وهذا باب واسع فيه كثرة عن الصحابة، وهذه القضايا (^١) في مظنة الاشتهار، وما علمنا أحدًا ذكر عن الصحابة خلاف ذلك: من أنهم كانوا يكرهون التشبُّه بالكفار والأعاجم في الجملة، وإن كان بعض هذه المسائل المُعَيَّنة فيها خلاف وتأويل. وهذا كما أنهم مجمعون على اتباع الكتاب والسنة، وإن كانوا قد يختلفون في بعض أعيان المسائل، فَعُلِمَ اتفاقهم على كراهة التشبُّه بالكفار والأعاجم.
وكذلك المنقول عن عامة علماء المسلمين من الأئمة المتقدمين، في تعليل النهي عن أشياء بمخالفة الكفار، أو مخالفة النصارى، أو مخالفة الأعاجم (^٢)، وهو أكثر من أن يمكن حصره واستقصاؤه، ومن له أدنى نظرٍ في الفقه يعلم ذلك، وقد بلغه من ذلك طائفة. وبعد النظر والتأمُّل يورث علمًا ضروريًّا باتفاقهم -أعنِي: الأمةَ جميعها- على النهي عن موافقة الكفار، والأمر بمخالفتهم.
وقد تكلَّم أصحابُ أبي حنيفة في تكفير من تشبَّه بالكفار في لباسهم وأعيادهم، وقال أبو حنيفة: إذا غربت الشمس أفاض الإمام والناس معه؛ لأن فيه إظهار مخالفة المشرکين.
وقال مالك: "لا يُحرم بالأعجمية ولا يدعو بها ولا يحلف".
وقيام المرأة لزوجها من فِعْل الجبابرة. وربما يكون الناس ينتظرونه فإذا طَلَع قاموا له، ليس هذا من فِعل الإسلام، وهو فيما ينهى عنه من التشبُّه بأهل الكتاب.
_________________
(١) في "الأصل": "القضيا" سهو.
(٢) هذا الوجه الثالث في تقرير الإجماع.
[ ٦١ ]
وكذلك أصحاب الشافعي ذكروا هذا الأصل في غير موضعٍ، مثلما ذكره بعضهم في أوقات النهي، بأن المشركين يسجدون للشمس حينئذٍ.
وذكروا في السحور أنه فَرْق بيننا وبين صيام أهل الكتاب، وذكروا في شروط الذمة ما يتضمَّن منع المسلمين عن مشابهتهم، تفريقًا بين علامة المسلمين وعلامة الكفار، وبالغ طائفةٌ منهم فنهوا عن التشبُّه بأهل البدع (^١) .
وأما كلام الإمام أحمد وأصحابه؛ فكثيرٌ جدًّا، مثل قول أحمد: "ما أُحِبُّ لأحدٍ إلا أن يغيِّر الشيبَ ولا يتشبَّه بأهل الكتاب" (^٢)، وكره حَلْق القفا وقال: هو من فعل المجوس، وكره النعل الصرار، وهو من زِيِّ العجم (^٣) .
وكره تسمية الشهور بالعجمية، والأشخاص بالأسماء (^٤) الفارسيَّة، مثل: آذرماه. وقال للذي دعاه إلى وليمة: زي المجوس، زي المجوس، ونفض يده في وجهه لما رأى عنده آنية فيها فضة.
وذكر أصحابه أن من اللباس المكروه ما خالفَ زيَّ العرب وأشبه زي الأعاجم وعادتهم.
وقال غير واحدٍ من أصحاب أحمد وغيرهم: يستحبُّ أن يتختَّم باليسار، للآثار، ولأن خلاف ذلك عادة وشعار للمبتدعة، وما في هذا
_________________
(١) يعني: فيما كان شعارًا لهم وإن كان مسنونًا، انظر "الاقتضاء": (١/ ٣٩٧).
(٢) انظر: "مسائل ابن هاني": (٢/ ١٤٨).
(٣) انظر: "مسائل أبي داود": (ص /٣٥١).
(٤) مطموسة في الأصل.
[ ٦٢ ]