التمثيل: ذكر مماثل للشيء، وبينه وبين التكييف عموم وخصوص مطلق، لأن كل ممثل مكيف، وليس كل مكيف ممثلًا، لأن التكييف ذكر كيفية غير مقرونة بمماثل، مثل أن تقول: لي قلم كيفيته كذا وكذا. فإن قرنت بمماثل، صار تمثيلًا، مثل أن أقول: هذا القلم مثل هذا القلم، لأني ذكرت شيئًا مماثلًا لشيء، وعرفت هذا القلم بذكر مماثلة.
وأهل السنة والجماعة يثبتون لله ﷿ الصفات بدون مماثلة، يقولون: إن الله ﷿ له حياة وليست مثل حياتنا، له علم وليس مثل علمنا، له بصر، ليس مثل بصرنا، له وجه وليس مثل وجوهنا له يد وليست مثل أيدينا وهكذا جميع الصفات، يقولون: إن الله ﷿ لا يماثل خلقه فيما وصف به نفسه أبدًا، ولهم على ذلك أدلة سمعية وأدلة عقلية:
أ- الأدلة السمعية: تنقسم إلى قسمين: خبر، وطلب.
- فمن الخبر قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، فالآية فيها نفي صريح للتمثيل وقوله: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم: ٦٥]، فإن هذا وإن كان إنشاء، لكنه بمعنى الخبر، لأنه استفهام بمعنى النفي وقوله: وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: ٤]، فهذه كلها تدل على نفي المماثلة، وهي كلها خبرية.
- وأما الطلب، فقال الله تعالى: فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا [البقرة: ٢٢] أي: نظراء مماثلين. وقال: فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ [النحل: ٧٤].
فمن مثَّل الله بخلقه، فقد كذب الخبر وعصى الأمر ولهذا أطلق بعض السلف القول بالتكفير لمن مثَّل الله بخلقه، فقال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري ﵀: من شبه الله بخلقه، فقد كفر (١)، لأنه جمع بين التكذيب بالخبر وعصيان الطلب.
وأما الأدلة العقلية على انتفاء التماثل بين الخالق والمخلوق: فمن وجوه:
أولًا: أن نقول لا يمكن التماثل بين الخالق والمخلوق بأي حال من الأحوال لو لم يكن بينهما من التباين إلا أصل الوجود، لكان كافيًا، وذلك أن وجود الخالق واجب، فهو أزلي أبدي، ووجود المخلوق ممكن مسبوق بعدم ويلحقه فناء، فما كانا كذلك لا يمكن أن يقال: إنهما متماثلان.
ثانيًا: أنا نجد التباين العظيم بين الخالق والمخلوق في صفاته وفي أفعاله، في صفاته يسمع ﷿ كل صوت مهما خفي ومهما بعد، لو كان في قعار البحار، لسمعه ﷿.
وأنزل الله قوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة: ١]، تقول عائشة: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات (٢) والله تعالى سمعها من على عرشه وبينه وبينها ما لا يعلم مداه إلا الله ﷿، ولا يمكن أن يقول قائل: إن سمع الله مثل سمعنا.
ثالثًا: نقول: نحن نعلم أن الله تعالى مباين للخلق بذاته: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ [البقرة: ٢٥٥]، وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ [الزمر: ٦٧]، ولا يمكن لأحد من الخلق أن يكون هكذا، فإذا كان مباينًا للخلق في ذاته، فالصفات تابعة للذات، فيكون أيضًا مباينًا للخلق في صفاته ﷿، ولا يمكن التماثل بين الخالق والمخلوق.
_________________
(١) رواه الذهبي في «العلو» (٤٦٤)، وصححه الألباني في «مختصر العلو» (ص٧٥).
(٢) رواه البخاري معلقا بصيغة الجزم عن عائشة ﵂، بعد حديث (٧٣٨٥)، ورواه النسائي (٦/ ١٨٦) وابن ماجه (١٨٨) وأحمد (٦/ ٤٦) (٢٤٢١)، قال ابن عساكر في معجم الشيوخ (١/ ١٦٣) وابن حجر في التغليق (٥/ ٣٣٩) والألباني في صحيح ابن ماجه: صحيح.
[ ١ / ١٠٢ ]
رابعًا: نقول: إننا نشاهد في المخلوقات أشياء تتفق في الأسماء وتختلف في المسميات، يختلف الناس في صفاتهم: هذا قوي البصر وهذا ضعيف، وهذا قوي السمع وهذا ضعيف، هذا قوي البدن وهذا ضعيف وهذا ذكر وهذا أنثى وهكذا التباين في المخلوقات التي من جنس واحد، فما بالك بالمخلوقات المختلفة الأجناس؟ فالتباين بينها أظهر ولهذا، لا يمكن لأحد أن يقول: إن لي يدًا كيد الجمل، أو لي يدًا كيد الذرة، أو لي يدًا كيد الهر، فعندنا الآن إنسان، وجمل، وذرة، وهر، كل واحد له يد مختلفة عن الثاني، مع أنها متفقة في الاسم فنقول: إذا جاز التفاوت بين المسميات في المخلوقات مع اتفاق الاسم فجوازه بين الخالق والمخلوق ليس جائزًا فقط بل هو واجب؛ فعندنا أربعة وجوه عقلية كلها تدل على أن الخالق لا يمكن أن يماثل المخلوق بأي حال من الأحوال.
ربما نقول أيضًا هناك دليل فطري، وذلك لأن الإنسان بفطرته بدون أن يلقن يعرف الفرق بين الخالق والمخلوق ولولا هذه الفطرة؛ ما ذهب يدعو الخالق.
فتبين الآن أن التمثيل منتفٍ سمعًا، وعقلًا، وفطرة.
فإن قال قائل: إن النبي ﷺ حدثنا بأحاديث تشتبه علينا؛ هل هي تمثيل أو غير تمثيل؟ ونحن نضعها بين أيديكم:
قال النبي ﷺ: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته» (١)؛ فقال: (كما) والكاف للتشبيه، هذا رسول الله ﷺ، ونحن من قاعدتنا أن نؤمن بما قال الرسول كما نؤمن بما قال الله؛ فأجيبوا عن هذا الحديث؟
نقول نجيب عن هذا الحديث وعن غيره بجوابين: الجواب الأول مجمل والثاني مفصل.
فالأول المجمل: أنه لا يمكن أن يقع تعارض بين كلام الله وكلام رسوله الذي صح عنه أبدًا؛ لأن الكل حق، والحق لا يتعارض، والكل من عند الله، وما عند الله تعالى لا يتناقض) وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢]؛ فإن وقع ما يوهم التعارض في همك؛ فاعلم أن هذا ليس بحسب النص، ولكن باعتبار ما عندك؛ فأنت إذا وقع التعارض عندك في نصوص الكتاب والسنة؛ فإما لقلة العلم، وإما لقصور الفهم، وإما للتقصير في البحث والتدبر، ولو بحثت وتدبرت؛ لوجدت أن التعارض الذي توهمته لا أصل له، وإما لسوء القصد والنية؛ بحيث تستعرض ما ظاهره التعارض لطلب التعارض، فتحرم التوفيق؛ كأهل الزيغ الذين يتبعون المتشابه.
ويتفرع على هذا الجواب المجمل أنه يجب عليك عند الاشتباه أن ترد المشتبه إلى المحكم؛ لأن هذه الطريق طريق الراسخين في العلم؛ قال الله تعالى: هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ [آل عمران: ٧]، ويحملون المتشابه على المحكم حتى يبقى النص كله محكمًا.
وأما الجواب المفصل؛ فإنا نجيب عن كل نص بعينه فنقول:
_________________
(١) رواه البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣). من حديث جرير بن عبد الله ﵁ قال: كنا عند النبى ﷺ فنظر إلى القمر ليلة - يعنى البدر- فقال: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا». ثم قرأ: وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب [ق: ٣٩].
[ ١ / ١٠٣ ]
إن قول النبي ﷺ: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته»؛ ليس تشبيهًا للمرئي بالمرئي، ولكنه تشبيه للرؤية بالرؤية؛ «سترون .. كما ترون»؛ الكاف في: «كما ترون»: داخلة على مصدر مؤول؛ لأن (ما) مصدرية، وتقدير الكلام: كرؤيتكم القمر ليلة البدر وحينئذ يكون التشبيه للرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي، والمراد أنكم ترونه رؤية واضحة كما ترون القمر ليلة البدر ولهذا أعقبه بقوله: «لا تضامون في رؤيته» أو: «لا تضارون في رؤيته» فزال الإشكال الآن.
قال النبي ﷺ: «إن الله خلق آدم على صورته» (١) والصورة مماثلة للأخرى، ولا يعقل صورة إلا مماثلة للأخرى، ولهذا أكتب لك رسالة، ثم تدخلها الآلة الفوتوغرافية، وتخرج الرسالة، فيقال: هذه صورة هذه، ولا فرق بين الحروف والكلمات؛ فالصورة مطابقة للصورة، والقائل: «إن الله خلق آدم على صورته»: الرسول ﵊ أعلم وأصدق وأنصح وأفصح الخلق.
والجواب المجمل أن نقول: لا يمكن أن يناقض هذا الحديث قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، فإن يسر الله لك الجمع؛ فاجمع، وإن لم يتيسر؛ فقل: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا [آل عمران: ٧]، وعقيدتنا أن الله لا مثيل له؛ بهذا تسلم أمام الله ﷿.
هذا كلام الله، وهذا كلام رسوله، والكل حق، ولا يمكن أن يكذب بعضه بعضًا؛ لأنه كله خبر وليس حكمًا كي ينسخ؛ فأقول: هذا نفي للمماثلة، وهذا إثبات للصورة؛ فقل: إن الله ليس كمثله شيء، وإن الله خلق آدم على صورته؛ فهذا كلام الله، وهذا كلام رسوله، والكل حق نؤمن به، ونقول: كل من عند ربنا ونسكت وهذا هو غاية ما نستطيع.
وأما الجواب المفصّل؛ فنقول: إن الذي قال: «إن الله خلق آدم على صورته» رسول الذي قال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] والرسول لا يمكن أن ينطق بما يكذب المرسل والذي قال: «خلق آدم على صورته» هو الذي قال: «إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر» (٢) فهل أنت تعتقد أن هؤلاء الذين يدخلون الجنة على صورة القمر من كل وجه، أو تعتقد أنهم على صورة البشر لكن في الوضاءة، والحسن، والجمال، واستدارة الوجه وما أشبه ذلك على صورة القمر، لا من كل وجه؟! فإن قلت بالأول؛ فمقتضاه أنهم دخلوا وليس لهم أعين، وليس لهم آناف، وليس لهم أفواه! وإن شئنا قلنا: دخلوا وهم أحجار! وإن قلت بالثاني؛ زال الإشكال، وتبين أنه لا يلزم من كون الشيء على صورة الشيء أن يكون مماثلًا له من كل وجه.
فإن أبى فهمك، وتقاصر عن هذا وقال: أنا لا أفهم إلا أنه مماثل.
قلنا: هناك جواب آخر، وهو أن الإضافة هنا من باب إضافة المخلوق إلى خالقه؛ فقوله: «على صورته»؛ مثل قوله ﷿ في آدم: وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي [الحجر: ٢٩]، ولا يمكن أن الله ﷿ أعطى آدم جزءًا من روحه، بل المراد الروح التي خلقها الله ﷿، لكن إضافتها إلى الله بخصوصها من باب التشريف؛ كما نقول: عباد الله؛ يشمل الكافر، والمسلم، والمؤمن، والشهيد، والصديق، والنبي، لكننا لو قلنا: محمد عبد الله؛ هذه إضافة خاصة ليست كالعبودية السابقة.
_________________
(١) رواه البخاري (٦٢٢٧)، ومسلم (٢٦١٢) واللفظ له. من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه البخاري (٣٣٢٧)، ومسلم (٢٨٣٤). من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ١٠٤ ]
فقوله: «خلق آدم على صورته»؛ يعني: صورة من الصور التي خلقها الله وصورها؛ كما قال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ [الأعراف: ١١]، والمصور آدم إذًا؛ فآدم عل صورة الله؛ يعني: أن الله هو الذي صوره على هذه الصورة التي تعد أحسن صورة في المخلوقات، لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين: ٤]؛ فإضافة الله الصورة إليه من باب التشريف؛ كأنه ﷿ اعتنى بهذه الصورة ومن أجل ذلك؛ لا تضرب الوجه؛ فتعيبه حسًا، ولا تقبحه فتقول: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك؛ فتعيبه معنىً؛ فمن أجل أنه الصورة التي صورها الله وأضافها إلى نفسه تشريفًا وتكريمًا؛ لا تقبحها بعيب حسي ولا بعيب معنوي.
ثم هل يعتبر هذا الجواب تحريفًا أم له نظير؟
نقول: له نظير، كما في: بيت الله، وناقة الله، وعبد الله؛ لأن هذه الصورة (أي: صورة آدم) منفصلة بائنة من الله، وكل شيء أضافه الله إلى نفسه وهو منفصل بائن عنه؛ فهو من المخلوقات؛ فحينئذ يزول الإشكال.
ولكن إذا قال قائل: أيما أسلم المعنى الأول أو الثاني؟ قلنا: المعنى الأول أسلم، ما دمنا نجد أن لظاهر اللفظ مساغًا في اللغة العربية، وإمكانًا في العقل؛ فالواجب حمل الكلام عليه، ونحن وجدنا أن الصورة لا يلزم منها مماثلة الصورة الأخرى، وحينئذ يكون الأسلم أن نحمله على ظاهره.
فإذا قلت: ما هي الصورة التي تكون لله ويكون آدم عليها؟
قلنا: إن الله ﷿ له وجه، وله عين، وله يد، وله رجل ﷿، لكن لا يلزم من أن تكون هذه الأشياء مماثلة للإنسان؛ فهناك شيء من الشبه لكنه ليس على سبيل المماثلة؛ كما أن الزمرة الأولى من أهل الجنة فيها شبه من القمر لكن بدون مماثلة، وبهذا يصدق ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة؛ من أن جميع صفات الله ﷾ ليست مماثلة لصفات المخلوقين؛ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
نسمع كثيرًا من الكتب التي نقرأها يقولون: تشبيه؛ يعبرون بالتشبيه وهم يقصدون التمثيل؛ فأيما أولى: أنعبر بالتشبيه، أو نعبر بالتمثيل؟
نقول بالتمثيل أولى.
أولًا: لأن القرآن عبر به: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا [البقرة: ٢٢] وما أشبه ذلك، وكل ما عبر به القرآن؛ فهو أولى من غيره؛ لأننا لا نجد أفصح من القرآن، ولا أدل على المعنى المراد من القرآن، والله أعلم بما يريده من كلامه، فتكون موافقة القرآن هي الصواب، فنعبر بنفي التمثيل. وهكذا في كل مكان؛ فإن موافقة النص في اللفظ أولى من ذكر لفظ مرادف أو مقارب.
ثانيًا: أن التشبيه عند بعض الناس يعني إثبات الصفات ولهذا يسمون أهل السنة: مشبهة؛ فإذا قلنا: من غير تشبيه وهذا الرجل لا يفهم من التشبيه إلا إثبات الصفات؛ صار كأننا نقول له: من غير إثبات صفات! فصار معنى التشبيه يوهم معنى فاسدًا، فلهذا كان العدول عنه أولى.
ثالثًا: أن نفي التشبيه على الإطلاق غير صحيح؛ لأن ما من شيئين من الأعيان أو من الصفات إلا وبينهما اشتراك من بعض الوجوه، والاشتراك نوع تشابه، فلو نفيت التشبيه مطلقًا؛ لكنت نفيت كل ما يشترك فيه الخالق والمخلوق في شيء ما.
مثلًا: الوجود؛ يشترك في أصله الخالق والمخلوق، هذا نوع اشتراك نوع تشابه، لكن فرق بين الوجودين؛ وجود الخالق واجب، ووجود المخلوق ممكن.
وكذلك السمع؛ فيه اشتراك؛ الإنسان له سمع، والخالق له سمع، لكن بينهما فرق، لكن أصل وجود السمع مشترك.
فإذا قلنا: من غير تشبيه ونفينا مطلق التشبيه؛ صار في هذا إشكال.
وبهذا عرفنا أن التعبير بالتمثيل أولى من ثلاثة أوجه
فإن قلت: ما الفرق بينهما من وجهين.
الأول: أن التمثيل ذكر الصفة مقيدة بمماثل؛ فتقول يد فلان مثل يد فلان، والتكييف ذكر الصفة غير مقيدة بمماثل؛ مثل أن تقول: كيفية يد فلان كذا وكذا.
وعلى هذا نقول: كل ممثل مكيف، ولا عكس.
الثاني: أن الكيفية لا تكون إلا في الصفة والهيئة، والتمثيل يكون في ذلك كما في قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢]؛ أي: في العدد شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين – ١/ ١٠٢
(ينظر الفصل الخامس، من الباب الثالث، في الكتاب الثاني من الموسوعة)
[ ١ / ١٠٥ ]