وقال ابن القاسم في الأُسْقُف يبيع أرض الكنيسة لمرَمَّتها (^١)، وربما حُبِسَت تلك الأرض على الكنيسة لمصلحتها: إنه لا يحل للمسلم أن يشتريها؛ لأنه عون على تعظيم الكنائس، ولأنه حَبْس، ولا يجوز لهم في أحباسهم إلا ما يجوز للمسلمين، ولا أرى لحاكم المسلمين أن يَعْرض فيها بمنعٍ ولا تنفيذ بشيءٍ.
ولا أرى للمسلم أن يهدي إلى النصراني في عيده مكافأةً له، ورآه (^٢) من تعظيم عيده، وعونًا له على مصلحة كفره، ألا ترى أنه لا يحل للمسلم أن يبيع من النصارى شيئًا من مصلحة عيدهم؛ لا لحمًا ولا أُدْمًا ولا ثوبًا، ولا يُعَارون دابةً ولا يُعَانون على شيءٍ من عيدهم، وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك، وهو قول مالك وغيره، لم أعلمه اختلف فيه". هذا كلام ابن حبيب.
وقد ذكر أنه أُجْمع على كراهة مبايعتهم ومهاداتهم ما يستعينون على عيدهم، وصرَّح بأنَّ مذهب مالك: لا يحل ذلك.
فصلٌ (^٣)
وأما نصوص أحمد على ذلك؛ فقال إسحاق بن إبراهيم (^٤): سُئل أبو عبد الله عن نصارى وقفوا ضيعةً للبيعة، يَسْتأجِرها المسلمُ منهم؟ فقال: لا يأخذها بشيءٍ، لا يُعينهم على ما هم فيه.
_________________
(١) أي: لترميمها وإصلاحها.
(٢) في "الأصل": "وأراه" والمثبت في أصله.
(٣) "فصل" ليست في "الاقتضاء": (٢/ ٢٠).
(٤) "مسائل ابن هانيء": (٢/ ٢٩).
[ ١١٧ ]
قال (^١): وسمعتُ أبا عبد الله -وسأله رجلٌ-: أَبْنِي للمجوسٍ ناووسًا (^٢)؟ قال: لا تَبْن لهم، ولا تعينهم (^٣) على ما هم فيه.
ونقلَ عنه محمد بن الحكم (^٤) . -وسأله رجلٌ-: المسلم يحفر لأهل الذِّمة قبرًا بكراءٍ؟ قال: لا بأس به. والفرقُ بينهما: أن الناووس من خصائص دينهم الباطل، کالكنيسة، بخلاف القبر المطلق، فإنه ليس في نفسه معصية ولا من خصائص دينهم.
وقال الخلَّال (^٥): "باب الرجل يؤاجِر دارَه الذِمِّي أو يبيعها منه" وذكر عن المرُّوذي أن أبا عبد الله سُئل عن رجلٍ باع داره من ذِمِّي وفيها محاريبه؟ فقال: نصراني؟! واستَعْظَم ذلك، وقال: لا تُباع يُضْرب فيها بالناقوس ويُنصب فيها الصُّلبان، وقال: لا تُباع من الكفار وشدَّد في ذلك.
وقال (^٦): لا أرى له أن يبيع داره من کافر يكفر بالله فيها. فهذا نصٌّ على المنع.
ونقلَ عنه (^٧) إبراهيمُ بن الحارث: قيل لأبي عبد الله: الرجل يكري منزلَه من الذِمِّي؟ فقال: ابنُ عَوْن (^٨) كان لا يكري داره إلا من أهل
_________________
(١) "المسائل": (٢/ ٣٠).
(٢) هو: صندوق يضع النصارى فيه جثة الميت.
(٣) كذا.
(٤) ترجمته في "طبقات الحنابلة": (٢/ ٢٩٥).
(٥) في "الجامع - أهل الملل": (١/ ٢٠٠).
(٦) في رواية أبي الحارث.
(٧) في "الأصل": "عن" سهو.
(٨) هو: عبد الله بن عون البصري، الإمام المشهور ت (١٥١) انظر "السير": (٦/ ٣٦٤).
[ ١١٨ ]
الذمة، يقول: نُرْعبهم، يعني: أنه إذا أخذ من الذمي الأُجرة حصل له رُعب، وجعلَ أحمدُ يعجب بهذا من ابن عَوْن.
ونقل مُهنَّا قال: سألتُ أحمد عن الرجل يكري المجوسي داره؟ فقال: كان ابن عَوْن لا يرى أن يكري المسلم، يقول: أرعبهم في أَخْذ الغلَّة، وكان يرى أن يكري غير المسلم.
قال الخلَّال (^١): كلُّ من حكي عن أبي عبد الله في الرجل يكري داره من ذِمِّي، فإنما أجابَه على فعل ابن عونٍ، ولم ينفذ لأبي عبد الله قول، وقد حكى عنه إبراهيمُ أنه رآه معجَبًا به، والأمرُ في ظاهر (^٢) قول أبي عبد الله: أن لا تباع منه؛ لأنه يكفر فيها.
والأمر عندي: لا تُباع منه ولا تُكري؛ لأنه معنى واحد، وكره أحمد بيعَ الدار لعَوْن (^٣)؛ لأنه كان مبتدعًا، فإذا كره بيع الدار من الفاسق فكيف بالكافر؟!
وقال أبو بكر: لا فرق بين البيع والإجارة، فإذا أجاز [البيع] (^٤) أجاز الإجارة، وإذا منع البيع منع الإجارة، ووافقه القاضي وأصحابه على ذلك.
_________________
(١) "الجامع": (١/ ٢٠١).
(٢) في "الأصل": "ظاهر في" والمثبت من أصله و"الجامع"، وهو الأصح.
(٣) هو: البصري. كما في كتاب الخلال و"الاقتضاء". وقد ذكر الشيخ في الأصل أنه لعله من أهل البدع أو من الفسَّاق. ونقله عنه ابن القيِّم في "أحكام أهل الذمة": (١/ ٢٨٦).
(٤) زيادة لازمة.
[ ١١٩ ]
وعن إسحاق بن منصور (^١) أنه قال لأبي عبد الله: عن الأوزاعي أنه کره أن يؤاجر المسلم نفسَه للنصراني ينظر كَرْمَه. فقال أحمد: ما أحسن ما قال، لأن أصل ذلك يرجع إلى الخمر، إلا أن يعلم أنه يُباع لغير الخمر، فلا بأس.
وعن أبي النضر العجلي (^٢) قال: قال أبو عبد الله فيمن يحمل خمرًا أو خنزيرًا أو مَيْتة لنصراني: فهو يكره أكل کرائه، ولكنه يقضي للجمَّال (^٣) بالكراء، وإذا كان للمسلم فهو أشدُّ.
وتلخيص الكلام في ذلك: أما بيع داره من کافر، فقد ذكرنا مَنْع أحمد منه، ثم اختلفَ أصحابُه؛ هل هذا تنزيه أو تحريم، فقال الشريف أبو علي بن أبي موسى (^٤): "کره أحمد أن يبيع داره من ذِمِّي يكفر فيها بالله تعالى، ويستبيح المحظورات، فإن فعل أساء و[لم] (^٥) يبطل البيع".
وكذلك أبو الحسن الآمدي أطلق الكراهة مقتصرًا عليها.
وأما الخلال وصاحبه (^٦) والقاضي؛ فمقتضى كلامهم تحريم ذلك،
_________________
(١) هو الكوسج، ولم أجد هذا النص فيما طُبع من مسائله.
(٢) هو: إسماعيل بن عبد الله بن ميمون العجلي المروزي ت (٢٧٠). انظر "طبقات الحنابلة": (١/ ٢٧٦).
(٣) كذا في الأصل، ويصح أن تكون "الحمال" بالمهملة كما في بعض نسخ "الاقتضاء".
(٤) هو: محمد بن أحمد بن أبي موسى الهاشمي القاضي ت (٤٢٨)، "طبقات الحنابلة": (٣/ ٣٢٥).
(٥) سقطت من الأصل!
(٦) هو غلام الخلال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر ت (٣٦٣)، "طبقات الحنابلة": (٣/ ٢١٣).
[ ١٢٠ ]
وقال القاضي: لا يجوز أن يؤاجر داره أو بيتَه ممن يتخذه بيت نار أو کنيسة، أو يبيع فيه الخمر، سواء شَرَط أنه يبيع فيه الخمر أو لم يشترط؛ لكنه يعلم أنه يبيع الخمر.
قال أبو بكرٍ: لا فرقَ بين البيع والإجارة كما قدمناه، وكلام أحمد محتمل الأمرين، فإن قوله في رواية أبي الحارث: يبيعها من مسلم أحبّ إليَّ، يقتضي أنه مَنْع تنزيه. واستعظامه لذلك في رواية المرُّوذي، وقوله: لا تباعُ من كافرٍ، وشدَّد في ذلك، يقتضي التحريم.
وأما الإجارة؛ فقد سوَّى الأصحابُ بينها وبين البيع، وأن ما حكاه عن ابن عَوْنٍ ليس بقولٍ له. ويمكن أن يقال: بل ظاهر الرواية أنه أجاز ذلك، فإن إعجابه بالفعل دليل جوازه عنده، واقتصاره على الجواب بِفِعْل رجلٍ يقتضي أنه مذهبه في أحد الوجهين.
والفرقُ بين الإجارة والبيع: أن ما في الإجارة من مفسدة الإعانة قد عارضه مصلحة أُخرى، وهو صرف إرعاب المطالبة بالكِراء عن المسلم، وإنزال ذلك بالكافر، فصار ذلك بمنزلة إقرارهم بالجزية [فَـ] لِمَا تضمَّنه من المصلحة جاز، وكذلك جازت مُهادنة الكفار في الجملة.
فأما البيع؛ فهذه منتفية فيه، وهذا ظاهر على قول ابن أبي موسى وغيره: أن البيع مكروه غير محرَّم، فإن الكراهة في الإجارة تزول بهذه المصلحة الراجحة كما في نظائره، فيصير في المسألة أربعة أقوال.
وهذا الخلافُ عندنا والتردُّد في الكراهة، هو إذا لم يعقد الإجارة على المنفعة المحرَّمة، فأما إن آجره على أنه يبيع فيه الخمر أو يعملها کنيسة؛ فلا يجوز قولًا واحدًا، وبه قال الشافعي وغيره.
[ ١٢١ ]
وقال أبو حنيفة: يجوز، وكذا يقول فيما إذا استأجر رجلًا يحمل له الميتة أو الخمر أو الخنزير: أنه يصح. وعامةُ الفقهاء خالفوه (^١) .
ونُقِل عن أحمد فيما إذا ابتاعَ الذميُّ أرضًا عُشْرية روايتان (^٢)، مَنَعَ في إحداهنَّ، قال: لأن فيه إبطالًا للعُشْر وهو ضررٌ على المسلمين، قال: وكذلك لا يمكَّنوا من استئجار أرض العشر لهذه العلة.
وقال في الرواية الأخرى: لا بأس أن يشتري الذميُّ أرضَ العُشْر من مسلمٍ، واختلفَ قولُه إذا جاز (^٣) ذلك فيما على الذِّمي فيما يَخْرج منها على روايتين، إحداهما: لا عُشْر عليه ولا شيء سوى الجزية، والأُخرى: عليه فيما يَخْرج منها الخُمْس. ومن أصحابنا من حكى رواية: أنهم يُنْهون عن شرائها، فإن اشتروها أُضْعِف عليهم العُشْر، وفي كلام أحمد ما يدل على هذه.
وكذلك نمنعهم -على ظاهر المذهب- من شراء السَّبْي الذي جرى عليه سهام المسلمين، كما شَرَط عليهم عُمر بن الخطاب -﵁-.
ويتخرَّج: أنه لا يؤخذ منه إلا عُشر واحد، هذا في العُشْرية التي ليست خراجيَّة. أما الخراجيَّة؛ فقالوا: ليس لذمي أن يبتاع أرضًا فَتَحها المسلمون عُنْوة، وإذا جوَّزنا بيع العُنوة كان حكم الذمي في ابتياعها
_________________
(١) انظر تفصيل المخالفة في "الاقتضاء": (٢/ ٣٠).
(٢) رسمها في الأصل: "أرض عشرية روه ايتان"! وهو سهو، وفي أصله: "أرض عشر من مسلم على روايتين".
(٣) في الأصل: "أجاز" وهو سهو.
[ ١٢٢ ]
كحكمه في أرض العُشْر المَحْض؛ إذ جميع الأرض عُشْرية عندنا وعند الجمهور، بمعنى أن العُشْر يجب فيما أخْرَجَت.
وكذلك الأرض المَوَات من أرض الإسلام التي ليست خراجيَّة؛ هل للذمي أن يتملَّكَها بالإحياء، فيه قولان للعلماء، هما في المذهب. قيل: ليس له ذلك، وهو قول الشافعي وابن حامد، وهو قياس إحدى الروايتين عن أحمد في منعه ابتياعها.
ثم هل عليه عُشر؟ فيه روايتان، قال ابنُ أبي موسى: ومن أحيا من أهل الذمة أرضًا فهي له، ولا زكاة عليه فيها ولا عُشر، وقد رُوِيَ عنه رواية أخرى: أنه لا خراج على أهل الذمة، ويؤخذ منهم العُشر يُضَاعَف عليهم، والأول عنه أظهر.
فهذا الذي حكاه ابنُ أبي موسى من تضعيف العُشر فيما يملكه بالإحياء، هو قياس تضعيفه فيما يملكه بالابتياع؛ لكن نقل حَرْبٌ عنه في رجلٍ من أهل الذمة أحيا أرضًا قال: "هو عُشْر". ففهم القاضي وغيرُه من الأصحاب أن الواجب هو العُشر المأخوذ من المسلم، فحكوا في وجوب العُشر فيها روايتين، وابنُ أبي موسى نقل الروايتين في وجوب عُشر مضعَّف.
وعلى طريقة القاضي يُخَرَّج في مسألة الابتياع كذلك، والذي نقله ابنُ أبي موسى أصحُّ، فإن أحمد سُئل عن إحياء الذمي الأرضَ؟ فأجاب: بأنه ليس عليه شيءٌ، وذكر اختلاف الفقهاء في مسألة اشترائه الأرض هل يمنع أو يضعَّف عليه العُشر، وهذا يبين لك أن المسألتين عنده واحدة، وهو تمليك الذمي الأرض العشرية، سواء كان بابتياعٍ أو إحياء أو غير ذلك.
[ ١٢٣ ]
ومن نقل عنه عشرًا مفردًا في الأرض المُحْياة دون المبتاعة؛ فليس بمستقيم. وأصلُه قوله في [الرواية] (^١) التي نقلها الكرماني قوله: "هي أرض عشر"، ولكن هذا كلام مُجْمل قد فسَّره أبو عبد الله في موضع آخر وبيَّن مأخَذَه. ونَقْلُ الفقه إن لم يعرف الناقل مأخَذ الفقيهِ، وإلا فقد يقع فيه الغلط كثيرًا.
وقد أفصحَ أربابُ هذا القول: بأن مأخَذَهم قياس الحِراثة على التجارة، فإن الذمي يؤخذ منه إذا اتَّجَر في غير أرضه ضِعْف المسلم، فكذلك إذا استحدث أرضًا غير أرضه؛ لأنه في كلا الموضعين قد أخذ يكتسب في غير مكانه الأصلي.
وقياس قول من يضعّف العُشر: أن المستأمن لو زرع في دار الإسلام لكان الواجب عليه خُمُسَيْن، ضِعفا ما يُؤخذ من الذمي، كما إذا اتَّجر في بلاد الإسلام.
ومذهب أحمد في الإجارة لعمل ناووس ونحوه: لا يجوز رواية واحدة، ذكره الآمديُّ، كالإجارة لبناء كنيسة أو بيعة أو صومعة، وكالإجارة لكتبهم المحرفة.
وأما مسألة حمل الميتة والخمر والخنزير للنصراني؛ فقد تقدَّم لفظ أحمد أنه قال: يُكره أكل كِراه ويُقضي له بالأجرة، ثم اختلف الأصحاب على ثلاثة طرق:
أحدها: إجراء هذا على ظاهره، وأن المسألة رواية واحدة. قال
_________________
(١) زيادة لازمة.
[ ١٢٤ ]