ونحن نُنَبِّه على ما رأينا كثيرًا من الناس قد وقعوا فيه:
فمن ذلك: "الخميس الحقير" الذي في آخر صومهم، يزعمون أنه عيد المائدة، هو عيدهم الأكبر، فجميع ما يحدثه الإنسان فيه هو من المنكرات القبيحة.
فمنه: خروج النساء، وتبخير القبور، ووضع الثياب على السطح، وكتابة الورق وإلصاقها بالأبواب، واتخاذه موسمًا (^١) لبيع البخور وشرائه، وكذلك شراء البخور في ذلك الوقت إذ (^٢) اتُّخِذَ وقتًا للبيع، ورُقي البخور مُطْلقًا فيه وفي غيره، أو قصد شراء البخور المَرْقِيّ، فإن رقي البخور واتخاذ البخور قربانًا هو دين النصارى، وإنما البخور طِيْبٌ يُتطيَّب بدخانه، ويُستحب التبحُّر حيث يُستحب التطيُّب.
وكذلك اختصاصه بطبخ رُز بلبن أو بَسِيْسة (^٣) أو عدس أو صَبْغِ بيضٍ ونحوه، أما القمار بالبيض أو بيعه لمن يُقامر فيه، وشراؤه من المتقامرين؛ فحكمه ظاهر.
ومن ذلك: ما يفعله الأكَّارون (^٤) من نَكْت البقر بالنُّقَط الحُمْر، أو الشجر، أو جمع أنواع النباتات والتبرُّك بها، أو الاغتسال بمائها. ومن ذلك: ما قد يفعله النساء من أخذ ورق الزيتون والاغتسال بمائه، أو قصد الاغتسال في شيء من ذلك. ومن ذلك: ترك الوظائف الراتبة من
_________________
(١) في "الأصل": "موسومًا" سبق قلم.
(٢) في "الأصل": "إذا" والمثبت من "الاقتضاء".
(٣) البَسِيْسَة: هو أن يُلَتّ السويق أو الدقيق أو الإقط المطحون بالسمن أو الزيت ثم يؤكل ولا يطبخ "مختار الصحاح: ٥٢".
(٤) هم الفلاحون.
[ ١١١ ]
الصنائع والتجارات، أو حِلَق العلم أو غير ذلك، واتخاذه يوم راحةٍ وفَرَح، واللعب فيه بالخيل أو غيرها على وجهٍ يخالف ما قبله وما بعده من الأيام.
والضابط لذلك: أنه لا يُحْدَث فيه أمر (^١) أصلًا، بل يُجعل يومًا كسائر الأيام.
ومن ذلك: ما يفعله كثير من الناس في أثناء "كانون الثاني" لأربعٍ وعشرين خلت منه، يزعمون أنه ميلاد عيسي -﵇- فجميع ما يحدث فيه هو من المنكرات، مثل: إيقاد النيران، وإحداث طعامٍ، واصطناع شَمْعٍ، وغير ذلك، فإن اتخاذ هذا الميلاد عيدًا هو من دين النصارى، ليس لذلك أصلٌ في دين الإسلام، ولم يكن له أصل على عهد السلف الماضين، وانضمَّ إليه سبب طبيعي، وهو كونه في الشتاء المناسب لإيقاد النيران.
ثم إن النصارى تزعم أنه بعد الميلاد بأيام -أظنُّها أحد عشر- عمَّد يحيى لعيسى في ماء المعموديَّة، فيتعمَّدون في هذا الوقت ويسمونه: "عيد الغَطَّاس"، وقد صار كثير من جُهَّال النساء يُدْخِلون أولادهنَّ إلى الحمام في هذا الوقت، ويزعمون أن هذا ينفع الولد، وهذا من دين النصارى، وهو من أقبح المنكرات المحرَّمة.
وكذلك أعياد الفُرْس، مثل النيروز والمِهْرَجان، وأعياد اليهود أو غيرهم من أنواع الكفار أو الأعاجم أو الأعراب، حكمها كلها ما ذكرناه من قبلُ.
_________________
(١) في "الأصل": "أمرًا" ويصح إذا بُني الفعل "يحدث" للمعلوم ولكن الأصح بناؤه للمجهول كما في "أصله".
[ ١١٢ ]