وأن حصول هذه المصلحة في الأعمال أقرب من حصولها في المكان، ألا ترى أن متابعة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في أعمالهم، أنفع وأولى من متابعتهم في مساكنهم ورؤية آثارهم.
وقال: "من تشبَّه بقومٍ فهو منهم" (^١) وإسناده جيَّد، احتجَّ به أحمد وغيره. فأقلُّ أحواله أن يقتضي تحريمَ التشبُّه بهم.
وأيضًا: لما صام عاشوراء، قيل له: إنه يومٌ يُعظمه اليهود والنصارى، فقال: "إذا كانَ العامُ القابلُ إِن شاءَ اللهُ صُمْنا اليومَ التاسِعَ"، وقال: "صُوْمُوا عاشوراءَ وخالِفُوا اليهودَ، صُوْمُوا قبلَه يَوْمًا وبَعْدَه يَوْمًا" رواه سعيد (^٢) وأوله رواه مسلم (^٣) إلى قوله: "التاسع".
وقال: "إيَّاكُم والغُلُوَّ في الدينِ فإنَّما أَهْلَكَ مَنْ كانَ قَبْلَكُم الغُلُوُّ في الدِّينِ"، رواه أحمد والنسائي وابن ماجه (^٤) بإسنادٍ صحيح على شرط
_________________
(١) أخرجه أبو داود رقم (٤٠٣١)، وأحمد في "المسند": (٩/ ١٢٣ رقم ٥١١٤) وغيرهما من طريق عبد الرحمن بن ثوبان، عن حسَّان بن عطية، عن أبي مُنِيْب الجُرَشي عن ابن عمر -﵄- عن النبي ﷺ: "بُعِثت بالسيف " الحديث. ابن ثوبان مختلف فيه، ومدار الحديث عليه، والحديث قوَّاه ابن تيمية والذهبي في "السير": (١٥/ ٥٠٩) والحافظ ابن حجر في "الفتح": (٦/ ١١٦)، والألباني في "الإرواء" رقم (١٢٦٩).
(٢) هو ابن منصور في "سننه": كما في الاقتضاء، والإمام أحمد في "مسنده": (٤/ ٢٥ رقم ٢١٥٤) من حديث ابن عباسٍ -﵁-. وفي سنده ضعف.
(٣) رقم (١١٣٤).
(٤) رواه أحمد: (٣/ ٣٥١ رقم ١٨٥٢)، والنسائي: (٥/ ٢٦٨)، وابن ماجه رقم (٣٠٢٩) من حديث ابن عباس -﵄-.
[ ٥١ ]
مسلم (^١)، وهو عامٌّ في جميع أنواع الغُلوِّ في الاعتقادات والأعمال.
والغلوُّ: مجاوزة الحد بأن يُزاد الشيء في حمده أو ذمِّه على ما يستحق. وأمَرَنا أن نقول: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ووضع عنَّا الآصار (^٢)، ونهى -ﷺ- عن الغلوِّ في العبادات صومًا وصلاةً (^٣) .
وقال له رجلٌ: ائْذَنْ لي بالسياحة، فقال: "إنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتي الجهادُ في سَبِيلِ اللهِ" (^٤) .
وفي خبرٍ آخر: "إنَّ السِّياحةَ هي الصِّيامُ" (^٥)، أو: السائحون هم الصائمون، أو نحو ذلك، وهو تفسير ما ذكر الله من قوله: ﴿السَّائِحُونَ﴾ [التوبة: ١١٢].
فأما السياحة التي هي الخروج في البريَّة لغير مقصد معيَّن، فليس
_________________
(١) وصححه ابن خزيمة رقم (٢٨٦٧)، وابن حبان رقم (٣٨٧١).
(٢) كما في قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
(٣) كما في حديث النفر الثلاثة الذين سألوا عن عبادة النبي ﷺ فكأنهم تقالُّوها - أخرجه البخاري رقم (٥٠٦٣)، ومسلم رقم (١٤٠١) من حديث أنسٍ -﵁-.
(٤) أخرجه أبو داود رقم (٢٤٨٦)، والحاكم: (٢/ ٧٣)، والبيهقي: (٩/ ١٦١)، من حديث أبي أمامة -﵁- قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" اهـ. وصححه الألباني في "صحيح أبي داود".
(٥) أخرجه ابن جرير: (٦/ ٤٨٤) من حديث أبي هرون، ومن مرسل عبيد بن عمير، وموقوفًا على ابن مسعود وابن عباس، وغيرهم من السلف.
[ ٥٢ ]
من عمل هذه الأمة، قال الإمام أحمد: "ليست السياحة من الإسلام في شيء، ولا من فِعْل النبيين ولا الصالحين" (^١) . مع أن جماعةً من إخواننا قد ساحوا السياحةَ المنهيَّ عنها متأوِّلين أو غير عالمين بالنَّهي، وهي من الرهبانية المبتَدَعَة التي قيل فيها: "لا رهبانية في الإسلام" (^٢) .
فيقتضي ذلك مجانبة هَدْي من كان قبلنا، وأن المشارِك لهم يخاف عليه أن يكون هالكًا.
ونهانا عن مشابهة من كان قبلنا، بأنهم كانوا يُفرقون في الحدود بين الأشراف والضعفاء، وأَمَر أن يُسَوَّى بين الناس في ذلك فقال: "إنما هَلَكَ بنو إسرائيلَ أَنَّهم كانوا إذا سَرَقَ فيهم الشريفُ تركوه وإذا سَرَقَ فيهم الضَّعِيْفُ أَقامُوا عليه الحدَّ، والذي نفسي بِيَدِه لو أَنَّ فاطمةَ بنتَ محمدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَها" (^٣) .
وأخبر أن ابنته التي هي أشرفُ النساءِ لو سرقت -وقد أعاذَها الله من ذلك- لقطع يَدَهَا، ليُبيِّن أن وجوبَ العدل والتعميم في الحدود هو الواجب.
_________________
(١) في "مسائل ابن هاني": (٢/ ١٧٦).
(٢) ذكره البغوي في "شرح السنة": (٢/ ٣٧٠) بدون إسناد بصيغة التمريض، وقال الحافظ في "الفتح": (٩/ ١٣): "لم أره بهذا اللفظ". وهو بلفظ: "إني لم أُومر بالرهبانية" عند الدارمي: (رقم ٢٢١٥ - ط حسين أسد) وإسناده قوي. وبلفظ "إن الرهبانية لم تكتب علينا" عند أحمد: (٦/ ٢٢٦) من حديث عائشة.
(٣) أخرجه البخاري رقم (٣٤٧٥)، ومسلم رقم (١٦٨٨) من حديث عائشة -﵁-.
[ ٥٣ ]
وأيضًا: فقد قال: "إنَّ مَنْ كان قَبْلَكُم كانوا يتَّخذونَ قبورَ أنبيائهم مَساجِدَ، ألا فلا تتَّخذوا القبورَ مَسَاجِدَ إنِّي أَنْهاكُم عَنْ ذلك" (^١) .
فعقَّب قولَه عن الذين قبلنا بقوله: "ألا فلا" بالفاء التي تُشْعِر بأن سببَ نَهْينا عن ذلك لأجل أنهم فعلوه، وذلك يقتضي أن أعمالهم دلالة وعلامة على أنَّ الله ينهى عنها، وأنها عِلَّةٌ مقتضيةٌ للنهي، ونَهْيه عن اتخاذ القبور مساجد مع لعنته لليهود والنصارى کثيرٌ متواتر، حتى عند خروج نفسِهِ الكريمة -بأبي هو وأمي- يوصي بذلك (^٢) .
وإن كان قد ابتلي كثيرٌ من هذه الأمَّة ببناءِ المساجد على القبور، وكِلا الأمرين محرَّم ملعونٌ فاعِله بالسنةِ المستفيضةِ.
وقد صحَّ عنه أنه قال: "كلُّ شيءٍ منْ أَمْر الجاهليةِ تَحْتَ قدمي مَوْضُوع" (^٣) . وهو عامٌّ يدخل فيه ما كانوا عليه من العبادات والعادات، مثل دعواهم: يا فلان ويا فلان (^٤)، ومثل أعيادهم، وغير ذلك من أَمورهم.
ولا يدخل في ذلك ما كانوا عليه وأقَرَّه الله في الإسلام؛ کالمناسك، ودية المقتول، والقَسَامَة، ونحوه؛ لأن أمر الجاهلية معناه المفهوم منه: ما كانوا عليه مما لم يُقِرَّه الإسلام، فيدخل في ذلك ما كانوا عليه وإن لم يُنه في الإسلام عنه بعينه.
_________________
(١) أخرجه مسلم رقم (٥٣٢) من حديث جندب البجلي -﵁-.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٤٣٥) ومسلم رقم (٥٣١) من حديث عائشة وابن عباس -﵄-.
(٣) في الحديث الطويل المشهور في حجة الوداع -يوم عرفة- أخرجه مسلم رقم (١٢١٨) من حديث جابر -﵁-.
(٤) في "الاقتضاء": "يالفلان يالفلان".
[ ٥٤ ]