و"حبُّ العَرَبِ من الإيمانِ وبُغْضُهُم من الكُفْرِ" (^١)، وفي حديث سلمان (^٢) ما يقوِّي هذا الحديث.
ولما وضعَ عمرُ الديوانَ كتبَ الناسَ على قدر أنسابِهم، فبدأ بأقربهم فأقربهم إلى رسول الله، فلما انقضت العربُ ذكر العجمَ، هكذا كان الديوان على عهد الخلفاء الراشدين وسائر الخلفاء بعدهم، إلى أن تغيَّر الأمر بعد.
وسبب هذا الفضل: ما اختصُّوا به في عقولهم وألسنتهم وأخلاقهم وأعمالهم، وذلك لأن الفضلَ إما بالعلم النافع، وإما بالعمل الصالح.
والعلم مَبْدَؤه: العقل، وهو قوةُ الفهمِ. وتمامُه: قوةُ المنطق الذي هو البيان والعبارة، والعربُ أفْهم وأَحْفظ، وأقْدَر على البيان والعبارة.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في "الأوسط": (٣/ ٢٥٧)، ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية": (٢/ ٣٣٣)، ومن طريقه العراقي في "محجة القرب": (ص/ ٨٣)، والبزار "الكشف: ١/ ٥١"، والحاكم: (٤/ ٨٧) مختصرًا، من حديث أنسٍ -﵁-. قال الحاكم: "صحيح الإسناد"، وتعقبه العراقي فقال: "وما ذكره من صحة إسناد فليس بجيد، فإن الهيثم بن جماز ضعيف عندهم " اهـ.
(٢) ولفظه: "يا سَلْمان لا تُبْغضني فتُفَارِق دِيْنَك" قلت: يا رسول الله كيف أُبغضك وبك هداني الله؟ قال: "تُبْغِضُ العربَ فتُبْغِضني". أخرجه الترمذي رقم (٣٩٢٧)، وأحمد: (٥/ ٤٤٠)، والطبراني في "الكبير": (٦/ ٢٣٨)، والحاكم: (٤/ ٨٦) وغيرهم. قال الترمذي: "حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث أبي بدر شجاع ابن الوليد" اهـ، وقال الحاكم: "صحيح" وتعقبه الذهبي بتضعيف ابن أبي ظبيان في سنده.
[ ٧١ ]
[وأما العمل؛ فإن مبناه على الأخلاق، وهي الغرائز المخلوقة في النفس] (^١)، وغرائزهم أطوع للخير، فهم أقرب للسخاء والحلم والشجاعة والوفاء وغير ذلك من الأخلاق المحمودة، لكن كانوا قبل الإسلام طبيعةً قابلة للخير معطَّلةً عن فعله، ليس عندهم علمٌ منزَّلٌ من السماء، ولا شريعةٌ موروثة (^٢) عن الأنبياء، ولا هم مشتغلون ببعض العلوم العقليَّة، إنما علمهم ما سمحت به قرائحهم من الشعر والخطب، أو ما حفظوه من أنسابهم وأيَّامهم، أو ما احتاجوا إليه من دنياهم من الأنواء والنجوم، أو من الحروب.
فلما بعث الله محمدًا -ﷺ- بالهدى الذي ما جَعَلَ اللهُ -ولا يجعل- أمرًا أجلَّ منه ولا أعظم قدرًا، وتلقَّوه عنه بعد مجاهدته الشديدة ومعالجته، حتى نقلهم عن تلك العادات الجاهلية والظلمات الكفرية، التي كانت قد أحالت قلوبهم عن فِطَرها (^٣)، فزالت تلك الرُّيون (^٤) عن قلوبهم، واستنارت بهدي الله، فأخذوا ذلك الهدي بتلك الفطرة الجيِّدة، فاجتمع لهم الكمالُ بالقوةِ المخلوقة فيهم، والكمالِ الذي أنزله اللهُ إليهم.
بمنزلةِ أرضٍ جيِّدةٍ في نفسها عُطِّلت عن الحرث، فنبتَ فيها شوكٌ ودغل (^٥)، وصارت مأوى (^٦) الخنازير والسِّباع، فإذا طُهِّرت عن المؤذي
_________________
(١) إضافة لازمة من "الاقتضاء": (١/ ٤٤٧) ليتم المعنى.
(٢) في الأصل: "مورثة" والمثبت من "الاقتضاء".
(٣) كذا بالأصل، وفي "الاقتضاء": "فطرتها".
(٤) أي: دنس القلوب.
(٥) كذا في الأصل، وهو الشجر الكثير الملتفّ. وفي "الاقتضاء": "نبت فيها شجر العضاه والعوسج".
(٦) رسمها في "الأصل": "موي" والتصويب من "الاقتضاء".
[ ٧٢ ]
من الشجر والدواب، وازْدُرع فيها أفضلُ الحبوب والثمار، جاء فيها من الحرث ما لا يوصف مثله، وبالله المستعان.
فصار السابقون الأولون أفضل الخلق بعد الأنبياء، وصار أفضل الناس بعدهم من اتَّبعهم بإحسانٍ إلى يوم القيامة من العرب والعجم، وصار الخارجون عن هذا الكمال قسمين:
إما کافر؛ من اليهود والنصارى، الذين لم يقبلوا هدى الله.
وإما غيرهم؛ من العجم الذين لم يشركوهم فيما فطروا عليه، فجاءت الشريعة باتباع أولئك السابقين على الهدى الذي رضيه الله لهم، وبمخالفة من سواهم؛ إما لمعصيته وإما لنقيصته، وإما لأنه مظنة النقيصة.
فإذا نهت الشريعةُ عن مشابهة الأعاجم، دخل في ذلك ما عليه الأعاجمُ الكفَّار قديمًا وحديثًا، وما عليه الأعاجم المسلمون مما لم يكن السابقون الأوَّلون عليه، كما يدخل في مسمَّى الجاهلية: ما كان عليه أهلُ الجاهلية قبل الإسلام، وما عادَ إليه كثيرٌ من العرب من الجاهلية التي كانوا عليها، ومن تشبَّه من العرب بالعجم لحقَ بهم، وبالعكس.
ولهذا كان الذين ينالوا (^١) العلمَ والإيمانَ من أبناء فارس إنما حصل ذلك بمتابعتهم للدين الحنيف، بلوازمه من العربية وغيرها، ومن نقصَ من العرب إنما هو بتخلُّفهم عن هذا، وإما بموافقتهم للعجم فيما السنةُ أن يُخَالَفوا فيه.
_________________
(١) كذا بالأصل، وصوابه "ينالون" وفي "الاقتضاء": "تناولوا".
[ ٧٣ ]