ونهي عن الصلاة إلى ما عُبِد من دون الله في الجملة وإن لم يقصد العابدُ ذلكَ، ويُنْهَى عن السجود لله بين يدي الرجلِ، وإن لم يقصد الساجدُ ذلك، لما فيه من مشابهة السجود لغير الله، فقطعت الشريعةُ المشابهةَ في الجهات والأوقات، وكما لا يُصلَّي إلى القبلة التي يُصلُّون إليها، لا يُصَلَّي إلى ما يصلُّون له.
وقال -ﷺ-: "ائتَمُّوا بأَئمتكم، إنْ صلَّى قائمًا فَصَلُّوا قيامًا، وإن صلَّى قاعِدًا فَصَلُّوا قُعُوْدًا، إن كدتم آنفًا تَفْعَلون فِعْلَ فارسَ والرومِ يَقُوْمُوْن على مُلُوْكهم" (^١)، قال ذلك لما صلَّى قاعدًا فصلوا خلْفَه قيامًا، فأَشار إليهم أنْ اجلسوا، ثم قال ذلك بعد فراغِه، فأمرهم بترك القيام الذي هو فَرْضٌ في الصلاة، وعلَّل ذلك بأنه يشبه فعلَ فارس والروم بعظمائهم، ومعلوم أن المأموم إنما ينوي أن يقوم الله لا للإمام، وهذا تشديدٌ عظيمٌ في النهي عن القيام للرجل القاعِد، ونهي -أيضًا- عما يُشْبِه ذلك وإن لم يقصد به ذلك، فهل بعد هذا في النهي عن مشابهتهم في مجرَّد الصورةِ غايةٌ.
وأيضًا: انتساب الرجل إلى المهاجرين أو الأنصار انتسابٌ حسن محمود عند الله وعند رسوله، ليس من المباح الذي يقصد به التعريف فقط، كالانتساب إلى القبائل والأمصار، ولا من المكروه أو المحرَّم، کالانتساب إلى ما يقتضي (^٢) بدعة أو معصية أخرى.
ثم مع هذا لما دعا كلٌّ من الطائفتين: يا للمهاجرين ويا للأنصار، منتصرًا بحزبه على الآخر، أنكر النبيُّ -ﷺ- ذلك وقال: "ما هَذَا؟
_________________
(١) رواه مسلم رقم (٤١٣) من حديث جابر -﵁-.
(٢) "الاقتضاء": "يفضي إلى".
[ ٤٣ ]
أَدَعْوَى الجاهِلِيَّةِ" (^١)؟!، سمَّاها دعوى الجاهلية، حتى قيل له: إن الداعي بها إنما هما غلامان، لم يصدر ذلك من الجماعة، فأمرَ بمنع الظالم وإعانة المظلوم، ليبيِّن أن المحذور إنما هو تعصُّب الرجل لطائفته مطلقًا، فِعْلَ أهلِ الجاهلية، فأما نصرها بالحق؛ فحسنٌ إذا كان من غير عدوان.
ولهذا قال: "خَيْرُكم المدافعُ عن عَشِيْرَتِه ما لم يأْثَم" رواه أبو داود (^٢) .
وقال: "أربعٌ في أُمَّتي مِنْ أَمْر الجاهليةِ لا يتركونهنَّ: الفخرُ بالأحسابِ، والطَّعْن في الأنسابِ، والاستسقاءُ بالنُّجومِ، والنياحةُ" (^٣)، فاقتضى أنَّ كلَّ ما كان من أمر الجاهلية مذموم في الإسلام، وإلا لم يكن في إضافة هذه المنكرات إلى الجاهلية ذمٌّ لها، ومعلوم أن إضافتها إلى الجاهلية خرجَ مخرج الذمِّ.
وكذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] و﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٦]، فدلَّ ذلك على أن إضافةَ الأمر إلى الجاهلية يقتضي ذمَّه والنهيَ عنه، وذلك يقتضي المنعَ من أمر الجاهلية مطلقًا، وهو المقصود في هذا الكتاب.
ومنه قوله: "إنَّ الله قد أذهبَ عنكم عُبِّيَّةَ (^٤) الجاهِلِيَّة وفَخْرَها
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٣٥١٨)، ومسلم رقم (٢٥٨٤) من حديث جابر بن عبد الله -﵁-.
(٢) رقم (٥١٢٠) وضعَّفه بأيوب بن سويد، وحكم عليه أبو حاتم الرازي بالوضع في "العلل": (٢/ ٢٠٩).
(٣) أخرجه مسلم رقم (٩٣٥) من حديث أبي مالك الأشعري -﵁-.
(٤) هي: الفخر والنخوة.
[ ٤٤ ]
بالآباء، مُؤْمنٌ تقيٌّ أو فاجِرٌ شَقِيٌّ، أنتم بنو آدَمَ، وآدَمُ من ترابٍ، ليدعَنَّ رجالٌ فخرَهم بأقوام إنمَّا هم فَحْمٌ من فَحْمِ جهنَّمَ، أو ليكونن أهون على اللهِ من الجِعْلان (^١) التي تَدْفع بأَنْفِها النَّتَنَ" رواه أبو داود وغيره (^٢)، وهو صحيح.
وأيضًا: روى مسلم (^٣) عن ابن عباس أن النبي -ﷺ- قال: "أَبْغَضُ الناسِ إلى الله ثلاثةٌ: مُلْحِدٌ في الحَرَم، ومُبْتَغٍ في الإسلامِ سُنَّةً جاهِلِيَّة، ومُطَّلِبٌ دَمَ امْرِيءٍ بغَيْرِ حَقٍّ لِيُرِيْقَ دَمَهُ".
فكل من أراد في الإسلام أن يعمل بشيء من سنن الجاهلية دخلَ في الحديث.
والسنةُ الجاهليةُ: كلُّ عادةٍ كانوا عليها، قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧]، وقال [-ﷺ-]: "لتتبعنَّ سَنَنَ مَنْ كان قَبْلَكم" (^٤)، وهذا نصٌّ عام يوجِبُ تحريمَ متابعة كلِّ شيء من سُنَن الجاهلية في أعيادهم وغيرها.
ولفظ الجاهلية قد يكون اسمًا للحال، وهو الغالب في الكتاب والسنة، وقد يكون اسمًا لذي الحال (^٥) .
_________________
(١) جمع جُعَل، وهي دُوَيْبَّة تُشبه الخنفساء، من شأنها جمع الفضلات والنتن.
(٢) رواه أبو داود رقم (٥١١٦)، والترمذي رقم (٣٩٥٥ و٣٩٥٦)، وأحمد: (١٤/ ٣٤٩ رقم ٨٧٣٦) من حديث أبي هريرة -﵁-، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".
(٣) كذا وهو وهم، وهو في البخاري رقم (٦٨٨٢) من طريق نافع بن جُبير عن ابن عباس -﵄- وانظر "تحفة الأشراف": (٥/ ٢٦٠).
(٤) تقدم ص/ ٢١.
(٥) يعني: لصاحب الحال.
[ ٤٥ ]
فمن الأول: قوله لأبي ذرٍّ: "إنَّكَ امرؤٌ فِيْكَ جَاهِلِيَّةٌ" (^١)، وقول عمر: "إني نذرت في الجاهلية" (^٢)، وقولهم: يا رسول الله! كنا في جاهليةٍ وشرٍّ (^٣) . أي: في حال جاهلية، أو طريقة أو عادة ونحوه، فإن الجاهلية وإن كان في الأصل صفة، لكنه غلب عليه الاستعمالُ حتى صار اسمًا، ومعناه قريب من معنى المصدر.
وأما الثاني: قولهم: "طائفة جاهلية، وشاعر جاهليٌّ"، وذلك نِسبةً إلى الجهل الذي هو عدم العلم أو عدم اتباع العلم، فإن من لم يعلم الحقَّ، فهو جاهلٌ جهلًا بسيطًا، فإن اعتقد خِلافَه؛ فهو جاهل جهلًا مركَّبًا، فإن قال خِلافَ الحق عالمًا بالحقِّ أو غير عالم فهو جاهلٌ -أيضًا-، كما قال: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ [الفرقان: ٦٣]، وقوله: "إذا كان أحَدُكُمْ صَائمًا فلا يَجْهَل" (^٤)، وقول الشاعر (^٥) من هذا الباب:
ألَا لا يَجْهَلَنْ أحدٌ علينا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِيْنا
وكذلك من عمل بخلاف الحق، فهو جاهل وإن علمَ أنه مخالف
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٣٠)، ومسلم رقم (١٦٦١) من حديث أبي ذر -﵁-.
(٢) حديث نَذْر عمر في الجاهلية في البخاري رقم (٢٠٤٢)، ومسلم رقم (١٦٥٦) من حديث عمر -﵁-.
(٣) قطعة من حديث أخرجه البخاري رقم (٧٠٨٤)، ومسلم رقم (١٨٤٧) من حديث حذيفة -﵁-.
(٤) قطعة من حديث أخرجه البخاري رقم (١٨٩٤)، ومسلم رقم (١١٥١) من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٥) هو عَمْرو بن كلثوم التغلبي، وهو في معلقته المشهورة.
[ ٤٦ ]
للحقِّ، كقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧]، قال أصحابُ محمد: كل من عمل سوءًا فهو جاهل (^١) .
وسبب ذلك: أن العلمَ الحقيقي الراسخ في القلب يمتنع أن يصدر معه ما يخالفُه من قولٍ أو فعل، فمتى صدر خلافه فلا بُدَّ من غفلة القلب عنه، أو ضعفه بما يُعارضه، وتلك أحوال تُناقِض حقيقةَ العلم فيصير جهلًا بهذا الاعتبار، ومن هذا يُعرف دخول الأعمال في مُسمَّى الإيمان حقيقةً لا مجازًا، وإن لم يكن كل من ترك شيئًا من الأعمال کافرًا ولا خارجًا عن أصل مسمَّى الإيمان، وكذلك اسم "العقل" ونحوه من الأسماء.
ولهذا يُسمِّي الله -سبحانه- أصحاب هذه الأحوال: موتى، وعُمْيًا، وصُمًّا، وبُكمًا، وضالين، وجاهلين، وأنهم: لا يعقلون، ولا يسمعون.
إذا ثبت (^٢) ذلك: فالناس كانوا قبل مبعث الرسول في حال جاهلية، منسوبة إلى الجهل، فإنَّ ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال إنما أحدثه لهم جاهل، وإنما يفعله جاهل، وكذلك كلُّ ما يخالف ما جاءت به المرسلون من يهودية أو نصرانية فهي جاهلية، وتلك كانت الجاهلية العامة، فأما بعد مَبْعث الرسول فالجاهلية المطلقة قد تكون في مِصْرٍ دون مِصر، كما هي في دار الكفار، وقد تكون في شَخْص دون شخص، كالرجل قبل أن يُسْلم، فإنه في جاهلية، وإن كان في دار الإسلام.
_________________
(١) انظر تفسير الطبري: (٣/ ٦٤٠).
(٢) كذا بالأصل، وفي "الاقتضاء": "تبين".
[ ٤٧ ]
فأما في زمان مطلق فلا جاهلية بعد مبعثه -ﷺ-، فإنه لا تزال من أمته طائفة ظاهرين (^١) على الحقِّ إلى قيام الساعة.
والجاهلية المقيَّدة قد تقوم في بعض ديار المسلمين وفي كثير من الأشخاص المسلمين. كما قال: "أربعٌ في أُمَّتي مِنْ أَمْرِ الجاهِلية" (^٢)، وقال لأبي ذرٍّ: "إنَّك امرؤٌ فيك جاهلية" (^٣) .
فالرجلُ مع فضله وعلمه قد يكون فيه بعض الخِصال المسمَّاة: بجاهلية ويهودية ونصرانية، ولا يوجب ذلك كفره ولا فِسْقه.
وكذا قوله: "خَصْلَتان هما بهم كُفْر " (^٤)، فنفس الخصلتين كُفْر حيث كانتا من أعمال الكفَّار، وهما قائمتان بالناس، وليس كلُّ من قام به شُعْبة من شعب الكفر يصير كافرًا الكفر المطلق، كما أنه ليس كلُّ من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير مؤمنًا، حتى يقوم به أصلُ الإيمان.
وفَرْقٌ بين الكفر المعرَّف باللام وبين المنكَّر، في الإثبات، وفَرْقٌ بين معنى الاسم المطلق إذا قيل: كافر، أو مؤمن، وبَيْن المعنى المطلق للاسم في جميع موارده، كما قال: "لا تَرْجِعُوا بعدِي كفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكم رِقَابَ بعضٍ" (^٥)، فقوله: "يضرب بعضكم رقابَ بعض" هو تفسير لقوله: ["كفارًا"، وهؤلاء] (^٦) يُسَمّون كُفَّارًا تسميةً مُقيَّدة، ولا
_________________
(١) بالأصل: "ظاهرون"، والتصويب من "الاقتضاء".
(٢) تقدم ص/ ٤٤.
(٣) تقدم ص/ ٤٥
(٤) أخرجه مسلم رقم (٦٧) من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٥) أخرجه البخاري رقم (١٢١)، ومسلم رقم (٦٥) من حديث جرير البجلي -﵁-.
(٦) لم يظهر في الأصل، والإكمال بنحوه من "الاقتضاء": (١/ ٢٣٨).
[ ٤٨ ]