله أمرك أن نأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فنقسمها على فقرائنا؟.
_________________
(١) رواه البخاري (رقم ٢٢٣١)، ومسلم (رقم ٢٣٥٧).
[ ١٦ ]
قال النبي - ﷺ -: «نعم».
قال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر. متفق عليه، واللفظ للبخاري (١).
وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به». قال النووي: حديث صحيح (٢).
* * * * *
_________________
(١) رواه البخاري في العلم، باب ٦ (رقم ٦٣)، ومسلم (رقم ١٢).
(٢) أخرجه الخطيب في التاريخ ٤/ ٣٦٩، والبغوي في شرح السنة (رقم ١٠٤)، وابن أبي عاصم في السنة (رقم ١٥)، وانظر الأربعين النووية.
[ ١٧ ]
(٨)