إن الكفار يمكن تقسيمهم من حيث موقفهم من أهل الإسلام إلى قسمين:
(أ) كفار محاربون.
(ب) كفار مسلمون.
فالكفار المحاربون لله ورسوله والمؤمنين لا تجوز تهنئتهم سواء كانوا أفرادًا أو حكومات وسواء كانوا محاربين حربًا عسكرية أم حربًا فكرية وأخلاقية، فلا يصح من المسلم أن يهنئ الفرد منهم بزواج أو ولد أو قدوم من سفر أو نجاح أو نحو ذلك، ما لم يضع في حسبانه أن يكون ذلك وسيلة من وسائل الدعوة له إلى الله، أما إذا لم يوجد منه هذا الشعور وهذه النية فعمله هذا موالاة للكفار يوجب الإثم والمؤاخذة على ذلك عند الله ﷿ الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
وتهنئة الأفراد أو الحكومات بالمناسبات التي يعظمها الكفار أمر محرم مثل أعيادهم التي يحتفلون بها كعيد الميلاد وعيد الفصح أو أعيادهم
[ ٢ / ٧٣٢ ]
الوطنية، أو ذكرى إنجاز من إنجازاتهم التي يراد بها في حقيقة الأمر تدمير الإسلام والمسلمين (١).
والدليل على هذا التحريم هو أمر الله ﷿ لنا بالغلظة والشدة على الكفار قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (٢) وقال تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (٣). وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (٤).
أما أهل الذمة والمستأمنون في دار الإسلام أو الكفار المسالمون خارج دار الإسلام، فقد روي عن أحمد بن حنبل (﵀) أنه أباح التهنئة مرة، ومنعها أخرى، وذلك مثل التهنئة بالزواج والولد والعودة من السفر والسلامة من المكروه، وهذا الأمر عند من قال إن التهنئة جائزة إذا أريد بها حسن المعاشرة والملاطفة تمهيدًا للدعوة إلى الإسلام.
أما رواية المنع عن أحمد ومن وافقه، فتحمل على من قصد مجرد التقرب إلى هؤلاء الكفار، بغير قصد الدعوة إلى الله ودعوة هؤلاء إلى الإسلام، ومن رأى إباحة التهنئة عند مصاحبة النية الحسنة لها، قيد الألفاظ التي تستعمل بالتهنئة، بأن تكون من الألفاظ المشتركة بيننا وبينهم، أما التهنئة بشعائر الكفر المختصة بهم. فهذا أمر محرم بالاتفاق (٥). مثل تهنئتهم بعيد الميلاد ونحوه من أعياد الجاهلية، أو مثل التهنئة بمناسبة تأسيس الحزب الشيوعي أو البعثي أو الاشتراكي أو القومي أو الوطني أو غير ذلك
_________________
(١) انظر اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم ابن تيمية ص١٦٩.
(٢) سورة التحريم آية (٩).
(٣) سورة الفتح آية (٢٩).
(٤) سورة التوبة آية (١٢٣).
(٥) انظر أحكام أهل الذمة/ ابن قيم الجوزية ج١ ص٢٠٥.
[ ٢ / ٧٣٣ ]
من أحزاب الكفر ومناسباتهم المتعددة (١)، كما أن هناك بدعة جديدة درج الناس على التهنئة بها من غير نظرة فاحصة إلى العدو السابق واللاحق وتلك هي ذكر جلاء الاستعمار عن بلد - ما - فتأتي التهاني من الأفراد والحكومات بهذه المناسبة مع أن المتسلط على الدار أخبث من الاستعمار! وشبيه بهذه المسألة ما يحصل من اتحاد مزيف بين نظامين كافرين فتأتي خطابات التهنئة والتأييد بالوحدة والاتحاد، وبعد أسابيع أو شهور تختلف الكلاب على فريستها، فتنفصل الوحدة، ويلغى الاتحاد فتنهال خطابات التأييد والاستحسان من نفس الذين أرسلوا الخطابات السابقة لينقضوا ما أبرموه بأنفسهم.
إن هذا النهج يسقط قيمة الشعوب ويسقط قيمة الأفراد والأمم التي لا تحترم مواقفها ولا تثبت عند رأي تراه أو قول تقوله.
إن الأفراد والشعوب التي تعطي ولاءها وتأييدها لمن يستحق ومن لا يستحق، إنما تبرهن بذلك على أنها تنطلق في ولائها من منطلق عشوائي بعيدًا عن العقل وتوجيهات الوحي الإلهي فالفرد أو الشعب الذي ينطلق في ولائه وعداوته من منهج أصيل يكون ثابتًا في مواقفه التي يتخذها فإن قال: نعم، لم يقل: لا، مهما كلفه ذلك من جهد وتضحية، وإن قال: لا، لم يقل: نعم. مهما ترتب على ذلك من تضحيات وتكاليف، لأنه لا يقول: لا، أو نعم، إلا بعد أن يستند إلى قاعدة شرعية تجعل موقفه ثابتًا لا يتغير.
أما أهل النفاق فهم الذين يتذبذبون ويتناقضون في ولائهم، لأن ولاءهم تحكمه المادة والمصلحة الخاصة، ولذلك فإن ولاءهم، ولاء مزيفًا
_________________
(١) مثال ذلك ما فعله الرئيس العراقي صدام حسين والرئيس الليبي معمر القذافي، حيث أرسل كل منهما رسالة تهنئة بمناسبة الذكرى الثالثة لتولي الشيوعي العميل لروسيا بابراك كارمال على أفغانستان. انظر مجلة الإرشاد العدد (٩) السنة الثالثة رمضان سنة (١٤٠١هـ) ص٤٩ نقلًا عن امباكيت انترناشيونال (١١/ ٦/١٩٨١م).
[ ٢ / ٧٣٤ ]
يجب عدم الأخذ به أو الاعتماد عليه، فهو أول من يتملق الكفار ويطلب رضاهم.
وقد قال العلماء: من هنأ عبدًا بمعصية، أو بدعة، أو كفر، فقد تعرض لمقت الله وغضبه (١)، وهذا دليل على أنه لا يجوز مدح أعداء الله فقد روى ابن أبي الدنيا وأبو يعلى والبيهقي في شعب الإيمان عن أنس (﵁) قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا مُدِحَ الفاسق غَضِبَ الرب واهتز لذلك العرش» (٢).
وروي عن بريدة (﵁) قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تقولوا للمنافق سيدنا فإنه إن يك سيدكم فقد أسخطتم ربكم ﷿» (٣). فإذا كان مدح المنافق الذي يتظاهر بالإسلام، والذي قد تخفى حقيقة نفاقه على بعض المسلمين موجبًا لسخط الله. فما رأيك بمن يمدح الكفار الصرحاء الذين يعلنون الحرب على الله ورسوله والمؤمنين صباح مساء؟
لقد أمر الله المسلم أن يجتنب مناسبات الكفار وأعيادهم قال تعالى: (ولا يشهدون الزور) (٤) وهذا أقل ما يفعله المسلم نحو الكفار، لأن الواجب على المسلم أن يدعو الكفار إلى الإسلام باللسان أو السنان، فإن لم يستطع فلا أقل من مجافات الكفار ومجانبتهم، فقد روى البيهقي بإسناد صحيح عن البخاري صاحب الصحيح عن عمر بن الخطاب (﵁) قال: «اجتنبوا أعداء الله في عيدهم» (٥) وعمر (﵁) من
_________________
(١) انظر أحكام أهل الذمة ابن القيم الجوزية ج١ ص٢٠٦.
(٢) انظر تحفة الإخوان بما جاء في الموالاة والمعاداة والحب والبغض والهجران تأليف حمود بن عبد الله التويجري ص٢٦.
(٣) رواه أبو داود والنسائي والبخاري في الأدب المفرد وقال الألباني عنه إنه صحيح. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ج١ ص١٠٠، رقم الحديث (٣٧١).
(٤) سورة الفرقان آية (٧٢).
(٥) انظر تحفة الإخوان بما جاء في الموالاة والمعاداة/ حمود التويجري ص٢١. وتعليقًا على هذا الحديث نقول: «إن بعض المنتمين إلى الإسلام بدأوا يتبنون أعياد الكفار ويحتفلون بها مثل احتفالهم بعيد الفطر وعيد الأضحى إن لم يكن ذلك أشد، فقد سمعت إذاعة الكويت في نشرة أخبارها صباحًا في الساعة السادسة من يوم الجمعة ٦/ ٣/١٤٠٢هـ الموافق ١/ ١/١٩٨٢م يناير وهي ترفع أسمى آيات الشكر والتقدير والتهنئة السعيدة إلى مقام أميرها وحكومته وشعب الكويت والأمة العربية والإسلامية بمناسبة عيد رأس السنة الميلادية وتعلن عن منح الدولة أجازة رسمية لكافة العاملين بها من مسلمين ونصارى وبوذيين وغيرهم يوم السبت ٧/ ٣/١٤٠٢هـ ١٢/ ١/١٩٨٢م فهل الكويت دولة نصرانية أو دولة إسلامية؟ ولماذا يعدل النصارى بالمسلمين في الوقت الذي لا تتجاوز فيه نسبة النصارى في الكويت ٤% حسب ما نشرته مجلة المجتمع الكويتية من واقع الإحصاءات الرسمية، في حين أن الدولة النصرانية لا تأبه للمسلمين ولا لأعيادهم رغم أن نسبة المسلمين في بعض البلاد النصرانية تصل أكثر من ٢٦% كما هو الشأن في أثيوبيا حيث إن عدد المسلمين (٦) مليون من أصل (٢٢) مليون. فلماذا نكرمهم وهم يهينوننا. ونقدرهم وهم يسخرون منا؟ إن مثل هذه المعادلة، لا يشعر المسلم معها بالعزة والكرامة بل يشعر بالذلة والمهانة. انظر مجلة المجتمع عدد (٥٥٣) في ٢٦/ ٢/١٤٠٢هـ ص٢٣ وانظر الموسوعة العربية الميسرة/ محمد شفيق غربال ج١ ص٥٣ وص١٥٨. بشأن نسبة المسلمين والنصارى».
[ ٢ / ٧٣٥ ]
المؤمنين الذين أمرنا الله باتباع سبيلهم، فقد روي عن مالك بن أنس أنه قال، قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله - ﷺ - وولاة الأمر من بعده سنة، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله من عمل بها مهتد، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وصلاه جهنم وساءت مصيرًا (١).
وقد كثرت المخالفات في مثل هذا الأمر حتى أصبح كثير من المنتمين إلى الإسلام يطلقون لفظة الأخ والمجاهد والشهيد على كبراء المنافقين والكفار، في الوقت الذي كان فيه المسلمون الصادقون من أهل الورع والتقوى في سلف هذه الأمة يتجنبون تهنئة الظلمة بالولايات وتهنئة الجهال بمنصب القضاء والتدريس والإفتاء، تجنبًا لمقت الله، وخوفًا من عذابه وخشية من أن يدخلوا في باب الغش والتدليس على الناس، في مدح وتهنئة وتزكية من لا يستحق ذلك (٢).
_________________
(١) إيقاظ همم أولي الأبصار/ صالح بن محمد بن نوح الفلاني ص٦٥.
(٢) انظر أحكام أهل الذمة/ ابن قيم الجوزية ج١ ص٢٠٦.
[ ٢ / ٧٣٦ ]
أما إذا هنأ الرجل بعض أصحاب المناصب من المسلمين. خاصة الواقعين في بعض المعاصي مداراة لشرهم وخوفًا من سطوتهم، ولم يترتب على هذه التهنئة ضياع حق من حقوق أفراد الرعية، ولم تكن التهنئة دعمًا لباطل يريدون إقراره، أو حق يريدون إبطاله، فهي لا بأس بها، أما إن كانت لغير ذلك من الأمور المحرمة. فهي موالاة للباطل وأهله ومعاداة للحق وأصحابه، وقد يترتب عليها كفر فاعلها وقد تنزل إلى درجة التحريم (١). والله الهادي إلى سواء السبيل.
_________________
(١) انظر أحكام أهل الذمة/ ابن قيم الجوزية ج١ ص٢٠٦.
[ ٢ / ٧٣٧ ]