فالآيات التي تكون آيات للأنبياء: هي دليلٌ وبُرهان.
والله تعالى سمّاها برهانًا في قوله لموسى: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ ١؛ وهي العصا واليد٢.
وسماها برهانًا [و] ٣آيات في مواضع كثيرة من القرآن٤.
فحدّها حدّ الدليل والبرهان؛ وهي أن تكون مستلزمة لصدق النبيّ، فلا يتصور أن [توجد] ٥ مع انتفاء [صدق] ٦ من أخبر أنّ الله أرسله.
فليس له إلاَّ حالان: إمّا أن يكون الله أرسله، فيكون صادقًا، أو لا يكون أرسله، فلا يكون صادقًا.
فآيات الصدق لا توجد إلا مع أحد النقيضين؛ وهو الصدق، لا [توجد] ٧
_________________
(١) ١ سورة القصص، الآية ٣٢. ٢ وهو قول المفسرين جميعًا. انظر: زاد المسير لابن الجوزي ٦٢٢٠-٢٢١. ٣ ما بين المعقوفتين ساقط من «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٤ من ذلك: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [سورة النساء، الآية ١٧٤] . وقول صالح ﵇ لقومه كما حكى الله تعالى عنه: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ﴾ [سورة الأعراف، الآية ٧٣] . والأدلة على ذلك كثيرة جدًا، أكثر من أن يجمعها محلّ واحد. وقد سبق ذكر كثير منها في هذا الكتاب؛ انظر ص ٢٥١. ٥ في «خ»: يوجد. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٦ في «خ»: صدقه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٧ في «خ»: يوجد. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ٢ / ٧٨٢ ]
قطّ مع الآخر؛ وهو انتفاء الصدق؛ كسائر الأدلة؛ التي هي: البراهين، والآيات، والعلامة؛ فإنّها لا توجد إلا مع تحقّق المدلول عليه، لا توجد مع عدمه قط؛ إذ كانت مستلزمة له؛ يلزم من وجود الدليل، وجود المدلول عليه؛ فلا يوجد الدليل مع عدم المدلول عليه؛ فلا توجد آياتهم مع عدم صدقهم.
فيجب أن يُتصوَّر هذا الموضع؛ فإنّه حقٌ، معلومٌ بعد تصوّره لكل العقلاء بالضرورة، فلا يمكن أحدًا كذَّب النبي أن يأتي بمثلها؛ فإنّه لو أتى بمثلها، مع تكذيب النبيّ، لكانت قد وجدت مع قوله: إنّي صادق، ومع قول هذا المكذِّب: إنّه كاذب؛ فلم [تختصّ] ١ بصدقه، ولم تستلزمه؛ فلا يلزم إذا قال: إني صادق، أن يكون صادقًا، وهذا قد أتى بمثل ما أتى به، وقال: إنّه كاذب.
ولا يكون إعلامًا من الله لعباده، وإخبارًا لهم: بأنّي أرسلته، ولا تصديقًا له؛ كما لو قال رجلٌ: إنّ فلانًا أرسلني، وجاء بعلامةٍ ذكر أنّه خصّه بها؛ مثل أن يقول: العلامة أنه أعطاني خاتمه، فيقول المكذِّب: وأنا أيضًا أعطاني خاتمه الأخرى لأصلحها له، أو لأختم بها كذا، وأنت إنّما أعطاك خاتمه لتصلحها، أو [تختم] ٢ بها.
فإذا أتى المكذِّب له بمثل ما أتى به، امتنع كونها آية.
ولكن لو كان قد [جاءهم] ٣ بالخاتم غيره لأمرٍ آخرَ أرسله [له] ٤، لم
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: يختصّ. ٢ في «خ»: يختم. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «م»، و«ط»: جاء. ٤ ما بين المعقوفتين ساقط من «خ»، وهو في «م»، و«ط» .
[ ٢ / ٧٨٣ ]
يمتنع ذلك، بل قد جرت عادته معهم: بأنّه من أرسله، يُرسل معه خاتمه؛ فقد صار إرسال الخاتم عادة له، يدلّ على صدق من أرسله؛ فهو يُميِّز رسله بالخاتم، لا يخصّ بها واحدًا منهم، وهي عادة منه لرسله، ليست لغيرهم؛ لا عادة، ولا غير عادة.
فهذا شأن الآيات والعلامات التي يقصد الدالّ بها أن يدلّ بها.
[ ٢ / ٧٨٤ ]