- قال الأوزاعي ﵀: (كان الزهري ومكحول يقولان: أمروا هذه الأحاديث كما جاءت) (١).
وقراءتها: تفسيرها، كما قال سفيان بن عيينة: (كل ما وصف الله به نفسه في القرآن، فقراءته تفسيره، لا كيف، ولا مثل) (٢).
- وقال الإمام أبو حنيفة ﵀: (فما ذكره الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه، واليد، والنفس، فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال إن يده قدرته أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال، ولكن يده صفة بلا كيف، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته (تعالى) بلا كيف) (٣).
- وقال محمد بن الحسن ﵀ في أحاديث الصفات كالنزول ونحوه: (إن هذه الأحاديث قد روتها الثقات، فنحن نرويها، ونؤمن بها، ولا نفسرها) (٤).
- وقال الوليد بن مسلم: (سألت مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والليث ابن سعد، والأوزاعي عن الأخبار التي في الصفات، فقالوا: أمروها كما جاءت) (٥).
- وقال أبو محمد الجويني – والد إمام الحرمين رحمهما الله: (وأثبتنا علو ربنا سبحانه، وفوقيته، واستواءه على عرشه كما يليق بجلاله وعظمته، والحق واضح في ذلك، والصدور تنشرح له، فإن التحريف تأباه العقول الصحيحة، مثل تحريف الاستواء بالاستيلاء وغيره ) (٦).
- وقال القاضي أبو يعلى ﵀: (لا يجوز رد هذه الأخبار – على ما ذهب إليه جماعة من المعتزلة – ولا التشاغل بتأويلها – على ما ذهب إليه الأشعرية – والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات الله تعالى، لا تشبه سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا نعتقد التشبيه فيها، لكن على ما روي عن شيخنا وإمامنا أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، وغيره من أئمة أصحاب الحديث) (٧).
_________________
(١) رواه ابن قدامة في «ذم التأويل» (ص: ١٨) برقم: ٢١، وقال محققه (البدر): (إسناده حسن) واللالكائي في «شرح أصول السنة» (٣/ ٤٣٠، ٤٣١) برقم: ٧٣٥ وذكر الترمذي نحوه عن مالك وابن عيينة وابن المبارك ﵏ «سنن الترمذي» (٣/ ٢٤) عقب الحديث رقم: (٦٦٢). وانظر: «جامع بيان العلم» (٢/ ١١٨).
(٢) رواه الدارقطني في كتاب «الصفات» (ص: ٤١) برقم: ٦١، وابن قدامة في «ذم التأويل» (ص: ١٩)، ونحوه عند البيهقي في «الأسماء والصفات» (ص: ٤٠٩) وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (١٣/ ٤٠٧).
(٣) كتاب «الفقه الأكبر» (ص: ١٨٥) – دار الكتب العربية الكبرى – مصر (بدون رقم الطبعة وتاريخها).
(٤) «ذم التأويل» (ص: ١٤) وشرح أصول السنة – اللالكائي – (٣/ ٤٣٣) برقم: ٧٤١، و«العلو للذهبي» (ص: ٨٩، ٩٠).
(٥) «الشريعة» للآجري (ص: ٣١٤) و«الأسماء والصفات» للبيهقي (ص: ٤٥٣)، و«الاعتقاد والهداية إلى سبل الرشاد» للبيهقي (ص: ١١٨) برقم: ٢٩٥ تقديم: أحمد عصام الكاتب – دار الآفاق الجديدة – الطبعة الأولى ١٤٠١هـ - ١٩٨١م – بيروت، و«الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء» لأبي عمر بن عبد البر (ص: ٣٦) مكتبة القدس – مطبعة المعاهد ١٣٥٠هـ مصر (بدون رقم الطبعة) و«ذم التأويل» (ص: ٢٠)، قال محققه (البدر): (إسناده حسن) هامش رقم: ٥٨.
(٦) «رسالة في إثبات الاستواء والفوقية» لأبي محمد الجويني (ضمن مجموعة الرسائل المنيرية) (١/ ١٨١).
(٧) كتاب «إبطال التأويلات» (ص: ٤) (مخطوط).
[ ١ / ٩٦ ]
- وقال أبو بكر الخطيب البغدادي ﵀: (أما الكلام في الصفات، فإن ما روي عنها في السنن الصحاح، مذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها ولا نقول: معنى اليد: القدرة، ولا إن معنى السمع والبصر: العلم، ولا أن نقول إنها جوارح ونقول: إنما وجب إثباتها لأن التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها لقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: ٤]. منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد لعثمان بن علي بن حسن– ٢/ ٥٧٢
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في شرح الواسطية: وأهل السنة والجماعة إيمانهم بما وصف الله به نفسه خال من التحريف، يعني: تغيير اللفظ أو المعنى.
وتغيير المعنى يسميه القائلون به تأويلًا، ويسمون أنفسهم بأهل التأويل، لأجل أن يصبغوا هذا الكلام صبغة القبول، لأن التأويل لا تنفر منه النفوس ولا تكرهه، لكن ما ذهبوا إليه في الحقيقة تحريف، لأنه ليس عليه دليل صحيح، إلا أنهم لا يستطيعون أن يقولوا: تحريفًا! ولو قالوا: هذا تحريف، لأعلنوا على أنفسهم برفض كلامهم.
ولهذا عبر المؤلف - يعني ابن تيمية - ﵀ بالتحريف دون التأويل مع أن كثيرًا ممن يتكلمون في هذا الباب يعبرون بنفي التأويل، يقولون: من غير تأويل، لكن ما عبر به المؤلف أولى لوجوه أربعة:
الوجه الأول: أنه اللفظ الذي جاء به القرآن، فإن الله تعالى قال: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ [النساء: ٤٦]، والتعبير الذي عبر به القرآن أولى من غيره، لأنه أدل على المعنى.
الوجه الثاني: أنه أدل على الحال، وأقرب إلى العدل، فالمؤول بغير دليل ليس من العدل أن تسميه مؤولًا، بل العدل أن نصفه بما يستحق وهو أن يكون محرفًا.
الوجه الثالث: أن التأويل بغير دليل باطل، يجب البعد عنه والتنفير منه، واستعمال التحريف فيه أبلغ تنفيرًا من التأويل، لأن التحريف لا يقبله أحد، لكن التأويل لين، تقبله النفس، وتستفصل عن معناه، أما التحريف، بمجرد ما نقول: هذا تحريف. ينفر الإنسان منه، إذا كان كذلك، فإن استعمال التحريف فيمن خالفوا طريق السلف أليق من استعمال التأويل.
الوجه الرابع: أن التأويل ليس مذمومًا كله، قال النبي ﵊: «اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل» (١)، وقال الله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران: ٧]، فامتدحهم بأنهم يعلمون التأويل.
والتأويل ليس كله مذمومًا، لأن التأويل له معان متعددة، يكون بمعنى التفسير، ويكون بمعنى العاقبة والمآل، ويكون بمعنى صرف اللفظ عن ظاهره.
(أ) يكون بمعنى التفسير، كثير من المفسرين عندما يفسرون الآية، يقولون: تأويل قوله تعالى كذا وكذا. ثم يذكرون المعنى. وسمي التفسير تأويلًا، لأننا أوّلنا الكلام، أي: جعلناه يؤول إلى معناه المراد به.
(ب) تأويل بمعنى: عاقبة الشيء، وهذا إن ورد في طلب، فتأويله فعله إن كان أمرًا وتركه إن كان نهيًا، وإن ورد في خبر، فتأويله وقوعه.
مثاله في الخبر قوله تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ [الأعراف: ٥٣]، فالمعنى: ما ينتظر هؤلاء إلا عاقبة ومآل ما أخبروا به، يوم يأتي ذلك المخبر به، يقول الذين نسوه من قبل: قد جاءت رسل ربنا بالحق.
_________________
(١) رواه أحمد (١/ ٢٦٦) (٢٣٩٧)، والطبراني (١٠/ ٢٦٣)، والحاكم (٣/ ٦١٥). من حديث ابن عباس ﵁. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٥٨٩): صحيح.
[ ١ / ٩٧ ]
ومنه قول يوسف لما خرَّ له أبواه وإخوته سجدًا قال: هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ [يوسف: ١٠٠]: هذا وقوع رؤياي، لأنه قال ذلك بعد أن سجدوا له.
ومثاله في الطلب قول عائشة ﵂: «كان النبي ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده بعد أن أنزل عليه قوله تعالى: إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر: ١]، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، يتأول القرآن» (١). أي: يعمل به.
(جـ) المعنى الثالث للتأويل: صرف اللفظ عن ظاهره، وهذا النوع ينقسم إلى محمود ومذموم، فإن دل عليه دليل، فهو محمود النوع ويكون من القسم الأول، وهو التفسير، وإن لم يدل عليه دليل، فهو مذموم، ويكون من باب التحريف، وليس من باب التأويل.
وهذا الثاني هو الذي درج عليه أهل التحريف في صفات الله ﷿.
مثاله قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥]: ظاهر اللفظ أن الله تعالى استوى على العرش: استقر عليه، وعلا عليه، فإذا قال قائل: معنى (اسْتَوَى): استولى على العرش، فنقول: هذا تأويل عندك لأنك صرفت اللفظ عن ظاهره، لكن هذا تحريف في الحقيقة، لأنه ما دل عليه دليل، بل الدليل على خلافه، كما سيأتي إن شاء الله.
فأما قوله تعالى: أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: ١]، فمعنى: أَتَى أَمْرُ اللهِ، أي: سيأتي أمر الله، فهذا مخالف لظاهر اللفظ لكن عليه دليل وهو قوله: فَلا تَسْتَعْجِلُوه.
وكذلك قوله تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل: ٩٨]، أي: إذا أردت أن تقرأ، وليس المعنى: إذا أكملت القراءة، قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لأننا علمنا من السنة أن النبي ﵊ إذا أرد أن يقرأ، استعاذ بالله من الشيطان الرجيم، لا إذا أكمل القراءة، فالتأويل صحيح.
وكذلك قول أنس بن مالك: «كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء، قال: أعوذ بالله من الخبث والخبائث» (٢)، فمعنى (إذا دخل): إذا أراد أن يدخل، لأن ذكر الله لا يليق داخل هذا المكان، فلهذا حملنا قوله: (إذا دخل) على إذا أراد أن يدخل: هذا التأويل الذي دل عليه صحيح، ولا يعدو أن يكون تفسيرًا.
ولذلك قلنا: إن التعبير بالتحريف عن التأويل الذي ليس عليه دليل صحيح أولى، لأنه الذي جاء به القرآن، ولأنه ألصق بطريق المحرف، ولأنه أشد تنفيرًا عن هذه الطريقة المخالفة لطريق السلف، ولأن التحريف كله مذموم، بخلاف التأويل، فإن منه ما يكون مذمومًا ومحمودًا، فيكون التعبير بالتحريف أولى من التعبير بالتأويل من أربعة أوجه. شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين – ١/ ٨٧
(ينظر الفصل الخامس، من الباب الثالث، في الكتاب الثاني من الموسوعة)
_________________
(١) رواه البخاري (٨١٧)، ومسلم (٤٨٤). من حديث عائشة ﵂.
(٢) رواه البخاري (١٤٢)، ومسلم (٣٧٥). من حديث أنس بن مالك ﵁.
[ ١ / ٩٨ ]