القلبُ مريضًا لم يصح شيءٌ من الأعضاء صحةً مطلقة، وإنما الصلاح أن لا تُشْبَه مريضَ القلبِ في شيء من أموره، وإن خَفِي عليك مرض ذلك العضو، لكن يكفيك أنَّ فساد الأصل لا بُدَّ أن يؤثِّر في الفرع، ومن انتبه لهذا قد يعلم بعض الحكمة التي أنزلها الله، فإن من في قلبه مرضٌ قد يرتاب في الأمر بنفس المخالفة؛ لعدم استبانته لفائدته أو يتوهَّم أن هذا من جنس أمر الملوك والرؤساء القاصدين للعلوِّ في الأرض.
ولَعَمْري إن النبوة غاية الملك الذي يؤتيه الله من يشاء وينزعه ممن يشاء، ولكن مُلْكٌ هو غايةُ صلاحِ من أطاعَه من العباد في معاشِهم ومعادِهم.
وحقيقة الأمر: أن جميع أعمال الكافر وأُموره لا بُدَّ فيها من خلل يمنعها أن تتمَّ منفعتُه بها، ولو فُرِض صلاح شيءٍ من أموره على التمام لا يستحق (^١) بذلك ثوابَ الآخرة، فالحمد لله على نعمة الإسلام، التي هي أعظم النعم وأم كلِّ خير، كما يُحبُّ ربنا ويرضى.
فظهر أن مخالفتهم أمر مشروع في الجملة، ولهذا كان الإمام أحمد وغيره يُعَلِّلون الأمر بالصبغ بعلة المخالفة (^٢)، فإذا نهى عن التشبُّه بهم في بقاءِ بياضِ الشيب الذي ليس هو من فعلنا، فَلأَن ينهى عن إحداث التشبُّه بهم بطريق الأولى. ولهذا كان هذا التشبُّه يكون محرَّمًا بخلاف الأول.
_________________
(١) كذا بالأصل، وبعض نسخ "الاقتضاء"، وفي أخرى: "لاستحقَّ" وهو ما أثبت في المطبوعة. وما أثبته أصح.
(٢) في رواية حنبل كما في "الجامع - الترجل": (ص/ ١٣٣) للخلال.
[ ٤٠ ]
وفي "الصحيحين" (^١): "خَالِفُوا المشركين" ثم قال: "أحْفُوا الشَّوَارِبَ وأَفُوا اللِّحَى" فأبدل الجملة الثانية من الأولى، أَمَرَ بالمخالفة عامًّا ثم خاصًّا، فقدَّمه عمومًا ثم خصوصًا، كما يقال: أكرم ضيفَك: أطْعِمْه وحادِثْه.
وقال: "خالفوا اليهود فإنهم لا يُصَلُّون في نعالهم ولا خِفافهم" رواه أبو داود (^٢) .
وقال: "فَصْلُ ما بينَ صيامِنا وصيامِ أَهْلِ الكتابِ أَكْلَةُ السَّحَر" رواه مسلم (^٣) .
فدلَّ على أن الفصل بين العبادتين أمرٌ مقصود، وقد صرَّح بذلك في قوله: "لا يزالُ الدِّينُ ظاهرًا ما عجَّل الناسُ الفِطْرَ" (^٤)، لأن اليهودَ والنصارى يؤخِّرون، وإنما المقصود بإرسال الرسل: أن يظهرَ دينُ الله على الدينِ كلِّه، فنفس مخالفتهم من أكبر مقاصِد البِعْثة.
وكذا قال: "لا تزالُ أُمَّتي بخير -أو قال: على الفطرة- ما لم
_________________
(١) البخاري رقم (٥٨٩٢)، ومسلم رقم (٢٥٩) من حديث ابن عمر -﵁-.
(٢) رقم (٦٥٢). وأخرجه: ابن حبان "الإحسان": (٥/ ٥٦١) وزاد "النصاري"، والحاكم: (١/ ٢٦٠)، ومن طريق البيهقي: (٢/ ٤٣٢) جميعًا من حديث شداد بن أوس -﵁- وسنده حسن، وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي.
(٣) رقم (١٠٩٦) من حديث عَمْرو بن العاص -﵁-.
(٤) أخرجه أبو داود رقم (٢٣٥٣)، وابن ماجه رقم (١٦٩٨) من حديث أبي هريرة -﵁-، وأخرجه البخاري رقم (١٩٥٨)، ومسلم رقم (١٠٩٨) من حديث سهل بن سعد -﵁- بنحوه.
[ ٤١ ]
يُؤخِّروا المغربَ إلى أن تَشْتَبِكَ النُّجُوْمُ" رواه أحمد (^١) وابن ماجه (^٢) .
وقوله: "اصْنَعُوا كلَّ شيء غيرَ النِّكاحِ" فقالت اليهودُ: ما يريدُ هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه. رواه مسلم (^٣) .
وكذلك نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها، مُعَلِّلًا بأنها تسجد لها الكفار حينئذٍ، وأنها تطلُع بين قَرْنَي شيطان (^٤) .
ففيه تنبيهٌ على أن كلَّ ما يفعله المشركون من العبادات ونحوها مما يكون كفرًا أو معصيةً بالنية، يُنهَى المؤمنون عن ظاهرِه، وإن لم يقصدوا به قَصْد المشركين؛ سدًّا للذريعة وحسمًا للمادة.
ومن هذا الباب: أنه كان إذا صلَّى إلى عودٍ أو عمود جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولم يَصْمُد له صَمْدًا (^٥) .
_________________
(١) في "المسند": (٢٤/ ٤٩٣ رقم ١٥٧١٧) من حديث السائب بن يزيد -﵁-، وفي سنده ضعف.
(٢) رقم (٦٨٩) من حديث العباس بن عبد المطلب -﵁-. وفي سنده ضعف والحديث له شواهد كثيرة، فرواه أبو داود رقم (٤١٨) والحاكم: (١/ ١٩٠ - ١٩١) من حديث أبي أيوب الأنصاري -﵁- وسنده حسن لأجل محمد بن إسحاق، وصححه الحاكم. ورواه أحمد: (٤/ ٣٤٩)، والطبراني في "الكبير": (٨/ ٩٤) من حديث أبي عبد الرحمن الصنابحي. ورواه أحمد: (١٩/ ١٨٤ رقم ١٢١٣٦) من حديث أنس -﵁-.
(٣) رقم (٣٠٢) من حديث أنسٍ -﵁-.
(٤) رواه مسلم رقم (٨٣٢) من حديث عَمْرو بن عَبَسة -﵁-.
(٥) رواه أبو داود رقم (٦٩٣)، وأحمد: (٦/ ٤) من حديث المقداد بن الأسود، وسنده ضعيف.
[ ٤٢ ]