وأيضًا: فقد يستغفر الرجل من الذنب مع إصراره عليه، أو يأتي بحسناتٍ تمحوه أو بعضَه، وقد يُقلِّل منه، وقد تضعف همتُه في طلبه إذا عرفَ أنه منكر.
ثم لو فُرِضَ أَنَّا علمنا أن الناسَ لا يتركون المنكر ولا يعترفون بأنه منكر، لم يكن ذلك مانعًا من إبلاغ الرسالة وبيان العلم، بل ذلك لا يُسْقط وجوب الإبلاغ، ولا وجوبَ الأمر والنهي في إحدى الروايتين عن أحمد -﵀- وقول كثير من أهل العلم.
وهذا أمر عامٌّ في كلِّ منكر أخبر الصادقُ بوقوعه.
وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩]. فقد برَّأ -سبحانه- رسولَه بأن يكون فيه شيءٌ من المُفَرِّقين لدينهم، فمن كان متبعًا له حقيقةً كان متبرِّئًا کتبرئته، ومن كان موافقًا لهم في شيء كان مخالفًا للرسول بقدر موافقته لهم.
وما دلَّ عليه الكتابُ جاءت به سنةُ رسولِ الله وسنة خلفائهِ الراشدين التي أجمع الفقهاء عليها بمخالفتهم وترك التشبه بهم.
ففي "الصحيحين" (^١) أنه قال: "إنَّ اليَهُوْدَ والنَّصَارَى لا يَصْبُغُوْنَ فَخَالِفُوهم"، فاقتضى أن جِنْسَ مخالفتهم أمرٌ مقصود للشارع؛ لأن الفعل المأمور [به] (^٢) إذا عُبِّر عنه بلفظٍ مشتقٍّ من معنىً أعم من ذلك الفعل، فلا بُدَّ أن يكون ما منه الاشتقاق أمرًا مطلوبًا، لا سيما إن ظهر
_________________
(١) البخاري رقم (٣٤٦٢)، ومسلم رقم (٢١٠٣) من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٢) مطموسة في الأصل، والإكمال من "الاقتضاء": (١/ ١٨٦).
[ ٣٧ ]
لنا أن المعنى المشتقَّ منه معنيً مناسب للحكمة؛ ولأن الأمر إذا تعلَّق باسم مفعولٍ مشتقٍّ من معنىً؛ كان المعنى علةً للحكم؛ كما في قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (^١) [الحجرات: ١٠]. "عُودوا المريضَ، أَطْعِموا الجائعَ، فكُّوا العاني" (^٢) .
وأيضًا: إذا أمر بفعلٍ كان نفس مصدره أمرًا مطلوبًا للآمر مقصودًا، كما قال تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾، ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]، ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ (^٣) [يونس: ٨٤].
فإن نفس التقوى والإحسان والإيمان والعبادة أُمور مطلوبة مقصودة؛ بل هي نفس المأمور به، فلما قال: "خالفوهم" كان الأمر بمخالفتهم داخِلًا في العموم، وإن كان السبب الذي قاله لأجلِه هو "الصَّبْغ"؛ لأن الفعل فيه عموم وإطلاق لفظي ومعنوي فيجب الوفاء به، وخروجه على سببٍ يوجب (^٤) أن يكون داخِلًا فيه، ولا يمنع أن يكون غيره داخلًا فيه، وإن قيل: إن اللفظ العام يُقْصَر على سببه؛ لأن العموم هنا من جهة المعنى، فلا يقبل من التخصيص ما يقبله العموم اللفظي.
وأيضًا (^٥): عدول الأمر عن لفظ الفعل الخاصِّ إلى لفظٍ أعم منه، كعدوله عن لفظ "أَطْعِمْه" إلى لفظ "أَكْرِمْه"، وعن لفظ "فاصبغوا" إلى
_________________
(١) في الأصل في الآيتين بدون "الفاء".
(٢) أخرجه البخاري رقم (٣٠٤٦) من حديث أبي موسى الأشعري -﵁-.
(٣) في الأصل: "عليه فتوكلوا"، سبق قلم.
(٤) في الأصل: "يجب".
(٥) "الاقتضاء": (١/ ١٩٥).
[ ٣٨ ]
لفظ "فخالفوهم" لا بُدَّ له من فائدة، وإلا فمطابقة اللفظ للمعني أولي من إطلاق اللفظ العام وإرادة الخاصّ، ولا فائدة هنا إلا تعليق القصد بذلك المعنى العام المشتمل على هذا الخاص، وهذا بيِّن لمن تأمَّله.
وأيضًا: إذا أمر بفعل باسم دالٍّ على معنيً عام مريدًا به فعلًا خاصًّا، كان ذلك يقتضي أنه قصد أولًا ذلك العام، وأنه إنما قَصَد ذلك الخاص لحصوله بالعامِّ، ففي قولك: "أكْرِم زيدًا" طلبان، طلبٌ للإكرام المطلق، وطلب لهذا الفعل الذي يحصل به المطلق؛ لأن حصول المعيَّن مُقْتضٍ لحصول المطلق، وهذا معنىً صحيح، إذا صادفَ فِطْنةً وذكاءً انتُفِع به في كثير من المواضع، وعُلِم به طرق البيان.
وأيضًا: فإنه رتَّب الحكمَ على الوصف بحرف الفاء، فيدل على أنه علة له من غير وجه، حيث قال: "إن اليهودَ لا يصبغون فخالفوهم"؛ ولأنه لو لم يكن لِقَصْد مخالفتهم تأثير في الأمر بالصَّبغ لم يكن لذكرهم فائدة، فنفسُ المخالفةِ لهم في الهدي مصلحة ومنفعة لعباد الله المؤمنين؛ لما فيه من المجانبة والمباينة التي توجب المباعدة عن أعمال أهل الجحيم، وإنما تظهر بعضُ المصلحة في ذلك لمن تنوَّرَ قلبه.
ونَفْس ما هم عليه من الهدى والخلق قد يكون فيه مضرَّة؛ فيُنْهى عنه ويؤمر بضدِّه؛ لما فيه من المنفعة والكمال. وليس شيءٌ من أُمورهم إلا وهو إما فيه مضرَّة أو هو ناقص، ولا يتصوَّر أن يكون شيءٌ من أمورهم کاملًا قطُّ، فإذًا المخالفة لهم فيها لنا منفعة ومصلحة في كل أُمورهم، حتى ما هم عليه من إتقانِ بعضِ أُمور دنياهم، فقد يكون مُضِرًّا بأمر الآخرة أو بما هو أهم من أمور الدنيا.
وبالجملة؛ فالكفر بمنزلة المرض الذي في القلب وأشدُّ، ومتى كان
[ ٣٩ ]