اعلم أن صحابته الكرام مائة ألف وأربعة عشر ألفا كالأنبياء، ومن ورد فيه أحاديث الفضائل أشخاص معدودة، وكفى بالصحبة فضلا للباقي، لترتب الفضائل العظيمة عليها مما نطق به الكتاب والسنة. فإن فقدت أحاديث الفضائل لبعضهم أو قلّت فلا إحجاف به. ولنذكر من فضائل معاوية ﵁ ما يزيده شرفا ومكانة في قلوب المسلمين.
فإحداها قوله - ﷺ -: "اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب" رواه الإمام أحمد في مسنده عن عرباض بن سارية. هو كتاب عظيم الاعتماد. قال الحافظ الثقة جلال الدين السيوطي ﵀: كلما في مسند أحمد مقبول وضعيفه قريب من الحسن. قال: وقال الإمام أحمد: ما اختلف المسلمون فيه فارجعوا إلى المسند فإن وجدتموه
[ ٣٨ ]
فحسن وإلا فليس بحجة. واطلق بعضهم الصحة على كل ما فيه. وأخطأ ابن الجوزي في نسبة بعض أحاديث الوضع إليه كما هو عادته من التعصب والإفراط. وقال شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني: ليس فيه موضوع وهو أحصى من السنن الأربعة.
والثانية عن عبد الرحمن بن أبي عميرة الصحابي المدني أن النبي - ﷺ - قال لمعاوية: "اللهم اجعله هاديا مهديا واهد به الناس" رواه الترمذي وحسنه. وكتابه جليل القدر حتى قال شيخ الإسلام الهروي هو عندي أنفع من الصحيحين لما فيه من ذكر المذاهب ووجوه الاستدلال دونهما،
[ ٣٩ ]
وأطلق الحاكم والخطيب الصحة على جميع ما فيه. وقال الترمذي: عرضت هذا الكتاب على علماء الحجاز والعراق وخراسان ومن كان في بيته فكأنما في بيته نبي يتكلم.
والثالثة عن ابن أبي مليكة قال: قيل لابن عباس ﵄: هل لك في أمير المؤمنين معاوية فإنه ما أوتر إلا بواحدة؟ قال: أصاب إنه فقيه. رواه البخاري. قال الشراح: أي مجتهد. وفي رواية أخرى للبخاري عن ابن أبي مليكة قال: أوتر معاوية ﵁ بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن عباس ﵄ فأتى ابن عباس ﵄ قال: دعه فإنه صحب رسول الله - ﷺ -. انتهى.
وكان ابن عباس ﵄ من فضلاء الصحابة ويلقب البحر لسعة علمه وحبر الأمة وترجمان القرآن. وقد دعا له النبي - ﷺ - بالعلم والحكمة والتأويل فاستجيب، وكان من خواص أصحاب
[ ٤٠ ]
علي كرم الله وجهه وشديد الإنكار على أعدائه، وأرسله علي ﵁ ليحاج الحرورية فحاجهم حتى لم يبق لهم حجة. فإذا شهد مثله لمعاوية بأنه مجتهد وكف مولاه عن الإنكار مستدلا بأنه من الصحابة، قال شيخ الإسلام ابن حجر: هذا شهادة من حبر الأمة بفضله.
والرابعة أنه كاتب رسول الله - ﷺ -. وذكر الإمام مفتي الحرمين أحمد بن عبد الله بن محمد الطبري في خلاصة السير أن كتابه - ﷺ - ثلاثة عشر، الخلفاء الأربعة وعامر بن فهيرة وعبد الله بن أرقم وأبي بن كعب وثابت بن قيس بن شماس وخالد بن سعيد بن العاص وحنظلة بن الربيع الأسلمي وزيد بن ثابت ومعاوية بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة، وكان معاوية وزيد ألزمهم لذلك وأخصهم به. انتهى.
وما قيل إن كتابه الوحي غير ثابت فمردود بقول الإمام
[ ٤١ ]
أحمد بن محمد القسطلاني في شرح صحيح البخاري ولفظه: ومعاوية بن أبي سفيان صخر ولد حرب كاتب الوحي لرسول الله - ﷺ -.
والخامسة ما ذكره علي الهروي في شرح المشكاة أن الإمام عبد الله بن المبارك سئل أن عمر بن عبد العزيز أفضل أم معاوية فقال: غبار دخل في أنف فرس معاوية حين غزا في ركاب رسول الله - ﷺ - أفضل من كذا من عمر بن عبد العزيز.
فتأمل في هذه المنقبة وإنما يظهر عليك فضيلة هذه الكلمة إذا عرفت فضائل عبد الله بن المبارك وعمر بن عبد العزيز وهي لا تحصى، ومحل بسطها كتب تواريخ المحدثين، وعمر يسمى إمام الهدى وخامس الخلفاء الراشدين. والمحدثون والفقهاء يحتجون بقوله ويعظمونه جدا وكان الخضر ﵇ يزوره وهو أول من أمر بجمع الحديث فإذا كان معاوية ﵁ أفضل منه فما ظنك به.
والسادسة أن البخاري ومسلما يرويان عنه الحديث مع شرطهما أن لا يرويان إلا عن ثقة ضابط صدوق.
[ ٤٢ ]
والسابعة ثناء الصحابة وأهل الحديث عليه، مع أنهم اعرف الناس بفضائل علي ﵁ وأعلمهم بحكايات التشاجر وأصدقهم لهجة. وقال الإمام القسطلاني في شرح البخاري: معاوية ذو المناقب الجمة. وفي شرح مسلم: هو من عدول الفضلاء والصحابة الخيار، قال الإمام اليافعي كان حليما كريما سائسا عاقلا كامل السؤدد ذا دهاء ورأي كأنما خلق للملك. ويكتب المحدثون بعد اسمه ﵁ كسائر الصحابة بلا فرق. ومر قول ابن عباس برواية البخاري. وذكر في النهاية الجزرية عن ابن عمر قال: ما رأيت بعد رسول الله - ﷺ - أسودد من معاوية ﵁، قيل: ولا عمر؟ قال: كان عمر خيرا منه كان هو أسودد من عمر. قيل: أراد أسخى وأعطى للمال وقيل هو أحكم منه.
[ ٤٣ ]
وذكر القاضي عياض أن رجلا قال للمعافي بن عمر إن عمر بن عبد العزيز أفضل من معاوية، فغضب وقال: لا يقاس أحد بأصحاب النبي - ﷺ -، معاوية صاحبه وصهره وكاتبه وأمينه على وحي الله ﷿.
والثامنة كثرة رواية الحديث. وذكر الإمام الذهبي أنه روى عن النبي ﵌ وعن أبي بكر وعمر وأخته أم حبيبة وغيرهم؛ وروى عنه أبو ذر مع تقدمه وابن عباس وأبو سعيد وجرير وجماعة من الصحابة وجبير وأبو ادريس الخولاني وسعيد بن المسيب وخالد بن معدان وأبو صالح السمان وسعيد وهمام بن منبه وخلق كثير. انتهى. (١)
وروى البخاري عنه في صحيحه ثمانية أحاديث.
ولنذكر ههنا شيئا من الأحاديث التي رواها فإنها توجب شرفا وتغرس حبا له في قلوب العلماء:
وأخرج أحمد وأبو داود والحاكم عن معاوية مرفوعا: «إن أهل
_________________
(١) سير النبلاء
[ ٤٤ ]
الكتاب تفرقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة وتفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة، ويخرج من أمتي قوم تتجارى بهم تلك الاهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه فلا يبقى منهم عرق ولا مفصل إلا دخله».
وأخرج البيهقي وأبو داود عن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إنك إن اتبعت العورات أفسدتهم».
وأخرج أحمد والنسائي والحاكم عن معاوية ﵁ مرفوعا: «كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركا أو من يقتل مؤمنا عمدا».
وأخرج أبو يعلى والطبراني عن معاوية ﵁ مرفوعا:
[ ٤٥ ]
«ستكون أئمة من بعدي يقولون فلا يرد عليهم قولهم يتقاحمون في النار كما تقاحم القردة».
وأخرج الترمذي عن معاوية ﵁ مرفوعا: «من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه».
وأخرج أبو داود عن معاوية ﵁ مرفوعا: «إذا شربوا الخمر فاجلدوهم ثم إن شربوا فاجلدوهم ثم إن شربوا فاجلدوهم ثم إن شربوا فاقتلوهم» والأمر بالقتل تهديد أو منسوخ. وأخرج أبو داود والنسائي عن أبي هريرة وابن عمر نحو حديث معاوية.
وأخرج البخاري عن أبي إمامة بن سهل قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان وهو جالس على المنبر أذن المؤذن فقال: الله أكبر الله اكبر قال معاوية ﵁: «الله أكبر الله أكبر» فقال: أشهد أن لا اله إلا الله، فقال معاوية: «وأنا»، قال: أشهد أن محمدا رسول الله، فقال
[ ٤٦ ]
معاوية: «وأنا»، فلما انقضى التأذين قال: يا أيها الناس إني سمعت رسول الله - ﷺ - على هذا المجلس حين أذن المؤذن يقول ما سمعتم مني من مقالتي.
وأخرج أحمد عن علقمة بن أبي وقاص قال: إني لعند معاوية ﵁ إذ أذن المؤذن فقال معاوية كما قال مؤذنه حتى إذا قال: حي على الصلاة قال: «لا حول ولا قوة إلا بالله»، فلما قال: حي على الفلاح، قال: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»، وقال بعد ذلك ما قال المؤذن، ثم قال: سمعت رسول الله - ﷺ - قال ذلك.
وأخرج البخاري ومسلم ومالك في الموطأ وأبو داود والترمذي والنسائي عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع معاوية عام حج على المنبر وتناول قصة من شعر وكانت في يد حرسي فقال: يا أهل المدينة أين علماؤكم سمعت النبي - ﷺ - ينهى عن مثل هذه يقول: «إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذوها».
وأخرج الشيخان والنسائي عن سعيد بن المسيب قال: قدم
[ ٤٧ ]
معاوية المدينة فخطبنا وأخرج كبة من شعر فقال: ما كنت أرى أن أحدا يفعله إلا اليهود، إن رسول الله - ﷺ - بلغه فسماه «الزور».
وأخرج النسائي عن سعيد المقبري قال: رأيت معاوية ﵁ على المنبر وفي يده كبة من كبب النساء من شعر فقال: ما بال المسلمات يضعن مثل هذا، إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «أيما امرأة زادت في رأسها شعرا ليس منه فإنه زور تزيد فيه».
وأخرج الطبراني عنه مرفوعا: «ان الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه».
وأخرج أبو داود عن معاوية ﵁ أن النبي - ﷺ - نهى عن الغلوطات.
وأخرج أبو داود أن معاوية ﵁ توضأ للناس كما رأى رسول الله - ﷺ - يتوضأ فلما بلغ رأسه غرف غرفة من ماء فتلقاها بشماله حتى وضعها على وسط رأسه حتى قطر الماء أو كاد يقطر ثم مسح من
[ ٤٨ ]
مقدمه إلى مؤخره إلى مقدمه.
وأخرج أبو داود عن معاوية ﵁ مرفوعا: «لا تبادروني بركوع ولا سجود إني مهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني به إذا رفعت إني قد بدنت».
وأخرج أبو نعيم عن معاوية مرفوعا أن رجلا كان يعمل السيآت وقتل سبعة وتسعين نفسا كلها يقتل ظلما بغير حق فخرج فأتى ديرانيا فقال يا راهب إن رجلا قتل سبعة وتسعين نفسا كلها يقتل ظلما بغير حق فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله ثم أتى آخر فقال له مثل ما قال لصاحبه فقال: ليست له التوبة، فقتله أيضا، ثم أتى راهبا آخر فقال له مثل ما قال لصاحبه فقال له ليست لك توبة، فقتله أيضا فأتى راهبا آخر فقال له: إن الآخر لم يدع من الشر شيئا إلا عمله قد قتل مائة نفس كلها يقتل ظلما بغير حق فهل له من توبة؟ قال له: والله لئن قلت لك إن الله لا يتوب على من تاب إليه لقد كذبت، ههنا دير فيه قوم متعبدون فأته فاعبد الله معهم، فخرج تائبا حتى إذا كان ببعض الطريق بعث الله إليه ملكا قبض نفسه فحضرته ملائكة العذاب وملائكة الرحمة فاختصموا فيه فبعث إليهم ملكا فقال لهم إلى أي القريتين كان أقرب فهو منهما فقاسوا ما بينهما فوجدوه أقرب إلى قرية التوابين بقيس أنملة فغفر
[ ٤٩ ]
له.
وقال الشيخ الأكبر في الفتوحات المكية روينا من طريق أبي داود عن عبد الله بن علاء عن مغيرة بن قرة قال: قام معاوية في الناس يوما في المسجد على باب حرض فقال: يا أيها الناس إنا قد رأينا الهلال يوم كذا وكذا وأنا متقدم بالصوم فمن أحب أن يفعل فليفعل، فمال إليه مالك بن هبيرة فقال: يا معاوية أشيء سمعته من رسول الله - ﷺ - أم شيء من رأيك؟ فقال: سمعت من رسول الله - ﷺ -: «صوموا الشهر وسرره».
وأخرج البخاري عن حميد بن عبد الرحمن: سمعت معاوية خطيبا يقول: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وإنما أنا قاسم والله يعطي ولن تزال هذه الأمة قائمة لا يضرهم من خالفهم حتى
[ ٥٠ ]
يأتي أمر الله»
وأخرج مسلم عنه: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إنما أنا خازن فمن أعطيته عن طيب نفس فيبارك له فيه ومن أعطيته عن مسألة وشره كان كالذي يأكل ولا يشبع»
وأخرج مسلم عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تلحفوا في المسألة فوالله لا يسألني أحد منكم فيخرج له مسألته في شيء وأنا له كاره فيهما فيبارك له في ما أعطيته»
وأخرج أبو داود والنسائي عن معاوية أن رسول الله - ﷺ - «نهى عن ركوب النمور وعن لبس الذهب إلا مقطعا»؛ وفي رواية لهما عنه مرفوعا: "لا تركبوا الخز ولا النمور"
وأخرج النسائي أن معاوية قال وعنده جمع من أصحاب النبي - ﷺ - فقال: أتعلمون أن النبي - ﷺ - «نهى عن لبس الذهب إلا مقطعا»؟ قالوا: اللهم نعم.
وأخرج أبو داود عن معاوية قال: يا أصحاب النبي - ﷺ - هل تعلمون
[ ٥١ ]
أن النبي - ﷺ - نهى عن كذا وعن «ركوب جلود النمار»؟ قالوا: نعم، قال: فتعلمون أنه نهى أن يقرن بين الحج والعمرة؟ قالوا: أما هذه فلا، قال: أما إنها معهن ولكنكم نسيتم.
وأخرج مسلم عن طلحة بن يحيى عن عمه قال: كنت عند معاوية بن أبي سفيان فجاءه المؤذن يدعوه إلى الصلاة فقال معاوية: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «المؤذنون أطول الناس اعناقا يوم القيامة»
وأخرج مسلم عن أبي سعيد قال: خرج معاوية على حلقة في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟ قالوا: والله ما أجلسنا غيره، قال: إني لم أستحلفكم تهمة لكم وما كان أحد بمترلتي من رسول الله - ﷺ - أقل عنه حديثا مني، وإن رسول الله - ﷺ - خرج على حلقة من أصحابه فقال: «ما أجلسكم ههنا» قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به علينا، قال: «آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟» قال: «أما أني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكني أتاني جبريل فأخبرني أن الله ﷿ يباهي بكم الملائكة».
وقال المحدث القاضي عياض في الشفاء: يروى
[ ٥٢ ]
أن معاوية كان يكتب بين يديه - ﷺ - فقال له: "ألق الدواة وحرف القلم وأقم الباء وفرق السين ولا تعور الميم وحسن الله ومد الرحمن وجود الرحيم"
التاسعة: كان حريصا على اتباع السنة. روى البغوي في شرح السنة عن أبي مجلز أن معاوية خرج وعبد الله بن عامر وعبد الله بن الزبير جالسان فقام ابن عامر وقعد ابن الزبير فقال معاوية: إن رسول الله - ﷺ - قال: «من سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار» وأخرج هذا الحديث عنه الترمذي وأبو داود وأحمد.
وأخرج أبو داود والترمذي عن عمرو بن مرة أنه قال لمعاوية ﵁: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من ولاه الله شيئا من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره» فجعل معاوية رجلا على حوائج الناس.
وأخرج البخاري عن ورّاد كاتب المغيرة بن شعبة أن معاوية ﵁ كتب إلى المغيرة: اكتب إلي بحديث سمعت من رسول الله - ﷺ -، فكتب إليه المغيرة: إني سمعته يقول عند الفراغ من الصلاة: «لا اله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» ثلاث مرات، قال: «وكان ينهى عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ومنع
[ ٥٣ ]
وهات وعقوق الأمهات ووأد البنات».
وأخرج الترمذي أن معاوية كتب إلى عائشة ﵂ أن اكتبي إلي كتابا توصيني به ولا تكثري فكتبت: سلام عليك أما بعد فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من التمس رضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس ومن التمس رضى الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس» والسلام.
وأخرج الترمذي وأبو داود عن سليم بن عامر قال: كان بين معاوية ﵁ وبين الروم عهد وكان يسير نحو بلادهم حتى إذا انقضى العهد أغار عليهم فجاء رجل على فرس أو برذون وهو يقول: الله أكبر الله أكبر وفاء لا غدر، فنظروا فإذا هو عمرو بن عبسة، فسأله معاوية عن ذلك فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عهده ولا يشدنه حتى يمضي أمره أو ينبذ إليهم على سواء» قال: فرجع معاوية بالناس.
ومن شدة حبه النبي - ﷺ - ما ذكره القاضي عياض في الشفاء أن عابس بن ربيعة لما دخل على معاوية من باب الدار قام من سريره وتلقاه
[ ٥٤ ]
وقبل بين عينيه وأقطعه المرغاب لشبهه صورة رسول الله - ﷺ -.
العاشرة: كان يأمر الناس باتباع الحديث وينهاهم عن مخالفته. قال الإمام ابن حجر العسقلاني: كان إذا أتى المدينة وأُسمع من فقهائها شيئا يخالف السنة قال لأهل المدينة: أين علماؤكم، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول كذا، ورأيته يفعل كذا.
وأخرج البخاري عنه قال: إنكم لتصلون صلاة لقد صحبنا النبي - ﷺ - فما رأيناه يصليها ولقد نهى عنها. يعني الركعتين بعد العصر.
وأخرج مسلم عن عمرو بن عطاء قال: إن نافع بن جبير أرسله إلى السائب يسأله عن شيء رآه من معاوية في الصلاة فقال: نعم صليت معه الجمعة في المقصورة فلما سلم قمت في مقامي فصليت فلما دخل أرسل إلي فقال: لا تعد لما فعلت، إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج.
وأخرج مسلم عن معاوية ﵁: إياكم والأحاديث إلا حديثا كان في عهد عمر، فإن عمر كان يخيف الناس في الله ﷿.
قال الشارح: النهي عن الإكثار من الأحاديث بغير تثبت لما شاع في زمنه من التحدث عن أهل الكتاب وما وجد في كتبهم حين فتحت بلدانهم
[ ٥٥ ]
وأمرهم بالرجوع في الأحاديث إلى ما كان في زمن عمر وضبطه الأمر وشدته فيه وخوف الناس سطوته ومنعه الناس من مسارعتهم إلى الأحاديث وطلبه الشهادة على ذلك حتى استقرت الأحاديث واشتهرت السنن. اهـ.
وأخرج البخاري عن محمد بن جبير بن مطعم يحدث أنه بلغ معاوية وهو عنده في وفد من قريش أن عبد الله بن عمرو يحدث أنه سيكون ملك من قحطان فغضب فقام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد فإنه بلغني أن رجالا منكم يحدثون بأحاديث ليست في كتاب الله ولا تؤثر عن رسول الله وأولئك جهالكم فاياكم والأماني التي تضل أهلها فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين»
الحادية عشرة: تبعه كثير من الصحابة الكرام كعمرو بن العاص وابنه عبد الله الزاهد ومعاوية بن خديج وغيرهم ﵃.
الثانية عشرة: أن عمر بن الخطاب ﵁ استخلفه على الشام مع أنه كان شديد التحري في صلاح الأمراء وفسادهم واقره عثمان فلم يترله.
[ ٥٦ ]
الثالثة عشرة: أن الفقهاء يعتمدون على اجتهاده ويذكرون مذهبه كسائر الصحابة، كقولهم: ذهب معاذ بن جبل ومعاوية وسعيد بن المسيب إلى أن المسلم يرث الكافر، وقولهم عن معاوية ﵁ كان المعراج رؤيا صالحة كما روي عن عائشة ﵂، وقولهم روي استلام الركنين اليمانيين عن الحسن والحسين ﵄ وصح عن معاوية.
الرابعة عشرة: تسليم الحسن بن علي الخلافة إليه مع أن معه أكثر من أربعين ألفا بايعوه على الموت. فلو لم يكن أهلا لها لما سلمها السبط الطيب إليه ولحاربه كما حاربه أبوه، ﵃ وعن أولادهم وسيأتي تفصيله.
الخامسة عشرة: أنه كان يتأدب إلى الحسن ويخدمه ويروي فضائل أهل البيت. فهذا يدل على إيثاره الحق مع المنازعة والمخاصمة التي سبقت بقدر الحق سبحانه.
وأخرج أحمد عن معاوية قال: كان رسول الله - ﷺ - يمص لسان الحسن وشفتيه، وإنه لن يعذب الله لسانا أو شفة مصها رسول الله - ﷺ -.
[ ٥٧ ]
وذكر القاري الهروي في شرح المشكاة عن عبد الله بن بريدة أن الحسن ﵁ دخل على معاوية فقال: لأجيزنك بجائزة لم أجز بها أحدا قبلك ولا أجيز بها أحدا بعدك، فأجازه بأربع مائة ألف فقبلها.
وأخرج أحمد أن رجلا سأل معاوية عن مسألة فقال: اسأل عنها عليا فهو أعلم، فقال: يا أمير المؤمنين جوابك فيها أحب إلي من جواب علي، قال: بئسما قلت، لقد كرهت رجلا كان رسول الله - ﷺ - يعزه بالعلم عزا، ولقد قال له: «أنت مني بمترلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي»، وكان عمر ﵁ إذا أشكل عليه شيء أخذ منه. وأخرجه آخرون بنحوه وزاد بعضهم: قم لا أقام الله رجليك، ومحا اسمه من الديوان، ولقد كان عمر يسأله ويأخذ عنه ولقد شهدته إذا اشكل عليه قال: ههنا علي ﵁؟
روى الإمام المستغفري بإسناده إلى عقبة بن عامر قال: كنت أمشي مع معاوية فقال: والله ما على الأرض رجل أحب إلي من علي بن أبي طالب قبل الذي كان بيني وبينه وإني لأعلم أنه يملك من ولده من هو خير أهل الأرض في زمانه وإن له اسما في السماء يعرفه به أهل السماء وإن له علامة يكون في زمانه الخصب ويميت الباطل ويحيي
[ ٥٨ ]
الحق وهو زمان الصالحين يرفعون رؤسهم وينظرونه.
وأخرج الحاكم وابن البخاري عن هشام بن محمد عن أبيه قال: كان عطاء الحسن بن علي من معاوية مائة ألف في كل سنة فحبسها عنه في أحد السنين فاضاق إضاقة شديدة قال فدعوت بدواة لأكتب إلى معاوية ﵁ لاذكره نفسي ثم أمسكت فرأيت رسول الله - ﷺ - في المنام فقال لي: كيف أنت يا حسن؟ قلت: بخير يا أبت، وشكوت إليه تأخر المال عني، قال: أدعوت بدواة لتكتب إلى مخلوق مثلك لتذكره ذلك؟ قلت: نعم يا رسول الله فكيف أصنع؟ قال: قل اللهم اقذف في قلبي رجاءك واقطع رجائي عمن سواك حتى لا أرجو أحدا غيرك، اللهم وما ضعفت عنه قوتي وقصر عنه عملي ولم تنته إليه رغبتي ولم تبلغه مسألتي ولم يجر على لساني مما أعطيت أحدا من الأولين والآخرين من اليقين فخصني به يا رب العالمين، قال فوالله ما ألححت به أسبوعا حتى أتى معاوية بألف ألف وخمسمائة ألف فقلت الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره ولا يخيب من دعاه، فرأيت النبي - ﷺ - في المنام فقال: يا حسن كيف أنت؟ قلت: بخير يا رسول الله، وحدثته بحديثي فقال: يا بني هكذا من رجاء الخالق ولم يرج المخلوقين.
وذكر محمد بن محمود الآملي في نفائس الفنون أنه ذكر علي ﵁ عند معاوية فقال: كان علي والله كالليث إذا دعا وكالبدر إذا بدا وكالمطر إذا ندا فقال له بعض من حضر: أنت أفضل أم
[ ٥٩ ]
علي؟ فقال: خطوط من علي خير من آل أبي سفيان، فقيل: لم حاربته؟ قال: الملك عقيم، ثم قال: من أنشأ شعرا في مدح علي كما يليق به أعطيته بكل بيت ألف دينار، فأنشأ من حضر ومعاوية يقول: علي أفضل منه، فأنشأ عمرو بن العاص أبياتا حتى بلغ قوله: بيت
هو النبأ العظيم وفلك نوح وباب الله وانقطع الخطاب
فاستحسنه معاوية واعطاه سبعة آلاف دينار. انتهى.
وفي الصواعق قال معاوية لضرار بن حمزة: صف لي عليا، فقال: اعفني، فقال: أقسمت عليك، فقال: كان علي والله بعيد المدى شديد القوى يقول فصلا ويحكم عدلا ينفجر العلم من جوانبه وينطق الحكمة على لسانه يستوحش من الدنيا وزهرتها ويأنس بالليل ووحشته وكان غزير الدمعة طويل الفكرة يعجبه من اللباس ما قصر ومن الطعام ما خشن وكان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه ويأتينا إذا دعوناه ونحن والله مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له يعظم أهل الدين ويقرب المساكين لا يطمع القوى في باطله ولا ييئس الضعيف من عدله واشتهر لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين ويقول: يا دنيا غري غيري إلى التشوق
[ ٦٠ ]
هيهات هيهات وقد باينتك ثلاثا لا رجعت فيها فعمرك قصير وخطرك كثير آه آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق. فبكى معاوية وقال: رحم الله أبا حسن كان والله كذلك.
السادسة عشرة: أن رجلا جاء عند الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز فقال: أمير المؤمنين يزيد، فضربه بالسوط ووقع آخر في معاوية ﵁ فضربه بالسوط.
السابعة عشرة: أن ابن عساكر روى بسند ضعيف عن ابن عباس ﵁ قال: كنت عند النبي - ﷺ - وعنده أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية إذا أقبل علي فقال النبي - ﷺ - لمعاوية: أتحب عليا؟ قال: نعم، قال: إنها ستكون بينكم هنيهة، قال معاوية فما بعد ذلك يا رسول الله قال عفو الله ورضوانه، قال: رضينا بقضاء الله فعند ذلك نزلت: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾
الثامنة عشرة: قوله - ﷺ - في الحسن بن علي: «لعلّ الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» رواه البخاري وسيأتي تفصيله.
التاسعة عشرة: قوله - ﷺ -: "أول من يبدل سنتي رجل من بني أمية يقال له يزيد" رواه الروياني في مسنده من حديث أبي الدرداء. أخرج أبو علي بسند ضعيف عن أبي عبيدة مرفوعا: "لا يزال أمر
[ ٦١ ]
أمتي قائما بالقسط حتى يكون أول من يثلمه رجل من بني أمية يقال له يزيد" فيدل على أن معاوية ﵁ لم يخالف السنة. وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: "تعوذوا بالله من رأس السبعين وإمارة الصبيان" رواه أحمد. أراد تأريخ الهجرة أو الوفاة وإمارة يزيد وأولاد الحكم الأموي. واشتهر في العامة أن النبي - ﷺ - رأى يزيد يحمله معاوية فقال: أهل الجنة يحمل أهل النار. وليس بصحيح فإن يزيد ولد في خلافة عثمان ﵁ كما ذكره ابن الاثير في الجامع.
المكملة العشرون: قصة موته: قال مؤلف المشكاة: مات في رجب بدمشق وله ثمان وسبعون سنة وكان اصابه لقوة في آخر عمره وكان يقول في آخر عمره: يا ليتني كنت رجلا من قريش بذي طوى ولم أر من هذا الأمر شيئا وكان عنده إزار رسول الله - ﷺ - ورداءه وقميصه وشيء من شعره وأظفاره فقال: كفنوني في قميصه وأدرجوني في ردائه وازروني بإزاره واحشوا منخري ومواضع السجود مني وشدقي بشعره
[ ٦٢ ]
وظفره وخلوا بيني وبين أرحم الراحمين.
الحادية والعشرون: قول إمام الأئمة مالك: من شتم أحدا من أصحاب النبي - ﷺ - أبا بكر أو عمر أو عثمان أو معاوية أو عمرو بن العاص فإن قال كانوا على ضلال أو كفر قتل، وإن شتمهم بغير هذا من مشاتمة الناس نُكل نكالا. كذا من الصواعق.