الذِّمة: "أن نُوَقِّر المسلمين، ونقوم لهم من مجالسنا، ولا نتشبَّه بهم فِي شيءٍ من لباسهم؛ قَلَنْسُوة أو عمامة أو نعلين أو فَرْق شعرٍ، ولا نتكلَّم بكلامهم، ولا نكتني بكناهم، ولا نركب على السروج، ولا نتقلَّد السيوف، ولا نتخذ شيئًا من السلاح ولا نحمله، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور، وأن نجزَّ مقادمَ رؤوسنا، ونَلْزم زيِّنا حيثما کان (^١)، ونشدَّ الزنانيرَ على أوساطِنا، ولا نُظْهِر الصليبَ على كنائسنا، ولا نُظْهِر صليبًا ولا كتبًا في شيءٍ من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نضرب نواقيسَنا في كنائسنا إلا ضربًا خفيًّا، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نُظهر النيرانَ معهم في شيءٍ من طرق المسلمين" رواه حربٌ (^٢) بإسنادٍ جيِّد.
فهذه الشروط مجمعٌ عليها في الجملة بين العلماء
قال القاضي أبو يعلى في مسألة حدثت في وقته: "أهل الذمة مأمورون بلبس الغيار، فإن امتنعوا، لم يَجُز لأحدٍ من المسلمين صَبْغ ثوبٍ من ثيابهم؛ لأنه لا يتعيَّن عليهم صَبْغ ثوبٍ بعينه".
_________________
(١) كذا بالأصل والاقتضاء، وفي المصادر: "حيثما كنَّا" وهو الأصح.
(٢) هو حرب بن إسماعيل الكرماني، من أصحاب الإمام أحمد، وله مسائل مشهورة عنه، فلعله رواه فيها. وأخرجه الخلال في "الجامع - أحكام الملل": (٢/ ٤٣١ - ٤٣٤)، والبيهقي في "الكبرى": (٩/ ٢٠٢)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق": (٢/ ١٧٤). وانظر "أحكام أهل الذمة": (٢/ ٦٥٧ - ٦٦٤)، وقال ابن القيم: "وشهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها، فإن الأئمة تلقوها بالقبول، وذكروها في كتبهم، واحتجوا بها، ولم يزل ذكر الشروط العمرية على ألسنتهم وفي كتبهم، وقد أنفذها بعده الخلفاء، وعملوا بموجبها" اهـ
[ ٥٦ ]
قلت: وهذا فيه خلاف؛ هل يُلْزَمون هم بالتغيير أم الواجب إذا امتنعوا أن نُغيِّر نحن؟ أما وجوب أصل المغايرة؛ فما علمتُ فيه خلافًا.
وإذا كان عمر وسائر الصحابة والفقهاء والملوك قد اتفقوا على منعهم من إظهار شيءٍ من خصائصهم، فكيف إذا عملَها المسلمون وأظهروها لهم (^١) !؟
وقد أمر الصحابة والمسلمون بترك إكرامهم، وإلزامهم الصَّغَار الذي شرعه الله، ومن المعلوم: أن تعظيم أعيادهم ونحوها بالموافقة فيها نوعٌ من إكرامهم، فإنهم يفرحون ويُسَرُّون، كما يغتمُّون بإهمال دينهم الباطل.
ورأى أبو بكر الصديق امرأةً من أحمس لا تتكلَّم، فقال: ما لها؟ فقالوا: حجَّت مصمتة، فقال لها: تكلَّمي فإن هذا لا يحلُّ، هذا من عمل الجاهلية، فتكلَّمت الحديث. رواه البخاري (^٢) .
فدلَّ على أن كلَّ عملٍ من أعمال الجاهلية منهيُّ عنه، مثل: المُكَاء والتصدية. والمكاءُ: الصفير ونحوه. والتصدية: التصفيق.
ومثل: بروز المُحْرِم وغيره للشمس، حتى لا يستظل بظلٍّ، أو تَرْك الطواف بالثياب المتقدمة، أو ترك كل ما عُمِل في غير الحرم، ونحو ذلك من أمور الجاهلية التي كانوا يتخذونها عباداتٍ، لا يجوز التعبُّدُ بها في الإسلام ألْبتة.
_________________
(١) ليست في "الاقتضاء"، وفي بعض نسخه: "هم"، وكلا الأمرين أصح مما في الأصل.
(٢) رقم (٣٨٣٤).
[ ٥٧ ]