النبوة هي أصل المعجزة.
والولاية هي أصل الكرامة.
فلا تحصل المعجزة الخارقة للعادة - التي هي أصل الكرامة في الجنس - إلا مع النبوة الصادقة، كما أنّ الكرامة الخارقة للعادة لا تحصل للولي إلا بمتابعته لشرع نبيّه.
فالمعجزة إذًا دليلٌ على النبوة الصادقة.
والكرامة دليلٌ على صدق الشاهد بالنبوة الصادقة.
وجامعهما: آية الله الخارقة الدالة على النبوة الصادقة.
فهما من جنس واحدٍ.
ولكن لا يلزم من هذا أن تكون المعجزة والكرامة متساويتين في الحدّ والحقيقة؛ فآيات الله لا يُحاط بها علمًا، كما أنه - جلّ وعلا - لا يُحيطون به علمًا إلا بما شاء ﷾.
ومن آيات الله تعالى ما هي آيات كبرى، ومنها ما هي آيات صغرى.
فالآيات الكبرى لا تكون إلا للأنبياء والمرسلين، وهي التي وجب على الناس الإيمان بمقتضاها، وهي التي يُطلق عليها اسم المعجزات.
والآيات الصغرى لا تصل إلى درجة سابقتها، ولا تبلغ مبلغها في الحدّ ولا في الحقيقة، وهي التي يُطلق عليها اسم الكرامات.
ولما كانت الآيات الكبرى والصغرى من جنس واحد، وكان من خواصهما خرق العادة، كان من الواجب أن يكون خرق العادة فيهما مخالفٌ لسنن الطبيعة، وخواص المادة، وقانون الأسباب والمسبّبات،
[ ١ / ٤٠ ]
لا سيما في المعجزات التي هي الدلائل اليقينيّة على صدق الرسل؛ فإنّ رتبة الرسالة ذات شأن عظيم؛ إذ هي الواسطة بين الخالق والمخلوق، والعابد والمعبود، وعليها تترتب سعادة المصدّقين، وشقاوة المكذّبين في كلتا الدارين١.
وفضل معرفة المعجزات، والتمييز بينها وبين ما للسحرة والكهان من الخوارق عظيم، وتعلّم ذلك من أشرف العلوم.
يقول شيخ الإسلام - ﵀: "فإنّ الكلام في المعجزات وخصائصها، والفرق بينها وبين غيرها من أشرف العلوم، وأكثر أهل الكلام خلطوا فيه تخليطًا ليس هذا موضعه" ٢.
ويقول - ﵀: "الفرق بين النبيّ والساحر أعظم من الفرق بين الليل والنهار"٣.
ويقول - ﵀ - أيضًا: "فهذا الموضوع من فهمه فهمًا جيدًا تبيَّن له الفرقان في هذا النوع؛ فإنّ كثيرًا من الناس يصفها بأنها خوارق ومعجزات وعجائب، ونحو ذلك، ولا يُحقّق الفرق بين ما يجب أن يخرق عادته ومعجزه، ومن لا يجب أن يكون في حقه كذلك"٤.
_________________
(١) ١ انظر: خوارق العادات لعبد الرحمن إبراهيم الحميضي ص ٥. وانظر: النبوات ص ٦٣٦، ٩٦١-٩٦٣، ١٢٦١، ١٣٢٦. ٢ قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان ص ١٦٤. ٣ النبوات ص ٨٤٥. ٤ النبوات ص ١٠٢٠.
[ ١ / ٤١ ]
والمعجزات طريق من طرق إثبات الصانع، ومعرفة صدق الرسول، كما قال شيخ الإسلام - ﵀: "المعجزات قد يُعلم بها ثبوت الصانع وصدق الرسول معًا"١.
ودلالتها على إثبات الصانع، وصدق الرسول تأتي بيِّنة واضحة في أحايين كثيرة.
يقول شيخ الإسلام - ﵀: "إنّ دلائل النبوة من جنس دلائل الربوبية، فيها الظاهر والبيِّن لكلِّ أحد، كالحوادث المشهودة؛ فإنّ الخلق كلّهم محتاجون إلى الإقرار بالخالق والإقرار بالرسالة"٢.
ويقول - ﵀: "والكلام في النبوة فرعٌ على إثبات الحكمة التي يوجب فعل ما تقتضيه الحكمة، ويمتنع فعل ما تنفيه، فتقول: هو ﷾ حكيمٌ يضع كلّ شيء في موضعه المناسب له، فلا يجوز عليه أن يُسوّي بين جنس الصادق والكاذب.."٣.
لذا وجبت العناية بمعرفة ذلك، والتفريق بين معجزات الأنبياء وكرامات الصالحين، وبين خوارق السحرة والكهان والمشعوذين.
_________________
(١) ١ درء تعارض العقل والنقل ٥/٤٢. ٢ الجواب الصحيح ٥/٤٣٥. ٣ النبوات ص ١١٢٢.
[ ١ / ٤٢ ]