الدروز جماعة من الناس يقدر عددهم ما بين (١٥٠ - ٢٠٠) ألف نسمة تقريبًا يعيشون في لبنان وسوريا وفلسطين، وأصلهم الجنسي غامض ويعتقد بعض المؤرخين أن الدروز من بقايا الشعوب القديمة، احتموا بالجبال أيام الفتوحات الإسلامية، واحتفظوا على الدوام بقدر من الاستقلال، وهم بصفة عامة لا يتمسكون بعقيدتهم إلا قليلًا: فهم مسلمون مع المسلمين، ونصارى مع النصارى، ويهود مع اليهود، وليس لديهم أماكن للعبادة خاصة بهم (١). وعقيدة الدروز أول ما ظهرت كطائفة مستقلة على يد: حمزة بن علي بن أحمد، رأس الطريقة الدرزية، ومصنف أهم رسائلهم التي غدت من الكتب المقدسة عندهم، ولا يعرف عن حياة هذا الشخص إلا القليل، ويقول النويري (٢): «إنه من زوزن في بلاد
_________________
(١) انظر دائرة المعارف الإسلامية ج٩ ص٢١٤ - ٢١٧.
(٢) يوجد بهذا الاسم أكثر من أربعة علماء ولم يتبين لي من المقصود منهم: انظر معجم المؤلفين ج١٥ ص٢٩٦.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
فارس» (١). اهـ. والظاهر أن الدروز من فرق الإسماعيلية القديمة ولكنهم برزوا كطائفة جديدة عندما قال زعيمهم حمزة بن علي بألوهية الحاكم بأمر الله سنة (٤٠٨هـ) ويقول الدكتور/ محمد كامل حسين: إن المؤرخين يذكرون ثلاثة من الدعاة الكبار الذين أسسوا هذا المذهب وهم:-
١ - الحسن الفرغاني - المعروف بالأخرم، قتل بعد أيام قليلة من ظهور الدعوة في تألية الحاكم بأمر الله قتله رجل من المسلمين السنة سنة (٤٠٨هـ).
٢ - حمزة بن علي بن أحمد الزوزتي ويعرف باللباد وهو فارسي الأصل من زوزن بين نيسابور وهراة.
٣ - أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الدرزي -يعرف بأنوشتكين أو نوشتكين وكان من أتباع حمزة بن علي بن أحمد ولكنه خرج عليه وأراد أن يستأثر بالرياسة، فأسرع بالكشف عن المذهب ولم يستمع إلى النصائح التي أسداها حمزة بالتريث وعدم الخروج على طاعته (٢). اهـ.
وقد أعلن محمد بن إسماعيل الدرزي ألوهية الحاكم بأمر الله في الجامع الأزهر بالقاهرة، فلما ثار عليه الناس وقصدوا قتله، أظهر الحاكم براءته منه، وفي نفس الوقت حماه، حتى توفي سنة (٤١٠هـ) وقيل إنه قتل باتفاق بين الحاكم وحمزة بن علي بن أحمد ليخلوا المكان لدعوة حمزة دون منازع (٣).
والدروز يهاجمون محمد بن إسماعيل الدرزي رغم أنهم ينسبون إليه. ويقف حمزة بن علي من نشتكين الدرزي والبرذعي وأصحابهما موقف العداء، ويصف حمزة بن علي نشتكين الدرزي بالجهل حيث يقول: إن
_________________
(١) انظر دائرة المعارف الإسلامية ج٨ ص١٠٣.
(٢) انظر عقيدة الدروز عرض ونقض/ محمد أحمد الخطيب ص٥٦.
(٣) المصدر السابق نفس المكان.
[ ٢ / ٥٨٣ ]
الذي تطلبه أنت من الكشف ليس لك عليه قدرة، ولا بفعله طاقة، ثم يقول: «لأن الروح هو العلم الحقيقي وأنت صفر اليدين منه، فإن كنت تدعي الإيمان، فأقر لي بالإمامة كما أقررت لي في الأول، حتى تخاطب أصحاب الزبور من زبورهم، وأصحاب التوراة من توراتهم، وأصحاب القرآن والنزيل، وأصحاب الباطن من نفس التأويل، وأصحاب المنطق من الآفاق والأفلاك، والدلائل العقلية ومن أنفسهم حتى يتبين لكل واحد منهم عوار ما في يده من دينه» (١).
وعقيدة الدروز شبيهة بعقيدة النصيرية حيث تضم أخلاطًا من التأويلات الباطنية، فهو يدعي -أي حمزة بن علي- أن له صلة بالله على طريقة تعبير النصارى فيقول: «ورسلي واصلة بالرسائل والوثائق إلى الحضرة اللاهوتية، التي لا تخفى عنها خافية لا في السراء ولا في العلانية، ثم يدَّعي أنه أصغى للإمام الذي يؤلهه فيقول: «كتب في شهر شعبان الثاني من سنة عبد مولانا جل ذكره وصفيه حمزة بن علي بن أحمد (٢). ثم يرى تأليه الحاكم بأمر الله حيث ردد كلمة مولانا جل ذكره في كل رسالة من رسائله عشرات المرات، وخلع عليه جميع الصفات المتعلقة بالله، وفي رسالته السادسة المعنونة بعنوان: "نسخة سجل المجتبى" قال فيها ما يلي: «من عبد مولانا ومملوكه حمزة بن علي بن أحمد هادي المستجيبين المنتقم من المشركين والمنافقين والناكثين بسيف مولانا أمير المؤمنين جل ذكره وشد سلطانه وحده، ولا نستعين بغيره، ولا ترجى رحمة أحد سواه» (٣).
وفي الرسالة الثانية والعشرين ادعاء للألوهية، وبصفة التقدير والتدبير وهذيان بالكفر الواضح وإظهار للحقل المرير الذي يكنه هذا الضال المضل
_________________
(١) انظر الرسالة الثانية من مجموعة رسائل الدروز/ حمزة بن علي ص٤٥ - ٤٧. مخطوطة بجامعة الرياض قسم المخطوطات برقم (٩٨٢).
(٢) المصدر السابق الرسالة الخامسة (الصحبة الكاينة الورقة (٤، ٥) من المخطوطة.
(٣) المصدر السابق الرسالة السادسة الورقة (٢).
[ ٢ / ٥٨٤ ]
لكل الأديان والشرائع السماوية، حيث يقول: «الحمد لله الذي أبدعني من نوره، وأيدني بروح قدسه، وخصني بعلمه، وفوض إليّ أمره وأطلعني على مكنون سره، فأنا أصل مبدعاته، وصاحب سره وأماناته، المخصوص بعلمه وبركاته، أنا صراطه المستقيم، وبأمره حكيم عليم أنا الطور، والكتاب المسطور، والبيت المعمور، أنا صاحب البعث والنشور، النافخ بإذن المولى سبحانه في الصور، أنا إمام المتقين، والعلم المبين، ولسان المؤمنين وسند الموحدين، أنا صاحب الرجفة، وعلى يدي تكون النعم المترادفة أنا ناسخ الشرائع ومهلك أهل الشرك والبدائع، أنا مهدم القبلتين، ومبيد الشريعتين، ومدحض الشهادتين أنا مسيح الأمم، ومني أفاضة النعم، وعلى يدي يحل بأهل الشرك النقم، أنا النار الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، أنا قائم الزمان، وصاحب البرهان والهادي إلى طاعة الرحمن (١). إلى آخر هذا السخف وذلك الهذيان الذي لا يصدر عن شخص سوي إلى أن يقول: «واشكروني على نعمي واعرفوني حق معرفتي، فأنا القائم فيكم بأمر المؤيد بروح قدسه، واعرفوا منزلتي من حدودي ودعائي» (٢). اهـ.
ومعنى قوله: أنا مهدم القبلتين يقصد قبلة بيت المقدس، وقبلة الكعبة وأما قوله مبيد الشريعتين فيقصد الشريعة الظاهرة التي عليها المسلمون والشريعة الباطنة التي يقول بها الباطنية من الإسماعيلية وغيرهم. وقوله: مدحض الشهادتين، أي مبدل شريعة الإسلام ومبتدع شريعة مكانها.
وينقسم الدروز إلى قسمين:
١ - (العُقَّال) وهم فقهاء الدروز، وعلماؤهم حيث يشتركون دون سواهم في الجلسات الدينية التي تعقد كل ليلة جمعة، ويعرف مكان الاجتماع بالخلوة ويصبح خير العقال (أجاود).
_________________
(١) انظر الرسالة الثانية من مجموعة رسائل الدروز/ حمزة بن علي ص - الورقة (٢١ - ٤).
(٢) انظر مجموعة الدروز الرسالة الثانية والعشرون الورقة (٤) مخطوطة بجامعة الرياض قسم المخطوطات برقم (٩٨٢).
[ ٢ / ٥٨٥ ]
ولهما رئيسان دينيان يسميان بشيخي العقال، والعقال يتميزون بملبسهم إذ يتعممون بعمامة بيضاء أسطوانية ويلبسون قباء وعباءة لونها أزرق غامق، ويجب أن يتصف العقال بصفات مختلفة عن صفات الجهال فليلزمهم شيء من الزهد والعفة، والفضيلة، والنسك.
٢ - أما الجهال فهم سائر أبناء الطائفة الدرزية وهؤلاء لا يجوز لهم قراءة رسائل الدروز، ولا القرآن الكريم، ولكن يجوز لهم مطالعة بعض الشروح للرسائل الدرزية، والجهال وإن كانوا مطالبين بالفضائل والصدق إلا أنه يتسامح معهم في كثير من الأمور المحرمة على العقال ولهم لباس خاص بهم.
ومن العقائد الشائعة عند الدروز عقيدة تناسخ الأرواح فخيار الناس تتقمص أرواحهم المواليد، أما شرارهم فتتقمص أرواحهم أجسام الكلاب (١).
ويعتقد الدروز بوجود إمام مهدي لهم كما يعتقد الشيعة الاثنا عشرية ولذلك كتب حمزة بن علي رسالة بهذا الموضوع ذكر فيها «وإلى من شك في وليد قائم الزمان عليه» (٢). وقال في موضع آخر «بلغني ما أصابكم من الضعف في أديانكم والشك في صاحب زمانكم» (٣). ثم يدعي الإمامة لنفسه حيث يقول: «والإمام عبد مولانا جل ذكره ومملوكه حمزة بن علي بن أحمد- هادي المستجيبين المنتقم من المشركين» (٤).
وعقيدة الدروز في صحابة رسول الله - ﷺ - والتابعين له بإحسان لا
_________________
(١) انظر عقيدة الدروز عرض ونقص محمد أحمد الخطيب ص٢٣٨ - ٢٤٠. وانظر دائرة المعارف الإسلامية ج٩ ص٢١٧.
(٢) انظر مجموعة رسائل الدروز الرسالة الثانية/ حمزة بن علي ص٢٩. من المخطوطة بقسم المخطوطات بجامعة الرياض برقم (٩٨٢).
(٣) المصدر السابق ص٣٢، ٣٣.
(٤) المصدر نفسه ص٣٧.
[ ٢ / ٥٨٦ ]
تخرج عن نظرة أهل الفرق الباطنية فيذكر حمزة بن علي أصحاب رسول الله - ﷺ - بالوصف والاسم فيقول: «إن النواصب يأتون في إذن كل واحد منهم علاقتان من الحديد» ثم يقول إنهم يهود أمة محمد، وتارة يقول: هم المشركون وهم نصارى أمة محمد (١). ثم يقول حسب زعمه الباطل إنه يؤتى (بأبي بكر وعمر وعثمان) فيقال لهم: عُلِمتم فعلمتم ثم غلبتم صاحب الأمر وتشبهتم بأوليائه وادعيتم ما ليس لكم بحق (٢). ثم يتناول التابعين من الفقهاء والمحدثين فيقول: «وقد اعتقد المسلمون في كثير من العلماء الإمامة مثل الشافعي وأبي حنيفة ومالك وسفيان الثوري وغيرهم مما يطول به الشرح، وإنما قالوا إنهم أئمة حيث بقولهم يحرمون الحرام ويحللون الحلال، واقتدوا بهم فوقع عليهم اسم الإمامة، فهؤلاء الذين ذكرتهم كل واحد منهم إمام لمن يطيعه ويتبعه، ويقبل منه فقاتلوهم بقلوبكم وتبرأوا مما يعتقدونه في مولانا جل ذكره» (٣). اهـ.
وقد سئل شيخ الإٍسلام ابن تيمية (﵀) عن الدروز فأجاب قائلًا:
كفر هؤلاء لا يختلف فيه المسلمون بل من شك في كفرهم فهو كافر مثلهم، بل هم أضل من اليهود والنصارى والمشركين، فلا يباح أكل طعامهم، ولا تنكح نساؤهم، ويجوز أن تسبى أموالهم ونساؤهم، لأنهم زنادقة مرتدون يقتلون أينما ثقفوا، ولا يجوز استخدامهم عند مسلم ويجب قتل علمائهم لئلا يضلوا غيرهم، وتحرم مجالستهم إلا لمذكر وداع لهم إلى الإسلام، ويحرم على ولاة الأمر من المسلمين الاستعانة بهم، أو إقرارهم على ما هم عليه (٤) اهـ.
_________________
(١) المصدر السابق ص٤٩ - ٥٠.
(٢) المصدر السابق ص٥٧.
(٣) المصدر السابق الرسالة الثالثة ص٦٧.
(٤) انظر الفتاوى/ لابن تيمية ج٣٥ ص١٦٢. وانظر عقيدة الدروز عرض ونقض/محمد أحمد الخطيب ص٢٦٥ - ٢٧٣.
[ ٢ / ٥٨٧ ]
هذه نبذة قليلة عن طائفة الدروز وعقيدتها وحكمها في نظر الإسلام والمسلمين والدروز المعاصرون لا أدري ما هو موقفهم من تلك العقيدة التي قال بها أسلافهم، وما مدى تمسكهم بها واعتقادهم لها وعلى كل حال فإن من تمسك بمثل تلك العقائد السخيفة فحكمه الكفر والخروج عن دائرة الإسلام، وحينئذ يعادى معاداة الكافرين، ويعامل معاملة المرتدين، والدروز المعاصرون يوالي كثير منهم أعداء الإسلام ضد المسلمين وذلك أن قوام الجيش الإسرائيلي من الدروز (١).
وفي سوريا اعتمد حزب البعث والنصيريون قادته على الدروز وتعاونوا معهم حتى وصل النصيريون إلى السلطة، فانقلبوا على القادة من كبار الدروز وأقصوهم وقتلوا منهم من قتلوا أمثال الرائد سليم حاطوم الذي أعدمه النصيريون في عام (١٩٦٧م) (٢).
فمن تولى الكفار أو اعتقد الكفر، وجب إظهار العداوة له وإعلان البراءة منه سواء كان من هذه الفرق أو من غيرها، وقد اكتفينا بذكر هذه الفرق الأربع لأن بقية الفرق لا تخرج عن دائرة هذه الفرق، وعلى هذا أمكن قياس بقية الفرق وإعطاؤها نفس الحكم عند تطابق المعتقدات وتوافق الصفات.
والله ولي التوفيق والهادي إلى سواء الصراط.
_________________
(١) انظر عقيدة الدروز ص٢٦٥.
(٢) انظر حصيلة الانقلابات الثورية في بعض الأقطار العربية/ محمد سعيد ص١٧٥ - ١٨١.
[ ٢ / ٥٨٨ ]