وأيضًا: فإن الله أنزل كتابَه باللسان العربي، وجعلَ رسولَه مبلِّغًا عنه الكتابَ والحكمةَ بلسانه العربي، وجعل السابقين إلى هذا الدين متكلِّمين به، فلم يكن سبيلٌ إلى ضبط الدين ومعرفته إلا بضبط هذا اللسان، وصارت معرفته من الدين. إذ هو أسهل على أهل الدين في معرفة دين الله، وأقرب إلى إقامة شعار الدين، وأقرب إلى مشابهة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار في جميع أُمورهم.
وقد أمر العلماءُ بالخطاب العربيِّ، وكرهوا مداومة غيره لغير حاجة، واللسان تقارنه أمور من الأخلاق والعلوم، فإن العادة لها تأثير عظيم فيما يُحبه الله ورسوله أو فيما يكرهه؛ فلهذا جاءت الشريعةُ بلزوم طريقة السابقين في أقوالهم وأعمالهم، وكراهة الخروج عنها إلى غيرها لا لحاجةٍ؛ لما يُفْضِي إليه من موت الفضائل التي جعلها الله للسابقين الأوَّلين.
ولهذا لما عَلِم من وفَّقَه اللهُ من أبناء فارس وغيرهم هذا الأمرَ؛ أخذَ يُجاهد نفسه في تحقيق المشابهة بالسابقين، فصار أولئك من أفضل التابعين بإحسانٍ، وصار كثيرٌ منهم أئمة لكثير من غيرهم. وصاروا يُفضِّلون من رأوه [من الفرس] (^١) أقرب إلى متابعة السابقين. فالأمة مجتمعة على فضل طريقة العرب السابقين، وأن الفاضل من تَبِعهم، وهو المطلوب.
والذي يجب على المسلم إذا نظر إلى الفضائل أو تكلَّم فيها: أن يسلكَ سبيلَ العاقل الذي غرضه أن يعرف الخير ويتحرَّاه جهده، ليس
_________________
(١) زيادة من "الاقتضاء" يقتضيها السياق.
[ ٧٤ ]
غرضه الفخر على أحدٍ ولا الغَمْص (^١) من أحدٍ، كما قال: "إنَّ اللهَ أوْحَى إليَّ: أنْ تواضَعُوا حتى لا يَفْخَرَ أحَدٌ على أحدٍ ولا يَبْغِي أحَدٌ على أحَدٍ" (^٢) .
فمن استطال بحقٍّ فقد افتخر، وإن كان بغير حقٍّ فقد بغي، فلا يحلُّ لا هذا ولا هذا، فإذا كان الرجل من الطائفة الفاضلة، فلا يكن حظُّه استشعار فضل نفسِه، والنظر إلى ذلك، فإنه مْخْطئ؛ لأن فضل الجنس لا يستلزم فضل الشخص، فرُبَّ حَبَشِيٍّ أفضل عند الله من جمهور قريش.
وإن كان من الطائفة الأخرى، فيعلم أن تصديقه للرسول فيما أخبر، وطاعته فيما أمره، ومحبَّة ما أحبَّه الله، والتشبُّه بمن فضَّله الله، والقيام بالدين الحق، يوجبُ له أن يكون أفضلَ من جمهور الطائفة الأخرى، وهذا هو الفضل الحقيقي (^٣) .
_________________
(١) هو الاحتقار والازدراء.
(٢) أخرجه مسلم رقم (٢٨٦٥) من حديث عياض المجاشعي -﵁-.
(٣) ثم ذكر شيخ الإسلام في "الاقتضاء": (١/ ٤٥٤ - ٤٥٦) أصل لفظ العرب والعجم وذكر: انقسامَ البلاد إلى:
(٤) ما غلب على أهله لسان العرب.
(٥) ما العُجْمة كثيرة فيهم أو غالبة. وانقسامَ الأنساب إلى:
(٦) قوم من نسل العرب، باقون على العربية لسانًا ودارًا، أو لسانًا لا دارًا، أو دارًا لا لسانًا.
(٧) قوم من نسل العرب، صارت العجمية لسانهم ودارهم، أو أحدهما.
(٨) قوم مجهولوا الأصل -وهم أكثر الناس- سواء كانوا عرب الدار واللسان، =
[ ٧٥ ]