بعفوِ اللهِ، لاجتهاد صاحبها أو تقليده، وهذا ثابت في كل ما يُذْكر في بعض البدع المذكورة من الفائدة.
لكن هذا القدَر لا يمنع کراهَتَها والنهي عنها والاعتياض عنها بالمشروع الذي لا بدعةَ فيه، كما أن الذين زادوا الأذان في العيدين هم كذلك، بل اليهود والنصارى يجدون في عباداتهم فوائد، وذلك أنه لا بدَّ أن تشتمل عباداتُهم على نوعٍ ما مشروع في جنسه، كما أن أقوالهم لا بُدَّ أن تشتمل على صدقٍ ما مأثًورٍ عن الأنبياء، ثم مع ذلك لا يوجب ذلك أن نَفْعَل عباداتهم أو نروي كلماتِهم؛ لأن جميع المبتدعات لا بدَّ أن تشتمل على شرٍّ راجحٍ على ما فيها من الخير، إذ لو كان خيرها راجحًا لما أهملها الشارع، فنحن نستدلُّ بكونها بدعة على أن إثمها أكبر من نفعها، وذلك هو الموجِبُ للنَّهي.
وأقول: إن إثمها قد يزول عن بعض الأشخاص لمعارض الاجتهاد أو غيره، كما يزول أثم النبيذ والربا المُخْتَلَف فيهما (^١) عن المجتهدين من السلف، ثم مع ذلك يجب بيان حالها، وأن لا يُقْتَدَي بمن استحلَّها، وأن لا يقصَّر في طلب العلم المبيِّن لحقيقتها، وهذا كافٍ في بيان أن هذه البدعة مشتملة على مفاسد اعتقادية أو حالية، مناقضة لما جاء به الرسول، وما فيها من المنفعة مرجوح لا يصلح للمعارضة.
ثم نقول على سبيل التفصيل: إذا فَعَلها قومٌ ذوو فضلٍ، فقد ترکها في زمانهم معتقدًا كراهتها، أو (^٢) أنكرها قومٌ، إن لم يكونوا هم أفضل
_________________
(١) في "الأصل": "فيها".
(٢) في "الاقتضاء": "و".
[ ١٤٤ ]
ممن فعلها، فليسوا دونهم، ولو كانوا دونهم، فقد تنازع فيها أولو العلم، فيجب ردُّها إلى الله والرسول، وكتابُ الله وسنةُ رسوله مع من ترکها بلا شكٍّ، لا مع من رخَّص فيها، ثم عامة المتقدمين الذين هم أفضل من المتأخرين مع من تَرَكَها.
وما فيها من المفاسد التي تستغني بها القلوب عن كثير من السنن، حتى تجد كثيرًا من العامة قد يحافظ عليها ما لا يحافظ على التراويح والصلوات الخمس، وتنقص بِسَببها عنايتهم بالفرائض، وغير ذلك = يُعَارِض ما فيها من المنفعة، فإن فيها -أيضًا- من مصير المعروف منكرًا أو المنكر معروفًا، وجهالة أكثر الناس بدين المرسلين، وانتشار البدع، ومُسَارقة الطَبْع، إلى الانحلال من ربقة الاتباع، وفوات سلوك الصراط المستقيم.
وذلك أن النفس فيها نوعٌ من الكبر، فتُحِبُّ أن تخرج عن العبودية والاتباع بحسب الإمكان، كما قال أبو عثمان النيسابوري (^١): "ما ترك أحدٌ شيئًا من السنة إلا لكبرٍ في نفسِه"، ثم هذا مظنة لغيره (^٢)، فينسلخ القلبُ عن حقيقة اتباع الرسول، ويصير فيه من الكبر وضعف الإيمان ما يُفْسِد عليه دينه أو يكاد، إلى غير ذلك من المفاسد التي لا يدركها إلا من استنارت بصيرتُه وسلمت سريرتُه، حتى إن متتبعها يصير في غايةٍ من الجهالة. قد ضلَّ سعيُهم وهم يحسبون أنهم يُحسنون صُنعًا، وهذا كلُّه مقرر في غير هذا الموضع.
_________________
(١) هو: إسماعيل بن عبد الرحمن أبو عثمان الصابوني، صاحب العقيدة المشهورة، ت (٤٤٩) "السير": (١٨/ ٤٠).
(٢) يعني من البدع والفساد.
[ ١٤٥ ]