إن المسلم اليوم عندما يحاول دراسة واقع المسلمين المعاصرين خاصة في موضوع الموالاة في الله والمعاداة فيه، لا يدري من أين يبدأ؟ ولا أين ينتهي؟ حيث سيواجه واقعًا مؤلمًا محزنًا مبكيًا يدع الحليم حيرانا.
لأنه ما من بقعة من بقاع الأرض إلا وفيها صوت من أصوات المسلمين المعذبين تحت وطأة الكفار أو عملاء الكفار.
فلا أدري كما يقول الشاعر:
من أين أبتدئ الحكاية؟ كلها غصص تثير كوامن الأشجان (١)
وكما يقول الآخر:
في كل أفق على الإسلام دائرة ينهد من هولها رضوى وثهلان
_________________
(١) انظر مجلة الأمة العدد الحادي عشر السنة الأولى ذي القعدة ١٤٠١هـ ص٣٢ شعر مأمون فريز جرار.
[ ٢ / ٩٠٨ ]
ذبح وصلب وتقتيل بإخوتنا كما أعدت لتشفي الحقد نيران
يستصرخون ذوي الإيمان عاطفة فلم يغثهم بيوم الروع أعوان
فاليوم لا شاعر يبكي ولا صحف تحكي ولا مرسلات عند شان
هل هذه غيرة أم هذه ضعة؟ للكفر ذكر وللإسلام نسيان (١)
فمآسي المسلمين أكثر من أن تحصر ومعظمها أشهر من أن يذكر ولكن حسبنا أن نذكر نماذج وأمثلة موجزة لأولئك المعذبين الذين لا ذنب لهم إلا أن يقولوا: ربنا الله، ومع ذلك تخلى عنهم أدعياء الإسلام وتركوهم وحدهم بين أنياب الوحوش القذرة في الشرق أو الغرب، أو أسلموهم إلى أيدي القصابين الأجراء العملاء لهذين المعسكرين، وكأن الأمر لا يعني هؤلاء المنتسبين إلى الإسلام في قليل أو كثير.
إنه ليس سهلًا على المسلم أن يقف متفرجًا وإخوانه في الإسلام يذبحون أمامه كما تذبح الشياه، وليس سهلًا على المؤمن أن يشاهد دولة كبرى - تعادي الإسلام - كروسيا الشيوعية تجتاح دولة إسلامية صغيرة ضعيفة كأفغانستان لتقتل أبناءها وتفتنهم عن دينهم وتشردهم من أوطانهم في مخيمات واهية يفترشون الثلج ويلتحفون صقيع النجوم ويأكلون القليل من الطعام.
إن المنافق يسكت عن هذا العمل ولا يبالي.
وإن الكافر يؤيد هذا العمل ولا يبالي.
وإن المؤمن هو الذي لا يرضى بذلك ولا يقر الضيم على الناس كافة فكيف بإخوانه في الإسلام؟ فهل نفد المؤمنون في بلاد الإسلام ولم يبق فيها إلا الكفار والمنافقون؟
هذا ما يظهر من لسان حال القاطنين في ديار الإسلام لأنه لو كان
_________________
(١) انظر كتاب أغاني الكفاح - بقلم شعراء الدعوة الإسلامية ص٦٥.
[ ٢ / ٩٠٩ ]
العكس لظهر ذلك واقعًا عمليًا ولكن المنافقين والكفار المرتدين الذين يرتبطون بعجلة الغرب أو الشرق هم الذين يرضون بالخنوع والخضوع والذلة والضعة لأن كلا منهم عبد للمادة والمصلحة يقول الشاعر العربي:
ولا ينام على ضيم يراد به إلا الأذلان عير الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته وذا يشدَّ فلا يرثي له أحد (١)
إن الدخول في تفاصيل المصائب والمآسي التي تقع على المسلمين شيء لا يمكن حصره ونخشى لو اطلع على ذلك أحد من ضعاف الإيمان لأصيب باليأس والقنوط لشدة ما يرى وهول ما يسمع كما يقول الشاعر:
أمسك بقلبك أن يطير مفزعًا وتول عن دنياك حتى حين
فالهول عات والحقائق مرة تسمو على التصوير والتبيين (٢)
وسنحاول بإيجاز ذكر بعض البلاد التي ابتليت بتسلط الكفار على المسلمين، وماذا قدم لها المسلمون بمقتضى واجب الموالاة في الله والمعاداة فيه؟ وسنبدأ بذلك حسب الأهمية والموقع ومقدار البلوى ومكانتها وما تقتضيه الحكمة وتسمح به الظروف.