عن أبي هريرة (﵁): أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تبدؤا اليهود والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه» (١).
وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر (﵄) أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم» متفق عليه (٢). وعن أسامة (﵁) أن النبي - ﷺ - مر على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين -عبدة الأوثان واليهود- فسلم عليهم النبي - ﷺ - متفق عليه (٣).
وقد اختلف العلماء في رد السلام على الكفار وابتدائهم به فمذهب الشافعية - تحريم ابتدائهم بالسلام وهو قول أكثر العلماء ومذهب السلف.
_________________
(١) رواه مسلم. انظر صحيح مسلم ج٤ ص١٧٠٧.
(٢) رواه البخاري ومسلم. انظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين ج١ ص٦٧٠.
(٣) متفق عليه. المصدر السابق نفس المكان.
[ ٢ / ٧٢٥ ]
وذهبت طائفة إلى جواز ابتداء الكفار بالسلام روي ذلك عن ابن عباس وأبي أمامة (١) وابن أبي محيريز (٢) وهو قول بعض الشافعية ونقل عن الماوردي (٣)، وقد احتج هؤلاء بعموم الأحاديث الدالة على إفشاء السلام.
ورد عليهم القائلون بالمنع من الابتداء بالسلام على الكفار بأن أحاديث الأمر بالسلام عامة قد ورد ما يخصصها.
وقد قال بعض الشافعية بأن ابتداء الكفار بالسلام مكروه لا محرم وقد ضعف النووي هذا القول.
ونقل عن القاضي وجماعة من أهل العلم أنه يجوز ابتداؤهم بالسلام للضرورة والحاجة، نقل ذلك أيضًا عن علقمة (٤) والنخعي. وذكر أن الأوزاعي يقول: إن سلمت فقد سلم الصالحون وإن تركت فقد ترك الصالحون.
_________________
(١) يوجد خمسة من الصحابة يكنون بهذه الكنية ولم أتميز أيهم. انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة/ ابن الأثير ج٥ ص١٣٨ - ١٣٩.
(٢) هو عبد الله بن محيريز بن جنادة بن عبيد القرشي الجمحي الملكي، نزيل بيت المقدس تابعي جليل روى عن عدد من الصحابة ووثقه غير واحد. وأثنى عليه جماعة من الأئمة وهو ثقة من رجال الشيخين كان يختم القرآن كل جمعة توفي ﵀ سنة تسع وتسعين من الهجرة. انظر البداية والنهاية لابن كثير ج٩ ص١٨٥ - ١٨٦.
(٣) هو علي بن محمد بن حبيب البصري المعروف بالماوردي (أبو الحسن) فقيه، أصولي، مفسر، أديب، سياسي، درس بالبصرة وبغداد وولي القضاء ببلدان كثيرة، وبلغ منزلة عند ملوك بني بويه، ولد سنة (٣٦٤هـ) وتوفي ببغداد سنة (٤٥٠هـ) من تصانيفه الحاوي الكبير في فروع الفقه الشافعي في مجلدات كثيرة، تفسير القرآن الكريم، أدب الدين والدنيا، الأحكام السلطانية انظر معجم المؤلفين ج٧ ص١٨٩.
(٤) هو علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك النخعي الهمداني، أبو شبل: تابعي، جليل، كان فقيه العراق، يشبه ابن مسعود في هديه وسمعته وفضله، ولد في حياة النبي - ﷺ - وروى الحديث عن الصحابة، ورواه عنه كثيرون وشهد صفين، وغزا خراسان، وأقام بخوارزم سنتين، وبمرور مدة، وسكن الكوفة وتوفي بها سنة (٦٢هـ). انظر البداية والنهاية ج٨ ص٢١٧.
[ ٢ / ٧٢٦ ]
وأما مسألة الرد عليهم إذا ابتدؤا بالسلام على المسلم فقال الشافعية يجب الرد عليهم بأن يقول وعليكم أو عليكم فقط كما ذكر في الحديث الصحيح.
وروى ابن وهب (١) وأشهب عن مالك أنه قال: لا يرد ﵈، وذكر عن الماوردي أنه يرد عليهم وعليكم السلام ولكن لا يقول و(رحمة الله) وهو ضعيف لمعارضته نص الحديث الصحيح.
والراجح من ذلك أن الرد عليهم بقول الرسول - ﷺ -: «وعليكم» عند الشك وعدم تحقيق السامع من نطق السلام، أما إذا نطق الكافر بقول: السلام عليكم، فإن الذي تقتضيه الأدلة الشرعية أن يقال له: وعليك السلام، فإن هذا من باب العدل، والله يأمر بالعدل والإحسان وقد قال تعالى: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) (٢) والأمر بالاقتصار على قول الراد (وعليكم) بناء على السبب الذي كانوا يعتمدونه في تحيتهم من الدعاء قال تعالى: (وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ) (٣).
أما السلام على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين فجائز الابتداء به كما تقدم في الحديث، وذلك من عظيم خلقه وكمال حلمه - ﷺ - وحثه على الرفق والصبر والحلم وملاطفة الناس، ما لم تدع حاجة ماسة إلى المخاشنة والغلظة معهم وإظهار البغض لهم (٤).
_________________
(١) هو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي بالولاء المصري المالكي (أبو محمد) فقيه، مفسر، محدث، مقرئ، ولد بمصر في ذي القعدة سنة (١١٥هـ) وروى عن عدد من العلماء، وصحب الإمام مالك بن أنس عشرين سنة وتوفي بمصر لخمس بقين من شبعان سنة (١٩٧هـ) من تصانيفه: الجامع في الحديث، أهوال يوم القيامة، الموطأ الصغير، الموطأ الكبير، تفسير القرآن الكريم. انظر معجم المؤلفين/ ج٦ ص١٦٢.
(٢) سورة النساء آية (٨٦).
(٣) سورة المجادلة آية (٨).
(٤) انظر فيما تقدم: صحيح مسلم بشرح النووي ج١٤ ص١٤٤ - ١٤٥. وانظر أحكام أهل الذمة - ابن قيم الجوزية ص١٩١ - ١٩٣. وانظر المغني والشرح الكبير ج١٠ ص٦٢٥ - ٦٢٦.
[ ٢ / ٧٢٧ ]
وموضوع السلام الذي تقدم ذكره هو السلام بين مسلم وكافر يعرف العربية والرد بها.
ولكن ما حكم العمل مع أولئك الذين لا يعرفون لغة العرب في بدئهم بالسلام أو الرد عليهم، أو بدئهم بتحيتهم التي تختلف عن السلام لفظًا ومعنى، أو الرد عليهم إذا حيوا بتلك التحية التي لا تحمل معنى السلام؟
والذي أراه في هذه المسألة هو ترك ابتداء هؤلاء بالسلام وإذا حيوا بتحية جاز رد مثلها عليهم.
ويرى البعض استحباب هجر الكافر ونحوه إذا كان مظهرًا لعادات الكفر متلبسًا بأفعال الكفار بين المسلمين ودليلهم في ذلك أن النبي - ﷺ - وفد عليه وفد من نجران هم شرحبيل بن وداعة الهمداني وعبد الله بن شرحبيل الأصبحي، وجبار بن فيض الحارثي، وذلك أنهم عندما وصلوا إلى المدينة وضعوا ثيابهم التي كانت عليهم في السفر، ولبسوا حللًا لهم وخواتيم الذهب ثم انطلقوا إلى رسول الله - ﷺ - فسلموا عليه فلم يرد عليهم، وتعرضوا لكلامه نهارًا طويلًا فلم يكلمهم وعليهم تلك الحلل وخواتيم الذهب فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف (﵄) وكانا معرفة لهما، فوجداهما في ناس من المهاجرين والأنصار في مجلس فقالوا: يا عثمان ويا عبد الرحمن! إن نبيكم كتب إلينا كتابًا فأقبلنا مجيبيين له فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا، وتصدينا لكلامه نهارًا طويلًا فأعيانا أن يكلمنا، فما الرأي منكم؟ أترون أن نرجع؟
فقالا لعلي بن أبي طالب (﵁) وهو في القوم -ما ترى
يا أبا الحسن: في هؤلاء القوم؟ فقال علي لعثمان وعبد الرحمن: أرى أن
[ ٢ / ٧٢٨ ]
يضعوا حللهم هذه وخواتيهم هذه ويلبسوا ثياب السفر ويعودوا إليه
- ففعلوا فسلموا عليه فرد عليهم النبي - ﷺ - السلام. ثم قال: «والذي بعثني بالحق لقد أتوني المرة الأولى وإن إبليس لمعهم» (١).
فما ظنك بمن يرفع أعلام الكفر وشعاراته التي تتعارض مع صريح القرآن كرفع الصليب ونحوه عند قدوم الكفار، أو من يستقبل الكفار وأِشباه الكفار الذي تقطر أيديهم من دماء المسلمين الأبرياء الذين لا ذنب لهم سوى أن يقولوا ربنا الله.
لقد أصبحت معانقة الكفار والبشاشة في وجوهم أمرًا مألوفًا عند كثير من قادة البلاد الإسلامية وعامتها بل لقد وصل الأمر عند البعض إلى أن يبادل زوجته مع زوجة ضيفه الكافر لتصاحبه وتداعبه كما حصل من زوجة السادات (جيهان) التي قبلت (بيغن) وعانقته، وقبله عانقت كارتر وراقصته ومن بعدهما كيسنجر وآخرهم الأمير تشارلز؟ (٢).
إن معانقة الكفار عامة، ونسائهم خاصة أمر لا يقره الإسلام فقد روت عائشة (﵂) حيث قالت: «والله ما مست يده -تعني رسول
الله - ﷺ - يد امرأة قط في المبايعة، ما بايعهن إلا بقوله قد بايعتك على ذلك» (٣).
أما مسألة زيارة الكفار وعيادتهم إذا مرضوا، فإن مما لا شك فيه أن
_________________
(١) روى ذلك الحافظ بن كثير عن الحافظ أبي بكر البيهقي عن أبي عبد الله الحافظ وأبي سعيد بن محمد بن موسى بن الفضيل قالا حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا أحمد بن عبد الجبار حدثنا يونس بن بكير عن سلمة بن يسوع عن أبيه عن جده- قال يونس. وكان نصرانيًا فأسلم أن رسول الله - ﷺ - الحديث. انظر البداية والنهاية لابن كثير ج٥ ص٥٤ وقد رجعت إلى السنن الكبرى للبيهقي فلم أعثر لهذا النص على ذكر.
(٢) انظر مجلة المجتمع الكويتية عدد ٥٤٢ السنة الحادية عشرة في ٩/ ١١/٤٠١هـ، ص٣.
(٣) أخرجه البخاري. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ج٢، ص٥٢ - ٥٦، رقم الحديث (٥٢٩ - ٥٣٠).
[ ٢ / ٧٢٩ ]
الأعمال مرتبطة بالنيات - روي عن عمر بن الخطاب (﵁) أنه قال: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى » الحديث (١). فزيارة المسلم للكافر تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: زيارة القريب أو الجار أو الصاحب الكافر من قبل المسلم وهذه قد تكون مستحبة، إذا زاره ليعرض عليه الإسلام ويرغبه في الدخول فيه، وخاصة إذا رأى أن في زيارته له فرصة أن يقبل منه الدعوة إلى الدخول في دين الله، كما حصل من رسول الله - ﷺ - عندما زار الغلام اليهودي وهو مريض وعرض عليه الإسلام فأسلم (٢).
وفي الصحيحين عن سعيد بن المسيب (﵁) أن أباه أخبره فقال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه النبي - ﷺ - فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله - ﷺ - لأبي طالب «أي عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله» فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله - ﷺ - يعرضها عليه، ويعودان بتلك المقالة، حتى قال آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب (٣).
القسم الثاني: الزيارة المباحة: وهي الزيارة لقوم من المشركين لم يقصد بها الدعوة، ولم يقصد بها الطمع في شيء مما هم مختصون به وإنما صلة للقرابة ونحو ذلك حيث قال المروذي (٤): بلغني أن أبا عبد الله (أحمد
_________________
(١) رواه البخاري ومسلم. انظر جامع العلوم والحكم/ عبد الرحمن بن شهاب الدين الحنبلي ص٥.
(٢) انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري ج٣ ص٢١٩. وج١٠ص١١٩.
(٣) رواه البخاري ومسلم. انظر أحكام أهل الذمة ج١ ص٢٠١، وانظر المغني والشرح الكبير ج١٠، ص٦١٧.
(٤) لعله أبو بكر المروذي المتوفي سنة (٢٥٧هـ) وهو غير المروزي. انظر أحكام أهل الذمة ج١ ص٢٠٠.
[ ٢ / ٧٣٠ ]
بن حنبل) سُئِلَ عن رجل له قرابة نصراني: هل يعوده؟ قال نعم. قيل له نصراني! قال أرجو ألا تضيق العيادة (١).
وروي عن أنس بن مالك (﵁) أنه كان يقول: كان رسول الله - ﷺ - إذا عاد رجلًا على غير دين الإسلام لم يجلس عنده وقال: كيف أنت يا يهودي، يا نصراني (٢)؟.
القسم الثالث: وهي الزيارة المحرمة التي تدل على موالاة الكفار وهي الزيارة التي لا يقصد بها عمل خير في سبيل الله، وإنما يقصد بها الانبساط معهم والسرور لمشاهدة منكراتهم، والتعاون معهم في ذلك، قال جعفر بن محمد سئل الإمام أحمد بن حنبل (﵀) عن الرجل يعود شريكًا له يهوديًا أو نصرانيًا؟ قال: لا ولا كرامة (٣).
فالذي يختار صحبة الكفار ويأنس بهم بدلًا من المؤمنين ويفرح بالجلوس معهم ويفتخر به عند الناس لا شك أن هذا الفعل دليل على المحبة والمودة لهم ولأفعالهم وأقوالهم، وهذه هي الموالاة المنهي عنها فقد ورد في الحديث «الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» (٤)، وحديث: «المرء مع من أحب» (٥). فليحذر المسلم من الوقوع فيما حرم الله من حيث يشعر أو لا يشعر.
_________________
(١) انظر أحكام أهل الذمة ج١ ص٢٠٠.
(٢) المصدر السابق ج١ ص٢٠٢.
(٣) المصدر السابق ج١ ص٢٠١.
(٤) رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح، وقال الترمذي حديث حسن، انظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين ج١ ص٣٤١ وصححه النووي. انظر تحفة الأخوان بما جاء في الموالاة والمعاداة والحب والبغض والهجران، حمود التويجري ص٢٥ وقد ضعف الألباني هذا الحديث. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ج٢ ص٦٣٣ رقم الحديث ٩٢٧.
(٥) رواه مسلم. انظر صحيح مسلم ج٤ ص٢٢٧٠.
[ ٢ / ٧٣١ ]