قال أحد دعاة الصوفية - عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري (١) المتوفَّى سنة ١٤١٣هـ، والذي يصفه الصوفية بمحدث الديار المغربية والبلاد الأفريقيّة - في رسالته المسمّاة (مرشد الحائر لبيان وضع حديث جابر): «ما يوجد في كتب المولد النبويّ من أحاديث لا خطام لها ولا زمام هي من الغلو الذي نهى الله ورسوله عنه، فتحرم قراءة تلك الكتب. والنبيّ - ﵌ - يقول: «من حدّث عني بحديث يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» (رواه مسلم) يُرَى بضم الياء: معناه يُظَنّ.
وفضل النبي - ﵌ - ثابت في القرآن الكريم، والأحاديث الصحيحة، وهو في غِنًى عما يقال فيه من الكذب والغلو، وقال - ﵌ -: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا
_________________
(١) في كتبه كثير من الضلال، وإنما نقلتُ كلامه حجةً على أتباعه الصوفية.
[ ٤٣ ]
عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ». (رواه البخاري) اهـ كلامه.
ومن هذه الأحاديث التي لا تصح:
١ - ما جاء عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه قال: قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أخبرني عن أول شيء خلقه الله تعالى قبل الأشياء، قال: يا جابر، إن الله تعالى قد خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله تعالى ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم، ولا جنة ولا نار، ولا ملك ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر، ولا جني ولا إنسي، فلما أراد الله أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء: فخلق من الأول القلم، ومن الثاني اللوح، ومن الثالث العرش، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الجزء الأول حملة العرش، ومن الثاني الكرسي، ومن الثالث باقي الملائكة، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء فخلق من الأول السموات، ومن الثاني الأرضين، ومن الثالث الجنة والنار.
ثم قسم الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الأول نور أبصار المؤمنين، ومن الثاني نور قلوبهم وهي المعرفة بالله، ومن الثالث نور أنسهم وهو: التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله».
[ ٤٤ ]
قال الغماري: «الحديث منكر موضوع لا أصل له في شىء من كتب السُّنّة».
٢ - قال الغماري: ومثله في النكارة ما رُوي عن علي بن الحسين، عن أبيه - ﵄ -، عن جدّه أن النبيّ - ﵌ - قال: «كنت نورًا بين يدي ربي قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام».
٣ - قال الغماري: ومن الكذب السخيف ما يقال إن إحدى أمهات المؤمنين أرادت أن تلف إزارًا على جسد النبيّ - ﵌ - فسقط الإزار أي لأنه نور، وهذا لا أصل له. وقد كان النبيّ - ﵌ - يستعمل الإزار ولم يسقط عنه. وكونه - ﵌ - نورًا أمر معنوي، مثل تسمية القرآن نورًا ونحو ذلك، لأنه نوَّر العقول والقلوب.
٤ - قال الغماري: «ومن الكذب المكشوف قولهم: «لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك».
٥ - قال الغماري: «وكذلك ما روي عن علي - ﵁ -، عن النبيّ - ﵌ - قال: هبط عليّ جبريل فقال: إن الله يقرؤك السلام ويقول: «إني حرمْتُ النار على صلب أنزلك، وبطن حملك، وحجر كَفَلَك» وهو حديث موضوع.
[ ٤٥ ]
٦ - قال الغماري: وروي في بعض كتب المولد النبوي عن أبي هريرة قال: سأل النبيّ - ﵌ - جبريل - ﵇ - فقال: يا جبريل كم عمّرتَ من السنين؟ فقال: يا رسول الله، لست أعلم غير أن في الحجاب الرابع نجمًا يطلع في كل سبعين ألف سنة مرة، رأيتُه اثنتين وسبعين ألف مرة، فقال النبيّ: وعزة ربي أنا ذلك الكوكب».وهذا كذب قبيح، قبّح الله من وضعه وافتراه.
٧ - قال الغماري: وذكر بعض غلاة المتصوّفة أن جبريل - ﵇ - كان يتلقّى الوحي من وراء حجاب وكُشف له الحجاب مرة فوجد النبيّ - ﵌ - يوحِي إليه، فقال جبريل: «منك وإليك».
قال الغماري: «لعن الله من افترى هذا الهراء المخالف للقرآن فإن الله تعالى يقول لنبيّه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ (الشورى:٥٢).
٨ - ما رُوِيَ أن النبي - ﵌ -: «كُنْت أَوَّلَ النَّبِيِّينَ فِي الْخَلْقِ وَآخِرَهُمْ فِي الْبَعْثِ».
٩ - حديث: «لما أراد الله أن يخلق محمدًا أمر جبريل أن يأتيه بالطينة التي هي قلب الأرض وبهاؤها ونورها فهبط جبريل في ملائكة الفردوس وملائكة الرقيع الأعلى، فقبض قبضة رسول
[ ٤٦ ]
الله - ﵌ - من موضع قبره الشريف وهي بيضاء منيرة فعجنت بماء التسنيم في معين أنهار الجنة حتى صارت كالدرة البيضاء، لها شعاع عظيم ثم طافت بها الملائكة حول العرش والكرسي وفي السموات والأرض والجبال والبحار فعرفت الملائكة وجميع الخلق سيدنا محمدًا - ﵌ - وفضله قبل أن تعرف آدم».
١٠ - حديث: «كنت نورًا بين يدي الله ﷿ قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام، فلما خلق آدم جعل ذلك النور في صلبه فلم يزل ينقله من صلب إلى صلب حتى استقر في صلب عبد المطلب».
١١ - حديث: «كنت نورًا بين يدي الله عزوجل قبل أن يخلق آدم بألفي عام، يسبح الله ذلك النور وتسبح الملائكة بتسبيحه، فلما خلق الله آدم أودع ذلك النور في طينته، فأهبطني الله ﷿ إلى الأرض في ظهر آدم وجعلني في السفينة في صلب نوح، وجعلني في صلب الخليل إبراهيم حين قذف به في النار، ولم يزل الله ﷿ ينقلني من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكية الفاخرة حتى أخرجني الله من بين أبوي وهما لم يلتقيا على سفاح قط».
[ ٤٧ ]
١٢ - حديث أن آدم ﵇ لما رام القرب من حواء طلبت المهر منه، فقال: يا رب، وماذا أعطيها؟ قال: يا آدم، صل على حبيبي محمد عشرين مرة ففعل.
١٣ - ما رُوِيَ عن ابن عباس - ﵄ -: «كان زمن السجود لآدم يوم الجمعة من وقت الزوال إلى العصر ثم خلق الله تعالى له حواء زوجته من ضلع من أضلاعه اليسرى وهو نائم، وسميت حواء، لأنها خلقت من حي، فلما استيقظ ورآها سكن إليها ومد يده لها، فقالت الملائكة: مه يا آدم! قال: ولم وقد خلقها لي؟! فقال: حتى تؤدي مهرها، قال: وما مهرها؟ قالوا: تصلي على محمد ثلاث مرات.
١٤ - حديث: «لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب، أسألك بحق محمد إلا غفرت لي، فقال الله تعالى: يا آدم وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟ قال: يا رب؛ لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت فيَّ من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله تعالى: صدقت يا آدم؛ لأنه لأحب الخلق إلي، وإذ سألتني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك».
[ ٤٨ ]
١٥ - ما رُوِيَ عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: «أوحى الله إلى عيسى ﵇: يا عيسى، آمِنْ بمحمد وأْمُرْ مَن أدركه مِن أمتك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلقت آدم ولولا محمد ما خلقت الجنة والنار، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب فكتبت عليه: لا إله إلا الله محمد رسول الله فسكن».
١٦ - حديث «أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار، وما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في خيرها، فأخرجت من بين أبوين فلم يصبني شيء من عهر الجاهلية، وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم حتى انتهيت إلى أبي وأمي، فأنا خيركم نَفْسًا وخيركم أبًا».
١٧ - حديث: «أنا ابن الذبيحين».
يعني بهما: جده إسماعيل - ﵇ - وأباه عبد الله.
١٨ - حديث وَضَعَتْ الحوامل الذكور في السنة التي ولد فيها النبي - ﵌ - كرامة له».
١٩ - حديث: أن كل دابة لقريش نطقت ليلة الحمل
[ ٤٩ ]
بمحمد - ﵌ - وقالت: حُمِلَ برسول الله - ﵌ -، وتباشرت وحوش المشارق والمغارب ودوابها البحرية»، وفي بعض ألفاظه ما ينص على أن آسية ومريم ونساء من الحور العين حضرن ولادة النبي - ﵌ -.
٢٠ - حديث: «من كرامتي على ربي أني ولدت مختونًا، ولم ير أحد سوأتي».
٢١ - حديث أن رسول الله - ﵌ - ولد مختونًا مسرورًا -أي: مقطوع السرة- ففرح به جده، وقال: ليكونن لابني هذا شأن».
٢٢ - حديث مناغاة النبي - ﵌ - القمر في المهد.
رُوِيَ عن العباس بن عبد المطلب - ﵁ - أنه قال: قلت: ﴿يا رسول الله، دعاني إلى الدخول في دينك أمارة لنبوتك، رأيتك في المهد تناغي القمر وتشير إليه بأصبعك، فحيث أشرت إليه مال، قال: إني كنت أحدثه ويحدثني، ويلهيني عن البكاء، وأسمع وجبته حين يسجد تحت العرش».
٢٣ - ما رُوِيَ عن بريدة - ﵁ - قال: «رأت آمنة وهي حامل برسول الله - ﵌ - فقيل لها: إنك حبلى بخير البرية وسيد العالمين فإذا ولدتيه فسميه أحمد أو محمدًا، وعلقي عليه هذه، فانتبهت
[ ٥٠ ]
وعند رأسها صحيفة من ذهب مكتوب عليها:
أعيذه بالواحد من شر كل حاسد وكل خَلْق رائد من قائم وقاعد عن السبيل حائد على الفساد جاهد من نافث أو عاقد وكل خلق مارد يأخذ بالمراصد في طرق الموارد أنهاهم عنه بالله الأعلى، وأحوطه منهم باليد العليا، والكنف الذي لا يرى، يد الله فوق أيديهم، وحجاب الله دون عاديهم، لا يطردونه ولا يضرونه في مقعد ولا منام، ولا سير ولا مقام، أول الليل وآخر الأيام».
٢٤ - ما رُوِيَ عن سلمان - ﵁ - قال: «هبط جبريل على النبي - ﵌ - فقال: إن ربك يقول: إن كنتُ اتخذت إبراهيم خليلًا فقد اتخذتك حبيبًا، وما خلقت خلقًا أكرم علي منك، ولقد خلقت الدنيا وأهلها لأعرفهم كرامتك ومنزلتك عندي، ولولاك ما خلقت الدنيا».
٢٥ - ما رُوِيَ في خبر وفاة النبي - ﵌ -: أن جبريل ﵇ قال له: «يا رسول الله، هذا آخر موطئي من الأرض كنت حاجتي من الدنيا».
اقرأ (محمد) اقرأ (محمد) اقرأ (محمد)
[ ٥١ ]
كشف شبهات