لقد ذكرنا طرفا من الأحاديث الصحيحة في شأن الموالاة والمعاداة عامة وفي موالاة الكفار خاصة، وخشية الإطالة والتكرار فسوف نقتصر في هذا المبحث على ذكر الأحاديث التي لم يتقدم ذكرها فيما سلف من هذه الرسالة وهذه الأحاديث هي كما يلي:
أولًا: إن الإسلام قد سدَّ الذَّرائع المفضية إلى موالاة اليهود والنصارى بما روي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه (١).
قال النووي (٢): فالصواب تحريم ابتدائهم بالسلام، ونقل القاضي
_________________
(١) رواه مسلم انظر صحيح مسلم كتاب السلام (٤/ ١٧٠٧).
(٢) هو يحيى بن شرف بن مري بن حسن النووي الشافعي (محيي الدين أبو زكريا) فقيه محدث، حافظ لغوي مشارك في بعض العلوم ولد بنوى من أعمال حوران في العشر الأول من المحرم سنة (٦٣١هـ) وقرأ بها وقدم دمشق فسكن المدرسة الرواحية، لازم كمال الدين إسحاق المغربي، وقرأ الفقه وأصوله والحديث وأصوله والمنطق والنحو وأصول الدين وسمع الكثير من الرضي بن البرهان، وعبد العزيز الحموي وغيرهما وولي مشيخة دار الحديث بعد شهاب الدين أبي شامة وتوفي بنوى في ١٤ رجب سنة (٦٧٧ هـ) ودفن بها من: تصانيفه الكثيرة الأربعون النووية في الحديث شرح صحيح مسلم روضة الطالبين وعمدة المفتين في فروع الفقه الشافعي، تهذيب الأسماء واللغات، التبيان في آداب حملة القرآن ورياض الصالحين انظر معجم المؤلفين/ عمر رضا كحالة (١٣/ ٢٠٢).
[ ١ / ١١٠ ]
عن جماعة أنه يجوز ابتداؤهم بالسلام للضرورة والحاجة، ولقوله - ﷺ - «يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله» (١).
أما ما ورد في الحديث من اضطرارهم إلى أضيق الطريق، فالمقصود بذلك إشعارهم بالذلة والمهانة بسبب ما هم فيه من كفر، حتى يسلموا فيدخلوا في عزة الإسلام أو يستكينوا فلا يتطاولون على الإسلام والمسلمين بأذى أو يظهروا عداوتهم فيحاربوا مع الكفار المحاربين.
وهذا الاضطرار والتضييق عليهم في الطريق ليس مطلقا، بل بشرط أن لا يلجئهم إلى الوقوع في وهدة، أو الاصطدام بجدار ونحو ذلك، لأن المقصود الإهانة المعنوية دون الأذى الجسدي (٢).
حيث إن ابتداءهم بالسلام، وتصديرهم في المجالس والطرق، إعزاز لهم ولما يمثلونه من كفر، وذلك مخالف لما دلت عليه الآيات القرآنية في قوله تعالى: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) [الفتح: ٢٩] وقول الله تعالى: (وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) [التوبة: ١٢٣] وعلى ذلك يمكن أن يقاس صاحب البدعة.
_________________
(١) رواه مسلم: انظر شرح النووي على صحيح مسلم (١٤/ ١٤٦).
(٢) انظر شرح النووي على صحيح مسلم (١٤/ ١٤٤ - ١٤٧) وانظر الجامع الصحيح (٧/ ٣ - ٥) الحاشية على تلك الصفحات.
[ ١ / ١١١ ]
قال الطيبي (١): إن المختار من الأقوال، أن المتبدع لا يبدأ بالسلام (٢) اهـ.
وقال آخرون: إن النهي عن البدء بالسَّلام يحمل على الكراهية لا على التحريم حيث كان رسول الله - ﷺ - يستألف الكفار بالأموال الطائلة فكيف بالكلام الحسن؟ (٣) اهـ.
فمن قصد بالسلام تألفهم للدعوة إلى الله فهذا في حقه السلام مباح، ومن قصد بالسلام ملاطفتهم في معاملات تجارية ونحو ذلك فابتداؤهم بالسلام مكروه، وأما من ابتدأهم بالسلام تعظيما لهم وإكراما لمقامهم، وطلبا لرضاهم، ومحبة لهم، فهذا محرم يتنافى مع الآيات القرآنية والحديث المتقدم (٤)، ويتعارض صراحة مع قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) [الممتحنة: ١] والسلام هو شعار المودة ودليلها البارز قال رسول الله - ﷺ - «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» (٥).
_________________
(١) هو الحسين بن محمد بن عبد الله الطيبي (شرف الدين) عالم مشارك في أنواع العلوم توفي في ١٣ شعبان سنة (٧٤٣هـ) من تصانيفه الكاشف عن حقائق السنن النبوية، التبيان في المعاني والبيان مقدمة في علم الحساب، أسماء الرجال فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب في التفسير انظر معجم المؤلفين عمر رضا كحالة (٤/ ٥٣).
(٢) انظر حاشية الجامع الصحيح (٧/ ٥).
(٣) انظر المصدر السابق المكان نفسه وانظر شرح النووي على صحيح مسلم (١٤/ ١٤٥).
(٤) انظر شرح النووي على صحيح مسلم (١٤/ ١٤٤ - ١٤٧) انظر حاشية الجامع الصحيح (٧/ ٣ - ٥).
(٥) رواه مسلم، انظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين ص (٦٦١) ورقم (٨٤٨).
[ ١ / ١١٢ ]
وعلى هذا فالسلام على الكفار تعظيما وإكراما وتحية لهم وطلبا لرضاهم أمر لا يجوز للآية المتقدمة وللحديث الذي يدور حوله النقاش وإذا تقرر عدم السلام بهذا الوصف، خوفا لما يجر إليه من مودة وموالاة للكفار.
فكيف حال من يستقبلون قتلة المسلمين من اليهود والنصارى والمرتدي بالمعانقة والاستبشار، وأيديهم لا تزال تقطر من دماء المسلمين المنكوبين؟
إن هؤلاء الذين يتلقون الكفار وأباههم البشاشة والإكرام، ويقدمون لهم الهداية الثمينة، والأموال الطائلة، ويرسلون إليهم التهاني، والرسائل التي تبالغ في مدحهم واطرائهم، ومدح ما هم فيه من كفر وضلال وحتى في مناسبات سخيفة ساذجة عليهم أن يراجعوا أنفسهم إذا أرادوا السير مع الإسلام سيرا حقيقيا قبل (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ) [الزمر: ٥٦].
وقد روى أبو داود، وأحمد عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - «لا تقولوا للمنافق سيد فإنه إن يك سيدا فقد أسخطتم ربكم ﷿» (١).
ثانيا: ما أخرجه النسائي والبيهقي وأحمد أن جريرًا قال: أتيت النبي - ﷺ - وهو يبايع فقلت: يا رسول الله أبسط يدك حتى أبايعك واشترط عليَّ فأنت أعلم قال: أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين وتفارق المشركين (٢).
_________________
(١) انظر سنن أبي داود كتاب الأدب (٥/ ٢٥٧ح ٤٩٧٧) وقال الألباني: إسناده صحيح انظر المشكاة (٣/ ١٣٤٩ح ٤٧٨٠) وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (١) رقم الحديث (٣٧١) وانظر مسند أحمد (٥/ ٣٤٦).
(٢) قال الألباني إسناده صحيح انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (٢/ ٢٣٠) رقم الحديث (٦٣٦) وانظر سنن النسائي (٧/ ١٤٨) وانظر سنن البيهقي (٩/ ١٣) وانظر مسند أحمد (٤/ ٣٦٥).
[ ١ / ١١٣ ]
ثالثًا: روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «كل مسلم على مسلم حرام، أخوان نصيران، لا يقبل الله ﷿ من مشرك بعد ما أسلم عملًا، أو يفارق المشركين إلى المسلمين» (١).
رابعا: ما روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» (٢).
خامسا: قال رسول الله - ﷺ - «إن أوليائي يوم القيامة المتقون، وإن كان نسب أقرب من نسب فلا يأتيني الناس بالأعمال، وتأتوني بالدنيا تحملونها على رقابكم فتقولون: يا محمد: فأقول: هكذا وهكذا لها، وأعرض في كلا عطفيه» (٣).
سادسا: قال رسول الله - ﷺ - «إن أولى الناس لي المتقون من كانوا وحيث كانوا» (٤).
هذا مجمل ما ورد من الأحاديث الصحيحة في موضوع الموالاة والمعاداة سوى ما تقدم ذكره سلفًا، وفيما يلي بعض الأحاديث التي يستأنس بها وقد يكون في سند بعضها مقال وهي كما يلي:
_________________
(١) انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني م١ رقم الحديث (٤٦٩).
(٢) رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح وقال الترمذي: حديث حسن انظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين (١/ ٣٤١) رقم الحديث (٣٦٨).
(٣) أخرجه البخاري من الأدب المفرد (ص١٢٩) انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ٤٠٣) رقم الحديث (٧٦٥).
(٤) رواه أحمد: (٥/ ٢٣٥) وهو حديث صحيح انظر صحيح الجامع الصغير (٢/ ١٨١ح ٢٠٠٨).
[ ١ / ١١٤ ]
أولًا: روي أبو نعيم في الحلية من حديث مكحول عن واثلة بن الأسقع (﵁) مرفوعًا قال: «يؤتى بعبد محسن في نفسه لا يرى أن له ذنبًا فيقول له هل كنت توالي أوليائي؟ قال: كنت من الناس سلما، قال فهل كنت تعادي أعدائي؟ قال: رب لم يكن بيني وبين أحد شيء، فيقول الله ﷿: لا ينال رحمتي من لم يوال أوليائي ويعاد أعدائي» (١)، فهذا الحديث تنبيه للذين يظنون أنهم في سلامة من أمرهم وهم يقفون موقف المتفرج في صراع الإسلام وأهله مع قوى الكفر والضلال، وهو كذلك تحذير للذين يفعلون أكثر مما يفعله المتفرجون، تحذير للذين يداهنون الكفار ويوالونهم، ولا يرون بذلك بأسًا أو غضاضة ففي الحديث عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ - «من وقَّر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام» (٢).
ثانيا: روي عن أبي بكر محمد بن عمر بن حزم عن أبيه عن جده عمرو أن رسول الله - ﷺ - كتب لعامر بن الأسود (بسم الله الرحمن الرحيم) هذا كتاب من محمد رسول الله - ﷺ - لعامر بن الأسود المسلم أن له ولقومه من طيء ما أسلموا عليه من بلادهم ومياههم ما أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة وفارقوا المشركين) كتبه المغيرة، أخرجه أبو موسى (٣).
ثالثا: ما روى أبو ياسر بن أبي حبة بإسناده عن عبد الله بن أحمد حدثني أبي حدثنا إسماعيل حدثنا سعيد الحريري عن أبي العلاء بن الشخير
_________________
(١) انظر تحفة الإخوان بما جاء في الموالاة والمعاداة والحب والبغض والهجران تأليف حمود بن عبد الله التويجري (٣٨).
(٢) رواه الطبراني وأبو نعيم وغيرهما بأسانيد فيها مقال عن عبد الله بن بسر ﵁ مرفوعًا ولكن معناه موافق لعموم الأدلة انظر تحفة الإخوان محمود التويجري (٧٥).
(٣) انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير (٣/ ٧٧).
[ ١ / ١١٥ ]
قال: كنا مع مطرف في سوق الإبل بالربذة فجاء أعرابي معه قطعة أديم وجراب فقال: من يقرأ أو فيكم من يقرأ؟ قلت: نعم، فأخذته فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وفارقوا المشركين، وأعطوا الخمس مما غنمتم، وأقروا بسهم النبي - ﷺ - وصفيه فأنتم آمنون بأمان الله وأمان رسوله (١).
رابعا: ما روي عن أسامة بن زيد ﵁ قال: دخلت مع رسول الله - ﷺ - على عبد الله بن أبي في مرضه نعوده فقال له النبي - ﷺ - «قد كنت نهيتك عن حب يهود، فقال عبد الله: فقد أبغضهم سعد بن زرارة فمات» (٢).
خامسًا: ما روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «اعتبروا الناس بإخوانهم» (٣).
سادسا: جاء في كتاب كتبه النبي - ﷺ - بين المهاجرين والأنصار ووادع فيه اليهود وعاهدهم، ما يدل على تناصر المؤمنين وأنهم يد واحدة على من خالفهم جاء فيه وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة (٤) ظلم أو إثم، أو عدوان، أو فساد بين المؤمنين وأن أيديهم عليه جميعًا، ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمن مؤمنًا في كافر، ولا ينصر كافرًا على مؤمن، وإن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم، وإنَّ المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس (٥).
_________________
(١) رواه البيهقي انظر السنن الكبرى للبيهقي (٩/ ١٣) وانظر أسد الغابة لابن الأثير (٥/ ٣٩، ٤٠).
(٢) انظر مسند أحمد (٥/ ٢٠١) وانظر سنن أبي داود (٣/ ١٨٤).
(٣) انظر تفسير القرطبي (٤/ ٥٧).
(٤) الدسيعة العظيمة انظر المعجم الوسيط (١/ ٢٨٢، ٢٨٣)
(٥) انظر السيرة لابن هشام (٢/ ١٤٧ - ١٤٩) وانظر تهذيب سيرة ابن هشام/ عبد السلام هارون (١٤٠، ١٤١).
[ ١ / ١١٦ ]
سابعًا: ما روي عن أبي سعيد الخدري (﵁) عن النبي - ﷺ - قال: «لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي» (١).
ثامنا: روي الإمام أحمد في مسنده أن أسماء بنت يزيد الأنصارية قالت: قال رسول الله - ﷺ - «ألا أخبركم بخياركم؟ قالوا: بلى، قال: فخياركم الذين إذا رءوا ذُكر الله تعالى ألا أخبركم بشراركم؟ قالوا: بلى، قال فشراركم المفسدون بين الأحبة المشاءون بالنميمة الباغون للبراء العنت» (٢).
ومن خلال الأحاديث المتقدمة يتأكد لدي أن المسلم مأمور بمفاصلة المشركين وعداوتهم، وعدم إظهار التقدير والتكريم لهم، ولا يجوز احترامهم إلا في حالة واحدة، وهي ما إذا أراد المسلم تأليف قلوبهم للدعوة إلى الإسلام، فيجوز له البر بهم، والتظاهر بحسن المعاشرة لهم، ولا تدخل محبتهم قلبه إلا بعد إسلامهم، ودخولهم في عداد المسلمين.
أما فيما يتعلق بمحبة المؤمنين والمسلمين ووجوب مناصرتهم بالقول والفعل والاعتقاد، فإنَّ السنة قد دلَّت على ما دلَّ عليه القرآن الكريم، من أن الموالاة في الله والمعاداة فيه، أصل من أصول الإسلام لا يصحُّ إسلام المرء إلا بهما فمن خالف ذلك فقد خالف ما قرره الله ورسوله في الكتاب والسنة من وجوب موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين.
_________________
(١) رواه أبو داود والترمذي بإسناد لا بأس به، انظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين (١/ ٣٤١) رقم الحديث (٣٦٧).
(٢) انظر مسند الإمام أحمد (٦/ ٤٥٩) وقال عنه ابن الأثير: إنه حديث غريب، انظر النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٣٠٦) باب العين مع النون.
[ ١ / ١١٧ ]