فصل أصول الدين
قد ذكرنا في غير موضع١ أن أصول الدين الذي بعث الله به رسوله محمّدًا ﷺ قد بيّنها في القرآن أحسن بيان، وبيّن دلائل الربوبية والوحدانية، ودلائل أسماء الرب وصفاته، وبيّن دلائل نبوة أنبيائه، وبيّن المعاد بين إمكانه وقدرته عليه في غير موضع، وبيَّن وقوعه بالأدلة السمعية والعقلية؛ فكان في بيان الله أصول الدين الحقّ؛ وهو دين الله؛ وهي أصول ثابتة، صحيحة، معلومة؛ فتضمّن بيان العلم النافع، والعمل الصالح؛ الهدى، ودين الحق.
وأهل البدع الذين ابتدعوا أصولَ دينٍ يخالف ذلك، ليس فيما ابتدعوه؛ لا هدى، ولا دين حقّ؛ فابتدعوا ما زعموا أنّه أدلّة وبراهين على إثبات الصانع، وصدق الرسول، وإمكان المعاد أو وقوعه.
وفيما ابتدعوه ما خالفوا به الشرع. وكلّ ما خالفوه من الشرع، فقد خالفوا فيه العقل أيضًا؛ فإنّ الذي بعث اللهُ به محمّدًا، وغيرَه من الأنبياء: هو حقّ، وصدق، وتدلّ عليه الأدلة العقلية؛ فهو ثابت بالسمع، و[بالعقل] ٢.
_________________
(١) ١ انظر ص ٢٨٦ من هذا الكتاب. وانظر: نقض تأسيس الجهميّة ١٢٤٦. وشرح الأصفهانية ١٤١. ودرء تعارض العقل والنقل ١١٨٨-١٩٩. وكتاب الصفدية ١٢٩٥-٢٩٦. ودقائق التفسير ٥٢٦٣. ٢ في «م»، و«ط»: العقل.
[ ٢ / ٦١٣ ]
الذين خالفوا الرسل ليس معهم سمع ولا عقل
والذين خالفوا الرسل ليس معهم [سمعٌ] ١، ولا عقل؛ كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِير قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ في ضَلالٍ كَبِيرٍ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا في أَصْحَابِ السَّعِيرِ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًَا لأَصْحَابِ السَّعِير﴾ ٢.
وقال تعالى لمكذّبي الرسل: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا في الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ [قُلُوبٌ] ٣ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُور﴾ ٤، ذكر ذلك بعد قوله: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ [قَوْمُ] ٥ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ للكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِير فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ [أَهْلَكْنَاهَا] ٦ وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ [خَاوِيَةٌ عَلَى] ٧ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ ٨، ثم قال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا في الأَرْضِ﴾ الآية٩، ثم قال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ المَصِير﴾ ١٠؛ فذكر إهلاك من أهلك، وأملاه لمن أملى؛ لئلاّ يغترَّ المغتر؛ [فيقول] ١١: نحن لم يهلكنا.
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: لا سمع. ٢ سورة الملك، الآيات ٨-١١. ٣ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٤ سورة الحج، الآية ٤٦. ٥ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٦ في «خ»: أهلكتها. ٧ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٨ سورة الحج، الآيات ٤٢-٤٥. ٩ سورة الحج، الآية ٤٦. ١٠ سورة الحج، الآية ٤٨. ١١ في «خ»: فتقول. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ٢ / ٦١٤ ]
وقد بسط هذا في غير هذا الموضع١.
ما جاء به الرسول يدل عليه السمع والعقل
والمقصود هنا: أنّ ما جاء به الرسول يدلّ عليه السمع والعقل، وهو حقّ في نفسه؛ كالحكم الذي يحكم به؛ فإنه يحكم بالعدل؛ وهو الشرع. فالعدل هو الشرع، والشرع هو العدل.
ولهذا يأمر نبيه أن يحكم بالقسط، وأن يحكم بما أنزل الله. والذي أنزل الله هو القسط، والقسط هو الذي [أنزله] ٢ الله. وكذلك الحق، والصدق هو ما أخبرت به الرسل، وما أخبرت به فهو الحق، والصدق.
ذم السلف لأهل الكلام
[والسلف] ٣ والأئمة ذموا أهل الكلام المبتدعين؛ الذين خالفوا الكتاب، والسنّة٤. ومن خالف الكتاب والسنة لم يكن كلامه إلا باطلًا؛ فالكلام الذي ذمّه السلف يُذمّ لأنّه باطل، ولأنّه يُخالف الشرع٥.
الشافعي وأحمد ذمّا كلام الجهمية
من الناس من ظن أن السلف أنكروا كلام القدرية فقط
ولكنّ لفظ الكلام لمّا كان مجملًا، لم يعرف كثيرٌ من الناس الفرق بين الكلام الذي ذموه، وغيره؛ فمن الناس من يظن أنّهم إنّما أنكروا كلام القدرية فقط؛ كما ذكره البيهقي٦،
_________________
(١) ١ انظر: درء تعارض العقل والنقل ٧٣٩٤. ٢ في «م»، و«ط»: أنزل. ٣ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٤ سبقت الإشارة إلى ذلك ص ٣٢٠-٣٢٤. ٥ قال الإمام البربهاري ﵀: "اعلم أنها لم تكن زندقة، ولا كفر، ولا شكوك، ولا بدعة، ولا ضلالة، ولا حيرة في الدين، إلا من الكلام، وأهل الكلام والجدل والمراء والخصومة والعجب". شرح السنة للبربهاري ص ٤٨. ٦ انظر تبيين كذب المفتري لابن عساكر ٣٤١، ٣٤٤-٣٥٢؛ حيث نقل كلام البيهقي في أنّ الشافعيّ إنّما قصد بذمّه لأهله الكلام القدرية، ومنهم حفص الفرد. والبيهقي هو: أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي الشافعيّ، شيخ خراسان، ومن أئمة المحدثين. ولد سنة ٣٨٤؟، وتوفي سنة ٤٥٨؟. قال عنه إمام الحرمين الجويني: "ما من شافعيّ إلا وللشافعي في عنقه منّة، إلا البيهقي؛ فإنّه له على الشافعي منّة؛ لتصانيفه في نصرته لمذهبه وأقاويله". انظر: طبقات الشافعية ٤٨-١٦. وشذرات الذهب ٣٣٠٤-٣٠٥.
[ ٢ / ٦١٥ ]
وابن عساكر١ في تفسير كلام الشافعيّ، ونحوه؛ ليُخرجوا أصحابهم عن الذمّ، وليس كذلك؛ بل الشافعي أنكر كلام الجهمية؛ كلام حفص الفرد، وأمثاله٢، وهؤلاء كانت منازعتهم في الصفات، والقرآن، والرؤية، لا في القدر. وكذلك أحمد بن حنبل خصومه من أهل الكلام هم الجهمية٣
_________________
(١) ١ انظر: تبيين كذب المفتري لابن عساكر ص ٣٣٦. وانظر رد شيخ الإسلام على مقولته: درء تعارض العقل والنقل ٧٢٤٦-٢٥١. وابن عساكر هو: علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله الدمشقي الشافعي المعروف بابن عساكر. محدث، حافظ، فقيه، مؤرخ، رحل إلى ديار كثيرة، وسمع فيها، وحدّث. توفي سنة ٥٧١؟. انظر: طبقات الشافعية ٧٢١٥-٢٢٣. والبداية والنهاية ١٢٢٩٤. ومعجم المؤلفين ٧٦٩، ٧٠. ٢ سبق نقل كلام الشافعي في حفص الفرد. انظر ص ٣٢١ من هذا الكتاب، وانظر ترجمة حفص الفرد في الصفحة نفسها. وقال شيخ الإسلام ﵀: "وقد بيَّنّا أنّ ذمّ الشافعيّ لكلام حفص وأمثاله لم يكن لأجل إنكار القدر؛ فإنّ حفصًا لا يُنكره، وإنّما كان لإنكار الصفات والأفعال المبني على دليل الأعراض". درء تعارض العقل والنقل ٧٢٧٥. وانظر: المصدر نفسه ٧١٤٦، ٢٤٥، ٢٤٦، ٢٥٠. ٣ ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في غير ما موضع من كتبه أنّ المحنة التي وقعت للإمام أحمد بن حنبل ﵀، والمناظرة التي حدثت لم تكن مع المعتزلة فقط، بل كانت مع جنس الجهميّة. ومن النصوص التي وقفت عليها في ذلك: قول شيخ الإسلام ﵀ عن فتنة خلق القرآن التي وقعت زمن الإمام أحمد بن حنبل ﵀: "ولم تكن المناظرة مع المعتزلة فقط، بل كانت مع جنس الجهمية؛ من المعتزلة، والنجارية، والضرارية، وأنواع المرجئة؛ فكلّ معتزليّ جهميّ، وليس كلّ جهميّ معتزليًا الخ". منهاج السنة النبوية ٢٦٠٣-٦٠٤. وقال ﵀ في موضع آخر يحكي عن الإمام أحمد وما جرى له مع ابن أبي دؤاد: " وكان أحمد بن أبي دؤاد قد جمع له نفاة الصفات القائلين بخلق القرآن من جميع الطوائف؛ فجمع له مثل أبي عيسى محمد بن عيسى بن برغوث، ومن أكابر النجارية؛ أصحاب حسين النجّار. وأئمة السنة؛ كابن المبارك، وأحمد بن إسحاق، والبخاريّ، وغيرهم يُسمّون جميع هؤلاء جهمية. وصار كثير من المتأخرين؛ من أصحاب أحمد، وغيرهم يظنّون أنّ خصومه كانوا المعتزلة، ويظنون أنّ بشر بن غياث المريسي وإن كان قد مات قبل محنة أحمد، وابن أبي دؤاد، ونحوهما كانوا معتزلة. وليس كذلك؛ بل المعتزلة كانوا نوعًا من جملة من يقول: القرآن مخلوق. وكانت الجهمية أتباع جهم، والنجارية أتباع حسين النجار، والضرارية أتباع ضرار بن عمرو، والمعتزلة، هؤلاء يقولون: القرآن مخلوق". مجموع فتاوى ابن تيمية ١٤٣٥٢. وقال شيخ الإسلام ﵀ أيضًا: "وهذه المعاني مما ناظروا بها الإمام أحمد في المحنة، وكان ممن احتج على أنّ القرآن مخلوق بنفي التجسيم: أبو عيسى محمد بن عيسى؛ برغوث؛ تلميذ حسين النجار، وهو من أكابر المتكلمين؛ فإنّ ابن أبي دؤاد كان قد جمع للإمام أحمد مَنْ أمكنه من متكلمي البصرة، وبغداد، وغيرهم؛ ممن يقول: إنّ القرآن مخلوق. وهذا القول لم يكن مختصًا بالمعتزلة كما يظنّه بعض الناس؛ فإنّ كثيرًا من أولئك المتكلمين، أو أكثرهم لم يكونوا معتزلة. وبشر المريسي لم يكن من المعتزلة، بل فيهم نجاريّة، ومنهم برغوث، وفيهم ضراريّة، وحفص الفرد الذي ناظر الشافعيّ كان من الضرارية؛ أتباع ضرار بن عمرو، وفيهم مرجئة. ومنهم بشر المريسيّ، ومنهم جهمية محضة، ومنهم معتزلة. وابن أبي دؤاد لم يكن معتزليًا، بل كان جهميًا ينفي الصفات. والمعتزلة تنفي الصفات؛ فنفاة الصفات الجهميّة أعمّ من المعتزلة ". مجموع الفتاوى ١٧٢٩٩-٣٠٠.
[ ٢ / ٦١٦ ]
الذين ناظروه في القرآن؛ مثل أبي عيسى محمد بن عيسى برغوث؛ صاحب حسين النّجّار، وأمثاله١. ولم يكونوا قدريّة، ولا كان النزاع في مسائل
_________________
(١) ١ سبق كلام الإمام أحمد ﵀ في برغوث ص ٣٢٢ من هذا الكتاب، وقد ذكرت ترجمة برغوث، وترجمة صاحبه حسين النجار في الصفحة نفسها. وانظر في ذم السلف لأهل الكلام: شرح الأصفهانية ٢٣١٨-٣٢٣. ولزيادة إيضاح هذا الموضوع، انظر: درء تعارض العقل والنقل ١٢٣٠-٢٣١، ٢٤٩، ٧٢٥٧، ٢٧٥، ٢٧٦، ٢٧٨.
[ ٢ / ٦١٧ ]
القدر. ولهذا يُصرّح أحمد، وأمثاله من السلف بذمّ الجهميّة، بل يكفرونهم أعظم من سائر الطوائف١.
أصول أهل الأهواء
وقال عبد الله بن المبارك٢، ويوسف بن أسباط٣، وغيرهما: أصول أهل الأهواء أربع: الشيعة٤، والخوارج٥، والمرجئة٦،
_________________
(١) ١ وللسلف كتب مستقلة في فضح وذمّ الجهميّة. انظر على سبيل المثال: الردّ على الجهمية للإمام أحمد، وللإمام الدارمي، وللجعفي شيخ البخاريّ، وبيان تلبيس الجهميّة لشيخ الإسلام ابن تيمية، واجتماع الجيوش الإسلامية، والصواعق المنزلة على الطائفة الجهمية والمعطلة؛ كلاهما لابن قيم الجوزية ﵀. وهناك كتب جمعها السلف فيها ذمّ للجهمية، وردّ عليهم. انظر: كتاب الردّ على الجهمية في صحيح البخاري، وخلق أفعال العباد "الجزء الثاني منه" للإمام البخاري. وكتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي. وكتاب السنة لابن أبي عاصم. وسميّه لعبد الله بن الإمام أحمد، وكذلك للخلاّل، وغيرهم كثير. ٢ سبقت ترجمته. ٣ سبقت ترجمته. ٤ سبق التعريف بهم. ٥ سبق التعريف بهم. ٦ قال الشهرستاني: "الإرجاء على معنيين: أحدهما: بمعنى التأخير؛ كما في قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ [الأعراف، ١١١]؛ أي أمهله وأخّره. والثاني: إعطاء الرجاء. وأما إطلاق اسم المرجئة على الجماعة بالمعنى الأول فصحيح؛ لأنهم كانوا يؤخرون العمل عن النية والعقد. وأما بالمعنى الثاني فظاهر؛ فإنهم كانوا يقولون: لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة". الملل والنحل للشهرستاني ١١٣٩. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (المرجئة ثلاث أصناف: الذين يقولون: الإيمان مجرد ما في القلب، ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب، وهم أكثر فرق المرجئة ومنهم من لا يدخلها في الإيمان؛ كجهم ومن اتبعه كالصالحي. وهذا الذي نصره هو وأكثر أصحابه. والقول الثاني: من يقول: هو مجرد قول باللسان. وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية. والثالث: تصديق القلب، وقول اللسان. وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم". مجموع الفتاوى ٧١٩٥. وانظر: الفرق بين الفرق للبغدادي ص ٢٠٢-٢٠٧. ومقالات الإسلاميين للأشعري ١٢١٣-٢٣٤. والفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ٢١١١-١١٢، ٤٢٠٤. والملل والنحل للشهرستاني ١١٣٩-١٤٦.
[ ٢ / ٦١٨ ]
والقدرية١. فقيل لهم: الجهمية٢؟ فقالوا: الجهمية ليسوا من أمّة محمد٣. ولهذا ذكر أبو عبد الله بن حامد٤ عن أصحاب أحمد في الجهمية: هل هم من الثنتين وسبعين فرقة؟ وجهين٥؛ أحدهما: أنّهم ليسوا منهم؛ لخروجهم عن الإسلام.
السلف لم يذموا جنس الكلام
وطائفة تظنّ أنّ الكلام الذي ذمّه السلف: هو مطلق النظر، والاحتجاج، والمناظرة٦،
_________________
(١) ١ والمقصود بهم القدرية النفاة. وهو من ألقاب المعتزلة الذين ينفون الإرادة والقدرة عن الله ويثبتون للعبد قدرة يفعل بها ما اختار فعله. فكل إنسان عندهم يخلق فعل نفسه. انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي ص ١١٤-١١٦. والفصل لابن حزم ٣٢٢. والملل والنحل للشهرستاني ١٤٣-٤٥، ودرء تعارض العقل والنقل ٨٤٠٥. ٢ سبق التعريف بهم. ٣ سبق تخريج هذا الأثر.. انظر ص ٤٩٨ من هذا الكتاب. ٤ سبقت ترجمته. ٥ انظر ص ٦٩٤؛ فقد سبق تخريج هذا الأثر. ٦ السلف ﵏ انصبّ ذمّهم على الكلام الباطل؛ بسبب مخالفته للنصوص الشرعيّة. ويزيد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذا المعنى إيضاحًا؛ فيقول: "السلف ﵏ لم يذمّوا جنس الكلام؛ فإنّ كلّ آدميّ يتكلّم، ولا ذمّوا الاستدلال، والنظر، والجدل الذي أمر الله به رسوله ﷺ، والاستدلال بما بيَّنه الله ورسوله ﷺ، بل ولا ذمّوا كلامًا هو حقّ، بل ذمّوا الكلام الباطل، وهو المخالف للكتاب والسنّة، وهو المخالف للعقل أيضًا، وهو الباطل، فالكلام الذي ذمّه السلف هو الكلام الباطل، وهو المخالف للشرع والعقل، ولكن كثير من الناس خفي عليه بطلان هذا الكلام". الفرقان بين الحق والباطل لابن تيمية ص ٩٦. وانظر: مجموع الفتاوى ٣٣٠٦-٣٠٧، ١٣١٤٧-١٤٨، ١٦٤٧٣. ودرء تعارض العقل والنقل ١١٧٨، ٢٣٢-٢٣٧، ٧١٧٠، ١٨١. والفتاوى المصرية ١١٣٦، ١٣٧، ٦٥٦٠. وجامع الرسائل ٢٣٦ رسالة في الصفات الاختيارية.
[ ٢ / ٦١٩ ]
ويزعم من يزعم [من] ١ هؤلاء أنّ قوله: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هي أَحْسَن﴾ ٢، و﴿جَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِي أَحْسَن﴾ ٣: منسوخٌ بآية السيف٤.
_________________
(١) ١ في «خ»: أن. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ سورة العنكبوت، الآية ٤٦. ٣ سورة النحل، الآية ١٢٥. ٤ انظر: زاد المسير لابن الجوزي ٤٥٠٦، ٩٢٥٤. وآيات السيف، مثل قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ سورة التوبة. ومثل قوله: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ سورة محمد. ونقل الحافظ ابن كثير ﵀ عن ابن أبي حاتم بسنده إلى علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: "بعث النبي ﷺ بأربعة أسياف؛ سيف في المشركين من العرب، قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ . هكذا رواه مختصرًا. وعقّب الحافظ ابن كثير بقوله: وأظن أن السيف الثاني هو قتال أهل الكتاب، لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، والسيف الثالث: قتال المنافقين، في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ الآية. والرابع: قتال الباغين في قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ . تفسير ابن كثير ٢٣٣٦-٣٣٧.
[ ٢ / ٦٢٠ ]
وهؤلاء أيضًا غالطون؛ فإنّ الله تعالى قد أخبر عن قوم نوح، وإبراهيم بمجادلتهم للكفار؛ حتى: ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ ١، وقال عن قوم إبراهيم: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ ٢، إلى قوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ ٣، وذكر محاجّة إبراهيم للكافر.
[والقرآن] ٤ فيه من مناظرة الكفار، والاحتجاج عليهم ما فيه؛ من [شفاء] ٥، وكفاية.
وقوله تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هي أَحْسَن إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ ٦، وقوله: ﴿جَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِي أَحْسَن﴾ ٧: ليس في القرآن ما ينسخهما، ولكنّ بعض الناس يظنّ أنّ من المجادلة ترك الجهاد بالسيف. وكلّ ما كان متضمنا لترك الجهاد المأمور به فهو منسوخ بآيات السيف والجهاد.
متى تكون المجادلة؟
والمجادلة قد [تكون] ٨ مع أهل الذمّة، والهدنة، والأمان، ومن لا يجوز قتاله بالسيف، وقد [تكون] ٩ في ابتداء الدعوة؛ كما كان النبيّ ﷺ يُجاهد الكفّار بالقرآن، وقد [تكون] ١٠ لبيان الحقّ، وشفاء القلوب من الشبه، [مع من] ١١ يطلب الاستهداء والبيان.
_________________
(١) ١ سورة هود، الآية ٣٢. ٢ سورة الأنعام، الآية ٨٠. ٣ سورة الأنعام، الآية ٨٣. ٤ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٥ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٦ سورة العنكبوت، الآية ٤٦. ٧ سورة النحل، الآية ١٢٥. ٨ في «خ»: يكون. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٩ في «خ»: يكون. وما أثبت من «م»، و«ط» . ١٠ في «خ»: يكون. وما أثبت من «م»، و«ط» . ١١ في «خ» رسمت: معمن.
[ ٢ / ٦٢١ ]
وبسط هذا له موضع آخر١.
المبتدعة ابتدعوا أصولًا تخالف الكتاب
والمقصود هنا: أنّ المبتدعين الذين ابتدعوا كلامًا وأصولًا تُخالف الكتاب، وهي أيضًا مخالفة للميزان؛ وهو العدل؛ فهي مخالفة للسمع، والعقل؛ كما ابتدعوا في إثبات الصانع إثباته بحدوث الأجسام، وأثبتوا حدوث الأجسام بأنّها مستلزمة للأعراض لا تنفكّ عنها. قالوا: وما لا يخلو عن الحوادث، فهو حادث؛ لامتناع حوادث لا أول لها.
فهؤلاء٢ إذا حقق عليهم ما قالوه، لم يوجدوا قد [أثبتوا] ٣ العلم بالصانع، ولا أثبتوا النبوة، ولا أثبتوا المعاد. وهذه هي أصول الدين والإيمان٤. بل كلامهم في الخلق، والبعث؛ المبدأ والمعاد، وفي إثبات الصانع ليس فيه تحقيق العلم لا عقلًا، ولا نقلًا.
_________________
(١) ١ قال شيخ الإسلام ﵀ يؤصل المسائل المختلف فيها، يبين حال الخصوم بيانًا شافيًا، ثم يكر عليه بالرد، وذلك بهدم الباطل الذي عند الخصم وإحلال الحق مكانه، قال ﵀: "فإن المبتدع الذي بنى مذهبه على أصل فاسد، فينبغي إذا كان المناظر مدعيا أن الحق معه أن يبدأ بهدم ما عنده فإذا انكسر وطلب الحق فأعطه إياه، وإلا فما دام معتقدًا نقيض الحق لم يدخل الحق إلى قلبه، كاللوح الذي كتب فيه كلام باطل، أمحه أولًا، ثم أكتب فيه الحق" بل يرى مناظرة أهل البدع، ودحض شبهاتهم؛ فيقول ﵀: "فكلّ من لم يُناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم، لم يكن أعطى الإسلام حقّه، ولا وفى بموجب العلم والإيمان، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس، ولا أفاد كلامه العلم واليقين". مجموع الفتاوى ٧١٥٨-١٥٩. وانظر منهج شيخ الإسلام في الرد على خصومهم: موقفه من الأشاعرة ١٢٨٤-٣١٨ درء تعارض العقل والنقل ١٣٥٧. وانظر: المصدر نفسه ١٢٣٢-٢٣٧. ٢ المبتدعة؛ أصحاب دليل الأعراض وحدوث الأجسام. ٣ في «خ»: أثبتو. ٤ انظر طريقة المتكلمين في إثبات أصول الدين، وذمّ السلف لهذه الطريقة في كتاب الصفدية ١٢٧٤-٢٧٥، ٢٧٧-٢٧٩.
[ ٢ / ٦٢٢ ]
ندم الرازي وحيرته
[وهم] ١ معترفون بذلك؛ كما قال الرازي: لقد تأملت الطرق الكلاميّة، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلًا، ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق: طريقة القرآن؛ أقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٢، ﴿وَلا يحِيطُون بِهِ عِلْمًَا﴾ ٣، وأقرأ في الإثبات: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٤، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ٥، ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ﴾ ٦.
ثم قال٧: ومن جرّب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي٨.
وكذلك الغزالي٩، وابن عقيل١٠، وغيرهما١١ يقولون ما يشبه هذا.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٢ سورة الشورى، الآية ١١. ٣ سورة طه، الآية ١١٠. ٤ سورة طه، الآية ٥. ٥ سورة فاطر، الآية ١٠. ٦ سورة الملك، الآية ١٦. ٧ يعني الرازي. ٨ سبق كلام الرازي هذا مرارًا. انظر ص ٣٥٦-٣٥٧، ٤٧٨، ٦١٢. ٩ انظر ذمّ الغزالي للكلام في إحياء علوم الدين ١١١٣-١١٧، وقواعد العقائد ص ٨٢-١٠٥ وكلاهما للغزالي. وانظر: درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام ٧١٥٧-١٨٦، ٢٤٢-٢٤٦. وشرح الأصفهانية له ٢٥٥١. ١٠ قال ابن عقيل: "فنصيحتي لإخواني من المؤمنين الموحدين أن لا يقرع أبكار قلوبهم كلام المتكلمين، ولا تصغي مسامعهم إلى خرافات المتصوفين وقد خبرت طريقة الفريقين؛ غاية هؤلاء الشك، وغاية هؤلاء الشطح". انظر: درء تعارض العقل والنقل ٨٦٦. وشرح الأصفهانية ١٧١. وانظر ذم ابن عقيل للكلام في تلبيس إبليس ص ١١٦-١١٧. وتحريم النظر في كتب أهل الكلام لابن قدامة ص ٥. ودرء تعارض العقل والنقل ٧٤٨-٥٠،، ٨٦١-٦٨. ١١ وانظر أيضًا ذم الجويني للكلام في تلبيس إبليس ص ١١٥. ودرء تعارض العقل والنقل ٧٤٧. وانظر الجزء السابع من درء تعارض العقل والنقل؛ فقد ذكر فيه شيخ الإسلام ﵀ أقوال العلماء في ذمّ الكلام، وعلق عليها. وانظر أيضًا: درء تعارض العقل والنقل ١٢٣٢،، ٥٢١٨، ٨٢٧٧. وشرح الأصفهانية ٢٣١٨. ومجموع الفتاوى ٥٢٦١، ٦٢٤٣، ٤٧٢-٤٧٦.
[ ٢ / ٦٢٣ ]
وهو كما قالوا؛ فإنّ الرازي قد جمع ما جمعه من طرق المتكلمين والفلاسفة، ومع هذا فليس في كتبه إثبات الصانع؛ كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع١، وبُيِّن جميع ما ذكره في إثبات الصانع، وأنه ليس فيه ذلك، وليس فيه أيضًا إثبات النبوة٢؛ فإنّ النبوة مبناها على أنّ الله قادر، وأنّه يُحدث الآيات لتصدق بها الرسل، وليس في كتبه إثبات أن الله قادر،
_________________
(١) ١ انظر كتاب نقض تأسيس الجهميّة لشيخ الإسلام ابن تيمية؛ فهو مما أفرده ﵀ في نقض كلام الرازي، وقد بيّن فيه مخالفة الرازي لطريقة السلف. والكتاب وزّع كرسائل علمية على الطلاب في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وهو الآن قيد الطبع كما نما إلى سمعي. وتوجد قطعة منه مطبوعة، وقد اعتنى بها الشيخ عبد الرحمن بن قاسم. انظر منها على سبيل المثال: ١٤٥٩، ٤٧٨. وانظر درء تعارض العقل والنقل ٩٦٨. ٢ قال شيخ الإسلام عن الرازي في موضع آخر: "أبو عبد الله الرازي فيه تجهم قوي، ولهذا يوجد ميله إلى الدهرية أكثر من ميله إلى السلفية الذين يقولون إنه فوق العرش، وربما كان يوالي أولئك أكثر من هؤلاء، ويعادي هؤلاء أكثر من أولئك، مع اتفاق المسلمين على أن الدهرية كفار، وأن المثبتة للعلوّ فيهم من خيار المسلمين من لا يحصيه إلا الله تعالى. وقد صنف على مذهب الدهرية المشركين والصابئين كتبًا، حتى صنّف في السحر وعبادة الأصنام وهو الجبت والطاغوت، وإن كان قد أسلم من هذا الشرك، وتاب من هذه الأمور، فهذه الموالاة والمعاداة لعلها في تلك الأوقات، ومن كان بتلك الأحوال فهو قبل الإسلام والتوبة..". بيان تلبيس الجهمية ١١٢٢-١٢٣. وقال شيخ الإسلام ﵀ أيضًا عنه: "ليس في كتبه إثبات النبوة، بل كان يصنف في دين المشركين". مجموع الفتاوى ١٣١١٦. وانظر: المصدر نفسه ١٨٥٥، ٧٧. وانظر ما سبق في هذا الكتاب ص ٦١٢.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
ولا مريد. بل كلامه فيه تقرير حجج من نفى قدرته وإرادته، دون الجانب الآخر؛ كما قد بيَّنَّا ذلك في الكلام على ما ذكره في مسألة القدرة والإرادة١، مع أنّه ولله الحمد الأدلة الدالة على إثبات الصانع، وإثبات قدرته ومشيئته، تفوق الاحصاء.
لكن من لم يجعل الله له نورًا، فما له من نور.
وسبب ذلك إعراضهم عن الفطرة العقلية، و[الشرعة] ٢ [النبوية؛ بما ابتدعه المبتدعون مما أفسدوا به الفطرة، والشرعة] ٣؛ فصاروا يُسفسطون٤ في العقليّات ويقرمطون٥ في السمعيات؛ كما قد بُيِّن هذا في
_________________
(١) ١ هذا الكتاب لم أقف عليه، ويبدو أنّه غير مطبوع، والله أعلم. وللشيخ ﵀ كتاب باسم "الإرادة والقدر"، وهو لا يزال مخطوطًا، ويقع في (٢٤) ورقة، كُتب في القرن العاشر. ويوجد في المكتبة السليمانية بتركيا، "خزانة أزميرلي"، رقم ٣٦٥. انظر قائمة ببعض مخطوطات شيخ الإسلام ﵀ ضمن رسالة حققها علي بن عبد العزيز الشبل، بعنوان «قاعدة في الرد على الغزالي في التوكل» لشيخ الإسلام ابن تيمية ص ١٥. ٢ في «م»، و«ط»: الشرعية. ٣ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٤ سبق تعريف هذه الكلمة ص ٥٥٣. وانظر معنى السفسطة من كلام شيخ الإسلام في نقض تأسيس الجهمية ١١٥٠، ٣٢٢، ٣٢٤. وشرح العقيدة الأصفهانية ٢٤٥١-٤٥٧. وبغية المرتاد ص ١٨٤. ودرء تعارض العقل والنقل ٢١٥. والتدمرية ص ١٩. والرد على البكري ص ٧٧-٨٨. ومنهاج السنة النبوية ٢٥٢٤-٢٢٥. وكتاب الصفدية ١٩٨. ٥ القرمطة نسبة إلى مذهب القرامطة. ووجه قرمطتهم: أنّهم جعلوا للنص معنى باطنًا يُخالف معناه الظاهر. والقرامطة: نسبة إلى حمدان قرمط، ولُقّب بذلك لقرمطة في خطه، أو في خطوه. كان أحد دعاتهم في الابتداء، فاستجاب له جماعة، فسموا قرامطة، وقرمطية. وكان هذا الرجل من أهل الكوفة، وكان يميل إلى الزهد، فصادف أحد دعاة الباطنية، وأثّر عليه؛ فاعتنق مذهبهم. ثمّ لم يزل بنوه وأهله يتوارثون مكانه. وكان أشدّهم بأسًا: رجل يُقال له أبو سعيد. ظهر في سنة ست وثمانين ومائتين، وقوي أمره، وقتل ما لا يحصى من المسلمين، وخرب المساجد، وأحرق المصاحف، وفتك بالحاج، وسنّ لأهله وأصحابه سننًا، وأخبرهم بمحالات. ثم مات، وخلف بعده ابنه أبا طاهر؛ ففعل مثل فعله، وهجم على الكعبة، فأخذ ما فيها من الذخائر، وقلع الحجر الأسود، وحمله إلى بلده، وأوهم الناس أنه الله ـتعالى الله عن قوله علوًا كبيرًا. انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي ص ٢٨٩. وفضائح الباطنية للغزالي ص ١٢. وتلبيس إبليس لابن الجوزي ص ١٤٤-١٤٦. وانظر تعريف شيخ الإسلام ﵀ للقرمطة في السمعيات في كتابه: نقض تأسيس الجهمية ١١٥٠. والرسالة التدمرية ص ١٩. وشرح حديث النزول ص ٤٢٨. وبغية المرتاد ص ١٨٣-١٨٤. وشرح الأصفهانية ٢٤٥١-٤٥٧. ودرء تعارض العقل والنقل ٢١٥. ومجموع الفتاوى ١٢٢١٣، ١٣١٦٨.
[ ٢ / ٦٢٥ ]
مواضع١.
_________________
(١) ١ وهذه القرمطة في السمعيات، والسفسطة في العقليات؛ والتي هي صنيع المبتدعة الذين ابتدعوا أصولًا عارضوا بها أصول الدين: قد أشار إليها شيخ الإسلام في العديد من مصنّفاته. راجع مصنّفات شيخ الإسلام ﵀ المذكورة في الحاشيتين (٤)، (٥) عند التعليق على السفسطة في العقليات، والقرمطة في السمعيات. وقد بيّن شيخ الإسلام ﵀ أنّ القرآن الكريم جاء بالأدلة العقلية لأصول الدين، وردّ على من يُهمل دلالة القرآن العقلية والسمعية على ذلك؛ فقال: "إنّ القرآن ضرب الله فيه الأمثال والمقاييس العقلية التي يُثبت بها ما يُخبر به من أصول الدين؛ كالتوحيد، وتصديق الرسل، وإمكان المعاد، وأنّ ذلك مذكور في القرآن على أكمل الوجوه، و عامة ما يُثبته النظار من المتكلمين والمتفلسفة في هذا الباب يأتي القرآن بخلاصته، وبما هو أحسن منه على أتم الوجوه، بل لا نسبة بينهما لعظم التفاوت". التسعينيّة ص ٢٧٣. ويقول أيضًا: "والمتكلم يستحسن مثل هذا التأليف ويستعظمه؛ حيث قررت الربوبية، ثم الرسالة، ويظنّ أنّ هذا موافق لطريقته الكلامية في نظره في القضايا العقليات أولًا؛ من تقرير الربوبية، ثم تقرير النبوة، ثم تلقي السمعيات من النبوة؛ كما هي الطريقة المشهورة الكلامية للمعتزلة، والكرامية، والكلابية، والأشعرية، ومن سلك هذا الطريق في إثبات الصانع أولًا بناء على حدوث العالم، ثمّ إثبات صفاته نفيًا وإثباتًا بالقياس العقلي، على ما بينهم من اتفاق واختلاف؛ إما في المسائل، وإما في الدلائل. ثمّ بعد ذلك يتكلمون في السمعيات؛ في المعاد، والثواب والعقاب، والخلافة، والتفضيل، والإيمان بطريقة مجملة. وإنما عمدة الكلام عندهم ومعظمه هو تلك القضايا التي يُسمونها العقليات؛ وهي أصول دينهم، وقد بنوها على مقاييس تستلزم رد كثير مما جاءت به السنة؛ فلحقهم الذم من جهة ضعف المقاييس التي بنوا عليها، ومن جهة ردهم لما جاءت به السنة". مجموع الفتاوى ٢٧. وانظر: شرح الأصفهانية ١٤٠-٤١، ٣٩٧. وكتاب الصفدية١٢٧٦-٢٧٨.
[ ٢ / ٦٢٦ ]
طرق إثبات النبوة عند الرازي
وأيضًا فإذا عرف١ أنّ الله قادر، كما قد عرفه غيره، فليس عنده في النبوة إلا طريق أصحابه الأشعريّة٢؛ الذين سلكوا مسلك الجهمية٣ في
_________________
(١) ١ المقصود به الرازي. وانظر كتابه الأربعين ص ١٢٢-١٢٥. ويُوضّح شيخ الإسلام ﵀ موقف الرازي من هذه المسألة، فيقول: "والرازي وأمثاله يترجمون هذه المسألة بأنّ الباري تعالى هو فاعل مختار، أو موجب بالذات، ويجعلون الأول قول أهل الملل، والثاني قول الفلاسفة، ثم يُقررون القادر المختار بأنّه الذي يفعل مع جواز أن لا يفعل. وهذا تفسير القدرية، بل تفسير بعضهم. وأما بعضهم: فإنه يوافق أئمة أهل السنة على أنه مع القدرة التامة، والإرادة الجازمة يلزم وجود المراد". شرح الأصفهانية ٢٣٥١. وانظر الصفدية ١١٤٦. ٢ وينقل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كلام الرازي: فإنّ الطريق إلى إثبات الصانع، ومعرفة النبوة، ليس إلا العقل. ثمّ ينقل قوله: الدليل السمعي لا يُفيد اليقين. انظر درء تعارض العقل والنقل ٥٣٣٠-٣٣١،، ٩٣٣٣-٣٣٤،، ٧٢٤٢. ٣ انظر كلام شيخ الإسلام في النبوة عند الجهمية والأشاعرة في منهاج السنة ٢٤١٤. وشرح الأصفهانية ٢٤٧١-٤٧٢، ٥٠٢، ٥٤٣، ٦٠٩، ٦١٠، ٦١٦، ٦١٧، ٦٢١.
[ ٢ / ٦٢٧ ]
أفعال الله تعالى، أو طريق الفلاسفة١.
ولهذا يقول من يقول من علماء الزيدية٢ وهم يميلون إلى الاعتزال، مع تشيع الزيديّة يقولون: نحن لا نتكلم في الشافعي؛ [فإنّه إمام] ٣. لكن هؤلاء صاروا جهميّة٤؛ يعني القدريّة فلاسفة، والشافعي لم يكن جهميًّا، ولا فيلسوفًا.
المتكلمون لم يعرفوا الفرق بين آيات الأنبياء ومخالفيهم
وهؤلاء٥ لم يعرفوا آيات الأنبياء، والفرق بينها وبين غيرها٦، لكن ادعوا أنّ ما يأتي به الكهان، والسحرة، وغيرهم قد يكون من آيات الأنبياء، لكن بشرط: أن لا يقدر أحدٌ من المرسل إليهم على معارضته؛ وهذه خاصّة المعجز عندهم٧.
_________________
(١) ١ انظر كلام شيخ الإسلام في النبوة عند المتفلسفة في منهاج السنة النبوية ٢٤١٥. وشرح الأصفهانية ٢٥٤٣، ٥٠٢-٥٠٧، ٦٣٣. ٢ الزيدية أتباع زيد بن علي بن الحسين. ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة ﵂، وجوزوا إمامة المفضول مع قيام الأفضل. وكان زيد يتولى أبا بكر وعمر، ويفضل علي بن أبي طالب على سائر الصحابة. والزيدية ست فرق، تجمعهم أصول المعتزلة الخمسة، ومنها القول بأن مرتكب الكبيرة مخلد في النار. انظر: مقالات الإسلاميين ١١٣٦. والملل والنحل ١١٥٤. وانظر ما سبق ص ٤٩٥. وأما القائل من علمائهم، فلم أعرفه. ٣ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٤ قد تقدّم المراد من إطلاق كلمة جهميّة على طائفة ما، انظره ص ١٥٢. ٥ المقصود بهم الأشاعرة. ٦ انظر بعض الفروق كما أوضحها شيخ الإسلام ﵀ في: شرح الأصفهانية ٢٤٧٢-٤٧٧. وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ جملة من الفروق بين النبيّ، والمتنبئ في هذا الكتاب، فراجع ص: ٥٨٩-٦٣١، ٦٧١-٦٧٤، ٧٢٨-٧٢٩. ٧ انظر: البيان للباقلاني ص ٤٨، ٩١، ٩٤-٩٦، ١٠٠. والإرشاد للجويني ص ٣١٩، ٣٢٨.
[ ٢ / ٦٢٨ ]
وهذا فاسد من وجوه كثيرة؛ كما قد بسط في [غير] ١ هذا الموضع٢.
المتكلمون ليس في كتبهم إثبات الربوبية ولا المعاد
وأما كلامه في المعاد: فأبعد من هذا، وهذا؛ كما قد بُيِّن أيضًا٣؛ وكذلك كلام من [تقدمه] ٤؛ من الجهمية، وأتباعهم من الأشعرية، وغيرهم، ومن المعتزلة؛ فإنّك لا تجد في كلامهم الذي ابتدعوه؛ لا إثبات الربوبية، ولا النبوّة، ولا المعاد.
[والأشعري نفسه، وأتباعه، ليس في كتبهم إثبات الربوبية، ولا المعاد] ٥، وكذلك من سلك سبيلهم في أدلتهم٦ من أتباع الفقهاء؛ كالقاضي أبي
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ليس في «ط» . ٢ انظر: الجواب الصحيح ٦٤٠٠-٤٠١. وانظر أيضًا هذا الكتاب ص ٢٦٣-٢٧٤، ٥٨٥-٦٤٢. ٣ قال شيخ الإسلام ﵀ عن أصل الرازي في إثبات المعاد وطريقته: (إنّ إثبات المعاد موقوف على ثبوت الجوهر الفرد. وهذا قول أبي عبد الله الرازي، وغيره، وهو ملخص من جعله الأصل في الإيمان بالله؛ فجعله هو الأصل في الإيمان بالمعاد، مع كونه يجعله أصلًا في نفي الصفات التي يُنكرها ) . ثمّ نقل ﵀ من كتاب الرازي نهاية العقول ما يُؤيّد ما ذكره عنه، ثم أبطل ﵀ هذا الأصل الذي يعتمد عليه..) . انظر نقض تأسيس الجهمية ١٢٨١-٢٨٦. ٤ في «خ»: يقدمه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٦ يقول شيخ الإسلام ﵀ عن أصل هؤلاء المتكلمين الذي بنوا عليه إثبات الخالق، والمعاد: "وأصل هؤلاء المتكلمين من الجهمية والمعتزلة، ومن وافقهم بنوا عليه هذا: هو مسألة الجوهر الفرد؛ فإنهم ظنوا أنّ القول بإثبات الصانع، وبأنه خلق السموات والأرض، وبأنه يقيم القيامة، ويبعث الناس من القبور: لا يتمّ إلا بإثبات الجوهر الفرد؛ فجعلوه أصلًا للإيمان بالله واليوم الآخر. أما جمهور المعتزلة، ومن وافقهم؛ كأبي المعالي، وذويه: فيجعلون الإيمان بالله تعالى لا يحصل إلا بذلك، وكذلك الإيمان بالله واليوم الآخر؛ إذ كانوا يقولون: لا يعرف ذلك إلا بمعرفة حدوث العالم، ولا يعرف حدوثه إلا بطريقة الأعراض، وطريقة الأعراض مبنية على أنّ الأجسام لا تخلو منها. وهذا لم يمكنهم أن يُثبتوه إلا بالأكوان التي هي: الاجتماع، والافتراق، والحركة، والسكون. فعلى هذه الطريقة اعتمد أولهم وآخرهم فإنّ هذا أبلغ الأقوال؛ وهو قول الأشعريّ، ومن وافقه؛ كالقاضي أبي بكر، والقاضي أبي يعلى، وأبي المعالي الجويني، وأبي الحسين، وابن الزاغوني، وغيرهم". نقض تأسيس الجهمية ١٢٨٠.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
يعلى، وابن عقيل، وابن الزاغوني١، وغيرهم.
والمعتزلة كذلك أيضًا، وكذلك الكرّاميّة.
وقد تأملت كلام أئمة هؤلاء الطوائف؛ كأبي [الحسين] ٢ [البصري] ٣، ونحوه من المعتزلة، وكابن [الهيصم] ٤ من الكرامية، وكأبي الحسن
_________________
(١) ١ هو علي بن عبيد الله بن نصر بن السري، أبو الحسن بن الزاغوني، الفقيه، الحنبلي، شيخ الحنابلة، وواعظهم، وأحد أعيانهم. كان متقنًا لعلوم شتى. توفي سنة ٥٢٧؟. انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ١١٨٠-١٨٤. وسير أعلام النبلاء ١٩٦٠٥-٦٠٧. وشذرات الذهب ٤٨٠، ٨١. ٢ في «ط»: الحسن. ٣ في «م»: الصبري. وهو: أبو الحسين محمد بن علي الطيب البصري، من متأخري المعتزلة، ومن أئمتهم. قال عنه الخطيب البغدادي: "المتكلم، صاحب التصانيف على مذهب الاعتزال. بصري، سكن بغداد، ودرس بها الكلام إلى حين وفاته". وقال ابن حجر: "شيخ المعتزلة، ليس بأهل للرواية". توفي سنة ٤٣٦؟. انظر: لسان الميزان ٥٢٩٨. وتاريخ بغداد ٣١٠٠. وشذرات الذهب ٣٢٥٩. ٤ في «خ»، و«م»، و«ط»: الهيضم بالضاد. وهو خلاف الموجود في كتب التراجم. وقد ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مرارًا في كتبه؛ سيما في المنهاج (٢٢٨٥، ٤١٢٠)، وفي كتاب الصفدية (١٣٦)، وفي بيان تلبيس الجهمية (١٢٠١) باسم ابن الهيصم بالصاد، فلعلّ ما في النبوات خطأ من الناسخ. وهو أبو عبد الله محمد بن الهيصم. من أئمة الكرامية. عاش في القرن الخامس الهجري. قال عنه الشهرستاني: "وقد اجتهد ابن الهيصم في إرمام مقالة أبي عبد الله في كلّ مسألة، حتى ردّها من المحال الفاحش إلى نوع يُفهم فيما بين العقلاء"، وذكر طوائف الكرامية إلى ثنتي عشرة فرقة، وقال: وأقربهم الهيصمية. ونفى عنه ابن أبي الحديد (في شرح نهج البلاغة ٣٢٢٩-٢٣٠) ما يُنسب إليه من تجسيم، وفوقية. وقد تناظر ابن الهيصم، وابن فورك بحضور السلطان محمود بن سكتكين في مسألة العرش، فمال السلطان إلى قول ابن الهيصم. البداية والنهاية ١٢٣٠. وانظر: الملل والنحل للشهرستاني ١١٠٨-١١٢. وشرح نهج البلاغة ٣٢٢٩. وانظر بعض آرائه في منهاج السنة النبوية ٢٢٨٥، ٤١٢٠. وكتاب الصفدية ١٣٦.
[ ٢ / ٦٣٠ ]
نفسه١، والقاضي أبي بكر، وأبي المعالي الجويني، وأبي إسحاق الاسفرايني، وأبي بكر ابن فورك، وأبي القاسم القشيري، وأبي الحسن التميمي، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل، وابن الزاغوني غفر الله لهم ورحمهم أجمعين٢. وتأمّلت ما وجدته في الصفات من المقالات؛ مثل كتاب الملل والنحل للشهرستاني، وكتاب مقالات الإسلاميين للأشعري؛ وهو أجمع كتابٍ رأيته في هذا الفن، وقد ذكر فيه ما ذكر أنّه مقالة أهل السنة والحديث، وأنّه يختارها، وهي أقرب ما ذكره من المقالات إلى السنّة والحديث، لكنْ فيه أمور لم يقلها أحدٌ من أهل السنة والحديث. ونفس مقالة أهل السنة والحديث لم يكن يعرفها، ولا هو خبيرٌ بها؛ فالكتب المصنّفة في مقالات الطوائف التي صنفها هؤلاء، ليس فيها ما جاء به الرسول، وما دلّ عليه القرآن؛ لا في
_________________
(١) ١ لعله يعني أبا الحسن الأشعري؛ لأنه ذكره بعد ذكر أئمة كل فرقة، فكان من المناسب أن يُتبعهم بذكر الأشعري وأتباعه. ٢ انظر أصل هؤلاء المتكلمين الذي بنوا عليه إثبات الخالق، والمعاد؛ وهو إثبات الجوهر الفرد، في: نقض تأسيس الجهمية ١٢٨٠-٢٨١.
[ ٢ / ٦٣١ ]
المقالات المجرّدة، ولا في المقالات التي يذكر فيها الأدلة؛ فإنّ جميع هؤلاء دخلوا في الكلام المذموم الذي عابه السلف وذموه١.
الأشعري أعلم من الشهرستاني بالمقالات والشهرستاني أعلم من الغزالي بها
ولكنّ بعضهم أقرب إلى السنة من بعض، وقد يكون هذا أقرب في بعض، وهذا أقرب في مواضع؛ وهذا لكون أصل اعتمادهم لم يكن على القرآن والحديث؛ بخلاف الفقهاء؛ فإنّهم في كثيرٍ ممّا يقولونه إنّما يعتمدون على القرآن والحديث، فلهذا كانوا أكثر متابعة، لكن ما تكلّم فيه أولئك أجلّ، ولهذا يُعظَّمون من وجه، ويذمّون من وجه؛ فإنّ لهم حسنات، وفضائل، وسعيًا مشكورًا، وخطأهم بعد الاجتهاد مغفورٌ.
والأشعريّ أعلم بمقالات المختلفين من الشهرستاني؛ ولهذا ذكر عشر طوائف، وذكر مقالات لم يذكرها الشهرستاني٢، وهو أعلم بمقالات أهل السنة، وأقرب إليها، وأوسع علمًا من الشهرستاني.
والشهرستاني أعلم باختلاف المختلفين، ومقالاتهم من الغزالي؛ ولهذا ذكر لهم في القرآن أربع مقالات، وعدّد طوائف من أهل القبلة٣.
الغزالي حصر أهل العلم الإلهي في أربعة أصناف
والغزالي حصر أهل العلم الإلهي في أربعة أصناف؛ في الفلاسفة، والباطنية، والمتكلمين، والصوفية؛ فلم يعرف مقالات أهل الحديث والسنة، ولا مقالات الفقهاء، ولا مقالات أئمة الصوفية، ولكن ذكر عنهم العمل، وذكر عن بعضهم اعتقادًا يُخالفهم فيه أئمتهم٤.
_________________
(١) ١ انظر نقد شيخ الإسلام ﵀ لكتب المقالات في درء تعارض العقل والنقل ٢٣٠٧-٣١١، ٣٦٨، ٧٣٥-٣٦، ٩٦٧-٦٨. ٢ ذكر ذلك في كتابه مقالات الإسلاميين. ٣ ذكر ذلك في كتابه الملل والنحل. ٤ انظر كتاب الغزالي «المنقذ من الضلال» ص ٢٥.
[ ٢ / ٦٣٢ ]
والقشيري أعلم بأقوال الصوفيّة، ومع هذا لم يذكر أقوال أئمتهم١.
وأبو طالب٢ أعلم منهما٣ بأقوال الصوفية، ومع هذا فلم يعرف مقالة الأكابر؛ كالفضيل بن عياض، ونحوه٤.
ابن رشد حصر أهل العلم الإلهي في ثلاثة أصناف
وأبو الوليد بن رشد الحفيد حصر أهل العلم الإلهي في ثلاثة: في الحشوية، والباطنية، والأشعرية. والباطنية عنده يدخل فيهم باطنية الصوفية، وباطنية الفلاسفة٥.
ملاحدة الصوفية
ومن هنا دخل ابن سبعين، وابن عربي؛ فأخذوا مذاهب الفلاسفة، وأدخلوها في التصوف٦.
_________________
(١) ١ انظر: الرسالة القشيرية له. ٢ هو أبو طالب محمد بن علي بن عطية الحارثي، المكي المنشأ، العجمي الأصل. صاحب قوت القلوب. قال عنه الذهبي: إنه وعظ، فخلط في كلامه، فقال: "ليس على المخلوقين أضرّ من الخالق"، فبدّعوه، وهجروه. وهو من أشهر رجال السالمية؛ أتباع أبي عبد الله محمد بن أحمد بن سالم، وابنه أحمد بن محمد بن سالم. ويجمع السالمية في مذهبهم بين كلام أهل السنة، وكلام المعتزلة، مع ميل إلى التشبيه، ونزعة صوفية اتحادية. وقد توفي أبو طالب المكي ببغداد سنة ٣٨٦؟. انظر: تاريخ بغداد ٣٨٩. وسير أعلام النبلاء ١٦٥٣٦. والبداية والنهاية ١١٣٤١. وشذرات الذهب ٣١٢٠-١٢١. والأعلام ٦٢٧٤. ٣ أي من الغزالي، والقشيري. ٤ انظر كتاب «قوت القلوب» لأبي طالب المكي. ٥ انظر كتاب «الكشف عن مناهج الأدلة» لابن رشد الحفيد. وانظر درء تعارض العقل والنقل ٩٦٨-٦٩. ٦ انظر: كتاب الصفدية لشيخ الإسلام ١٢٦٥-٢٧٠، ٢٧٣، ٢٨٤. وشرح الأصفهانية ٢٥٤٧-٥٤٩. وبغية المرتاد ص ٤٤٥-٤٥٠.
[ ٢ / ٦٣٣ ]
وأبو حامد يدخل في [بعض] ١ هذا؛ فإنّ ابن سينا تكلّم في مقالات العارفين بتصوّف فاسد.
قولهم في الصحابة لأجل أنهم لم يتكلموا بنحو كلامهم
ثمّ إنّ هؤلاء٢ مع هذا [لمّا لم] ٣ يجدوا الصحابة والتابعين تكلموا بمثل كلامهم، بل ولا نقل ذلك عن النبيّ ﷺ، صار منهم من يقول: كانوا مشغولين بالجهاد عن هذا الباب، وأنّهم هم حققوا ما لم يحققه الصحابة٤. ويقولون أيضًا: إنّ الرسول لم يعلمهم هذا، لئلا يشتغلوا به عن الجهاد؛ فإنّه كان محتاجا إليهم في الجهاد٥.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٢ المتصوفة. ٣ في «ط»: لم لم. ٤ وقال شيخ الإسلام ﵀ عن طريقة هؤلاء المبتدعة أنهم "أسقطوا بها حرمة الكتاب والرسول عندهم، وحرمة الصحابة والتابعين لهم بإحسان؛ حتى يقولون: إنهم لم يُحقّقوا أصول الدين كما حققناها. وربما اعتذروا عنهم بأنهم كانوا مشتغلين بالجهاد. ولهم من جنس هذا الكلام الذي يُوافقون به الرافضة ونحوهم من أهل البدع، ويُخالفون به الكتاب والسنة والإجماع". درء تعارض العقل والنقل ٢١٤-١٥. وانظر: قواعد العقائد للغزالي ص ٩٧. وتفسير المنار لمحمد رشيد رضا ٣١٨٦-١٨٧. ومن كتب شيخ الإسلام: درء تعارض العقل والنقل ٨٥١-٥٤، والتسعينية ص ٢٥٦؛ حيث نسب بعض هذه الأقوال للجويني. ٥ وقال شيخ الإسلام عنهم: "صار كثير منهم يقول: إن الرسول لم يكن يعرف أصول الدين، أو لم يبين أصول الدين. ومنهم من هاب النبي، ولكن يقول: الصحابة والتابعون لم يكونوا يعرفون ذلك. ومن عظّم الصحابة والتابعين مع تعظيم أقوال هؤلاء يبقى حائرًا: كيف لم يتكلم أولئك الأفضل في هذه الأمور التي هي أفضل العلوم. ومن هو مؤمن بالرسول معظم له: يستشكل كيف لم يبين أصول الدين مع أن الناس إليها أحوج منهم إلى غيرها". درء تعارض العقل والنقل١٢٤. وانظر: مجموع الفتاوى ١٣٢٤٩-٢٥٢.
[ ٢ / ٦٣٤ ]
وهكذا يقول من يقول من مبتدعة أهل الزهد، والتصوف١؛ إذا دخلوا في عبادات منهي عنها، ومذمومة في الشرع، قالوا: كان الصحابة مشغولين عنها بالجهاد، وكان النبيّ ﷺ يخاف أن يشتغلوا بها عن الجهاد.
وأهل السيف قد يظنّ من يظنّ منهم أنّ لهم من الجهاد، وقتال الأعداء ما لم يكن مثله للصحابة، وأنّ الصحابة كانوا مشغولين بالعلم والعبادة عن مثل جهادهم.
ومن أهل الكلام من يقول: بل الصحابة كانوا على عقائدهم، وأصولهم، لكن لم يتكلموا بذلك؛ لعدم حاجتهم إليه٢.
فهؤلاء جمعوا بين أمرين؛ بين أن ابتدعوا أقوالًا باطلةً ظنّوا أنّها هي أصول الدين، لا يكون عالما بالدين إلا من وافقهم عليها، وأنّهم علموا، وبيّنوا من الحق ما لم يُبيّنه الرسول والصحابة.
وإذا تدبر الخبير حقيقة ما هم عليه، تبيّن له أنّه ليس عند القوم فيما ابتدعوه؛ لا علم، ولا دين، ولا شرع، ولا عقل.
_________________
(١) ١ انظر: التسعينية لشيخ الإسلام ص ٢٥٧. ٢ انظر: قواعد العقائد للغزالي ص ٩٧. وإحياء علوم الدين ١١١٣-١١٤. ويقول شيخ الإسلام ﵀ في الردّ عليهم، وبيان أنّ السلف أعلم في المنقول والمعقول: "ومن تدبّر كلام أئمة أهل السنة المشاهير في هذا الباب، علم أنهم كانوا أدقّ الناس نظرًا، وأعلم الناس في هذا الباب بصحيح المنقول وصريح المعقول، وأنّ أقوالهم هي الموافقة للمنصوص والمعقول، ولهذا تأتلف، ولا تختلف، وتتوافق، ولا تتناقض. والذين خالفوهم لم يفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة، فلم يعرفوا حقيقة المنصوص والمعقول؛ فتشعّبت بهم الطرق، وصاروا مختلفين في الكتاب، مخالفين للكتاب ". درء تعارض العقل والنقل ٢٣٠١-٣٠٢. وانظر: مجموع الفتاوى ١٣٢٩
[ ٢ / ٦٣٥ ]
وآخرون١ لما رأوا ابتداع هؤلاء، وأنّ الصحابة والتابعين لم يكونوا يقولون مثل قولهم، ظنّوا أنّهم كانوا كالعامة الذين لا يعرفون الأدلة والحجج، وأنهم كانوا لا يفهمون ما في القرآن مما تشابه على من تشابه عليه، وتوهّموا أنه إذا كان الوقف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله﴾ ٢؛ كان المراد أنّه لا يفهم معناه إلا الله؛ لا الرسول، ولا الصحابة؛ فصاروا ينسبون الصحابة، بل والرسول إلى عدم العلم بالسمع والعقل، وجعلوهم مثل أنفسهم لا يسمعون ولا يعقلون، وظنّوا أنّ هذه طريقة السلف؛ وهي الجهل البسيط٣ التي لا يعقل صاحبها ولا يسمع، وهذا وصف أهل النار، لا وصف أفضل الخلق بعد الأنبياء.
_________________
(١) ١ انظر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن هؤلاء؛ فقد توسع في ذكر أقوالهم، وما يلزم عليها، في: درء تعارض العقل والنقل ١١٦-٢٠، ٥٣٨٠-٣٨١، ٨٥١-٥٣. وكتاب الصفدية ١٢٦٠، ٢٧٦، ٢٨٧-٢٨٨. ٢ سورة آل عمران، الآية ٧. وانظر أقوال العلماء في الوقف في هذه الآية في: تفسير الطبري ٥١٨٢-١٨٦. وتفسير ابن كثير ١٣٤٦-٣٤٧. وأضواء البيان ١٣٣١-٣٣٦. وانظر لشيخ الإسلام: درء تعارض العقل والنقل ٥٣٨٠-٣٨١، ٧٣٢٧. والعقيدة التدمرية ص ٩٠. ٣ هو عدم العلم عمّا من شأنه أن يكون علمًا. انظر: التعريفات للجرجاني ص ١٠٨. وقال شيخ الإسلام ﵀ عن أهل الجهل البسيط والجهل المركب: "فأهل الجهل البسيط منهم أهل الشك والحيرة من هؤلاء المعارضين للكتاب، المعرضين عنه، وأهل الجهل المركب أرباب الاعتقادات الباطلة التي يزعمون أنها عقليات. وآخرون ممن يعارضهم يقول: المناقض لتلك الأقوال هو العقليات". درء تعارض العقل والنقل ١١٧٠. وانظر: المصدر نفسه ١١٧.
[ ٢ / ٦٣٦ ]
ابن مسعود يحث على التمسك بهدي الصحابة..
قال ابن مسعود ﵁: من كان منكم مستنًّا، فليستنّ بمن قد مات؛ فإنّ الحيّ لا يؤمن عليه الفتنة. أولئك أصحاب محمد أبرّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلّها تكلفًا؛ قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقّهم، وتمسّكوا بهديهم؛ فإنّهم كانوا على الهدى المستقيم١.
_________________
(١) ١ انظر: مشكاة المصابيح ١٦٨، وقد علّق عليه الشيخ الألباني بقوله: (أخرجه ابن عبد البرّ في جامع بيان العلم وفضله ٢٩٧، والهروي (ق ٨٦أ) من طريق قتادة، عنه. فهو منقطع. وانظر أيضًا شرح السنة للبغوي ١٢٤ مع اختلاف يسير في الألفاظ. وانظر منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام ٢٧٦-٧٧، مع اختلاف يسير. ويُعلّق شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على هذا الأثر؛ فيقول: "وقول عبد الله بن مسعود: كانوا أبرّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا: كلامٌ جامع، بيّن فيه حسن قصدهم، ونياتهم ببر القلوب، وبيّن فيه كمال المعرفة، ودقتها بعمق العلم، وبيّن فيه تيسير ذلك عليهم، وامتناعهم من القول بلا علم بقلة التكلف وهم أفضل الأمة الوسط الشهداء على الناس، الذين هداهم الله لما اختُلف فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم؛ فليسوا من المغضوب عليهم الذين يتبعون أهواءهم، ولا من الضالين الجاهلين بل لهم كمال العلم، وكمال القصد؛ إذ لو لم يكن كذلك، للزم أن لا تكون هذه الأمة خير الأمم، وأن لا يكونوا خير الأمة، وكلاهما خلاف الكتاب والسنة. وأيضًا فالاعتبار العقليّ يدلّ على ذلك؛ فإنّ من تأمّل أمة محمد ﷺ، وتأمل أحوال اليهود، والنصارى، والصابئين، والمجوس، والمشركين، تبيّن له من فضيلة هذه الأمة على سائر الأمم في العلم النافع، والعمل الصالح ما يضيق هذا الموضع عن بسطه. والصحابة أكمل الأمة في ذلك بدلالة الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار، ولهذا لا تجد أحدًا من أعيان الأمة إلا وهو معترف بفضل الصحابة عليه وعلى أمثاله، وتجد من ينازع في ذلك كالرافضة من أجهل الناس. ولهذا لا يوجد في أئمة الفقه الذين يُرجع إليهم رافضي، ولا في أئمة الحديث، ولا في أئمة الزهد والعبادة، ولا في الجيوش المؤيدة المنصورة جيش رافضي، ولا في الملوك الذين نصروا الإسلام، وأقاموه، وجاهدوا عدوه من هو رافضي، ولا في الوزراء الذين لهم سيرة محمودة من هو رافضي ". منهاج السنة النبوية ٢٧٩-٨١. وانظر مدح شيخ الإسلام ﵀ للسلف، وذكر مميزاتهم، وقيامهم بحفظ هذا الدين في: مجموع الفتاوى ١٧-٨.
[ ٢ / ٦٣٧ ]
وقال أيضًا: إنّ الله نظر في قلوب العباد؛ فوجد قلب محمد خير قلوب العباد؛ فاصطفاه لنفسه، وابتعثه برسالته. ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد؛ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد بعد قلبه؛ فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه. فما رآه المسلمون حسنًا، فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا، فهو عند الله قبيح١.
فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم
وقد ثبت في الصحيحين، من غير وجه عن النبي ﷺ أنّه قال: "خير القرون: القرن الذي بُعثت فيهم، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم"٢.
وقد قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقونَ الأوَّلونَ مِنَ المُهَاجِرينَ وَالأنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ ٣؛ فرضي عن السابقين مطلقًا، ورضي عمّن اتبعهم
_________________
(١) ١ رواه الإمام أحمد في المسند ط أحمد شاكر ٥٣١١، وقال عنه: إسناده صحيح، مع اختلاف يسير في الألفاظ. وانظر منهاج السنة ٢٧٧-٧٨. ٢ أخرجه البخاري ٢٩٣٨، كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا شهد. و٣١٣٣٥، كتاب فضائل أصحاب النبيّ ﷺ، باب فضائل أصحاب النبيّ ﷺ، ورضي الله عنهم. و٥٢٣٦٢، كتاب الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها. و٦٢٤٥٢، كتاب الأيمان والنذور، باب إذا قال أشهد بالله. و٦٢٤٦٣، كتاب الأيمان والنذور، باب إثم من لا يفي مع اختلاف يسير في جميع هذه الأبواب. وأخرجه مسلم في صحيحه ٤١٩٦٢-١٩٦٥، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم، مع اختلاف يسير. ٣ سورة التوبة، الآية ١٠٠.
[ ٢ / ٦٣٨ ]
بإحسان؛ وذلك متناول لكلّ من اتّبعهم إلى يوم القيامة؛ كما ذكر ذلك أهل العلم١.
قال ابن أبي حاتم: قُرىء على يونس بن عبد الأعلى: [أنا] ٢ ابن وهب، حدثني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ ٣: قال من بقي من أهل الإسلام إلى أن تقوم الساعة٤.
وبسط هذا له موضع آخر٥.
الهدى والبيان والبراهين في القرآن
والمقصود هنا: أنّ الهدى، والبيان، والأدلة، والبراهين في القرآن؛ فإنّ الله تعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وأرسله بالآيات البيّنات؛ وهي الأدلة البينة الدالة على الحق، وكذلك سائر الرسل. ومن الممتنع أن يرسل الله رسولًا يأمر الناس بتصديقه، ولا يكون هناك ما يعرفون به صدقه. وكذلك من قال إني رسول [الله] ٦، فمن الممتنع أن يجعل مجرد الخبر المحتمل للصدق والكذب دليلًا له، وحجة على الناس. هذا لا يُظنّ بأجهل الخلق، فكيف بأفضل الناس؟.
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنّه قال: " ما من نبيّ من الأنبياء، إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر. وإنّما كان الذي أوتيته وحيًا
_________________
(١) ١ انظر: تفسير الطبري ١١٦-٩. وتفسير البغوي ٢٣٢٢. وبدائع التفسير لابن القيم جمع يسري السيد محمد ٢٣٧٢. ٢ في «ط»: أن. "وأنا: مختصر "أخبرنا". ٣ سورة التوبة، الآية ١٠٠. ٤ الدر المنثور للسيوطي ٣٢٧١. ٥ انظر: العقيدة التدمرية ص ٢٣٦. ومنهاج السنة النبوية ٧١٥٥،، ٨٢١٩. ٦ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين.
[ ٢ / ٦٣٩ ]
أوحاه الله إليّ، [فأرجو] ١ أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة" ٢.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ [مَا] ٣ [أَنْزَلْنَا] ٤ مِنَ البَيّنَاتِ وَالهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ للنَّاسِ في الكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ ٥؛ فالبيّنات: جمع بيّنة؛ وهي الأدلة والبراهين التي هي بينة في نفسها، وبها يتبيّن غيرُها؛ يُقال: بيّن الأمر: أي تبين في نفسه، ويقال: بيّن غيره؛ فالبين: اسمٌ لما ظهر في نفسه، ولما أظهر غيره. وكذلك المبين؛ كقوله فاحشة مبيّنة؛ أي متبينة٦.
فهذا شأن الأدلة؛ فإنّ مقدماتها تكون معلومة بنفسها؛ كالمقدمات الحسية، والبديهية. وبها يتبيّن غيرها؛ فيستدل على الخفي بالجلي.
والهدى: مصدر هداه هُدَى، والهدى: هو بيان ما ينتفع به الناس، ويحتاجون إليه، وهو ضدّ الضلالة؛ فالضالّ يضلّ عن مقصوده وطريق مقصوده.
_________________
(١) ١ في «خ»: فأرجوا. ٢ رواه البخاري في صحيحه ٤١٩٠٥، كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي، وأول ما أنزل. و٦٢٦٥٤، كتاب الاعتصام، باب قول النبي ﷺ: "بعثت بجوامع الكلم". ورواه مسلم في صحيحه ١١٣٤، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس، ونسخ الملل بملته. ٣ في «م»: اما. ٤ في «ط»: أنزل. ٥ سورة البقرة، الآية ١٥٩. ٦ انظر: مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص ١٥٦. ولسان العرب لابن منظور ٣٦٧-٦٨.
[ ٢ / ٦٤٠ ]
وهو سبحانه بيّن في كتبه ما يهدي الناس؛ فعرفهم ما يقصدون، وما يسلكون من الطرق؛ عرَّفهم أنّ الله هو المقصود المعبود وحده، وأنّه لا يجوز عبادة غيره، وعرَّفهم الطريق؛ وهو ما يعبدونه به.
ففي الهدى: بيان المعبود، وما يعبد به. والبينات فيها بيان الأدلة والبراهين على ذلك. فليس ما يخبر به، ويأمر به من الهدى قولًا مجرّدًا عن دليله ليؤخذ تقليدًا واتباعًا للظنّ، بل هو مبيّن بالآيات البيّنات؛ وهي الأدلة اليقينية، والبراهين القطعية.
وكان عند أهل الكتاب من البيّنات الدالّة على نبوّة محمد، وصحّة ما جاء به أمور متعددة؛ [لبشارات كتبهم] ١، وغير ذلك؛ فكانوا يكتمونه؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ الله﴾ ٢؛ فإنّه كان عندهم شهادة من الله، [تشهد] ٣ بما جاء به محمد، وبمثله، [فكتموها] ٤.
وقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدَىً للنّاس وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالفُرْقَان﴾ ٥؛ فأنزله هاديًا للنّاس، وبيِّنات من الهدى والفرقان؛ فهو يهدي النّاس إلى صراط مستقيم؛ يهديهم إلى صراط العزيز الحميد الذي له ما في السموات وما في الأرض، بما فيه من الخبر والأمر، وهو بيّنات دلالات، وبراهين من الهدى؛ من الأدلة الهادية المبيّنة
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو من «م»، و«ط» . ٢ سورة البقرة، الآية ١٤٠. ٣ في «خ»: يشهد. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ في «ط»: فتكتموها. ٥ سورة البقرة، الآية ١٨٥.
[ ٢ / ٦٤١ ]
للحق، ومن الفرقان المفرّق بين الحق والباطل، والخير والشر، والصدق والكذب، والمأمور والمحظور، والحلال والحرام؛ وذلك أنّ الدليل لا يتمّ إلاّ بالجواب عن المعارض؛ فالأدلة تشتبه كثيرًا بما يعارضها، فلا بُدّ من الفرق بين الدليل الدالّ على الحقّ، وبين ما عارضه؛ [ليتبين أنّ الذي عارضه باطلٌ.
فالدليل يحصل به الهدى وبيان الحق، لكن لا بد مع ذلك من الفرقان؛ وهو الفرق بين ذلك الدليل، وبين ما عارضه] ١، والفرق بين خبر الرب، والخبر الذي يخالفه.
فالفرقان يحصل به التمييز بين المشتبهات. ومن لم يحصل له الفرقان كان في اشتباه، وحيرة.
الهدى التام لا يكون إلا مع الفرقان
والهدى التام لا يكون إلا مع الفرقان. فلهذا قال أولًا: ﴿هُدىً لِلنَّاسِ﴾، ثم قال: ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾؛ فالبينات: الأدلة على ما تقدم من الهدى؛ وهي بينات من الهدى، الذي هو دليل على أنّ الأول هدى، ومن الفرقان الذي يُفرّق بين البيّنات والشبهات، والحجج الصحيحة والفاسدة. فالهدى: مثل أن يُؤمر بسلوك الطريق إلى الله؛ كما يُؤمر قاصد الحج [بسلوك] ٢ طريق مكّة مع دليل يوصله. والبيّنات: ما يدلّ، ويُبيّن أنّ ذلك هو الطريق، وأنّ سالكه سالك للطريق لا ضالّ. والفرقان: أن يُفرّق بين ذاك الطريق وغيره، وبين الدليل الذي يسلكه ويدلّ الناس عليه، وبين غيرهم ممّن يدّعي الدلالة، وهو جاهل مضلّ.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٢ في «ط»: بساوك.
[ ٢ / ٦٤٢ ]
وهذا، وأمثاله مما يبين أنّ في القرآن الأدلة الدالّة للنّاس على تحقيق ما فيه من الأخبار، والأوامر كثير. وقد بسط هذا في غير هذا الموضع١.
والمقصود هنا: الكلام على النبوة؛ فإنّ المتكلمين المبتدعين تكلموا في النبوات بكلامٍ كثيرٍ لبّسوا فيه الحق بالباطل؛ كما فعلوا مثل ذلك في غير النبوات؛ كالإلهيات، وكالمعاد. وعند التحقيق: لم يعرفوا النبوّة، ولم يثبتوا ما يدلّ عليها؛ فليس عندهم لا هدى، ولا بينات.
النبوة عند المتكلمين
والله سبحانه أنزل في كتبه البيّنات، والهدى؛ فمن تصوّر الشيء على وجهه، فقد اهتدى إليه؛ ومن عرف دليل ثبوته، فقد عرف البينات. فالتصوّر الصحيح: اهتداء. والدليل الذي يُبيّن التصديق بذلك التصور: بيّنات.
والله تعالى أنزل الكتاب هدى للناس، وبيّنات من الهدى والفرقان. والقرآن أثبت الصفات على وجه التفصيل، ونفى عنها التمثيل؛ وهي طريقة الرسل؛ جاءوا بإثبات مفصل، ونفي مجمل. وأعداؤهم جاءوا بنفي مفصل، وإثبات مجمل٢. فلو لم يكن الحق فيما بينه الرسول للناس،
_________________
(١) ١ انظر: درء تعارض العقل والنقل ١١٨٨-١٩٩، ٢٣٣-٢٣٧،، ٧٣٦-٧٤، ٣٥٢. وشرح الأصفهانية ١٤١. ونقض تأسيس الجهمية ١٢٤٦. والتسعينية ص ٢٧٣. وكتاب الصفدية ١٢٩٣-٢٩٦. وانظر أول هذا الفصل؛ ففيه ذكر إحالات على ذلك الكتاب ٧٣٦. ٢ الرسل عليهم الصلاة والسلام جاءوا بإثبات مفصّل (أي تفصيل في الصفات الثبوتية)، ونفي مجمل (أي إجمال في الصفات السلبية)؛ فطريقة الرسل التي هي طريقة القرآن: التفصيل في صفات المدح والثناء، والإجمال في صفات النفي التي فيها النقائص والعيوب والتمثيل. والأمثلة من القرآن كثيرة: فمنها: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . [سورة الشورى، الآية ١١] . وقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ . [سورة مريم، الآية ٦٥] . وقوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ الآية﴾ . [سورة الحديد، الآيتان ٣-٤] . وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ إلى قوله سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ . [سورة الحشر، الآيات ٢٢-٢٤] . وأما طريقة مخالفي الرسل من أهل الإلحاد والزندقة وغيرهم: فإنهم يصفونه بالصفات السلبية على وجه التفصيل، ولا يُثبتون إلا وجودًا مطلقًا لا حقيقة له عند التحصيل؛ فيقولون: لا يوصف بالحياة، ولا العلم، ولا القدرة، ولا يقرب من شيء، ولا يقرب منه شيء، ولا يرى في الآخرة، ولا له كلام يقوم به، ولا داخل العالم ولا خارجه إلى أمثال هذه العبارات السلبية التي لا تنطبق إلا على المعدوم. ثمّ قالوا في الإثبات: هو وجود مطلق، أو وجود مقيد بالأمور السلبية. انظر: العقيدة التدمريّة ص ٨-١٥. وكتاب الصفدية ١١١٦-١١٧. وشرح الأصفهانية ١٣٧٩-٣٨٠.
[ ٢ / ٦٤٣ ]
وأظهر لهم، بل كان الحق في نقيضه، للزم أن يكون عدم الرسول خيرًا من وجوده، إذا كان وجوده لم يفدهم عند هؤلاء علمًا ولا هدى، بل ذكر١
_________________
(١) ١ والمقصود به هنا الرسول ﷺ. وشيخ الإسلام يذكر هذا على سبيل الإلزام، ومناظرتهم بمفهوم كلامهم. وقد أوضح ﵀ موقف المتكلمين من أصول الدين التي جاء بها الرسول ﷺ؛ فقال: "وهؤلاء الفرق مشتركون في القول بأنّ الرسول لم يُبيّن المراد بالنصوص التي يجعلونها مشكلة، أو متشابهة، ثم منهم من يقول: لم يعلم معانيها أيضًا، ومنهم من يقول: بل علمها، ولم يبينها، بل أحال في بيانها على الأدلة العقلية، وعلى من يجتهد في العلم بتأويل تلك النصوص؛ فهم مشتركون في أنّ الرسول لم يَعْلم، أو لم يُعلّم، بل جهل معناها، أو جهلها الأمة من غير أن يقصد أن يعتقدوا الجهل المركب. وأما أولئك فيقولون: بل قصد أن يعلمهم الجهل المركب، والاعتقادات الفاسدة. وهؤلاء مشهورون عند الأمة بالإلحاد والزندقة، بخلاف أولئك؛ فإنهم يقولون: الرسول لم يقصد أن يجعل أحدًا جاهلًا معتقدًا للباطل، ولكن أقوالهم تتضمن أن الرسول لم يبيّن الحق فيما خاطب به الأمة من الآيات، والأحاديث، إما مع كونه لم يعلمه، أو مع كونه علمه، ولم يبيّنه". درء تعارض العقل والنقل ١١٦-١٧.
[ ٢ / ٦٤٤ ]
أقوالًا تدلّ على الباطل، وطلب منهم أن يتعلموا الهدى بعقولهم ونظرهم، ثم ينظروا فيما جاء به؛ فإمّا أن يتأولوه ويحرفوا الكلم عن مواضعه، وإما أن [يفوّضوه] ١.
ردود شيخ الإسلام على المتكلمين ومنها: نقض التأسيس
فذكرنا هذا ونحوه مما يبين أنّ الهدى مأخوذ عن الرسول، وأنه قد بين للأمة ما يجب اعتقاده من أصول الدين في الصفات، وغيرها. فكان الجواب خطابًا مع من يقرّ بنبوّته، ويشهد له بأنّه رسول الله. فلم يُذكَر فيه دلائل النبوة، وذُكِرَ أن الشبهات العقلية التي تعارض خبر الرسول باطلة، وذُكِرَ في ذلك ما هو موجود في هذا الجواب.
سبب تأليف درء تعارض العقل والنقل
ثم بعد ذلك حدثت أمور أوجبت أن يُبسط الكلام في هذا الباب، و[يُتكلّم] ٢ على حجج النفاة، ويُبيَّن بطلانها، و[يُتكلم] ٣ على ما أثبتوه؛ من أنه يجب تقديم ما يزعمون أنّه معقول على ما عُلِم بخبر الرسول.
وبُسِطَ في ذلك من الكلام والقواعد ما ليس [هذا] ٤ موضعه٥،
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: يعوّضوه. وهذا المعنى هو قانون الرازي الذي ردّ عليه شيخ الإسلام ﵀. ٢ في «خ»: نتكلم. ٣ في «خ»: نتكلم. ٤ في «ط»: هذه. ٥ شيخ الإسلام ﵀ يقصد كتابه الكبير: «درء تعارض العقل والنقل»، وهو كتابٌ يردّ فيه شيخ الإسلام ﵀ على القانون الكلّي الذي سنّه الرازي لأتباعه؛ زاعمًا فيه أنه إذا تعارض العقل والنقل، قُدِّم العقل. وأما النقل فإما أن يُتأول، وإما أن يُفوّض. انظر: درء تعارض العقل والنقل ١٤ في المقدمة) . وانظر قانون الرازي في كتبه الآتية: أساس التقديس في علم الكلام ص ١٧٢-١٧٣. والمطالب العالية ١٣٣٧. ولباب الأربعين ص ٣٦. ونهاية العقول في دراية الأصول ق ١٣. والشرع عند الرازي وأتباعه كما قال شيخ الإسلام ﵀: "لا يعتمد عليه فيما وصف الله به نفسه وما لا يوصف، وإنما يُعتمد في ذلك على عقلهم، ثم ما لم يُثبته إما أن ينفوه، وإما أن يقفوا فيه". درء تعارض العقل والنقل ٢١٣. وشيخ الإسلام ﵀ ردّ على هؤلاء من أربعة وأربعين وجهًا في كتابه درء تعارض العقل والنقل، وهو الذي أُفرد لهدم هذا القانون الباطل من أساسه. وقد قال أحد الباحثين وهو الدكتور عبد الرحمن المحمود عن هذا الكتاب، وسبب تأليفه: "وهذا الكتاب من أعظم كتب ابن تيمية، وقد ألفه في الرد على الأشاعرة الذين يقولون بوجوب تقديم العقل على النقل إذا تعارضا، وجعلوا ذلك قانونًا كليًّا لهم. ومن الذين قالوا بهذا القانون: الرازي وأتباعه، والجويني، والقاضي أبو بكر بن العربي، وغيرهم. وقد ألف ابن تيمية هذا الكتاب بعد تأليفه لنقض أساس التقديس، وقد رجح المحقق ﵀ أنه ألفه بعد وصوله إلى الشام من مصر؛ أي بين عامي ٧١٢- ٧١٨؟. ويقول ابن تيمية مشيرًا إلى ذلك: (وهذه الطريقة هي ثابتة في الأدلة الشرعية والعقلية؛ فإنّا قد بيّنا في الرد على أصول الجهمية النفاة للصفات في الكلام على تأسيس التقديس، وغيره". فهذا النص أخّر تأليف هذا الكتاب عن كتابه الآخر الذي ألفه في مصر «نقض أساس التقديس»، ونلمح هنا التدرج التأليفي في نقض أصول الأشاعرة؛ فهو في البداية ردّ على أدلتهم مباشرة، وأجاب عن الاعتراضات الواردة عليها، ثم رأى أنّ هؤلاء إنما يعتمدون في شبههم واعتراضاتهم على ما كتبه شيخهم ومقدمهم الرازي، فرأى أن من تمام الكلام في نقض كلامهم نقض كلام شيوخهم كالرازي؛ فألف نقض أساس التقديس، ثم بعد ذلك رأى أن الرازي وأمثاله ليسوا مستقلين بذلك استقلالًا كاملًا، وإنما مادة كلامهم من كلام الفلاسفة، فأراد أن يُكمّل الردّ بنقض أصولهم الفلسفية؛ فجاء هذا الكتاب «درء تعارض العقل والنقل» الذي لم يكن مقتصرًا على جواب هذه المسألة فقط: تقديم العقل على النقل. وإنما حوى مباحث طويلة مع الفلاسفة شيوخ الرازي، وغيرهم، ونقل أقوالهم، وبيّن من وجوه عديدة أنواعًا من تناقضهم، وردّ بعضهم على بعض. والكتاب والحمد لله وصل إلينا كاملًا، ونشر نشرًا علميًا ممتازًا، فجزى الله محققه خيرًا، وغفر له ورحمه) . موقف ابن تيمية من الأشاعرة ١٢٠٦-٢٠٧. وشيخ الإسلام ﵀ قد أشار إلى كتابه العظيم، وسماه: درء تعارض العقل والنقل في: الرد على المنطقيين ص ٢٥٣-٢٥٤.
[ ٢ / ٦٤٥ ]
وتُكُلِّمَ مع الفلاسفة والملاحدة الذين يقولون إنّ الرسل خاطبوا خطابًا قصدوا به التخييل إلى العامة١ ما ينفعهم، لا أنّهم قصدوا [الإخبار] ٢ بالحقائق.
وهؤلاء لم يكن وقت الجواب قصد مخاطبتهم إذ كان هؤلاء في الحقيقة مكذبين للرسل، يقولون إنّهم كذبوا لما رأوه مصلحة بل كان الخطاب مع من يقرّ بأنّ الرسول لا يقول إلا الحق باطنًا وظاهرًا، ثم بعد هذا طلب الكلام على تقرير أصول الدين بأدلتها العقلية، وإن كانت مستفادة من تعليم الرسول، وذكر فيها ما ذكر من دلائل النبوة٣ في مصنف يتضمن شرح عقيدة صنفها
شيخ النظّار بمصر: شمس الدين الأصبهاني٤. فطُلِبَ مني شرحها،
_________________
(١) ١ انظر: درء تعارض العقل والنقل ١٨-١١، ١٧، ١٩. وكتاب الصفدية ١٢٧٦، ٢٨٧. ٢ في «ط»: الأخبار. ٣ شيخ الإسلام يقصد بكلامه هذا الذي ذكره: سببَ شرحه للعقيدة الأصفهانية، وأنه ضمنها دلائل النبوة. لذلك يقول شيخ الإسلام ﵀ عن عقيدة الأصبهاني: "إنه اختصر هذه العقيدة من كتب أبي عبد الله ابن الخطيب الرازي ". انظر شرح الأصفهانية ١٤٠. ٤ وقد قام شيخ الإسلام ﵀ بشرح هذه العقيدة في مصنّف موسوم بشرح الأصفهانية. وكان شيخ الإسلام ﵀ قد سُئل وهو مقيم في الديار المصرية عام ٧١٢؟ أن يشرحها، فاعتذر بأنه لا بد عند شرح ذلك الكلام من مخالفة بعض مقاصده لما توجبه قواعد الإسلام؛ فإن الحق أحق أن يُتبع، والله ورسوله أحق أن يُرضوه إن كانوا مؤمنين انظر شرح الأصفهانية ١١-٢. ثم شرحها ﵀ مبينًا انحرافها عن منهج السلف. وقد طبع الشرح بدون تحقيق، وقدم له: حسنين محمد مخلوف، ثم قام بتحقيقها د محمد بن عودة السعوي لنيل درجة الدكتوراة من جامعة الإمام، ولم تطبع بعد. والأصبهاني هو: القاضي أبو عبد الله محمد بن محمود بن عباد العجلي الأصبهاني، شمس الدين. تولى القضاء في القاهرة، ثم استقر فيها. ولد سنة ٦١٦؟، وتوفي سنة ٦٨٨؟. انظر: طبقات السبكي ٨١٠٠. وشذرات الذهب ٥٤٠٦.
[ ٢ / ٦٤٧ ]
فشرحتها، وذكرت فيها من الدلائل العقلية ما يعلم به أصول الدين.
سبب تأليف الجواب الصحيح
وبعدها جاء كتاب من النصارى١ يتضمّن الاحتجاج لدينهم بالعقل
_________________
(١) ١ أشار شيخ الإسلام ﵀ إلى هذا الكتاب في كتابه النفيس: "الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح"، وذكر فيه أنّ وروده إليه من أسباب تأليفه لهذا الكتاب. وهذا يدلّ على أن الجواب الصحيح أُلّف بعد شرح الأصفهانية، ودرء التعارض، ونقض التأسيس. يقول ﵀: "وكان من أسباب نصر الدين وظهوره: أن كتابًا ورد من قبرص فيه الاحتجاج لدين النصارى بما يحتج به علماء دينهم، وفضلاء ملتهم قديمًا وحديثًا من الحجج السمعية، والعقلية؛ فاقتضى ذلك أن نذكر من الجواب ما يحصل به فصل الخطاب، وبيان الخطأ من الصواب؛ لينتفع بذلك أولوا الألباب، ويظهر ما بعث الله به رسله من الميزان. وأنا أذكر ما ذكروه بألفاظهم بأعيانها فصلًا فصلًا، وأُتبع كل فصل بما يناسبه من الجواب فرعًا وأصلًا، وعقدًا وحلًا. وما ذكروه في هذا الكتاب هو عمدتهم التي يعتمد عليها علماؤهم في مثل هذا الزمان، وقبل هذا الزمان، وإن كان يزيد بعضهم على بعض، بحسب الأحوال؛ فإن هذه الرسالة وجدناهم يعتمدون عليها قبل ذلك، ويتناقلها علماؤهم بينهم، والنسخ بها موجودة قديمة، وهي مضافة إلى بولص الراهب أسقف صيدا الأنطاكي، كتبها إلى بعض أصدقائه، وله مصنفات في نصر النصرانية وقد عظّم هذه الرسالة، وسماها: "الكتاب المنطيقي الدولة خاني المبرهن عن الاعتقاد الصحيح والرأي المستقيم" ". الجواب الصحيح ١٩٨-١٠١.
[ ٢ / ٦٤٨ ]
والسمع، واحتجوا بما ذكروه من القرآن؛ فأوجب ذلك أن يُرَدَّ عليهم، ويُبَيَّن فساد ما احتجوا به من الأدلة السمعية؛ من القرآن، ومن كلام الأنبياء المتقدمين، وما احتجوا به من العقل، وأنهم مخالفون للأنبياء وللعقل؛ خالفوا المسيح، ومَنْ قبله، وحرّفوا كلامهم؛ كما خالفوا العقل، وبُيِّن ما يحتجون به من نصوص الأنبياء، وأنها هي وغيرها من نصوص الأنبياء التي عندهم حجة عليهم لا لهم، وبُيِّن الجواب الصحيح لمن حرّف دين المسيح. وهم لم يطالبوا ببيان دلائل نبوّة نبيّنا، لكن اقتضت المصلحة أن يذكر من هذا ما يناسبه، ويُبْسَط الكلام في ذلك بسطًا أكثر من غيره١.
وقلوب كثير من الناس يجول فيها أمر النبوات وما جاءت به الرسل. وهم٢ وإن أظهروا تصديقهم٣ والشهادة لهم، ففي قلوبهم مرض ونفاق؛ إذ كان ما جعلوه أصولًا لدينهم، معارض لما جاءت به الأنبياء٤.
_________________
(١) ١ وقد بسط ذلك في كتابه الكبير: الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح. والكتاب حقق في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية على شكل رسائل جامعية لنيل درجة الدكتوراة، وقد طبع في ستة أجزاء كبار. ٢ أصحاب القانون الكلي؛ الرازي وأتباعه الذين يقدّمون عقلياتهم على قول الله وقول رسوله ﷺ. ٣ تصديق الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين. ٤ ويقول شيخ الإسلام ﵀ عن أصولهم: "ترتيب الأصول في مخالفة الرسول والمعقول؛ جعلوها أصولًا للعلم بالخالق، وهي أصول تناقض العلم به؛ فلا يتم العلم بالخالق إلا مع اعتقاد نقيضها". مجموع الفتاوى ١٦٤٤٢-٤٤٣. وانظر درء تعارض العقل والنقل ٢١٣-١٤.
[ ٢ / ٦٤٩ ]
وهم لم يتعلموا ما جاءت به الأنبياء، ولم يأخذوا عنهم الدلائل، والأصول، والبينات، والبراهين.
وإذا وجب أن يؤخذ عن الأنبياء ما أخبروا به من أصول الدين، ومن تصديق خبرهم، مع وجود ما يعارضه، فلأن يؤخذ عنهم ما بيّنوا به تلك العقائد؛ من الآيات، والبراهين أولى وأحرى؛ فإنه بهذا يتبين ذاك، وإلا فتصديق الخبر متوقف على دليل صحته، أو على صدق المخبر به. وتصديقه بدون أن يعلم أنّه في نفسه حق، أو أنّ المخبر به صادق: قول بلا علم.
الرسول أرسل بالبينات والهدى
والرسول صلوات الله عليه وسلامه قد أُرسل بالبينات والهدى؛ بيَّن الأحكام الخبرية والطلبية، وأدلتها الدالة عليها؛ بيَّن المسائل والوسائل؛ بيَّن الدين؛ ما يقال، وما يعمل؛ وبيَّن أصوله التي بها يعلم أنه دين حق. وهذا المعنى قد ذكره الله تعالى في غير موضع، وبيَّن أنّه أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين [كله] ١؛ ذكر هذا في سورة التوبة٢، والفتح٣، والصف٤.
والهدى: هو هدي الخلق إلى الحق، وتعريفهم ذلك، وإرشادهم إليه. وهذا لا يكون إلا بذكر الأدلة، والآيات الدالة على أنّ هذا هدى، وإلا فمجرّد خبر: لم يعلم أنه حق، ولم يقم دليل على أنّه حقّ: ليس بهدى.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٢ قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة، ٣٣] . ٣ قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ . [الفتح، ٢٨] . ٤ قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ . [الصف، ٩] .
[ ٢ / ٦٥٠ ]
وهو سبحانه إذا ذكر الأنبياء؛ نبينا وغيره، ذكر أنّه أرسلهم بالآيات البينات١؛ وهي الأدلّة، والبراهين البيّنة، المعلومة علمًا يقينيًا؛ إذ كان كل دليل لا بد أن ينتهي إلى مقدمات بيّنة بنفسها، قد تسمى بديهيّات٢، وقد تسمّى ضروريات٣، وقد تسمى أوليات٤، وقد يقال: هي معلومة
_________________
(١) ١ قال تعالى عن رسله ﵈: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ﴾ الآية. [سورة الحديد، الآية ٢٥]، وقال تعالى عن عيسى ﵇: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ..﴾ الآية. [سورة البقرة، الآية ٨٧]، وقال تعالى عن نبينا محمد ﷺ: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ . [سورة البقرة، الآية ٩٩]، وقال تعالى عن يوسف ﵇: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ..﴾ الآية. [سورة غافر، الآية ٣٤] . ٢ البديهيّ: هو الذي لا يتوقف حصوله على نظر وكسب، سواء احتاج إلى شيء آخر؛ من حدس، أو تجربة، أو غير ذلك، أو لم يحتج؛ فيرادف الضروري. وقد يُراد به ما لا يحتاج بعد توجه العقل إلى شيء أصلًا؛ فيكون أخص من الضروريّ؛ كتصور الحرارة والبرودة، وكالتصديق بأن النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان. التعريفات للجرجاني ص ٦٣. ٣ ذكر الجرجاني في تعريفاته أنّ الضرورية المطلقة: هي التي يحكم فيها بضرورة ثبوت المحمول للموضوع، أو بضرورة سلبه عنه، ما دام ذات الموضوع موجودة. أما التي حكم فيها بضرورة الثبوت، فضرورية موجبة؛ كقولنا: كلّ إنسان حيوان بالضرورة؛ فإن الحكم فيها بضرورة ثبوت الحيوان للإنسان في جميع أوقات وجوده. وأما التي حكم فيها بضرورة السلب، فضرورية سالبة؛ كقولنا: لا شيء من الإنسان بحجر بالضرورة؛ فالحكم فيها بضرورة سلب الحجر عن الإنسان في جميع أوقات وجوده. انظر التعريفات للجرجاني ص ١٨٠. ٤ الأوّليّ: هو الذي بعد توجه العقل إليه لم يفتقر إلى شيء أصلًا من حدس، أو تجربة، أو نحو ذلك؛ كقولنا: الواحد نصف الاثنين، والكل أعظم من جزئه؛ فإن هذين الحكمين لا يتوقفان إلا على تصور الطرفين. وهو أخص من الضروريّ مطلقًا. التعريفات للجرجاني ص ٥٨.
[ ٢ / ٦٥١ ]
بأنفسها؛ فالرسل صلوات الله عليهم بعثوا بالآيات البينات.
إذا خاطب جنس الإنس ذكر جنس الأنبياء
وفي الصحيحين عنه ﷺ أنّه قال: " ما من نبيّ من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي، [فأرجو] ١ أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة" ٢.
وهو سبحانه إذا خاطب جنس الإنس، ذكر جنس الأنبياء٣، و[أثبت] ٤ جنس ما جاءوا به. وإذا خاطب أهل الكتاب المقرين بنبوة موسى، خاطبهم بإثبات نبيّ بعده؛ كما قال في سورة البقرة في خطابه لبني إسرائيل لما ذكر ما ذكره من أحوالهم مع موسى، وذكّرهم بأنعامه عليهم، وبما فعلوه من السيئات، ومغفرته لها؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابنَ مَرْيَم البَيّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًَا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًَا تَقْتُلُونَ﴾ ٥، ثمّ ذكر محمدًا؛ فقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ [كِتَابٌ] ٦ مِنْ عِنْدِ اللهِ
_________________
(١) ١ في «خ»: وأرجوا. ٢ سبق تخريجه في ص ٧٦٧. ٣ والآيات في ذلك كثيرة؛ منها: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ.﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا..﴾ . [البقرة، ٢١-٢٣]؛ فذكر الناس، ثم ذكر بعدهم عبده ونبيه محمدًا ﷺ. ومنها: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ.﴾ الآية. [النساء، ١٧٠] . ومنها: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ . [النساء، ١٧٤] . ٤ في «خ»: ثبت. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ سورة البقرة، الآية ٨٧. ٦ في «خ»، و«م»: رسولٌ.
[ ٢ / ٦٥٢ ]
مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الكَافِرِينَ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ بَغْيًَا أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاؤُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ١.
فذكر سبحانه أنّه أرسل المسيح إليهم بالبيّنات، بعدما أرسل قبله الرسل، وأنّهم تارة يُكذّبون الرسل، وتارة يقتلونهم، وذكر أنّه أرسل عيسى بالبينات لأنّه جاء بنسخ بعض شرع التوراة، بخلاف من قبله٢، ولهذا لم يذكر ذلك عنهم.
وقال في موسى إنّه آتاه الكتاب؛ لأنهم كانوا مقرين بنبوته، ولكن حرّفوا كتابه في المعنى باتفاق الناس، وحرّفوا اللفظ أحيانًا، وفي بعض المواضع.
وهو تعالى قد ذكر في غير موضع أنّه أرسل موسى بالآيات البيّنات؛ فقال لما ناجاه: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًَا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًَا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ وَأَدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ في تِسْعِ آيَاتٍ إلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًَا فَاسِقِينَ﴾ ٣، وقال في سورة القصص: ﴿يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآيتان ٨٩-٩٠. ٢ ذكر هذا في قوله جلّ وعلا: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابنَ مَرْيَم البَيّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًَا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًَا تَقْتُلُونَ﴾ . [سورة البقرة، الآية ٨٧] . ٣ سورة النمل، الآيات ١٠-١٢.
[ ٢ / ٦٥٣ ]
مِنَ الرَّهْبِ [فَذَانِكَ] ١ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًَا فَاسِقِينَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالجَرَادَ وَالقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًَا مُجْرِمِينَ﴾ ٣.
وقد قال تعالى لمّا قصّ قصص الرسل؛ نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب٤، ونصره لهم، وإهلاك أعدائهم. ثمّ ذكر الأنبياء عمومًا؛ فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا في قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ ٥، إلى قوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ تِلْكَ القُرَى نَقُصُّ [عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا] ٦ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الكَافِرِينَ وَمَا وَجَدْنَا لأكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِين﴾ ٧.
فقد أخبر أنّ أهل القرى كلهم؛ الذين أهلكهم، جاءتهم رسلهم بالبينات، ولكن شابه متأخروهم متقدّميهم، فما كان هؤلاء ليؤمنوا بما كذّب به أشباههم، كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين. وهذا كقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُون﴾ ٨.
_________________
(١) ١ في «ط»: فذلك. ٢ سورة القصص، الآيتان ٣١-٣٢. ٣ سورة الأعراف، الآية ١٣٣. ٤ في «ط»: ﵈. ٥ سورة الأعراف، الآية ٩٤. ٦ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، و«م» . ٧ سورة الأعراف، الآيات ١٠٠-١٠٢. ٨ سورة الذاريات، الآية ٥٢.
[ ٢ / ٦٥٤ ]
قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِين﴾ ١؛ فبيَّن سبحانه أنّه بعث موسى بآياته.
وقال٢ في أثناء القصة: ﴿إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلاَّ الحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيل﴾ ٣؛ فأخبر أنه جاء ببينة من [الله] ٤؛ أي بآية بينة من الله؛ بدليل من الله وبرهان،؛ فهي آية منه، وعلامة منه على صدقي، وأنّي رسولٌ منه؛ فإن قوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: متعلق بالرسول، وبالآية؛ يُقال: فلانٌ قد جاء بعلامة من فلان؛ فالعلامة منه، والرسول منه، والآية منه؛ كما قال: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ ٥؛ فدلّ على أنّ كلّ واحدٍ؛ من الرسول، ومن آيات الرسول، هو من الله تعالى.
قال له فرعون: ﴿إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ٦. وذكر القصة، ومعارضة السحرة له، إلى أن قال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ فَوَقَعَ الحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ و[أُلْقِيَ] ٧ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية ١٠٣. ٢ القائل هو موسى ﵇؛ كما حكى الله تعالى عنه. ٣ سورة الأعراف، الآيتان ١٠٤-١٠٥. ٤ ما بين المعقوفتين ساقط من «ط» . ٥ سورة القصص، الآية ٣٢. ٦ سورة الأعراف، الآية ١٠٦. ٧ في «ط»: وألقَى.
[ ٢ / ٦٥٥ ]
العَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ قَالَ فِرْعَوْنُ [آمَنْتُمْ] ١ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خلافٍ ثُمّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًَا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ ٢.
فذكر السحرة أنهم آمنوا بآيات ربهم لمّا جاءتهم، وهم من أعلم الناس بالسحر؛ لما علموا أنّ هذه الآيات آيات من الله؛ كما قال موسى: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالجَرَادَ وَالقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًَا مُجْرِمِينَ﴾ ٣، إلى قوله: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ في اليَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غافلين﴾ ٤.
التوراة أنزلت بعد غرق فرعون
وليس المراد بالآيات هنا: كتابًا منزلًا؛ فإنّ موسى لمّا ذهب إلى فرعون لم تكن التوراة قد نزلت، وإنّما أنزلت التوراة بعد أن غرق فرعون، وخلص [ببني] ٥ إسرائيل٦، فاحتاجوا إلى شريعة يعملون بها؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا القُرُونَ الأُوْلَى بَصَائِرَ للنَّاسِ وَهُدَى﴾ ٧. ولكنّ تكذيبهم بآياته: إنكارهم أن [تكون] ٨ آية من
_________________
(١) ١ في «ط»: آمنت. ٢ سورة الأعراف، الآيات ١١٧-١٢٦. ٣ سورة الأعراف، الآية ١٣٣. ٤ سورة الأعراف، الآية ١٣٦. ٥ في «ط»: بني. ٦ انظر: الجامع في أحكام القرآن للقرطبي ١٣١٩٢. وتفسير ابن كثير ٣٣٩٠. ٧ سورة القصص، الآية ٤٣. ٨ في «خ»: يكون. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ٢ / ٦٥٦ ]
الله، وقولهم: (إنّها سحرٌ)؛ كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ١، ﴿وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ ٢؛ لم يذكروها، ويتأملوا ما دلّت عليه من صدق موسى، وأنّه مرسل من الله.
فالتكذيب: ضدّ التصديق، والغفلة عنها: ضدّ النظر فيها. ولهذا قيل: النظر تجريد العقل عن الغفلات، وقيل: هو تحديق العقل نحو المرئي. والأول هو النظر الطلبي؛ وهو طلب ما يدلّه على الحق، والثاني هو النظر الاستدلالي؛ وهو النظر في الدليل الذي يوصله إلى الحق. وهذا الثاني هو الذي يوجب العلم٣.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية ١٣٢. ٢ سورة الأعراف، الآية ١٣٦. ٣ الأصوليون قسّموا النظر، ووضعوا حدًّا لكلّ قسم، فأتوا بتعريفات متقاربة في المعنى. من ذلك قول أبي الخطاب (في التمهيد ١٥٨): (النظر على ضربين؛ نظر العين، ونظر القلب. فحدّ نظر القلب: هو التفكّر في حال المنظور فيه، وحدّ المنظور فيه: هو الأدلة والأمارات الموصلة إلى المطلوب) . وكصنيع أبي الخطاب صنع أبو يعلى (في العدة ١١٨٣-١٨٤)؛ حين قسّم النظر إلى نظر بالعين، ونظر بالقلب؛ فقال: "لنظر ضربان؛ ضرب هو النظر بالعين، فهذا حدّه الإدراك بالبصر. والثاني: النظر بالقلب، وهذا حدّه الفكر في حال المنظور فيه. أما الآمديّ (في الإحكام في أصول الأحكام ١١١)، فقد ذكر عدة معان للنظر، واختار المعنى الذي يُوافق المتكلمين؛ فقال: "أما النظر: فإنه قد يُطلق في اللغة بمعنى الانتظار، وبمعنى الرؤية بالعين، والرأفة، والرحمة، والمقابلة، والتفكر، والاعتبار. وهذا الاعتبار الأخير هو المسمّى بالنظر في عرف المتكلمين. وقد قال القاضي أبو بكر في حدّه: هو الفكر الذي يطلب به من قام به علمًا، أو ظنًّا"
[ ٢ / ٦٥٧ ]
فذمُّهُم على الغفلة عن آياته، يتضمن النوعين؛ النظر فيها والتأمّل لها. والتذكّر لها: ضد الغفلة عنها.
وهي آيات معينة، فإذا جُرّد العقل عن الغفلة عنها، وحدقه للنظر فيها، حصل له العلم بها.
وقد يحصل العلم بها، ولكن يمتنع عن اتباعها لهواه؛ كما قال الله عن قوم فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًَا وَعُلُوًَّا﴾ ١؛ فإنّ الحقّ إذا ظهر، صار معلومًا بالضرورة.
والآيات، والدلائل الظاهرة تدلّ على لوازمها بالضرورة. لكنّ اتباع الهوى يصدّ عن التصديق بها، واتباع ما أوجبه العلم بها. وهذه حال عامة المكذبين؛ مثل مكذبي محمّد وموسى [﵉] ٢، وغيرهما؛ فإنّهم علموا صدقهما علمًا يقينيًا؛ لِمَا ظهر من آيات الصدق، ودلائله الكثيرة. لكنّ اتباع الهوى صدّ؛ قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ ٣، وقال تعالى عن قوم فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًَا وَعُلُوًَّا﴾ ٤، وقال موسى لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤلاءِ إِلاَّ رَبّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْض بَصَائِر﴾ ٥، ولهذا قال: ﴿وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِين﴾ ٦؛ فعلموا أنّها حقّ، وغفلوا عنها؛ كما يغفل الانسان عما يعلمه.
_________________
(١) ١ سورة النمل، الآية ١٤. ٢ زيادة من «ط» . ٣ سورة الأنعام، الآية ٣٣. ٤ سورة النمل، الآية ١٤. ٥ سورة الإسراء، الآية ١٠٢. ٦ سورة الأعراف، الآية ١٣٦.
[ ٢ / ٦٥٨ ]
ومنه الغفلة عن ذكر الله تعالى؛ قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًَا﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًَا وَخِيفَةً وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الغَافِلِينَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالحَيَاةِ الدُّنيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٣.
فذكر الذين هم عن آياته غافلون هنا؛ كما ذكرهم هناك. وهناك وصفهم بالتكذيب بها، مع الغفلة عنها، وضدّ الغفلة التذكر. والتذكر لآياته ﷾: يُوجب العلم بها، وحضورها في القلب، وهو موجب لاتباعها، إلا أن يمنعه هوى؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابّ عِندَ اللهِ الصُّمُّ البُكْمُ الذِينَ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مِعْرِضُونَ﴾ ٤؛ فهو سبحانه لو علم فيهم خيرًا؛ وهو قصد الحق، لأفهمهم. لكنهم لا خير فيهم، فلو أفهمهم لتولّوا وهم معرضون.
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ العَالَمِين فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنهَا يَضْحَكُونَ وَمَا نُريهمْ مِنْ آيَةٍ إِلاَّ هِي أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٥.
وقد ذكر أنّ الآيات التي هي دلائل النبوّة منه، في غير موضع غير ما
_________________
(١) ١ سورة الكهف، الآية ٢٨. ٢ سورة الأعراف، الآية ٢٠٥. ٣ سورة يونس، الآيتان ٧-٨. ٤ سورة الأنفال، الآيتان ٢٢-٢٣. ٥ سورة الزخرف، الآيات ٤٦-٤٨.
[ ٢ / ٦٥٩ ]
تقدم؛ كقوله تعالى: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّك فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى [إِنَّا قَدْ أُوْحِيَ إِلَيْنَا] ١ أَنَّ العَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى قَالَ فَمَا بَالُ القُرُونِ الأوْلَى قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي في كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ [مَهْدًَا] ٢ وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًَا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ في ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾، إلى قوله عن السحرة: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ البَيِّنَاتِ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا في الصُّحُفِ الأُوْلَى﴾ ٥.
فالآيات التي هي دلائل النبوة، وبراهينها، هي آيات من الله، وعلامات منه أنّه أرسل الرسول.
وكما أنّ الآيات التي هي كلامه تتضمّن إخباره لعباده، وأمره لهم؛ ففيها الإعلام والإلزام؛ فكذلك دلائل النبوة هي آيات منه تتضمّن إخباره لعباده بأنّ هذا رسوله، وأمره لهم بطاعته؛ ففيها الاعلام والإلزام.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٢ في «خ»: مهادًا. ٣ سورة طه، الآيات ٤٧-٧٢. ٤ سورة آل عمران، الآية ٤٩. ٥ سورة طه، الآية ١٣٣.
[ ٢ / ٦٦٠ ]
الآيات القولية والفعلية
وكما أنّ آياته القوليّة: زعم المكذبون أنّها ليست كلامه، ولا منه، بل هي من قول البشر، وزعموا أنّ الرسول افتراها، أو مَنْ معه، أو تعلّمها من غيره١؛
_________________
(١) ١ هذا ما ادّعاه كفّار قريش معارضة لما جاء به رسول الله ﷺ؛ فهذا الوليد بن المغيرة المخزومي أحد رؤسائهم، قال قتادة: زعموا أنه قال: والله لقد نظرت فيما قال الرجل "قصد رسول الله ﷺ" فإذا هو ليس بشعر، وإنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وما يُعلى عليه، وما أشكّ أنّه سحر. فأنزل الله: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ . (انظر: تفسير ابن كثير ٤٤٤٣. والجواب الصحيح ٥٣٧٣-٣٧٧) . وانظر الجواب الصحيح ٥٣٣١-٣٣٢؛ فقد ذكر فيه شيخ الإسلام ﵀ أنّه كان بمكة مولى أعجمي، فقالت قريش إنه يُعلّم محمّدًا القرآن. ومن الآيات التي أنزلها الله فيما ادّعاه هؤلاء الكفّار:
(٢) قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ . [المدثر، الآيات ١٨-٢٥] .
(٣) قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ . [سورة النحل، الآية ١٠٣] .
(٤) قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ . [سورة يونس، الآية ٣٨] .
(٥) قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ . [سورة الطور، الآية ٣٣] . وهذه الآيات جاءت ردًّا على مزاعم الكفار الأوائل. وملّة الكفر واحدة؛ فهؤلاء أذنابهم من الملاحدة، والزنادقة، والفلاسفة يُردّدون تلك الأقوال تلميحًا أو تصريحًا، يُريدون ليُطفئوا نور الله، والله متم نوره. وينقل لنا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أقوالهم في آيات الله الكونيّة، وأنّها نوع من السحر والطلسمات؛ فيقول عنهم: "في الجملة فهؤلاء يدّعون ما ذكره ابن سينا في إشاراته؛ من أنّ خوارق العادات في العالم ثلاثة أنواع، لأنها إما أن تكون بأسباب فلكية؛ كتمزيج القوى الفعّالة السماوية بالقوى المنفعلة الأرضيّة؛ وهذا هو الطِّلسمات. وإما أن تكون بأسباب طبيعية سفلية؛ كخواص الأجسام، وهي النيرنجيات. وإما أن تكون بأسباب نفسانية، ويزعمون أنّ المعجزات التي للأنبياء، والكرامات التي للأولياء، وأنواعًا من السحر والكهانة هو من هذا الباب، ويقولون: الفرق بين النبيّ والساحر: أنّ النبيّ نفسه زكية، تأمر بالخير، والساحر نفسه خبيثة تأمر بالشرّ. فهما يفترقان عندهم فيما يأمر به كلّ منهما، لا في نفس الأسباب الخارقة" كتاب الصفدية ١١٤٢-١٤٣. وانظر: شرح الأصفهانية ٢٥٠٤. والجواب الصحيح ٢٣٢٨، ٦٤٠٠.
[ ٢ / ٦٦١ ]
فكذلك الآيات الفعلية١: زعم المكذبون أنّها ليست آية منه، وعلامة ودلالة منه على أنّ الرسول رسوله، بل [ممّا] ٢ يفعله الرسول فيكذب، وهذه من فعل المخلوقين، لكنها عجيبة فهي سحرٌ سَحَرَ بها الناس٣، فلم يكن من المكذبين من قال: إنّها من الله، ولكن لم يخلقها لنصدّقك بها، بل خلقها لا لشيء، أو خلقها، وإن كنت كاذبًا فإنّه قد يخلق مثل هذه على أيدي الكذّابين، ليضلّ بها النّاس. فإنّ هذا وإن كان يقال إنه قبيح، فإنّه لا يقبح منه شيء، كما أنّه لم يكن في المكذبين من قال: إنّ الكلام كلام الله، لكنه كذب؛ إذ الكذب وإن كان قبيحًا من المخلوق، فالخالق لا يقبح منه شيء، وهذا لأنّه من المعلوم بالفطرة الضرورية لجميع بني آدم أنّ الله لا يكذب، ولا يفعل القبائح؛ فلا يؤيد الكذّاب بآيته ليضل بها الناس، لكن قالوا٤:
_________________
(١) ١ وقد بسط شيخ الإسلام ﵀ الكلام على آياته الفعلية التي منها المعجزات، وآيات الله القولية مثل القرآن الكريم، في: مجموع الفتاوى ١١٣٢٢-٣٢٣. وكتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ٢٨٥-٢٨٦. ٢ في «خ»: من ما. ٣ كما قال تعالى عنهم: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ . [سورة الذاريات، الآيتان ٥٢-٥٣] . ٤ يعني المشركين والصادين عن آيات الله؛ فإنّ كفار مكة لما رأوا انشقاق القمر قالوا: هذا سحر؛ كما قال الله عنهم: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ . [سورة القمر، الآيتان ١-٢]، وقالوا عن القرآن الكريم؛ كما حكى الله عنهم: ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ . [سورة المدثر، الآيتان ٢٤-٢٥] .
[ ٢ / ٦٦٢ ]
ليست آية من الله، بل هي سحر من عندك. وهم [و] ١ إن كانوا قد يعلمون أنّ الله خالق كل شيء٢، ففرقٌ بين ما يفعله البشر، ويتوصلون إليه بالاكتساب، وبين ما لا قدرة لهم على التوصل إليه بسبب من الأسباب، وفرقٌ بين ما قد علموا أنه يخلقه لغير تصديق الرسل؛ كالسحر؛ فإنّه لم يزل معروفا في بني آدم، فقد علموا أنّه لا يخلقه آية وعلامة لنبيّ؛ إذ كان موجودا لغير الأنبياء، معتادًا منهم، وإن كان عجيبًا، خارجًا عن العادة عند من لم يعرفه، بل كان المكذبون يُطالبون الرسل بالآيات؛ كقول فرعون: فأت بآية إن كنت من الصادقين٣، وقول قوم صالح له: ﴿إِنَّما أَنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ مَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَر مِثْلنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقين﴾ ٤.
وكانت الأنبياء تأتي بالآيات، وهي آيات بينات؛ فيكذبون بها؛ كما يكذّب المعاند بالحق الظاهر المعلوم؛ كما قال فرعون: إنّه ساحر٥. ولمّا
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ليس في «ط» . ٢ والآيات الدالّة على أنّ المشركين مقرون بربوبية الله ﷿ كثيرة، ولكن لم ينفعهم إقرارهم لإشراكهم مع الله غيره. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ . [سورة العنكبوت، الآية ٦١] . وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [سورة الزخرف، الآية ٨٧] . وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ . [سورة الزخرف، الآية ٩] . وغير هذه من الآيات. ٣ قال فرعون لموسى ﵇ كما حكى الله عنه: ﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ . [سورة الأعراف، الآية ١٠٦] . ٤ سورة الشعراء، الآيتان ١٥٣-١٥٤. ٥ كما حكى الله تعالى عنه قوله للملأ من قومه: ﴿قَالَ لِلْمَلأِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ . [سورة الشعراء، الآيتان ٣٤-٣٥] .
[ ٢ / ٦٦٣ ]
غُلِب السحرة، وآمنوا، واعترفوا بأنّ هذه آية من الله، قال لهم فرعون: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ ١، ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ ٢.
وهذا كذبٌ ظاهرٌ؛ فإن موسى جاء من الشام٣، ولم يجتمع بالسحرة، إنما فرعون جمعهم، ولم يكن دين موسى دين السحرة، ولا مقصوده مقصودهم، بل هم وهو في غاية التعادي والتباين.
وكذلك سائر السحرة، والكهنة مع الأنبياء من أعظم الناس ذمًا لهم، وأمرًا بقتلهم، مع تصديق الأنبياء بعضهم ببعض، وإيجاب بعضهم الإيمان ببعض. وهم يأمرون بقتل من يكذّب نبيًا، ويأمرون بقتل السحرة، ومن آمن بهم٤.
من الفروق بين الأنبياء والسحرة
والسحرة [يذم] ٥ بعضهم بعضًا، والأنبياء يصدّق بعضهم بعضًا،
_________________
(١) ١ سورة طه، الآية ٧١،، وسورة الشعراء، الآية ٤٩. ٢ سورة الأعراف، الآية ١٢٣. ٣ انظر: تفسير ابن كثير ٢٢٣٨. ٤ ومن الأحاديث التي وردت في ذلك: ما رواه جندب ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "حدّ الساحر ضربة بالسيف". رواه الترمذي في جامعه ٤٦٠، وقال: الصحيح عن جندب موقوف. ورواه الدارقطني في سننه ٣١١٤. ومن الآثار الواردة عن الصحابة ﵃ في قتل السحرة: قول عمر بن الخطاب ﵁ قبل موته بسنة: "اقتلوا كلّ ساحر"؛ قال الراوي: فقتلنا في يوم ثلاث سواحر. أخرجه أبو داود في سننه ٣٤٣١-٤٣٢، وقال عنه الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: إسناده حسن. انظر: تيسير العزيز الحميد ص ٣٩١-٣٩٢. ٥ في «ط»: بذم.
[ ٢ / ٦٦٤ ]
وهؤلاء١ يأمرون بعبادة الله وحده، والصدق، والعدل، ويتبرّأون من الشرك وأهله. وهؤلاء٢ يُحبّون أهل الشرك، ويوالونهم، ويبغضون أهل التوحيد والعدل. فهذان جنسان، متعاديان؛ كتعادي الملائكة والشياطين؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوًَّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًَا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَلتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا [يُؤْمِنُونَ] ٣ بِالآخِرَةِ وَلْيَرْضَوْهُ وَلْيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ ٤.
فمن جعل النبيّ ساحرًا، أو مجنونًا، هو بمنزلة من جعل الساحر، أو المجنون نبيًا، وهذا من أعظم الفرية، والتسوية بين الأضداد المختلفة، وهو شرّ من قول من يجعل العاقل مجنونًا، والمجنون عاقلًا، أو يجعل الجاهل عالمًا، والعالم جاهلًا.
فإنّ الفرق بين النبيّ، وبين الساحر والمجنون، أعظم من الفرق بين العاقل والمجنون، والعالم والجاهل٥.
_________________
(١) ١ يعني الأنبياء ﵈. ٢ يعني السحرة. ٣ في «ط»: يمنون. ٤ سورة الأنعام، الآيتان ١١٢-١١٣. ٥ وقد مرّ معنا فروق كثيرة بين النبيّ والساحر. (انظر ص ٦٧١) . وسيأتي مزيد بيان لهذه الفروق. وانظر بعض هذه الفروق في: شرح الأصفهانية ٢٤٧٤-٤٧٩. والجواب الصحيح ١٨٦، ١٢٧-١٢٩، ١٤٠-١٤٤، ٢٣٣٢، ٥٣٥٧، ٦٢٩٧-٣٠٠. والرد على المنطقيين ص ٤٤١. ومجموع الفتاوى ١٢٨٩-٢٩٢، ٤١٦٨-١٦٩، ٦٤٨٩-٤٩١. وكتاب الصفدية ١١٧٦. ومنهاج السنة النبوية٢٤١٩-٤٢٠.
[ ٢ / ٦٦٥ ]
وأمّا السحرة فإنّه أمر بقتلهم.
وفي التوراة: "سأُقيم لبني إسرائيل من إخوتهم نبيًّا مثلك، أجعل كلامي على فمه، كلكم يسمعون"١.
_________________
(١) ١ وفي الطبعة الموجودة للكتاب المقدس عندهم: "يقيم لك الرب إلهك نبيًا من وسطك من إخوتك مثلي له تسمعون قال لي الرب: قد أحسنوا في ما تكلموا، أقيم لهم نبيًا من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه؛ فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به أخي أنا أطالبه ". الكتاب المقدس عندهم، سفر التثنية، الإصحاح الثامن عشر، رقم ١٦، ١٨-٢٠، ص ٣٠٨-٣٠٩، طبعة دار الكتاب المقدس، جمعية الكتاب المقدس سابقًا، القاهرة، مصر. وقد ذكره الماوردي ﵀ ضمن بشارات الأنبياء بنبوة نبينا محمد ﷺ، وعلق عليه قائلًا: "ومعلوم أن أخا بني إسرائيل هم بنو إسماعيل، وليس منهم من ظهر كلام الله تعالى على فمه، غير محمد ﷺ". أعلام النبوة للماوردي ص ١٩٨. وذكر شيخ الإسلام ﵀ هذا النص في كتابه الجواب الصحيح ٥١٥٧، ١٨٨. وللشيخ العلامة رحمت الله الكيرانوي الهندي رحمه الله تعالى في كتابه القيم (إظهار الحق) كلام جميل يعلق فيه على هذه البشارة بنبينا محمد ﷺ، ويُفنّد أقوال اليهود والنصارى فيما يدّعونه من وجوه كثيرة؛ فيقول: "وهذه البشارة ليست بشارة يوشع ﵇ كما يزعم الآن أحبار اليهود، ولا بشارة عيسى ﵇ كما زعم علماء بروتستنت، بل هي بشارة محمد ﷺ لعشرة أوجه " ثم ذكر هذه الأوجه بالتفصيل، وأختصرها لتعميم الفائدة:
(٢) إن اليهود المعاصرين لعيسى ﵇ كانوا ينتظرون نبيًا آخر مبشرًا به، وكان هذا المبشّر به عندهم غير المسيح، فلا يكون يوشع، ولا عيسى ﵉.
(٣) جاء في هذه البشارة لفظ (مثلك)، ويوشع وعيسى ﵉ لا يصح أن يكونا مثل موسى ﵇؛ لأمور، منها: أولًا: لكونهما من بني إسرائيل، فلا يجوز أن يقوم أحد من بني إسرائيل مثل موسى؛ لما جاء في سفر التثنية: (ولم يقم بعد ذلك من بني إسرائيل مثل موسى يعرفه الرب وجهًا لوجه) . ثانيًا: لا مماثلة بين يوشع وبين موسى ﵉؛ لأنّ موسى صاحب كتاب وشريعة جديدة مشتملة على أوامر ومناهي، ويوشع ليس كذلك، بل هو متبع لشريعة موسى. وكذلك لا توجد المماثلة التامة بين موسى وعيسى ﵉.
(٤) جاء في هذه البشارة لفظ (من بين إخوتهم)، والأسباط الإثني عشر كانوا موجودين مع موسى ﵇، حاضرين عنده، فلا يعمهم هذا الخطاب، فلو كان النبيّ المبشّر به منهم لقال: منهم، ولم يقل: من بين إخوتهم.
(٥) جاء في هذه البشارة لفظ (سوف أقيم)، ويوشع ﵇ كان حاضرًا عند موسى ﵇، داخلًا في بني إسرائيل، فلا يدخل في هذا اللفظ.
(٦) قوله: (أجعل كلامي في فمه): هو إشارة إلى أنّ ذلك النبيّ ينزل عليه الوحي والكتاب، وهو أُميّ يحفظ كلام الله.
(٧) قوله: "ومن لم يطع كلامه الذي يتكلم به فأنا أكون المنتقم من ذلك": لا يصدق على عيسى ﵇؛ لأنّ شريعته خالية عن أحكام الحدود، والقصاص، والتعزير، والجهاد.
(٨) جاء في كتاب الأعمال أعمال الرسل: "فتوبوا وارجعوا كي تمحى خطاياكم، حتى إذا تأتي أزمنة الراحة من قدام وجه الرب، ويرسل المنادي به لكم، وهو يسوع المسيح الذي إياه ينبغي للسماء أن تقبله إلى الزمان الذي يسترد فيه كل شيء تكلم به الله على أفواه أنبيائه القديسين منذ الدهر أن موسى قال: إن الرب إلهكم يقيم لكم نبيًا من إخوتكم مثلي له تسمعون في كل ما يكلمكم به، ويكون كل نفس لا تسمع ذلك النبيّ تهلك من الشعب". فهذه العبارة تدلّ صراحة على أنّ هذا النبيّ غير المسيح ﵇، وأن المسيح لا بد أن تقبله السماء إلى زمان ظهور هذا النبيّ. وهذه الوجوه التي ذكرتها تصدق في حق النبي محمد ﷺ أكمل صدق؛ لأنه غير المسيح ﵇، ويماثل موسى ﵇ في أمور كثيرة، منها: (١) كونه عبد الله ورسوله. (٢) كونه ذا الوالدين. (٣) كونه ذا نكاح وأولاد. (٤) شريعته مشتملة على السياسات المدنية. (٥) أنه مأمور بالجهاد. (٦) اشتراط الطهارة وقت العبادة في شريعته. (٧) وجوب الغسل للجنب والحائض والنفساء في شريعته. (٨) اشتراط طهارة الثوب من البول والبراز. (٩) حرمة غير المذبوح وقرابين الأوثان. (١٠) شريعته مشتملة على العبادات البدنية والرياضة الجسمانية. (١١) أمره بحد الزنا. (١٢) تعيين الحدود والتعزيرات والقصاص. (١٣) كونه قادرًا على إجرائها. (١٤) تحريم الربا. (١٥) أمره بالإنكار على من يدعو إلى غير الله. (١٦) أمره بالتوحيد الخالص. (١٧) أمره الأمة بأن يقولوا له: عبد الله ورسوله. (١٨) موته على الفراش. (١٩) كونه مدفونًا كموسى. (٢٠) عدم كونه ملعونًا لأجل أمته.
(٩) في هذه البشارة أنّ النبيّ الذي ينسب إلى الله ما لم يأمره به يقتل. فلو لم يكن محمد ﷺ نبيًا حقًا، لكان يقتل. وعيسى ﵇ بزعم أهل الكتاب قتل وصلب، فلو كانت هذه البشارة في حقه للزم أن يكون نبيًا كاذبًا، كما يزعمه اليهود.
(١٠) إنّ محمدًا ﷺ أخبر عن الأمور الغيبية الكثيرة في المستقبل، وظهر صدقه فيها.
(١١) إنّ علماء اليهود سلّموا كونه مبشرًا به في التوراة، لكن بعضهم أسلم، وبعضهم بقي على الكفر. انظر إظهار الحق ٢٣٦٢-٣٧٠.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
وموسى صلوات الله عليه أمر بتصديق من يأتي بعده من الأنبياء الصادقين؛ كما أمر بتكذيب الكذابين.
وهذا يقتضي طاعة من يقوم بعده من الأنبياء.
ثم من الناس من يُعيِّن هذا؛ فاليهود يقولون هو يوشع؛ والنصارى يقولون هو المسيح؛ وبعض المسلمين يقولون: هو محمد ﷺ يحتجون على ذلك بحجج كثيرة، قد ذكرت في غير [هذا] ١ الموضع٢. ومنهم من يقول: بل هذا اسم جنس، وهو عام في كل نبي يأتي بعده لئلا يكذبوه؛ كما
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٢ انظر الجواب الصحيح ٥١٥٧، ١٨٨. وأعلام النبوة للماوردي ص ١٩٨. وقد أورده ابن القيم ﵀، وقال: فهذا النصّ مما لا يمكن أحدًا منهم جحده وإنكاره، ولكن لأهل الكتاب فيه أربعة طرق.. ثم ذكرها وأبطلها كلها. انظر: هداية الحيارى ص ١٠٧-١٠٩.
[ ٢ / ٦٦٨ ]
فعلت اليهود وأنكروا النسخ١. وهذا القول أقرب؛ فيدخل في هذا المسيح، ومحمد٢، ومن قبلهما من أنبياء بني إسرائيل؛ فإنّ المقصود أمرهم بتصديق الأنبياء، وطاعتهم، وأنّ الله سبحانه ينزل على الأنبياء كلامه، فالذي يقولونه هو كلام الله ما سمعوا منه.
وبسط هذا له موضع آخر٣.
وقد بسط القول٤ في أنّ الناس يعلمون بالضرورة أنّ الآيات التي يأتي بها الأنبياء آيات من الله، وعلامة أعلم بها عباده؛ أنّه أرسلهم، وأمرهم بطاعتهم، والذين كذّبوا بها كانوا يقولون ليست من الله، بل هي سحر، أو كهانة، أو نحو ذلك، لا يقرون بأنّها آية من الله، ويقولون مع ذلك: قد يخلقها الله لغير التصديق، أو يخلقها ليضلّ بها الخلق، أو نحو ذلك؛ فإنّ بسط هذه الأمور له موضع آخر٥.
الرسول بيَّن للناس الأدلة والبراهين الدالة على أصول الدين
والمقصود هنا: أنّ الرسول بيّن للناس الأدلّة والبراهين الدالّة على أصول الدين كلّها؛ كما قد ذكر سبحانه هذا في مواضع؛ كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ في الكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ
_________________
(١) ١ أي نسخ شريعة موسى ﵇؛ إما بعضها على يد عيسى ﵇، أو كلها على يد نبينا محمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين وسيدهم. وانظر: الجواب الصحيح ٥١٥٢. ٢ في «ط»: ﵉. ٣ انظر: الجواب الصحيح ٥١٤٦، ١٥٢، ١٥٩، ١٨٧، ١٨٨، ١٩٧. ٤ انظر: شرح الأصفهانية ٢٦٢٢. والجواب الصحيح ٦٣٩٧. ٥ انظر الجواب الصحيح، ففيه فصل في طرق العلم ببشارات الأنبياء بمحمد ﷺ ٥١٦٠-١٩٦، وفيه كذلك فصل ذكر فيه ست طرق كبرى للقطع بنبوة محمد ﷺ ٦٣٢٤-٣٧٩.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
اللهُ﴾ ١، وقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدَىً للنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى والفُرْقَان﴾ ٢.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ [يَتْلُو] ٣ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ [لَفِي] ٤ ضَلالٍ مُبِين﴾ ٥.
قد وصف الرسول بذلك في مواضع؛ فذكر هذا في البقرة، في دعوة إبراهيم، وفي قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا [مِنْكُمْ] ٦ [يَتْلُو] ٧ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ﴾ ٨، وفي قوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الكِتَابِ وَالحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ ٩، وهنا لم يذكر [يتلو] ١٠ عليهم آياته ويزكيهم؛ لحكمة تختص بذلك، وذكر هذا في آل عمران في قوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِين﴾ ١ ١.
وقد قال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى في بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالحِكْمَةِ﴾ ١٢،
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية ١٥٩. ٢ سورة البقرة، الآية ١٨٥. ٣ في «خ»: يتلوا.؟ ٤ في «ط»: في. ٥ سورة آل عمران، الآية ١٦٤. ٦ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٧ في «خ»: يتلوا. ٨ سورة البقرة، الآية ١٥١. ٩ سورة البقرة، الآية ٢٣١. ١٠ في «خ»: يتلوا. ١١ سورة آل عمران، الآية ١٦٤. ١٢ سورة الأحزاب، الآية ٣٤.
[ ٢ / ٦٧٠ ]
وهذا [يُشبه] ١ الموضع الثالث في البقرة٢.
فأخبر في غير موضع عن الرسول: أنّه [يتلو] ٣ عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة٤.
فالتلاوة، والتزكية عامّة لجميع المؤمنين؛ فتلاوة الآيات [يحصل بها العلم؛ فإنّ الآيات هي العلامات، والدلالات، فإذا سمعوها دلّتهم على المطلوب] ٥؛ من تصديق الرسول فيما أخبر، والإقرار بوجوب طاعته؛ وأمّا التزكية: فهي تحصل بطاعته فيما يأمرهم به من عبادة الله وحده وطاعته. فالتزكية تكون بطاعة أمره؛ كما أنّ تلاوة آياته يحصل بها العلم، وسميت آيات القرآن آيات، وقيل: إنّها آيات الله؛ كقوله: ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالحَقِّ﴾ ٦؛ لأنها علامات، ودلالات على الله، وعلى ما أراد؛ فهي تدلّ على ما أخبر به، وعلى ما أمر به ونهى عنه؛ وتدلّ أيضًا على أنّ الرسول صادق؛ إذ كانت مما لا يستطيع الإنس والجن أن يأتوا بمثلها، وقد تحدّاهم بذلك؛ كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع٧.
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: شبه. ٢ وهو قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ . [سورة البقرة، الآية ١٢٩] . ٣ في «خ»: يتلوا. ٤ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ . [سورة الجمعة، الآية ٢] . ٥ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٦ سورة البقرة، الآية ٢٥٢. ٧ انظر الجواب الصحيح ٦٤٢٢-٤٣٦؛ فقد عقد فيه شيخ الإسلام ﵀ فصلًا في الإعجاز القرآني.
[ ٢ / ٦٧١ ]
وأيضًا: فهي نفسها فيها من بينات الأدلة والبراهين ما يُبيّن الحق؛ فهي آيات من وجوه متعددة.
ثم قال: ﴿وَيُعَلّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ﴾ ١، وهذا لمن يعلم ذلك منهم، وقد يتعلم الشخص منهم بعض الكتاب والحكمة. فالكتاب: هو الكلام المنزل الذي يكتب، والحكمة: هي السنة؛ وهي معرفة الدين والعمل به٢. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًَا﴾ ٤؛ ففرّق بين الآيات الدالة على العلم؛ التي يعلم بالعقل أنها دلائل للرب، وبين النذر؛ وهو الإخبار عن المخوف؛ كإخبار الأنبياء بما يستحقه العصاة من العذاب؛ فهذا يعلم بالخبر والنذر؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ٥.
_________________
(١) ١ جزء من آيات متعددة في عدّة سور، منها: الآية ١٢٩ في سورة البقرة. ٢ سئل الإمام مالك ﵀ عن الحكمة، فقال: المعرفة بالدين، والفقه في الدين، والاتباع له. انظر: تفسير الطبري ١٥٥٧. وانظر: تفسير ابن كثير ١١٨٤. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "قال غير واحد من السلف في مسمى الحكمة كما قال مالك بن أنس: "الحكمة معرفة الدين والعمل به"، وكذلك قال الفضيل بن عياض، وابن قتيبة، وغير واحد من السلف. قال الشاعر: وكيف يصحّ أن تُدعى حكيمًا وأنت لكلّ ما تهوى ركوب وقال آخر: ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها فإذا انتهت عنه، فأنت حكيم درء تعارض العقل والنقل ٩٢٢-٢٣. وانظر كتاب الصفدية ٢٣٢٥. والرد على المنطقيين ص ٤٤٧. ٣ سورة يونس، الآية ١٠١. ٤ سورة الكهف، الآية ٥٦. ٥ سورة الإسراء، الآية ١٥.
[ ٢ / ٦٧٢ ]
وأما الآيات: فتعلم دلالتها بالعقل.
والأنبياء جاؤوا بالآيات والنذر، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا [نوحِي] ١ إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالبَيِّنَاتِ وَالزُّبُر﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالكِتَابِ المُنِير﴾ ٣. ومثل هذا كثير يذكر أن جميع الأنبياء جاءوا بالآيات التي تعلم دلالتها بالعقل٤.
الناس في معرفة الله وتوحيده على ثلاثة أقوال
ولمّا كان كثيرٌ من الناس مقصّرين فيما جاء به الرسول، قد أخرجوا ما تعلم دلالته بالعقل عن مسمى الشرع٥، تنازع الناس في معرفة الله وتوحيده، وأصول الدين: هل يجب ويحصل بالشرع؟ أو يجب بالشرع، ويحصل بالعقل؟ أو يجب، ويحصل بالعقل؟؛ على ثلاثة أقوال مشهورة٦ لأصحاب الإمام أحمد، وغيرهم من أتباع الأئمة الأربعة.
القول الأول
فطائفة يقولون: يجب بالشرع، ويحصل به؛ وهو قول السالمية، وغيرهم؛
مثل الشيخ أبي الفرج المقدسي٧. وهذا هو الذي
_________________
(١) ١ في «خ»: يوحى. ٢ سورة النحل، الآيتان ٤٣-٤٤. ٣ سورة آل عمران، الآية ١٨٤. ٤ انظر تفسير ابن كثير ١٤٣٤. ٥ انظر كلام شيخ الإسلام ﵀ عن هذا المبحث في كتابه: درء تعارض العقل والنقل ١١٩٨-٢٠٠. ٦ تطرق شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لهذه المسألة في كتبه الأخرى بالتفصيل والبيان. انظر على سبيل المثال: الجواب الصحيح ٢٣٠٧-٣١٤. ودرء تعارض العقل والنقل ٧٣٥٢-٣٦٢،، ٩١-٦٦. وشرح الأصفهانية ٢٣٤٢. ٧ هو أبو الفرج عبد الواحد بن محمد بن علي الشيرازي، ثم المقدسي، ثم الدمشقي الأنصاري الخزرجي، شيخ الشام في وقته. حنبليّ، أصله من شيراز، تفقه ببغداد على القاضي أبي يعلى، وسكن المقدس، واستقر في دمشق، فنشر مذهب الإمام أحمد بن حنبل. توفي في دمشق سنة ٤٨٦. ومن مؤلفاته: التبصرة في أصول الدين. انظر: طبقات الحنابلة ٢٢٤٨-٢٤٩. والذيل لابن رجب ١٦٨-٧٣. والأعلام ٤١٧٧.
[ ٢ / ٦٧٣ ]
حكاه١ عن أهل السنة من أصحاب أحمد، وغيرهم، وكذلك من شابههم؛ مثل ابن درباس٢، وابن شكر٣، وغيرهما من أصحاب الشافعي٤. وهو المشهور عن أهل الحديث، والفقه الذين يذمون الكلام. وهذا مما وقع فيه النزاع بين صدقة بن الحسين الحنبليّ المتكلّم٥، وبين طائفة من أصحاب
_________________
(١) ١ وقد نقل شيخ الإسلام ﵀ كلامه من كتاب التبصرة. انظر درء تعارض العقل والنقل ٨٤-٦. ٢ هو أبو القاسم عبد الملك بن عيسى بن درباس الماراني الكردي الشافعي، قاضي الديار المصرية في زمن صلاح الدين الأيوبي. ولد سنة ٥١٦؟، وتوفي سنة ٦٠٥؟. انظر: سير أعلام النبلاء ٢١٤٧٤. والعبر ٣١٣٩. والبداية والنهاية ١٣٥٧. وحسن المحاضرة ١٤٠٨. ٣ هو أبو العباس أحمد بن علي بن محمد بن علي بن شكر الأندلسي. مقرئ وصل إلى المشرق، وأخذ القراءات. من مصنفاته: «مختصر التيسير شرح الشاطبية» . توفي سنة ٦٤٠ هـ بالفيوم من مصر. انظر: معجم المؤلفين ٢٢٠. ٤ انظر: درء تعارض العقل والنقل ٩١٦-١٧. ٥ هو أبو الفرج صدقة بن الحسين بن الحداد البغدادي الحنبلي، الناسخ الفرضي، المتكلم، المتهم في دينه. أخذ عن ابن عقيل، وابن الزاغوني، وسمع من ابن مَلَّة، واشتغل مدة، وأمّ بمسجد كان يسكنه، وناظر، وأفتى، وتكلم فيه ابن الجوزي. قل الحافظ ابن رجب: كان بينه وبين ابن الجوزي مباينة شديدة، وكل واحد يقول في صاحبه مقالة الله أعلم بها. مات في ربيع الآخر سنة ٥٧٣؟، وهو في عمر الثمانين. انظر: سير أعلام النبلاء ٢١٦٦. والذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب ١٣٣١-٣٤٠. والبداية والنهاية لابن كثير ١٢٣١٩.
[ ٢ / ٦٧٤ ]
أحمد، وكذلك بين أبي الفرج بن الجوزي، وطائفة منهم؛ أولئك يقولون الوجوب والحصول بالشرع، وهؤلاء يقولون الحصول بالعقل، والوجوب بالشرع.
وقد ذكر الأمدي١ ثلاثة أقوال في طرق العلم؛ قيل: بالعقل فقط، والسمع لا يحصل به؛ كقول الرازي؛ وقيل: بالسمع فقط؛ وهو الكتاب والسنة؛ وقيل: بكلّ منهما، ورجّح هذا وهو الصحيح.
القول الثاني
والقول الثاني: أنّها لا تجب إلا بالشرع، لكن يحصل بالعقل؛ وهو قول الأشعري، وأصحابه، ومن وافقهم؛ كالقاضي أبي يعلى، وابن الزاغوني، وابن عقيل، وغيرهم.
القول الثالث
والقول الثالث: أنّها تحصل بالعقل، وتجب به؛ وهو قول من يوجب بالعقل؛ كالمعتزلة، والكرامية، وغيرهم من أتباع الأئمة؛ كأبي الحسن الآمدي، وأبي الخطاب، وغيرهم. وهو قول طائفة من المالكية، والشافعية، وعليه أكثر الحنفية، ونقلوه عن أبي حنيفة نفسه. وقد صرح هؤلاء قبل المعتزلة، وقبل أبي بكر الرازي، وأبي الخطاب، وغيرهم: أنّ من لم يأته رسول، يستحق العقوبة في الآخرة؛ لمخالفته موجب العقل٢.
_________________
(١) ١ هو أبو الحسين علي بن أبي محمد بن سالم؛ سيف الدين الآمدي. ولد سنة ٥٥١؟ في آمد من ديار بكر، وانتقل إلى بغداد، فدرّس بها، ثم انتقل إلى مصر، وأخيرًا إلى حماة ثم دمشق؛ حيث درس في العزيزية، ثم عزل عنها، ومات سنة ٦٣١؟. من مؤلفاته: الإحكام في أصول الأحكام، ومنتهى السؤل مطبوعان، وله أيضًا: أبكار الأفكار. انظر: سير أعلام النبلاء ٢٢٣٦٤. وطبقات الشافعية للسبكي ٨٣٠٦. ٢ انظر: التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب ٤٢٩٤-٣٠٦.
[ ٢ / ٦٧٥ ]
أعدل الأقوال في المسألة
وقد ذكرنا في غير هذا الموضع١: أنّ أعدل الأقوال: أنّ الأفعال مشتملة على أوصاف تقتضي [حسنها] ٢ ووجوبها، و[تقتضي] ٣ قبحها وتحريمها، وأنّ ذلك قد يعلم بالعقل، لكن الله لا يعذّب أحدًا إلا بعد بلوغ الرسالة؛ كما قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ٤، ولم يفرّق سبحانه بين نوعٍ، ونوعٍ، وذكرنا أنّ هذه الآية يحتجّ بها الأشعريّ، وأصحابه، ومن وافقهم؛ كالقاضي أبي يعلى٥، وأتباعه، وهم يجوزون أنّ الله يُعذّب في الآخرة بلا ذنب؛ حتى قالوا يعذب أطفال الآخرة؛ فاحتجوا بها على المعتزلة، والآية حجّة على الطائفتين؛ كما قد بسط في غير هذا الموضع٦.
_________________
(١) ١ انظر من هذا الكتاب: ص ٥٤٧-٥٥٥. وقد تقدّم ذكر كثير من الإحالات، مما يُغني عن تكرارها ها هنا. وانظر: مجموع الفتاوى ٨٩٠-٩١، ٣٠٩-٣١٠، ٤٢٨-٤٣٦. وشرح الأصفهانية ٢٦١٧-٦١٩. ٢ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٣ في «خ»: يقتضي. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ سورة الإسراء، الآية ١٥. ٥ انظر العدة في أصول الفقه لأبي يعلى ٢٤٢٢، ٤١٢١٨-١٢٢٤. ٦ انظر: الجواب الصحيح ٢٢٩٦-٣٠٠. ومنهاج السنة النبوية ٢٣٠٦-٣٠٩. ودرء تعارض العقل والنقل ٨٣٩٧-٤٠٢. ومجموع الفتاوى ٤٢٧٧-٢٨١، ٣٠٣. وقد سبق أن تطرّق شيخ الإسلام ﵀ إلى هذا الموضوع. وانظر ص ٥٦٦ من هذا الكتاب.
[ ٢ / ٦٧٦ ]
فصل الحجة على من أنكر قدرة الله وحكمته
وقد ذكر الله تعالى في القرآن الحجة على من أنكر قدرته، وعلى من أنكر حكمته؛ فأول ما أنزل الله تعالى: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقْ اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم﴾ ١؛ فذكر أنّه الأكرم، وهو أبلغ من الكريم٢، وهو المحسن غاية الإحسان٣.
ومن كرمه: أنّه علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم؛ فعلّمه العلوم بقلبه، والتعبير عنها بلسانه، وأن يكتب ذلك بالقلم.
_________________
(١) ١ سورة العلق، الآيات ١-٥. ٢ انظر كلام شيخ الإسلام ﵀ عن اسم (الأكرم) لصاحب العزة والجلال، في مجموع الفتاوى ١٦٢٩٥، ٢٩٧، ٣١٧-٣٢٢. وانظر: شأن الدعاء للخطابي ص ١٠٣-١٠٤. والأسماء والصفات للبيهقي ١١٤٨. ومدارج السالكين لابن القيم ١٤٥٣. وعدة الصابرين له ص ٢٦٧-٢٧١. وشفاء العليل له ١٥٨، ٢٢٤٣. ٣ انظر أيضًا كلام شيخ الإسلام ﵀ في إثبات اسم (المحسن) لله ﷾ في: مجموع الفتاوى١٣٧٩، ٥٢٣٨، ١٦٣١٧. وبيان تلبيس الجهمية ١١٨٩. وانظر: بدائع الفوائد لابن القيم ٢٢٤٩. وطريق الهجرتين له ص ١٢٠. ومدارج السالكين له ١٤١٦. وللشيخ الدكتور عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد بحث في إثبات اسم (المحسن) لله ﷾، ضمن مجلة البحوث الإسلامية، العدد٣٦.
[ ٢ / ٦٧٧ ]
فذِكْرُ التعليم بالقلم يتناول علم العبارة والنطق، وعبارة المعاني والعلوم؛ فإذا كان قد علّمه هذه العلوم١، فكيف يمتنع عليه أن يعلمه ما يأمره به، وما يخبره به.
وبيان ذلك: أنّه قال في أول السورة: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقْ﴾، ومعلوم أنّ من رأى العلقة٢ قطعة من دم، فقيل له: هذه العلقة يصير منها إنسان يعلم كذا وكذا، لكان يتعجب من هذا غاية التعجب، وينكره أعظم الإنكار. ومعلومٌ أنّ نقل الإنسان من كونه علقة إلى أن يصير إنسانًا عالمًا قادرًا كاتبًا، أعظم من جعل مثل هذا الإنسان يعلم ما أمر الله به، وما أخبر به؛ فمن قدر على أن ينقله من الصغر إلى أن يجعله عالمًا قارئًا كاتبًا، كان أن يقدر على جعله عالمًا بما أُمر به، وبما أُخبر به أولى وأحرى.
وهذا كما استُدِلّ على قدرته على إعادة الخلق، بقدرته على الابتداء٣. وقد أخبر الله تعالى عن الكفّار أنهم تعجّبوا من التوحيد، ومن
_________________
(١) ١ في «خ» كتبت في الأصل، ثمّ عُلّق عليها في الحاشية: الأمور. وعليها حرف (ص)، فلعلّ المقصود: فإذا كان قد علّمه هذه الأمور. ٢ العلق هو الدم الجامد، ومنه العلقة التي يكون منها الولد. انظر: مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني ص ٥٧٩. ولسان العرب لابن منظور ١٠٢٦٧. ٣ وهذا من براهين البعث؛ لأنّ من خلق الناس من العدم، قادرٌ على إعادتهم بعد فنائهم؛ قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [سورة الروم، الآية ٢٧]، وقال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [سورة الأنبياء، الآية ١٠٤]، وقال تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [سورة الإسراء، الآية ٥١]، وقال تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [سورة يس، الآية ٧٩]، وقال تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ..﴾ [سورة ق، الآية ١٥]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ..﴾ [سورة الحج، الآية ٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ [سورة الواقعة، الآية ٦٢] . وانظر الرد على المنطقيين ص ٣٢٠-٣٢١؛ فقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ براهين البعث العقلية. وانظر: أضواء البيان للشيخ محمد الأمين الشنقيطي ١١١٥-١١٦. وجهود الشيخ محمد الأمين في تقرير عقيدة السلف ٢٥٧٦.
[ ٢ / ٦٧٨ ]
النبوّة، ومن المعاد١؛ فقال تعالى: ﴿ص وَالقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وَشِقَاق كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوا وَلاتَ حِينَ مَنَاص وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّاب أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًَا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجاب﴾ ٢؛ فذكر تعجبهم من التوحيد، والنبوة، وقال تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًَا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ٣، وهذا أيضًا تعجبٌ من أنْ أُرْسِل إليهم رجلٌ منهم، وقوله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًَا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾: دلّ على أنّه منذرٌ لجنس الناس، وأنه من جنس الناس لا يختص به العرب دون غيرهم، وإن كان أول ما أرسل إليهم، وبلسانهم، وقال تعالى: ﴿ق وَالقُرْآنِ المَجِيد بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مِنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيد﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيد أوْلَئِكَ الذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلالُ في أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُون وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُون﴾ ٦؛ فالرسول كان يعجب من تكذيبهم
_________________
(١) ١ وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ هذه الأصول في تفسيره لسورة العلق، وذكر كلامًا مشابهًا لما ذكره هاهنا في مجموع الفتاوى ١٦٢٦٠-٢٦٥. ٢ سورة ص، الآيات ١-٥. ٣ سورة يونس، الآية ٢. ٤ سورة ق، الآيات ١-٣. ٥ سورة الرعد، الآية ٥. ٦ سورة الصافات، الآيات ١٢-١٤.
[ ٢ / ٦٧٩ ]
لما جاءهم به من آيات الأنبياء، وهم يعجبون مما جاء به لكونه خارجًا عما اعتادوه من النظائر، فإنهم لم يعرفوا قبل مجيئه؛ لا توحيدًا، ولا نبوةً، ولا معادًا؛ قال تعالى: ﴿قُلْ هَلُمّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ١.
الحكمة من جعل الرسول من البشر
وأما حكمته في إرسال بشر: فقد ذكر أنّه من جنسهم، وأنّه بلسانهم؛ فهو أتمّ في الحكمة والرحمة٢، وذكر أنّهم لا يمكنهم الأخذ عن المَلَك٣، وأنّه لو نزّل ملكًا، لكان يجعله في صورة بشر، ليأخذوا عنه٤.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية ١٥٠. ٢ من حكمة الله ﷾ أن جعل الرسل بشرًا، كي يسهل على أممهم الأخذ عنهم؛ بالتأسّي بهم، والاقتداء بأفعالهم؛ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب، الآية ٢١]، وقال تعالى يحكي عن مقولة الرسل لأممهم: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [سورة إبراهيم، الآية ١٧]، وقال تعالى مانًّا على المؤمنين: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [سورة آل عمران، الآية ١٦٤] . وهذا أتمّ في إقامة الحجة عليهم، إضافة إلى كونه أتمّ في رحمتهم؛ إذ لا يمكنهم الأخذ إلا عمّن هو من جنسهم، ويتكلّم بلسانهم. ٣ رؤية الملائكة أمر صعب وخطير، فالكفار لا يرون الملائكة إلا حين الموت، أو حين نزول العذاب، فلو قدّر أنهم رأوهم وقت نزول العذاب لكانت رؤيتهم لهم في يوم هلاكهم. انظر الرسل والرسالات لعمر الأشقر ص ٧٢. قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [سورة الفرقان، الآية ٢٢] . وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ [سورة الأنعام، الآية ٨] . ٤ قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [سورة الأنعام، الآية ٩] .
[ ٢ / ٦٨٠ ]
ولهذا لم يكن البشر يرون الملائكة إلا في صورة الآدميين١؛ كما كان جبريل يأتي في صورة دحية الكلبي٢، وكما أتى مرّة في صورة
_________________
(١) ١ ومن الآيات القرآنية الدالة على تشكّل الملائكة بصورة الآدميين: الآيات التي تحدّثت عن مجيء جبريل ﵇ إلى مريم، وهي قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [سورة مريم، الآيات ١٦-١٩] . ومن الآيات: تلك التي تحدثت عن مجيء الملائكة إلى لوط ﵇ في صورة شباب حسان، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ. وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [سورة هود، الآيتان ٧٧-٧٨] . ومن ذلك: دخول الملكين بصورة رجلين، وتسورهما المحراب على داود ﵇؛ قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ [سورة ص، الآيتان ٢١-٢٢] . ٢ روى البخاري ﵀ في صحيحه ٣١٣٣٠، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام عن أبي عثمان قال: "أُنبئت أن جبريل ﵇ أتى النبيّ ﷺ، وعنده أمّ سلمة، فجعل يُحدّث، ثم قام، فقال النبيّ ﷺ لأم سلمة: مَنْ هذا؟ أو كما قال. قال: قالت: هذا دحية. قالت أم سلمة: أيم الله ما حسبته إلا إياه، حتى سمعت خطبة النبيّ ﷺ بخبر جبريل، أو كما قال. قال: فقلت لأبي عثمان: ممن سمعت هذا؟ قال: من أسامة بن زيد". وانظر صحيح مسلم ٤١٩٠٦، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أم سلمة أم المؤمنين ﵂. وعن ابن عمر ﵄ قال: وكان جبريل ﵇ يأتي النبيّ ﷺ في صورة دحية. أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٨١٦٧ ط المعارف، وقال الشيخ أحمد شاكر ﵀: إسناده صحيح. وانظر: منهاج السنة النبوية ٢٥٣٤. ودرء تعارض العقل والنقل ٦١٠٩-١١٠. وكتاب الصفدية ١١٩٦-١٩٨، ٢٠١. ودحية الكلبي: هو دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة الكلبي القضاعي، صاحب رسول الله ﷺ، ورسوله بكتابه إلى عظيم بُصرى ليُوصله إلى هرقل. أسلم دحية قبل بدر، ولم يشهدها، وكان يتشبّه به جبريل ﵇، فيأتي رسول الله ﷺ على صورته، وكان من أجمل الناس وجهًا. شهد اليرموك، وسكن المزة من قرى دمشق، وبقي إلى زمن معاوية. انظر سير أعلام النبلاء ٢٥٥٠. والإصابة لابن حجر ١٤٦٣.
[ ٢ / ٦٨١ ]
أعرابيّ١.
ولما جاءوا إبراهيم، وامرأته حاضرة، كانوا في صورة بشر، وبشّروها بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب٢؛ قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الهُدَى إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًَا رَسُولًا قُلْ لَوْ كَانَ في الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًَا رَسُولًا﴾ .
وأما قدرته على تعريف الخلق بأنّه نبيّه، فكما تقدم٣؛ فإنّه إذا كان
_________________
(١) ١ روى الإمام مسلم في صحيحه ١٣٦-٣٨، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان بسنده عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال: " بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد ثم ساق الحديث، وفي آخره: قال: ثم انطلق، فلبثت مليًا، ثم قال لي: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم". وانظر عن تمثّل الملك في صورة دحية، وفي صورة الأعرابي: فتح الباري لابن حجر ١٢٧. ٢ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [سورة هود، الآيات ٦٩-٧١] . ٣ انظر أوّل هذا الفصل، ص ٨١٣.
[ ٢ / ٦٨٢ ]
قادرًا على أن يهدي الإنسان الذي كان علقةً، ومضغةً إلى أنواع العلوم بأنواعٍ من الطرق إنعامًا عليه، وفي ذلك من بيان قدرته، وحكمته، ورحمته، ما فيه، [فكيف] ١ لا يقدر أن يعرفه صدق من أرسله إليه. وهذا أعظم النعم عليه، والإحسان إليه، والتعريف بهذا دون تعريف الإنسان ما عرفه به من أنواع العلوم؛ فإنّه إذا كان هداهم إلى أن يعلم بعضهم صدق رسول من أرسله إليه بشر مثله، بعلامات يأتي بها الرسول، وإن كان لم تتقدم مواطأة وموافقة بين المرسَل والمرسَل إليهم.
طرق الناس في دلالة المعجزة على صدق الرسول
فمن هدى عباده إلى أن يرسلوا رسولًا بعلامة، ويعلم المرسل إليها أنّها علامة تدلّ على صدقه قطعًا، فكيف لا يقدر هو أن يرسل رسولًا، ويجعل معه علامات يعرّف بها عباده أنّه قد أرسله. وهذا كمن جعل غيره قديرًا، عليمًا، حكيمًا، فهو أولى أن يكون قديرًا، عليمًا، حكيمًا، فمن جعل الناس يعلمون صدق رسول [يُرسله بعض خلقه بعلامات يعلم بها المرسل صدق رسوله] ٢، فمن هدى العباد إلى هذا، فهو أقدر على أن يعلمهم صدق رسوله بعلامات يعرفون بها صدقه، وإن لم يكن قبل ذلك قد تقدم بينهم وبينه مواطأة٣.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٢ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٣ وهذا من قياس الأولى؛ وهو أنّ كلّ كمال اتصف به المخلوق، وأمكن أن يتصف به الخالق، فهو أولى وأحق أن يتصف به. انظر: شرح الأصفهانية ١١٥٩. والعقيدة التدمرية ٥٠. ودرء تعارض العقل والنقل ١٢٩. ونقض تأسيس الجهمية ٢٣٩٧
[ ٢ / ٦٨٣ ]
وللناس طرق في دلالة المعجزة على صدق الرسول١: طريق الحكمة، وطريق القدرة، وطريق العلم والضرورة، وطريق سنته وعادته التي بها يعرف أيضًا ما [يفعله] ٢؛ وهو من جنس المواطأة، وطريق العدل، وطريق الرحمة، وكلّها طرق صحيحة.
وكلما كان الناس إلى الشيء أحوج، كان [الربّ] ٣ به أجود، [وكذلك كلما كانوا إلى بعض العلم أحوج، كان به أجود] ٤؛ فإنه سبحانه الأكرم، الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم، وهو الذي خلق
_________________
(١) ١ فالمعتزلة وابن حزم لا يُثبتون النبوة إلا بطريق القدرة؛ الذي هو المعجزة. انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي ص ٥٨٥-٥٨٦. والمحلى لابن حزم ١٣٦. والدرة فيما يجب اعتقاده له أيضًا ص ١٩٤. أما الأشاعرة: فيُثبتون النبوة بطريق القدرة؛ الذي هو المعجزة، أو بطريق الضرورة، إلا أنّ طريق المعجزة عندهم هي أشهر الطرق. انظر: المواقف للإيجي ص ٣٤٩، ٣٥٦، ٣٥٧. والإرشاد للجويني ص ٣٣١. والإنصاف للباقلاني ص ٩٣. والبيان له ص ٣٧-٣٨. وانظر من كتب شيخ الإسلام ﵀: درء تعارض العقل والنقل ١٨٩-٩٠،، ٩٤٠-٥٣. والجواب الصحيح ٦٣٩٣-٤٠١،، ٥١٩٦. وانظر: شرح الأصفهانية ١١٤٠-١٤١، ٢٤٧١-٤٨٥، ٤٩٢-٤٩٧، ٥٠٠-٥٠٢، ٥٥٧-٥٥٨، ٥٩١-٥٩٧، ٦٠٩-٦١٧، ٦٢١-٦٢٤ فقد ذكر فيه شيخ الإسلام ﵀ طرقًا كثيرة لمعرفة النبيّ. وانظر هذا الكتاب ص ٢٧٤-٢٧٥، ٥٦٣-٥٦٧، ٥٠٩، ٦٤٥. وقد تقدم مزيد توضيح لهذه الطرق في ص ٦٤٠-٦٤٧، ٦٥٣-٦٥٤، ٦٦٦-٦٨٠. ٢ في «م»، و«ط»: يفعل. ٣ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٤ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» .
[ ٢ / ٦٨٤ ]
فسوّى، [والذي] ١ قدَّر فهدى، وهو الذي أعطى كلّ شيء خلقه ثمّ هدى٢.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٢ وقد وضّح شيخ الإسلام ﵀ هذا الأمر في مواضع كثيرة، وبيَّن أنّ الله الأكرم جلّ وعلا يسّر لعباده معرفة رسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وأنّ طرق معرفتهم كثيرة جدًا ومتنوعة؛ فقال رحمه الله تعالى: "قد ذكرنا ما تيسّر من طرق الناس في المعرفة بالله ليُعرف أنّ الأمر في ذلك واسع، وأنّ ما يحتاج الناس إلى معرفته؛ مثل الإيمان بالله ورسوله، فإنّ الله يوسع طرقه وييسرها، وإن كان الناس متفاضلين في ذلك تفاضلًا عظيمًا. وليس الأمر كما يظنّه كثير من أهل الكلام؛ من أنّ الإيمان بالله ورسوله لا يحصل إلا بطريق يعيّنونها، وقد يكون الخطأ الحاصل بها يُناقض حقيقة الإيمان، كما أنّ كثيرًا منهم يذكر أقوالًا متعدّدة، والقول الذي جاءت به الرسل، وكان عليه سلف الأمة لا يذكره ولا يعرفه. وهذا موجود في عامة الكتب المصنّفة في المقالات والملل والنحل فيبقى الناظر في كتبهم حائرً، ليس فيما ذكروه ما يهديه ويشفيه، ولكن قد يستفيد من ردّ بعضهم على بعض علمه ببطلان تلك المقالات كلها". درء تعارض العقل والنقل ٩٦٦-٦٧. وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "كلما كان الناس أحوج إلى معرفة الشيء، فإنّ الله يوسّع عليهم دلائل معرفته كدلائل معرفة نفسه، ودلائل نبوة رسوله، ودلائل ثبوت قدرته وعلمه وغير ذلك؛ فإنّها دلائل كثيرة قطعية، وإن كان من الناس من قد يضيق عليه ما وسّعه الله على من هداه؛ كما أنّ من الناس من يعرض له شكّ وسفسطة في بعض الحسيّات والعقليات التي لا يشك فيها جماهير الناس. والمقصود هنا أنّا نحن أخرجنا الله من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا، فنفتقر في حصول العلم إلى أسباب غير أنفسنا. ومن الأشياء ما نعلمها بمشاعرنا بلا دليل، ومنها ما نفتقر في العلم به إلى دليل، فلا نكون عالمين به حتى نعلم الدليل الذي يستلزم في علمنا به علمنا بالمدلول عليه. والرب تعالى علمه من لوازم نفسه المقدسة، وكذلك قدرته، لم يستفد شيئًا من صفاته المقدسة من غيره، ولم يحتج إلى سواه بوجه من الوجوه، بل هو الغني عن كلّ ما سواه". درء تعارض العقل والنقل ١٠١٢٩-١٣٠. وانظر: الرد على المنطقيين ص ٢٥٤-٢٥٥. والجواب الصحيح ٥١٤١. ويذكر رحمه الله تعالى كثيرًا من الدلائل والعلامات التي تدلّ على صدق الرسول؛ فيقول: "وسيرة الرسول ﷺ من آياته وأخلاقه وأقواله وأفعاله وشريعته من آياته، وأمته من آياته، وعلم أمته ودينهم من آياته، وكرامات صالح أمته من آياته، وذلك يظهر بتدبّر سيرته؛ من حين ولد إلى أن بُعث، ومن حيث بعث إلى أن مات، وتدبّر نسبه، وبلده، وأصله، وفصله؛ فإنّه كان من أشرف أهل الأرض نسبًا؛ من صميم سلالة إبراهيم الذي جعل الله في ذريّته النبوّة والكتاب لم يزل معروفًا بالصدق، والبرّ والعدل، ومكارم الأخلاق، وترك الفواحش والظلم وكل وصف مذموم لا يُعرف بشيء يعابه؛ لا في أقواله، ولا أفعاله، ولا في أخلاقه ". دقائق التفسير ١١٥٩. وقد ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى تنوع طرق الهداية والدلالة على صدق المرسلين؛ فقال ﵀: "فطرق الهداية متنوعة رحمة من الله بعباده، ولطفًا بهم؛ لتفاوت عقولهم، وأذهانهم، وبصائرهم؛ فمنهم من يهتدي بنفس ما جاء به، وما دعا إليه، من غير أن يُطلب منه برهان خارجًا عن ذلك؛ كحال الكمل من الصحابة، كالصديق ﵁. ومنهم من يهتدي بمعرفة حاله ﷺ، وما فُطر عليه من كمال الأخلاق والأوصاف والأفعال كخديجة ﵂ وهذه المقامات في الإيمان عجز عنها أكثر الخلق، فاحتاجوا إلى الآيات والخوارق " مفتاح دار السعادة ٢١٣.
[ ٢ / ٦٨٥ ]
فكيف لا يقدر أن يهدي عباده إلى أن يعلموا أنّ هذا رسوله، وأنّ ما جاء به من الآيات [أنّه] ١ من الله، وهي شهادة من الله له بصدقه، وكيف [تقتضي] ٢ حكمته أن يسوي بين الصادق والكاذب؛ فيؤيد الكاذب من آيات الصدق، بمثل ما يؤيّد به الصادق؛ [حتى] ٣ لا يعرف هذا من هذا، وأن يرسل رسولًا يأمر الخلق بالإيمان به وطاعته، ولا يجعل لهم طريقًا إلى معرفة صدقه.
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: آية. ٢ في «خ»: يقتضي. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «خ»: وحتى. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ٢ / ٦٨٦ ]
وهذا كتكليفهم بما لا يقدرون عليه، وما لا يقدرون على أن يعلموه. وهذا ممتنع في صفة الرب، وهو منزّه عنه سبحانه؛ فإنه لا يكلّف نفسًا إلا وسعها.
وقد علم من سنته وعادته: أنّه لا يؤيد الكذاب، بمثل ما أيّد به الصادق [قط] ١، بل لا بد أن يفضحه ولا ينصره، بل لا بد أن يهلكه. وإذا نصر ملكًا ظالمًا مسلطًا، فهو لم يدع النبوة، ولا كذب عليه، بل هو ظالم سلّطه على ظالم؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًَا﴾ ٢، بخلاف من قال: إنّه أرسله؛ فهذا لا يؤيده تأييدًا مستمرًا إلا مع الصدق، لكن قد يمهله مدّة، ثم يهلكه؛ كما فعل بمن كذّب الرسل: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًَا وأَكِيدُ كَيْدًَا فَمَهِّلِ الكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًَا﴾ ٣.
معنى النبي في اللغة
ولفظ النبي كلفظ الرسول٤، هو في الأصل إنما قيل مضافًا إلى الله؛ فيُقال: رسول الله، ثم عُرّف باللام؛ فكانت اللام تعاقب الإضافة؛ كقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا [أَرْسَلْنَا] ٥ إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُول﴾ ٦، وقوله: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ [كَدُعَاءِ] ٧ بَعْضِكُمْ بَعْضًَا قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ [مِنْكُمْ] ٨ لِوَاذًَا﴾ ٩.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٢ سورة الأنعام، الآية ١٢٩. ٣ سورة الطارق، الآيات ١٥-١٧. ٤ انظر: مجموع الفتاوى ١٠٢٩٠. ٥ في «خ»، و«م»، و«ط»: فأرسلنا. وهو خلاف الآية: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا..﴾ . وكلمة: (فأرسلنا): ملحقة في «خ» بين السطرين. ٦ سورة المزمل، الآيتان ١٥-١٦. ٧ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٨ في «ط»: منهم. ٩ سورة النور، الآية ٦٣.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
وكذلك اسم النبي؛ يقال نبي الله؛ كما قال: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١، وقيل لهم: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًَا﴾ ٢؛ فتقولون: يا محمد. بل قولوا: يا نبيّ الله، يا رسول الله.
معنى الرسول في اللغة
ورسول: فعول؛ بمعنى مفعول؛ [أي مُرْسَل؛ فرسول الله: الذي أرسله الله؛ فكذلك نبي الله هو بمعنى مفعول] ٣: أي منبّأ الله؛ الذي نبأه الله. وهذا أجود من أن يقال: إنه بمعنى فاعل؛ أي منبِّىء؛ فإنّه إذا نبّأه الله، فهو نبيّ [الله] ٤؛ سواء أنبأ بذلك غيره، أو لم ينبئه؛ فالذي صار به النبيّ نبيًّا: أن ينبئه الله.
وهذا مما يبيّن ما امتاز به عن غيره؛ فإنه إذا كان الذي ينبئه الله؛ كما أنّ الرسول هو الذي يُرسله الله؛ فما نبأ الله حقّ، وصدق، ليس فيه كذب؛ لا خطأً، ولا عمدًا٥؛ وما يوحيه الشيطان: هو من إيحائه، ليس من إنباء
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية ٩١. ٢ سورة النور، الآية ٦٣. ٣ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٤ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٥ وهذه مسألة لغوية يتطرّق إليها شيخ الإسلام ﵀ في تعريف اسم النبيّ: هل النبيّ فعيل بمعنى فاعل، أم فعيل بمعنى مفعول. وهي مسألة خلافية، ذهب فيها بعض العلماء إلى القول الأول؛ أي أنّه فعيل بمعنى فاعل. انظر: لسان العرب لابن منظور ١١٦٢. وروح المعاني للآلوسي ٩٧٨-٧٩. ورجّح شيخ الإسلام ﵀ أنّه فعيل بمعنى مفعول، وعلّل ذلك بأنّ النبيّ صار نبيًّا؛ لأنّه منبَّأ من الله، وهذا الذي امتاز به النبيّ عن غيره؛ فهو بمعنى مفعول: أي نبّأه الله؛ سواء نبّأ غيره، أم لا. ومن العلماء من جمع بين القولين؛ كالراغب الأصفهاني الذي قال: (والنبيّ لكونه منبئًا بما تسكن إليه العقول الذكية، وهو يصحّ أن يكون فعيلًا بمعنى فاعل؛ لقوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي﴾ [الحجر ٤٩]، ﴿قل أو أُنبّئكم﴾ [آل عمران ١٥]، وأن يكون بمعنى المفعول؛ لقوله: ﴿نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم ٣]) . انظر مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص ٧٨٩. وسيأتي التعريف اللغوي للنبوة، وزيادة إيضاح لما ذكر هاهنا من كلام شيخ الإسلام ﵀ في ص ٨٦٣ من هذا الكتاب.
[ ٢ / ٦٨٨ ]
الله؛ فالذي اصطفاه الله [لإنبائه] ١، وجعله نبيًّا له؛ كالذي اصطفاه لرسالته، وجعله رسولًا له؛ فكما أنّ رسول الله لا يكون [رسولًا] ٢ لغيره، فلا يقبل أمر غير الله؛ فكذلك نبيّ الله لا يكون نبيًّا لغير الله، فلا يقبل أنباء أحد إلا أنباء الله.
وإذا أخبر بما أنبأ الله، وجب الإيمان به؛ فإنّه صادق مصدوق، ليس في شيء مما أنبأه الله به شيء من وحي الشيطان. وهذا بخلاف غير النبيّ؛ فإنّه وإن كان قد يُلهم، ويحدث، ويوحى إليه أشياء من الله، ويكون حقًّا، فقد يلقي إليه الشيطان أشياء. ويشتبه هذا بهذا؛ فإنه ليس نبيًّا لله؛ كما أنّ الذي يأمر بطاعة الله غير الرسول، وإن كان أكثر ما يأمر به هو طاعة الله، فقد يغلط ويأمر بغير طاعة الله، بخلاف الرسول المبلّغ عن الله؛ فإنه لا يأمر إلا بطاعة الله؛ قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ في «ط»: لأنبيائه. ٢ في «خ»: رسلًا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ سورة النساء، الآية ٨٠. ٤ سورة النساء، الآية ٦٤.
[ ٢ / ٦٨٩ ]
فنبيّ الله هو [الذي] ١ ينبّئه الله، لا غيره. ولهذا أوجب الله الإيمان بما أوتيه النبيون؛ فقال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوْتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوْتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ والملائكة وَالكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ ٤.
وليس كل من أوحي إليه الوحي العام٥ يكون نبيًّا؛ فإنه قد يوحى إلى
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٢ سورة البقرة، الآية ١٣٦. ٣ سورة البقرة، الآية ٢٨٥. ٤ سورة البقرة، الآية ١٧٧. ٥ الوحي: لغة يأتي بمعان كثيرة، وهو ما يطلق عليه الشيخ ﵀ هنا: (الوحي العامّ)؛ فهو يأتي بمعنى الإلهام للإنسان وللحيوان، وبمعنى الأمر، وبمعنى أن تكلّمه بكلام تخفيه من غيره، ويأتي بمعنى الإشارة السريعة، وبمعنى الكتابة والكتاب والمكتوب، وبمعنى الرسالة والبعث، وبمعنى العجلة والسرعة، وبمعنى الإيماء بالجوارح، وبمعنى التصويت شيئًا بعد شيء. انظر لسان العرب لابن منظور ١٥٣٨٠-٣٨٢. وأما في الاصطلاح: فنقل شيخ الإسلام ﵀ كلام الزهري ﵀ في معنى الوحي؛ فقال: "الوحي ما يوحي الله إلى النبيّ من أنبيائه ﵈، ليثبت الله ﷿ ما أراد من وحيه في قلب النبيّ، ويكتبه، وهو كلام الله ووحيه، ومنه ما يكون بين الله وبين رسله، ومنه ما يتكلّم به الأنبياء ولا يكتبونه لأحد، ولا يأمرون بكتابته، ولكنّهم يُحدّثون به الناس حديثًا، ويُبيّنونه لهم؛ لأنّ الله أمرهم أن يُبيّنوه للناس ويبلغوهم إياه، ومن الوحي ما يرسل الله به من يشاء ممن اصطفاه من ملائكته؛ فيُكلّمون به أنبياءه من الناس، ومن الوحي ما يُرسل الله به من يشاء من الملائكة؛ فيوحيه وحيًا في قلب من يشاء من رسله. قلت: فالأول: الوحي؛ وهو الإعلام السريع الخفي إما في اليقظة وإما في المنام؛ فإنّ رؤيا الأنبياء وحي، ورؤيا المؤمنين جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة؛ كما ثبت ذلك عن النبيّ ﷺ في الصحاح..". انظر في تخريج حديث الرؤيا: صحيح البخاري ٦٢٥٦٢، كتاب التعبير، باب رؤيا الصالحين. وصحيح مسلم ٤١٧٧٣، كتاب الرؤيا. ومسند أحمد ٢١٨، ٥٠، ٢٢٩. ثمّ ذكر شيخ الإسلام ﵀ الوحي بمعناه العام؛ فقال: "فهذا الوحي يكون لغير الأنبياء، ويكون يقظة ومنامًا، وقد يكون بصوت هاتف، يكون الصوت في نفس الإنسان، ليس خارجًا عن نفسه يقظة ومنامًا؛ كما يكون النور الذي يراه أيضًا في نفسه ) . مجموع الفتاوى ١٢٣٩٧-٣٩٨، ٤٠٢. وانظر بغية المرتاد ص ٣١٦.
[ ٢ / ٦٩٠ ]
غير الناس؛ قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبَالِ بُيُوتًَا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَى في كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ ٢. وقال تعالى عن يوسف وهو صغير: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ في غَيَابَةِ الجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُون﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ ٥.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًَا﴾ ٦؛ يتناول وحي الأنبياء، وغيرهم؛ كالمحدّثين الملهمين؛ كما في الصحيحين عن النبي
_________________
(١) ١ سورة النحل، الآية ٦٨. ٢ سورة فصلت، الآية ١٢. ٣ سورة يوسف، الآية ١٥. ٤ سورة القصص، الآية ٧. ٥ سورة المائدة، الآية ١١١. ٦ سورة الشورى، الآية ٥١.
[ ٢ / ٦٩١ ]
ﷺ أنّه قال: "قد كان في الأمم قبلكم مُحَدَّثون، فإن يكن في أمتي أحدٌ فعمر منهم" ١.
وقال عبادة بن الصامت٢: رؤيا المؤمن كلامٌ يكلّم به الربّ عبده في منامه٣.
معنى المحدث والملهم
فهؤلاء المحدثون الملهمون المخاطبون٤ يوحى إليهم هذا الحديث
_________________
(١) ١ صحيح البخاري ٣١٣٤٩، كتاب فضائل الصحابة، باب في مناقب عمر بن الخطاب. وصحيح مسلم ٤١٨٦٤، كتاب فضائل الصحابة، باب في فضائل عمر ابن الخطاب. ومسند الإمام أحمد ٦٥٥. وقال ابن وهب: تفسير محدثون: ملهمون. وفي بعض روايات البخاري: "لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يُكلمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن من أمتي منهم أحدٌ، فعمر". انظر صحيح البخاري، نفس الكتاب ونفس الباب. ٢ هو عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم، من بني عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري. أحد النقباء ليلة العقبة، ومن أعيان البدريين. سكن بيت المقدس، وشهد المشاهد كلّها مع رسول الله ﷺ، وممن جمع القرآن في زمن الرسول ﷺ. مات سنة أربع وثلاثين. انظر: سير أعلام النبلاء ٢٥. وشذرات الذهب ١٤٠، ٦٢. ٣ قال ابن حجر ﵀ عن هذا الأثر: "وذكر ابن القيم حديثًا مرفوعًا غير معزوّ: "إنّ رؤيا المؤمن كلام يكلم به العبد ربه في المنام"، ووجد الحديث المذكور في نوادر الأصول للترمذي، من حديث عبادة بن الصامت، أخرجه في الأصل الثامن والسبعين، وهو من روايته عن شيخه عمر بن أبي عمر، وهو واه، وفي سنده جنيد". فتح الباري لابن حجر ١٢٣٧٠. وانظر: مجموع الفتاوى ١٢٣٩٨. ٤ تكلّم شيخ الإسلام ﵀ عن حديث: "قد كان في الأمم قبلكم محدّثون "، وذكر معنى المحدث، وذكر الفرق بينه وبين الصدّيق، وبيّن أنّ الصدّيق أفضل من المحدث. انظر من كتب شيخ الإسلام: كتاب الصفدية١٢٥٢-٢٥٩. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ١٤٨-١٥٧. وشرح الأصفهانية ٢٥٣٥-٥٣٨، ٥٤٠. ودرء تعارض العقل والنقل ٥٢٨، ٧٤٧. والردّ على المنطقيين ص ٥١٤. ومنهاج السنة النبوية ٦٢٠، ٩١١٤-١١٥. وبغية المرتاد ص ٣٨٥-٣٨٦. ومجموع الفتاوى ٢٩٨.
[ ٢ / ٦٩٢ ]
الذي هو لهم [خطابٌ] ١، وإلهام، وليسوا بأنبياء معصومين [مصدّقين] ٢ في كلّ ما يقع لهم؛ فإنه قد يوسوس لهم الشيطان بأشياء لا تكون من إيحاء الرب، بل من إيحاء الشيطان، وإنما يحصل الفرقان بما جاءت به الأنبياء؛ فهم الذين يُفرّقون بين وحي الرحمن ووحي الشيطان؛ فإن [الشياطين] ٣ [أعداؤهم] ٤، وهم يوحون بخلاف وحي الأنبياء٥؛ قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٢ في «خ»: مصدوقين. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «ط»: الشيطان. ٤ في «خ»: أعطاهم. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأما من ابتدع دينًا لم يشرعوه (أي الأنبياء)، فترك ما أمروا به من عبادة الله وحده لا شريك له، واتباع نبيه فيما شرعه لأمته، وابتدع الغلوّ في الأنبياء والصالحين والشرك بهم، فإنّ هذا تتلاعب به الشياطين ". ثمّ ذكر ﵀ قصصًا حدثت تدلّ على تلاعب الشيطان بأولئك العبّاد؛ فقال رحمه الله تعالى: "وهذا كما أنّ كثيرًا من العبّاد يرى الكعبة تطوف به، ويرى عرشًا عظيمًا وعليه صورة عظيمة، ويرى أشخاصًا تصعد وتنزل، فيظنّها الملائكة، ويظنّ أنّ تلك الصورة هي الله تعالى وتقدّس ويكون ذلك شيطانًا. وقد جرت هذه القصة لغير واحدٍ من النّاس، فمنهم من عصمه الله وعرف أنّه الشيطان؛ كالشيخ عبد القادر في حكايته المشهورة؛ حيث قال: كنت مرة في العبادة، فرأيت عرشًا عظيمًا، وعليه نور، فقال لي: يا عبد القادر أنا ربك وقد حلّلتُ لك ما حرّمت على غيرك. قال: فقلت له: أنت الله الذي لا إله إلا هو؟ اخسأ يا عدوّ الله. قال: فتمزّق ذلك النور وصار ظلمة، وقال: يا عبد القادر نجوتَ مني بفقهك في دينك وعلمك، وبمنازلاتك في أحوالك. لقد فتنتُ بهذه القصة سبعين رجلًا. فقيل له: كيف علمت أنه الشيطان؟ قال: بقوله لي: حللت لك ما حرمت على غيرك، وقد علمت أنّ شريعة محمد ﷺ لا تنسخ ولا تبدل، ولأنه قال أنا ربك، ولم يقدر أن يقول أنا الله الذي لا إله إلا أنا". مجموع الفتاوى ١١٧١-١٧٢. وانظر إلى ص ١٧٩ من نفس المصدر. وانظر: شرح الأصفهانية ٢٤٧٢-٤٧٦. وانظر الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان لشيخ الإسلام ﵀؛ فقد بيّن فيه كثيرًا من هذه الأحوال الشيطانية، والخوارق الإبليسيّة.
[ ٢ / ٦٩٣ ]
جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًَّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًَا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ ليُوْحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ [لَمُشْرِكُونَ] ٢﴾ ٣.
الذين غلطوا في النبوة
الفلاسفة والباطنية والملاحدة من أبعد الطوائف عن النبوة
وقد غلط في النبوة طوائف غير الذين كذّبوا بها؛ إما ظاهرًا وباطنًا، وإما باطنًا؛ كالمنافق المحض، بل الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أُنزل إلى الرسول، وإلى من قبله، وهم خلقٌ كثيرٌ فيهم شُعبة نفاق، وإن لم يكونوا مكذّبين للرسول من كلّ وجه، بل قد يعظّمونه بقلوبهم، ويعتقدون وجوب طاعته في أمور دون أمور.
وأبعد هؤلاء عن النبوة: المتفلسفة، والباطنية، والملاحدة٤؛ فإن هؤلاء لم يعرفوا النبوة إلا [من] ٥ جهة القدر المشترك بين بني آدم؛ وهو
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية ١١٢. ٢ في «خ»: لمشتركون. ٣ سورة الأنعام، الآية ١٢١. ٤ سبق في هذا الكتاب الكلام عن النبوة عند الفلاسفة. انظر ص ١٥٦، ٦٠٩-٦١٢، ٦٣٥-٦٣٦ من هذا الكتاب. وانظر من كتبه الأخرى ﵀: مجموع الفتاوى ٩٨٥. ومنهاج السنة النبوية ١٦، ٣٥٧،، ٢٤١٥-٤١٦،، ٨٢٣-٢٥. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ٢٠٤. وكتاب الصفدية ١٢٠٢-٢٠٣. وبغية المرتاد ص ٣٨٤. ودرء تعارض العقل والنقل ١١٧٩. والرد على المنطقيين ص ٣٩٤، ٤٤٣-٤٤٤، ٤٧١، ٤٨٦-٤٨٧. وانظر أعلام النبوة للماوردي ص ٢٠. ٥ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين.
[ ٢ / ٦٩٤ ]
المنام، وليس [في] ١ كلام أرسطو وأتباعه كلام في النبوة٢، والفارابي جعلها من جنس المنامات فقطّ، ولهذا يُفضل هو وأمثاله الفيلسوف على النبيّ٣.
ابن سينا جعل للنبي ثلاث خصائص
وابن سينا عظّمها أكثر من ذلك٤؛ فجعل للنبي [ثلاث] ٥ خصائص٦:
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٢ انظر نحوًا من هذا الكلام في: منهاج السنة النبوية ١٣٥٨. وشرح الأصفهانية ٢٦٣٣. وكتاب الصفدية ١١٣٤. ٣ انظر: كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة للفارابي ص ٦٨، ٧٦، ٨٤، ٨٦، ٨٩، ١١٤. وانظر من كتب شيخ الإسلام ﵀: درء تعارض العقل والنقل ١١٠. وشرح الأصفهانية ٢٣٦٢، ٥٠٥. والرد على المنطقيين ص ٢٨١، ٤٨٣، ٤٨٦. ومجموع الفتاوى ٩٨٦. وانظر ما سبق في هذا الكتاب، ص ٦٣٥-٦٣٦. ٤ والفارابي، وابن سينا إنّما ذهبوا في ذلك إلى فلسفة أتباع أرسطو؛ كما وضّح ذلك شيخ الإسلام ﵀ بقوله: (وأما الفلاسفة فلا يجمعهم جامع، بل هم أعظم اختلافًا من جميع طوائف المسلمين واليهود والنصارى. والفلسفة التي ذهب إليها الفارابي وابن سينا إنّما هي فلسفة المشّائين أتباع أرسطو صاحب التعاليم) . درء تعارض العقل والنقل ١١٥٧. ٥ في «خ»: ثلاثة. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٦ انظر من كتب ابن سينا: كتاب النجاة ص ١٦٦-١٦٧. وقد تكلّم شيخ الإسلام ﵀ مرارًا عن خصائص النبوة عند ابن سينا. انظر: كتاب الصفدية ١٥-٧، ١٢٨، ١٣٢، ١٤٢، ١٦٥، ١٧٦، ٢٣٠. وشرح الأصفهانية ٢٥٠٢-٥٠٣. ومجموع الفتاوى ١١٢٢٩. والرد على المنطقيين ص ٤٨٦-٤٨٧. ودرء تعارض العقل والنقل ٥٣٥٥-٣٥٦. وقد سبق ذكر تلك الخصائص عند الفلاسفة في هذا الكتاب ص ٤٢٥.
[ ٢ / ٦٩٥ ]
أحدها: أن ينال العلم بلا تعلّم، ويسميها القوة القدسية؛ وهي القوة الحدسية عنده.
والثاني: أن يتخيّل في نفسه ما يعلمه؛ فيرى في نفسه صورًا نورانية، ويسمع في نفسه أصواتًا؛ كما يرى النائم في نومه صورًا تكلّمه، ويسمع كلامهم، وذلك موجود في نفسه لا في الخارج. فهكذا عند هؤلاء جميع ما يختص به النبي مما يراه ويسمعه دون الحاضرين، إنّما يراه في نفسه ويسمعه في نفسه، وكذلك الممرور١ عندهم٢.
والثالث: أن يكون له قوّة يتصرّف بها في هيولي العالم، بإحداث أمور غريبة؛ وهي عندهم آيات الأنبياء، وعندهم ليس في العالم حادثٌ إلا عن قوّة نفسانية، أو ملكية، أو طبعية؛ كالنفس الفلكية٣،
_________________
(١) ١ المرّة: إحدى الطبائع الأربع، وهي مزاج من أمزجة البدن. والمَرارة التي فيها المِرّة. والممرور الذي غلبت عليه المرة. انظر لسان العرب لابن منظور ٥١٦٨. ٢ انظر ذلك عند المتفلسفة؛ فقد ذكر مثل هذا الكلام: كلّ من: الفارابي في آراء أهل المدينة الفاضلة ص ١١٦. وابن سينا في الإشارات والتنبيهات ٤٨٧١-٨٧٢. وذكر ذلك شيخ الإسلام ﵀ عنهم، وبسطه في كتبه؛ مثل: منهاج السنة النبوية ٨٢١. وكتاب الصفدية ١٦. ٣ هي أفلاك تتحرّك، ولا تتمّ حركة كلّ واحدٍ منها إلا بمعاضدة غيره من الأفلاك له. انظر: المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين للآمدي ص ٩٥. وشرح المواقف للجرجاني ص ٥٥٤. وانظر: الرد على المنطقيين ص ٤٧٤-٤٧٥، ٤٨٠. وكتاب الصفدية ١٣٤. وبغية المرتاد ص ٣٢٦. وقال شيخ الإسلام ﵀ عن الفلاسفة: "وقد تنازعوا في النفس الفلكية: هل هي جوهر، أو عرض؟ وأكثرهم يقولون هي عرض، ولكنّ ابن سينا وطائفة رجّحوا أنّها جوهر". كتاب الصفدية ١٣٤. وقال ﵀ أيضًا عن معتقد هؤلاء الفلاسفة من القرامطة في اللوح المحفوظ، وأنّه النفس الكلية، فحكى عنهم قولهم: "أنّ اللوح المحفوظ؛ وهو العقل الفعّال، أو النفس الكلية، وذلك ملَك من الملائكة، وأنّ حوادث الوجود منتقشة فيه، فإذا اتصلت به النفس الناطقة فاضت عليها..". بغية المرتاد ص ٣٢٦. وقال ﵀ عن تأويلاتهم للّوح المحفوظ بالنفس الكلية، والقلم بالعقل الفعّال، وغير ذلك: "وأما العلميات: فتأولوا بعضها؛ كاللوح، قالوا: هو النفس الفلكية، والقلم قالوا هو العقل الفعال، وربما قالوا عن الكوكب والشمس والقمر التي رآها إبراهيم إنها النفس والعقل الفعال والعقل الأول، وتأوّلوا الملائكة، ونحو ذلك..". الرد على المنطقيين ص ٢٨١.
[ ٢ / ٦٩٦ ]
والإنسانية١، والأشكال الفلكية٢، والطبائع٣ التي للعناصر الأربعة، والمولّدات٤، لا يُقرّون بأنّ فوق الفلك
_________________
(١) ١ هو كمال أوّل لجسم طبيعي آلي من جهة ما يدرك الأمور الكليات ويفعل الأفعال الفكرية. انظر: المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين للآمدي ص ٩٤-٩٥. والتعريفات للجرجاني ص ٢٤٤. ٢ هي الهيئة الحاصلة للأفلاك بسبب إحاطة حدّ واحد بالمقدار. انظر المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين ص ٦٥. ٣ الطبائع: هي عبارة عن ما يُوجد في الأجسام من القوّة؛ كالحرارة بالنسبة إلى النّار إلخ. انظر: المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين ص ٨٣-٨٤. وكتاب التعريفات للجرجاني ص ١٤٠. ٤ المولّدة: هي قوّة من شأنها فصل جزءٍ من الجسم الذي هي فيه، حتى يمكن أن يكون منه شخصٌ آخر من نوع ما هي قوّة له. انظر المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين ص ٩٧. وانظر معنى المولّدات من كلام شيخ الإسلام في: الصفدية١١٥٠، ٢١٦، ٢١٨. والرد على المنطقيين ص ٢٧، ٢١٩، ٤٧٤-٤٧٨. وانظر ما سبق في هذا الكتاب ص ٣٠٤. وقال شيخ الإسلام ﵀ عن معنى التولّد عند الفلاسفة، أنّهم يقولون: "فالعقول والنفوس متولدة عن الله تولدًا قديمًا أزليًا لازمًا لذاته، والعالم متولد عن ذلك. فالعالم كله متولّد عندهم عن الله تولّدًا قديمًا أزليًا لازمًا لذاته، وإن كانوا قد لا يُعبّرون بلفظ الولد، فهم يعبّرون بلفظ المعلول، والعلة، وهو أخصّ أنواع التولّد، ويعبّرون بلفظ الموجِب والموجَب. وما ذكره الله في كتابه من إبطال التولّد يُبطل قولهم عقلًا وسمعًا، وذلك أنه قال تعالى: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام، ١٠٠] .. ". كتاب الصفدية ١٢١٦.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
[نفسِهِ] ١ شيءٌ يفعل، ولا يحدث شيئًا، فلا يتكلم، ولا يتحرك بوجهٍ من الوجوه؛ لا ملَك ولا غير ملَك، فضلًا عن رب العالم.
والعقول التي يثبتونها٢ عندهم ليس فيها تحوّل من حال إلى حال البتة؛ لا بإرادة، ولا قول، ولا عمل، ولا غير ذلك. وكذلك المبدأ الأول٣.
النبوة عند الفلاسفة
وهؤلاء عندهم جميع ما يحصل في نفوس [الأنبياء] ٤، إنّما هو من فيض العقل الفعّال٥.
_________________
(١) ١ في «ط»: نفس. ٢ المقصود بها العقول العشرة عند الفلاسفة. انظر: بغية المرتاد ص ٢٤١-٢٥٥. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ٢٠٥. ٣ انظر كتاب الصفدية ١٨٥. ٤ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٥ انظر: آراء أهل المدينة الفاضلة للفارابي ص ٥٥، ٦١، ٦٣. وكتاب النجاة لابن سينا ص ٣١٠-٣١٤. والرسالة العرشية له ص ٣٠. والإشارات والتنبيهات له تحقيق سليمان دنيا ص ٢١٦-٢٤٣. والشفاء في الإلهيات له تحقيق إبراهيم مذكور ص ٤٠٢. وانظر من كتب شيخ الإسلام: شرح الأصفهانية ٢٥٤٥. وكتاب الصفدية ١٧، ٩، ١٣٤، ٢٠١. والرد على المنطقيين ص ٤٧٦.
[ ٢ / ٦٩٨ ]
ثمّ إنّهم لمّا سمعوا كلام الأنبياء، أرادوا الجمع بينه، وبين أقوالهم؛ فصاروا يأخذون ألفاظ الأنبياء، فيضعونها على معانيهم، ويسمّون تلك المعاني بتلك الألفاظ المنقولة عن الأنبياء، ثم يتكلّمون ويصفون الكتب بتلك الألفاظ المأخوذة عن الأنبياء؛ فيظنّ من لم يعرف مراد الأنبياء ومرادهم أنّهم عنوا بها ما عنته الأنبياء. وضل بذلك طوائف. وهذا موجود في كلام ابن سينا١، ومن أخذ عنه.
الغزالي ربما حذّر عن مذهب الفلاسفة وأخذ بأقوالهم
وقد ذكر الغزالي ذلك عنهم تعريفًا بمذهبهم، وربّما حذّر عنه٢، ووقع في كلامه طائفة من هذا في الكتب المضنون بها على غير أهلها٣، وفي غير ذلك٤؛ حتى في كتابه الإحياء٥؛ يقول: الملك، والملكوت،
_________________
(١) ١ انظر: الرسالة العرشية لابن سينا ص ١٢٠. وآراء أهل المدينة الفاضلة للفارابي ص ١١٢. وانظر أيضًا بغية المرتاد لابن تيمية ص ٣٣٢، ٣٤٢. وقد جعل ابن سينا العقل الفعّال هو جبريل عند المسلمين، وكذا الفارابي يرى أنّ جبريل عقل محض، وجوهر، وليس بمادة. راجع آراء أهل المدينة الفاضلة للفارابي ص ٦١. فجبريل عند ابن سينا، وعند الفارابي، وغيرهما من الفلاسفة هو عقل، يتلقى العلوم من عقل آخر؛ وهي نفس العلوم التي عند الله؛ فالعقل الفعّال يفيض العلوم دون أمر من أحد، وإنّما هذا الفيض هو لجوده وكرمه الذي هو في الأصل صفة لله انتقلت إليه عن طريق العقول. انظر: آراء أهل المدينة الفاضلة ص ٥٩-٦٠، ٦٨-٧٣. والهداية لابن سينا ص ٤٧٤. ٢ انظر مثلًا تكفيره للفلاسفة في كتابه: تهافت الفلاسفة ص ٢٥٤. ٣ انظر كتابه: المضنون به على غير أهله ص ٣٠٥-٣٠٩. ٤ انظر من كتب الغزالي: مشكاة الأنوار ص ٦٦-٧٤. وتهافت الفلاسفة ص ١٩٢-١٩٤. ومعارج القدس ص ١٥١-١٦٤؛ فإنّه يرى أنّ النبوة لها ثلاث خواصّ، مثل الفلاسفة تمامًا. ٥ انظر: إحياء علوم الدين ١٨٧.
[ ٢ / ٦٩٩ ]
والجبروت؛ ومقصوده: الجسم، والنفس، والعقل الذي [أثبتته] ١ الفلاسفة٢، ويذكر اللوح المحفوظ؛ ومراده به: النفس الفلكية، إلى غير ذلك مما قد بُسط في غير هذا الموضع٣.
وهو في التهافت٤ وغيره: يكفّرهم، وفي المضنون به٥: يذكر ما هو حقيقة مذهبهم؛ حتى يذكر في النبوات عين ما قالوه٦، وكذلك في الإلهيات.
وهذه الصفات الثلاث التي جعلوها خاصة الأنبياء، توجد لعموم الناس، بل توجد لكثير من الكفار؛ من المشركين، وأهل الكتاب؛ فإنّه قد
_________________
(١) ١ في «خ»: ثبتته. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عنه أنه يقول: "إنّ الكواكب، والشمس، والقمر هي النفس، والعقل الفعّال، والعقل الأول، ونحو ذلك". درء تعارض العقل والنقل ١٣١٥. ٣ انظر من كتب ابن تيمية ﵀: الرد على المنطقيين ص ١٩٦-١٩٧، ٢٨٢، ٤٧٢-٤٨٠. وبغية المرتاد ص ١٨٤، ١٩٦، ٣٢٦. وكتاب الصفدية ١٢٠٩-٢١٢، ٢٤٩، ٢٥٠. ودرء تعارض العقل والنقل ١٣١٥-٣١٨، ٥٢٤١، ٦٢٤١. ومنهاج السنة النبوية ٨٢٠-٢١. وشرح الأصفهانية ٢٥٠٧، ٥٣٨، ٥٤١-٥٤٧. وسبق نحو هذا الكلام عن الغزالي في هذا الكتاب ص ٤٤٨-٤٥٣، ٤٦٦. ٤ وقد تقدّم أنّه كفّر الفلاسفة لمّا صرّحوا أنّ الأنبياء خاطبوا الجماهير بالخيالات والتمثيل. انظر: تهافت الفلاسفة للغزالي ص ٢٥٤. ٥ انظر: المضنون به على غير أهله ص ٣٠٥-٣٠٩. ٦ وسبق أن أوضح شيخ الإسلام ﵀ أنّ الغزالي قد استدلّ على صدق النبيّ بطريقة الفلاسفة؛ وهي طريقة الضرورة، وهي صحيحة، إلا أنّ الغزالي أثبت بها نبوة مثل نبوة الفلاسفة. انظر ص ٧٣٣ من هذا الكتاب، وانظر المنقذ من الضلال للغزالي ص ٧٣-٧٤.
[ ٢ / ٧٠٠ ]
يكون لأحدهم من العلم والعبادة، ما يتميز به على غيره من الكفار، ويحصل له بذلك حدس وفراسة يكون أفضل من غيره.
وأما التخييل في نفسه: فهذا حاصل لجميع الناس الذين يرون في مناماتهم ما يرون، لكن هو يقول: إن خاصة النبي أن يحصل له في اليقظة ما حصل لغيره في المنام.
وهذا موجودٌ لكثيرٍ من الناس؛ قد يحصل له في اليقظة ما يحصل لغيره في المنام.
ويكفيك أنّهم جعلوا مثل هذا يحصل للممرور، وللساحر، ولكن: قالوا: الساحر قصده فاسد، والممرور ناقص العقل، فجعلوا ما يحصل للأنبياء، من جنس ما يحصل للمجانين والسحرة. وهذا قول الكفّار في الأنبياء؛ كما قال تعالى: ﴿كَذَلكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُون أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُون﴾ ١.
الفرق بين الرسول والساحر عند الفلاسفة
وهؤلاء عندهم ما يحصل للنبي من المكاشفة٢ والخطاب، هو من جنس ما يحصل للساحر والمجنون، لكن الفرق بينه وبين الساحر: أنّه يأمر بالخير، وذاك يأمر بالشرّ٣، والمجنون ما له عقل.
وهذا القدر الذي فرّقوا به موجودٌ في عامّة النّاس، فلم يكن عندهم للأنبياء مزية على السحرة والمجانين، إلاَّ ما يشاركهم فيه عموم المؤمنين.
_________________
(١) ١ سورة الذاريات، الآية ٥٢. ٢ سبق بيان معنى المكاشفة في ص ٢٤٦ من هذا الكتاب. ٣ انظر نحوًا من هذا الكلام في كتب ابن تيمية: كتاب الصفدية ١١٤٣-١٧٨. وشرح الأصفهانية ٢٥٠٤، ٦٣٢. والرد على المنطقيين ص ٣٢٢. وقد تقدم ذلك قريب من هذا المعنى في ص ١٥٦، ٧٣٣ من هذا الكتاب.
[ ٢ / ٧٠١ ]
القوة الفعالة عند الفلاسفة تحصل للساحر
وكذلك ما أثبتوه من القوّة الفعّالة المتصرّفة: هي عندهم تحصل للساحر، وغيره؛ وذلك أنّهم لا يعرفون الجن والشياطين، وقد أخبروا بأمور عجيبة في العالم، فأحالوا ذلك على قوة نفس الإنسان، فما يأتي به الأنبياء من الآيات والسحرة والكهان، وما يخبر به المصروع والممرور: هو عندهم كله من قوة نفس الإنسان؛ فالخبر بالغيب: هو لاتصالها بالنفس الفلكية؛ ويسمونها اللوح المحفوظ١. والتصرّف: هو بالقوة النفسانية. وهذا حذق ابن سينا وتصرفه، لمّا أخبر بأمور في العالم غريبة، لم يمكنه التكذيب بها؛ فأراد إخراجها على أصولهم، وصرّح بذلك في إشاراته، وقال: هذه الأمور لم نثبتها ابتداءً، بل لمّا تحققنا أن في العالم أمورًا من هذا الجنس، أردنا أن نبيّن أسبابها.
أرسطو وأتباعه لم يعرفوا الأنبياء وآياتهم ولكن السحر موجود فيهم
وأما [أرسطو] ٢ وأتباعه: فلم يعرفوا هذه الأمور الغريبة، ولم يتكلموا عليها ولا على آيات الأنبياء، ولكن كان السحر موجودًا فيهم. وهؤلاء من أبعد الأمم عن العلوم الكلية، والإلهية؛ فإنّ حدوث هذه الغرائب من الجن، واقترانهم بالسحرة والكهان، مما قد عرفه عامة الأمم، وذكروه في كتبهم، غير العرب؛ مثل الهند، والترك، وغيرهم؛ من المشركين، وعباد الأصنام، وأصحاب الطلاسم والعزائم، وعرفوا أنّ كثيرًا من هذه الخوارق هو من الجن والشياطين. وهؤلاء الجهال لم يعرفوا ذلك، ولهذا كان من
_________________
(١) ١ انظر من كتب ابن تيمية: الرد على المنطقيين ص ٤٧٤-٤٨٠، ٥١٢-٥١٣. وكتاب الصفدية ١٣٤. وبغية المرتاد ص ٣٢٦. وقد سبق ذكر نحو من هذا الكلام في ص ٤٦٦ من هذا الكتاب. ٢ في «خ»: أرسطوا.
[ ٢ / ٧٠٢ ]
أصلهم أن النبوة مكتسبة، وكان السهروردي المقتول يطلب أن يكون نبيًا، وكذلك ابن سبعين، وغيره١.
النبوة الحق
والنبوة الحق: هي [إنباء] ٢ الله لعبده، ونبي الله: مَنْ كان الله هو الذي ينبئه، ووحيه من الله، وهؤلاء٣ وحيهم من الشياطين؛ فهم من جنس المتنبئين الكذابين؛ كمسيلمة الكذاب، وأمثاله. بل أولئك٤ أحذق منهم؛ فإنّهم كانت تأتيهم أرواح، فتكلمهم وتخبرهم بأمور غائبة، وهي موجودة في الخارج لا في أنفسهم، وهؤلاء لا يعرفون مثل هذا.
_________________
(١) ١ وقد نقل عنهم شيخ الإسلام ﵀ في مواضع من كتبه قولهم بأنّ النبوة مكتسبة، وطلب كبرائهم لها، ومما حكاه من قولهم: "إنّ النبوة مكتسبة. ولهذا كان أكابر هؤلاء يطمعون في النبوة، فكان السهروردي المقتول يقول: لا أموت حتى يُقال لي: قُم فأنذر، وكان ابن سبعين يقول: لقد زَرَب ابن آمنة حيث قال: «لانبي بعدي» . ولما جعل خلع النعلين إشارة إلى ذلك، أخذ ذلك ابن قس ونحوه، ووضع كتابه في خلع النعلين واقتباس النور من موضع القدمين من مثل هذا الكلام. ومن هنا دخل أهل الإلحاد؛ من أهل الحلول والوحدة والاتحاد، حتى آل الأمر بهم إلى أن جعلوا وجود المخلوقات عين وجود الخالق ﷾، كما فعل صاحب الفصوص ابن عربي، وابن سبعين، وأمثالهما من الملاحدة المنتسبين إلى التصوف والتحقيق، وهم من جنس الملاحدة المنتسبين إلى التشيع، لكن تظاهر هؤلاء من أقوال شيوخ الصوفية وأهل المعرفة..". درء تعارض العقل والنقل ١٣١٨. وانظر من كتب ابن تيمية: المصدر نفسه ٥٢٢-٢٣، ١٠٢٠٤. ومنهاج السنة النبوية ٨٢٣-٢٥. والرد على المنطقيين ص ٤٨٣. وبغية المرتاد ص ١٩٤. وكتاب الصفدية ١١٦٥، ٢٤٩، ٢٦٢. وشرح الأصفهانية ٢٥٤٧، ٦٣٤. ومجموع الفتاوى ١٢٣٩٣. وانظر هذا الكتاب ص ٤٦٣-٤٧٢، ٥٤٢، ٥٥٧-٥٦٢. ٢ في «ط»: أنباء. ٣ كابن عربي، وابن سبعين، والسهروردي، وأمثالهم من الملاحدة. ٤ كمسيلمة الكذاب وأمثاله من المتنبئين.
[ ٢ / ٧٠٣ ]
وقائع دخول الجن في الإنس أكثر من أن تحصى
ووجود الجن والشياطين في الخارج وسماع كلامهم أكثر من أن يمكن سطر عُشْرِهِ هنا، وكذلك صرعهم للإنس، وتكلمهم على ألسنتهم.
والفرق بين النبيّ [و] ١ الساحر أعظم من الفرق بين الليل والنهار. والنبي يأتيه ملَك كريم من عند الله ينبئه الله، والساحر والكاهن إنّما معه شيطان يأمره ويخبره؛ قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِين تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُون﴾ ٢؛ فلا الخبر كالخبر، ولا الأمر كالأمر، ولا مُخْبِر هذا كمخبر هذا، ولا آمر هذا كآمر هذا؛ كما أنّه ليس هذا مثل هذا؛ ولهذا قال تعالى لما ذكر الذي جاء بالقرآن إلى محمّد وأنه ملَك منفصل، ليس خيالًا في نفسه، كما يقوله هؤلاء؛ قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِين وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِين وَمَا هُوَ عَلَى الغَيْبِ بِضَنِين وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيم وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ﴾ ٣؛ فالقرآن قول رسولٍ أرسله الله، لم يرسله الشيطان؛ وهو ملَك كريم، ذي قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين؛ فهو مطاع عند ذي العرش في [الملأ] ٤ الأعلى.
أصح الأقوال في جنة آدم ﷺ
والشياطين لا يطاعون في السموات، بل ولا يصعدون إليها، وإبليس من حين أهبط منها لم يصعد إليها.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين لا يوجد في «م»، و«ط» . ٢ سورة الشعراء، الآيات ٢٢١-٢٢٣. ٣ سورة التكوير، الآيات ١٩-٢٩. ٤ في «ط»: الأم.
[ ٢ / ٧٠٤ ]
ولهذا كان أصحّ القولين١: أن جنة آدم جنّة التكليف، لم تكن في
_________________
(١) ١ هذه المسألة خلافية بين العلماء: فمنهم من قال: هي جنة الخلد التي في السماء، وأُهبط منها آدم ﵇. ومنهم من قال: هي جنة في الأرض. ومنهم من توقف في هذه المسألة، فلم يرجح أحد القولين على الآخر. وقد ذكر الخلاف في هذه المسألة الحافظ ابن كثير ﵀، وأطال النفس في ذلك؛ ذاكرًا أقوال العلماء، ومما قاله ﵀: "الجمهور على أنها هي التي في السماء، وهي جنة المأوى لظاهر الآيات والأحاديث. وقال آخرون: بل الجنة التي أسكنها آدم لم تكن جنة الخلد؛ لأنه كلّف فيها أن لا يأكل من تلك الشجرة، ولأنه نام فيها، وأخرج منها، ودخل عليه إبليس فيها. وهذا مما ينافي أن تكون جنة المأوى. وهذا القول محكي عن أبيّ بن كعب، وعبد الله بن عباس، ووهب بن منبه، وسفيان بن عيينة، واختاره ابن قتيبة في المعارف، والقاضي منذر بن سعيد البلوطي في تفسيره، وأفرد له مصنّفًا على حدة، وحكاه عن أبي حنيفة الإمام وأصحابه ﵏، ونقله أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي ابن خطيب الريّ في تفسيره عن أبي القاسم البلخي وأبي مسلم الأصبهاني، ونقله القرطبي في تفسيره عن المعتزلة والقدرية. وهذا القول هو نصّ التوراة التي بأيدي أهل الكتاب. وممن حكى الخلاف في هذه المسألة: أبو محمد بن حزم في الملل والنحل، وأبو محمد بن عطية في تفسيره، وأبو عيسى الرماني في تفسيره وحكى عن الجمهور الأول، وأبو القاسم الراغب، والقاضي الماوردي في تفسيره؛ فقال: واختلف في الجنة التي أُسكنها يعني آدم وحواء على قولين: أحدهما: أنها جنة الخلد، والثاني: جنة أعدها الله لهما، وجعلها دار ابتلاء، وليست جنة الخلد التي جعلها دار جزاء. ومَنْ قال بهذا اختلفوا على قولين؛ أحدهما: أنها في السماء؛ لأنّه أهبطهما منها. وهذا قول الحسن. والثاني: أنها في الأرض؛ لأنه امتحنهما فيها بالنهي عن الشجرة التي نهيا عنها دون غيرها من الثمار. وهكذا قول ابن يحيى، وكان ذلك بعد أن أمر إبليس. هذا كلامه. فقد تضمّن كلامه حكاية أقوال ثلاثة، وأشهر كلامه أنه متوقف في المسألة. ولقد حكى أبو عبد الله الرازي في تفسيره في هذه المسالة أربعة أقوال؛ هذه الثلاثة التي أوردها الماوردي، ورابعها التوقف. وحكى القول بأنها في السماء، وليست جنة المأوى عن أبي علي الجبائي قالوا: وليس هذا القول مفرعًا على قول من ينكر وجود الجنة والنار اليوم، ولا تلازم بينهما. فكلّ من حكي عنه هذا القول من السلف وأكثر الخلف ممن يُثبت وجود الجنة والنار اليوم كما دلّت عليه الآيات والأحاديث الصحاح". البداية والنهاية ١٦٩-٧١. وانظر تفسير ابن كثير ١٨١. ومن أكثر من بحث هذه المسألة وأطال فيها: الحافظ ابن القيم ﵀؛ فقد قام ﵀ باستقصاء أدلة كل قوم بالتفصيل، ولم يرجح ﵀ قولًا على قول، بل توقّف في المسألة لتعارض الأدلة، ولقوة ووجاهة كلّ قول. انظر: مفتاح دار السعادة ١١٦-٤٤. وحادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ص ٥٢-٧٥. وانظر القرطبي في تفسيره؛ فقد رجح أنها جنة الخلد ١٢٠٧-٢٠٨. وممن ذكر أقوال العلماء في هذه المسألة بالتفصيل: الآلوسي في روح المعاني ١٢٣٣. والقاسمي في تفسيره ٢١١١-١١٢. ومحمد رشيد رضا في تفسيره تفسير القرآن الحكيم ١٢٧٦-٢٧٧؛ وذكر في هذه المسألة ثلاثة أقوال، ورجّح أنها في الأرض. والماوردي في أعلام النبوة ص ٧٨-٧٩.
[ ٢ / ٧٠٥ ]
السماء؛ فإنّ إبليس دخل إلى جنة التكليف؛ جنة آدم بعد [إهباطه] ١ من السماء، وقول الله له: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنّكَ رَجِيم وَ[إِنَّ] ٢ علَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّين﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿[اخْرُجْ] ٤ مِنْهَا [مَذْءُومًَا] ٥ مَدْحُورًَا﴾ ٦، لكن كانت في مكان عال في الأرض من ناحية [المشرق٧] ٨، ثمّ لما أكل
_________________
(١) ١ في «ط»: إهباط ٍ. ٢ في «ط»: أنّ. ٣ سورة ص، الآية ٧٨. ٤ في «خ»، و«م»، و«ط»: فاخرج. ٥ في «م»، و«ط»: مذمومًا. ٦ سورة الأعراف، الآية ١٨. ٧ انظر: تفسير القاسمي ٢١١١. ٨ في «ط»: الشرق.
[ ٢ / ٧٠٦ ]
من الشجرة، أُهبط منها إلى الأرض؛ كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع١.
لفظ الجنة في القرآن
ولفظ الجنّة في غير موضع من القرآن: يُراد به بستان في الأرض؛ كقوله: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الجَنَّةِ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ
_________________
(١) ١ وقد سئل شيخ الإسلام ﵀: هل كانت الجنة التي سكنها آدم جنة الخلد الموجودة، أم جنة من الأرض خلقها الله له؟. فأجاب ﵀ بقوله: "الجنة التي أسكنها آدم وزوجته عند سلف الأمة وأهل السنة والجماعة: هي جنة الخلد. ومن قال إنها جنة في الأرض بأرض الهند، أو بأرض جدة، أو غير ذلك، فهو من المتفلسفة والملحدين، أو من إخوانهم المتكلمين المبتدعين؛ فإنّ هذا يقوله من يقوله من المتفلسفة والمعتزلة. والكتاب والسنة يردّ هذا القول، وسلف الأمة وأئمتها متفقون على بطلان هذا القول) . ثمّ ذكر ﵀ الأدلة التي يعتضد بها هذا القول. انظر مجموع الفتاوى ٤٣٤٧-٣٤٩. ولعلّ قائلًا يقول: هذا تناقض من الشيخ ﵀؛ حيث يرجح في موضع أنها جنة الخلد، وفي موضع آخر أنها جنة التكليف. والذي يظهر لي والله أعلم أنّ الشيخ ﵀ كان يرى أنّ المسألة لا تقتضي إلا قولًا واحدًا، وهو أنّ الجنة جنة الخلد؛ كما نقلنا عنه آنفًا، وجعله قول أهل السنة قاطبة، ولم يقل بغير ذلك إلا المعتزلة والفلاسفة والملاحدة. والملاحظ على شيخ الإسلام ﵀ في كتاب النبوات أنّه يجعل للمسألة قولين معتبرين عند أهل السنة، إلا أنّ أصحهما أنها جنة التكليف. وهذا يدلّ على أنّ المسألة مختلف فيها عند شيخ الإسلام، وأنّ له فيها قولين. وعلى كلّ حال: فهذا تلميذه العلامة ابن القيم، وهو ممن حفظ لنا علم شيخه ابن تيمية ﵀ يذكر أدلة كلّ فريق، ولا يرجح قولًا على قول، بل يتوقف في المسألة لقوة أدلة كلا الفريقين. وعمومًا: فالمسألة ليست من المسائل التي يتوقف عليها أمر تعبّديّ، بل هي من الأمور الخبرية. ٢ سورة القلم، الآية ١٧.
[ ٢ / ٧٠٧ ]
جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾، إلى قوله: ﴿كِلْتَا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًَا﴾، إلى قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتًَا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ الآية، إلى قوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ الآية٢، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ في مَسْكَنِهِمْ آيَة جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾، إلى قوله: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتي أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيل﴾ ٣، وقوله: ﴿[كَمْ] ٤ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ الآية٥، وقوله: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِيمَا هَهُنَا آمِنِينَ في جَنَّاتٍ وَعُيُون﴾ ٦.
وجنّة الجزاء والثواب التي في السماء لم يدخلها الشيطان بعد أن أهبط من السماء، وهو أهبط من السماء لما امتنع من السجود لآدم، قبل أن يدخل آدم إلى جنّة التكليف التي وسوس له، وأخرجه منها٧.
_________________
(١) ١ سورة الكهف، الآيات ٣٢-٣٥. ٢ سورة البقرة، الآيتان ٢٦٥-٢٦٦. ٣ سورة سبأ، الآيتان ١٥-١٦. ٤ في «م»، و«ط»: وكم. ٥ سورة الدخان، الآية ٢٥. ٦ سورة الشعراء، الآيتان ١٤٦-١٤٧. ٧ قال تعالى لإبليس لما امتنع من السجود لآدم: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف، ١٣]، وقال في موضع آخر: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص، ٧٨]، وقال تعالى: ﴿قال قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف، ١٨] .
[ ٢ / ٧٠٨ ]
جنة الجزاء مخلوقة والرد على من أنكر ذلك وجنة الجزاء مخلوقة أيضًا.
وقد أنكر بعض أهل البدع١ أن تكون مخلوقة، وقال: إنّ آدم لم يدخلها؛ لكونها لم تخلق بعد. فأنكر ذلك عليه من أنكره من علماء السنة.
وقد ذكر أبو العالية، وغيره من السلف: أنّ الشجرة التي نُهي عنها آدم كان لها غائط، فلما أكل احتاج إلى الغائط٢، وجنة الجزاء ليس فيها هذا. لكن الله أعلم بصحة هذا النقل.
وإنما المقصود: أنّ بعض السلف كان يقول إنّها في السماء، وبعضهم يقول إنها في مكان عال من الأرض.
ولفظ الجنة في القرآن: قد ذُكر فيما شاء الله من المواضع، وأريد به جنة في الأرض.
وجنّة الجزاء مخصوصة بمماتهم؛ كقوله: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِين﴾ ٣؛ فإنّ أرواح
_________________
(١) ١ قال شارح الطحاوية: "اتفق أهل السنة على أنّ الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، ولم يزل على ذلك أهل السنة، حتى نبغت نابغة من المعتزلة والقدرية فأنكرت ذلك، وقالت: بل يُنشئهما الله يوم القيامة. وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة لما يفعله الله، وأنه ينبغي أن يفعل كذا، ولا ينبغي له أن يفعل كذا، وقاسوه على خلقه في أفعاله، فهم مشبهة الأفعال". ثمّ ذكر النصوص التي تردّ عليهم. انظر شرح الطحاوية ص ٦١٥-٦٢٠. ولقد أطال النفس في توضيح هذه المسألة العلامة ابن القيم ﵀؛ فذكر أنّ الجنة مخلوقة، وموجودة الآن، وأنّ هذا قول أهل السنة قاطبة، والرسل من أولهم إلى آخرهم، إلى أن نبغت نابغة القدرية والمعتزلة، فأنكرت أن تكون مخلوقة الآن. ثمّ أورد شبههم التي يحتجون بها، وأجاب عنها مفنّدًا كلّ قول بالدليل. انظر: حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ص ٣٨-٥١، ٧٦-٨١. ٢ انظر: تفسير الطبري ١٢٣٦. ٣ سورة يس، الآيتان ٢٦-٢٧.
[ ٢ / ٧٠٩ ]
المؤمنين تدخل الجنة من حين الموت؛ كما في هذه الآية: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِين﴾ ١، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًَا بَلْ أَحْيَاء عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون﴾ ٣، وقال تعالى لما ذكر أحوال الموتى عند الموت: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيم وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِين وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضَّالِّين فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيم وَتَصْلِيَة جَحِيم﴾ ٤. وهذا غير ما ذكره في أول السورة من انقسامهم يوم القيامة الكبرى إلى سابقين، وأصحاب يمين، ومكذبين؛ فإنّه سبحانه ذكر في أول السورة انقسامهم في القيامة الكبرى٥، وذكر في آخرها انقسامهم عند الموت؛ وهو القيامة الصغرى٦؛ كما قال المغيرة بن شعبة: "من مات فقد قامت قيامته"٧،
_________________
(١) ١ سورة يس، الآيتان ٢٦-٢٧. ٢ سورة يس، الآيتان ٢٨-٢٩. ٣ سورة آل عمران، الآية ١٦٩. ٤ سورة الواقعة، الآيات ٨٨-٩٤. ٥ قال تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ . [سورة الواقعة، ٧-١٢] . ٦ قال تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيم وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِين وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضَّالِّين فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيم وَتَصْلِيَة جَحِيم﴾ . [سورة الواقعة، الآيات ٨٨-٩٤] . ٧ ذكره الغزالي في إحياء علوم الدين ٤٥٢٧ مرفوعًا، بلفظ: (وروى أنس عن النبي ﷺ أنه قال: "الموت القيامة، فمن مات، فقد قامت قيامته". وقال محقق إحياء علوم الدين: أخرجه ابن أبي الدنيا في الموت بإسناد ضعيف.
[ ٢ / ٧١٠ ]
وكذلك قال علقمة١، وسعيد بن جبير عن ميت: أمّا هذا فقد قامت قيامته٢؛ أي صار إلى الجنة أو النار. وإن كان بعد هذا تعاد الروح إلى البدن، و[تقعد] ٣ بقبره.
الإيمان بنعيم القبر وعذابه
ومقصودهم: أنّ الشخص لا يستبطىء الثواب والعقاب؛ فهو إذا مات يكون في الجنة أو في النار٤؛ قال تعالى عن قوم نوح: ﴿مِمَّا
_________________
(١) ١ هو علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي. ثقة ثبت فقيه عابد. مات بعد الستين، وقيل بعد السبعين. وقد أخرج حديثه الجماعة. انظر تقريب التهذيب لابن حجر ص ٣٩٧. ٢ ذكره الغزالي في إحياء علوم الدين ٤٥٢٧، عن علقمة. ٣ في «م»، و«ط»: يقعد. ٤ من عقيدة أهل السنة والجماعة: الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، وأنّه إما حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة. وقد جاءت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة تدلّ على إثبات نعيم القبر للمؤمنين، وعذابه للعاصين والكافرين، أعاذنا الله من عذابه، وجعل قبورنا وقبور إخواننا المسلمين روضة من رياض الجنة، وثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. أما أدلة الكتاب: فمنها: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . [النحل، ٣٢]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ . [الفجر، ٢٧-٢٩]، وقال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ . [إبراهيم، ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ . [السجدة، ٢١]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ . [البقرة، ١٥٤] . أما الأدلة من السنة، فكثيرة جدًا؛ منها: قوله ﷺ: "إنّ أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة". أخرجه البخاري في صحيحه ١٤٦٤، كتاب الجنائز، باب الميت يعرض عليه مقعده. ومسلم في صحيحه ٤٢١٩٩، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت. ومنها: حديث البراء بن عازب ﵁، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فذكر الحديث بطوله، وفيه: "فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فافرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة. قال: فيأتيه من روحها وطيبها"، فذكر الحديث. أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٤٢٨٧. ومنها: قوله ﷺ: "إنما نسمة المؤمن طير يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعها الله إلى جسده يوم القيامة". أخرجه الإمام مالك في الموطأ ١٢٤٠، كتاب الجنائز، باب جامع الجنائز. ومنها: مخاطبته ﷺ لأهل القليب يوم بدر، وسماعهم له، وقوله لهم: "هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا". رواه البخاري في صحيحه ١٤٦٣، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر. ومسلم في صحيحه ٢٦٤٣، كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه. و٤٢٢٠٢، كتاب الجنة ونعميها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة والنار عليه. ومنها: حديث القراء؛ أصحاب بئر معونة، وفيه: "بلغوا قومنا عنا أن قد لقينا ربنا، فرضي عنا ورضينا عنه". أخرجه مسلم في صحيحه ١٤٦٨، كتاب المساجد، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة. والأدلة في ذلك كثيرة جدًا، يضيق المكان دون ذكرها.
[ ٢ / ٧١١ ]
[خَطَايَاهُمْ] ١ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًَا﴾ ٢، وقال عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًَّا وَعَشِيًَا وَيَومَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَاب﴾ ٣. وبسط هذا له موضع آخر٤.
_________________
(١) ١ كذا في «خ»، و«م»، و«ط» . وهي قراءة أبي عمرو. وقرأ الباقون: خطيئاتهم. انظر: الغاية في القراءات العشر للنيسابوري ص ٢٨٠. وزاد المسير لابن الجوزي ٨٣٧٤. ٢ سورة نوح، الآية ٢٥. ٣ سورة غافر، الآية ٤٦. ٤ انظر الكلام على القيامة الكبرى والصغرى في مجموع الفتاوى ٤٢٦٢، ٢٧٠.
[ ٢ / ٧١٢ ]
ملاحدة الصوفية وكلامهم في النبوة
والمقصود هنا: الكلام على النبوة؛ فهؤلاء المتفلسفة ما قدروا النبوة حقّ قدرها، وقد ضلّ بهم طوائف من المتصوفة المدّعين للتحقيق وغيرهم، وابن عربي، وابن سبعين ضلوا بهم؛ فإنّهم اعتقدوا مذهبهم، وتصوّفوا عليه، ولهذا يقول ابن عربي: إنّ الأولياء أفضل من الأنبياء١، وإنّ الأنبياء وسائر الأولياء يأخذون عن خاتم الأنبياء علم التوحيد، وأنه هو يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسول؛ فإنّ الملَك عنده هو الخيال الذي في [النفس] ٢، وهو جبريل عندهم، وذلك الخيال تابعٌ للعقل؛ فالنبيّ عندهم يأخذ عن هذا الخيال ما يسمعه من الصوت في نفسه.
ولهذا يقولون: إنّ موسى كُلّم من سماء عقله، والصوت الذي سمعه كان في نفسه لا في الخارج، ويدّعي أحدهم أنّه أفضل من موسى، وكما ادّعى ابن عربيّ أنّه أفضل من محمّد؛ فإنّه يأخذ عن العقل الذي يأخذ منه الخيال، والخيال عنده هو الملك الذي يأخذ منه النبي، فلهذا قال: فإنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملَك الذي يوحى به إلى النبيّ، قال: فإن عرفت هذا فقد حصل لك العلم النافع. وبسط الكلام على هؤلاء له مواضع أُخر٣.
_________________
(١) ١ انظر الفتوحات المكية لابن عربي ٢٢٥٢-٢٥٣. ومما قاله: مقام النبوّة في برزخ فويق الرسول ودون الوليّ وانظر من كتب شيخ الإسلام: درء تعارض العقل والنقل١٩. وكتاب الصفدية ١٢٥١. ومنهاج السنة النبوية ٥٣٣٥-٣٣٦،، ٨٢٢. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ١٩١، ١٩٦، ١٩٨. وشرح الأصفهانية ٢٥٠٥. ٢ في «ط»: لنفس. ٣ انظر: فصوص الحكم لابن عربي ١٦١-٦٤، ١٣٤-١٣٧. وانظر أيضًا من كتب ابن تيمية: كتاب الصفدية ١٢٢٩-٢٣٤، ٢٤٧-٢٥٢، ٢٦٢-٢٦٥. وبغية المرتاد ص ١٨٣، ٣٨٦-٣٨٧. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ١٩٨-١٩٩. ومجموع الفتاوى ١١٢٢٦-٢٢٩،، ١٢٣٩٩. وشرح الأصفهانية ٢٥٠٣-٥٠٧، ٦٣٤. ودرء تعارض العقل والنقل ٥٣٥٦،، ١٠٢٠٤-٢٠٥. ومنهاج السنة النبوية ٨٢٢-٢٣.
[ ٢ / ٧١٣ ]
الفرق بين الرسول والنبي
والمقصود هنا: الكلام على النبوة؛ فالنبي هو الذي ينبئه الله، وهو ينبىء بما أنبأ الله به؛ فإن أُرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه؛ فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله، ولم يُرسل هو إلى أحد [يبلغه] ١ عن الله رسالة؛ فهو نبي، وليس برسول؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ في أُمْنِيَّته﴾ ٢، وقوله: ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيّ﴾؛ فذكر إرسالًا يعمّ النوعين، وقد خص أحدهما بأنّه رسول؛ فإنّ هذا هو الرسول المطلق الذي أمره بتبليغ رسالته إلى من خالف الله؛ كنوح.
وقد ثبت في الصحيح أنّه٣ أول رسول بُعث إلى أهل الأرض٤،
_________________
(١) ١ في «خ»: بلغه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ سورة الحج، الآية ٥٢. ٣ يعني نوحًا ﵇. ٤ كما في حديث الشفاعة، وفيه قوله ﷺ: "فيأتون نوحًا فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى الأرض.." الحديث أخرجه البخاري ٤٣٩٢-٣٩٣، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ . ومسلم في صحيحه ١١٨٤-١٨٥، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها. وانظر كلام شيخ الإسلام في: الرد على المنطقيين ص ٣٧٠. ودقائق التفسير ١٤٣١. وقال في تفسير آيات أشكلت ١٢٣٢: " إن نوحًا أول رسول بعث إلى المشركين ".. وقال الشيخ حافظ حكمي ﵀: "إنّ نوحًا أول الرسل والنبيين بعد الاختلاف؛ قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء، ١٦٣]؛ لأنّ أمته أول من اختلف، وغيّر، وبدّل، وكذّب؛ كما قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [غافر، ٥]، وإلا فآدم قبله كان نبيًا رسولًا، وكان الناس أمة واحدة على دينه ودين وصيه شيث ﵇؛ كما قال ابن عباس ﵄، وابن مسعود، وأبيّ بن كعب، وقتادة، ومجاهد، وغيرهم ﵃ في قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة، ٢١٣]؛ قالوا: كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيّين مبشرين ومنذرين) . معارج القبول ٢٦٧٨. وانظر: أضواء البيان ١٢٨٦.
[ ٢ / ٧١٤ ]
وقد كان قبله أنبياء؛ كشيث١، وإدريس٢ ﵉، وقبلهما آدم كان نبيًّا مكلّمًا٣. قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح، عشرة قرون كلهم على الإسلام٤.
_________________
(١) ١ قال ابن كثير ﵀: "ومعنى شيث: هبة الله، وسمياه بذلك لأنّهما رزقاه بعد أن قتل هابيل. قال أبو ذر في حديثه عن رسول الله ﷺ: إنّ الله أنزل مائة صحيفة وأربع صحف؛ على شيث خمسين صحيفة. قال محمد بن إسحاق: ولما حضرت آدم الوفاة عهد إلى ابنه شيث، وعلّمه ساعات الليل والنهار، وعلّمه عبادات تلك الساعات، وأعلمه بوقوع الطوفان بعد ذلك. قال: ويقال: إنّ أنساب بني آدم اليوم كلها تنتهي إلى شيث، وسائر أولاد آدم غيره انقرضوا وبادوا، والله أعلم) . البداية والنهاية ١٩١. وانظر: أعلام النبوة للماوردي ص ٨١. وتاريخ الطبري ١١٦٤. ٢ قال الله تعالى عنه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [سورة مريم، الآية ٥٦-٥٧] . قال ابن كثير ﵀ عن نبيّ الله إدريس: "كان أول بني آدم أُعطي النبوة بعد آدم وشيث ﵉". البداية والنهاية ١٩٢-٩٣. وقال ابن قتيبة: "وسمي إدريس؛ لكثرة ما كان يدرس من كتب الله تعالى وسنن الإسلام". أعلام النبوة للماوردي ص ٨١-٨٢. ٣ أخرجه الإمام أحمد في المسند ٥٢٦٦ من حديث أبي ذر قال: قلت: يا نبيّ الله! أو نبيّ كان آدم؟ قال: " نعم نبيّ مُكلّم". وكذا أخرجه ابن حبان في صحيحه ٨٥٤، وقال: على شرط مسلم ولم يخرجه. وصححه الألباني. انظر مشكاة المصابيح ٣١٥٩٩. ٤ أخرجه البزار (كشف الأستار ٣٤١)، والطبري في تفسيره ٢٣٣٤، والحاكم في المستدرك ٢٤٤٢، وقال: هذ حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يُخرّجاه، ووافقه الذهبي. وأخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم (الدر المنثور ١٥٨٢) . وانظر: تفسير القرطبي ١٨٣٨. وفتح القدير للشوكاني ١٢١٤.
[ ٢ / ٧١٥ ]
أنبياء بني إسرائيل يحكمون بالتوراة
فأولئك الأنبياء يأتيهم وحي من الله بما يفعلونه ويأمرون به المؤمنين الذين عندهم؛ لكونهم مؤمنين بهم؛ كما يكون أهل الشريعة الواحدة يقبلون ما يبلّغه العلماء عن الرسول.
وكذلك أنبياء [بني] ١ إسرائيل٢ يأمرون بشريعة التوراة، وقد يُوحى إلى أحدهم وحي خاص في قصّة معينة، ولكن كانوا في شرع التوراة كالعالِم الذي يُفهِّمه الله في قضية معنى يطابق القرآن؛ كما فهَّم الله سليمان [حكم] ٣ القضية التي حكم فيها هو وداود٤.
_________________
(١) ١ في «ط»: ببني. ٢ وقد ذكر العلماء أسماء أنبياء بني إسرائيل بين موسى وعيسى ﵉. انظر: أعلام النبوة للماوردي ص ٨٨-٩١. والبداية والنهاية ٢٣-٥٠. ٣ في «ط»: حكيم. ٤ يُشير إلى قوله تعالى حكاية عن داود وسليمان ﵉: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ . [سورة الأنبياء، الآيتان ٧٨-٧٩] . وروى ابن جرير الطبري ﵀ بسنده عن ابن عباس ﵄ أنّه قال في تفسير هذه الآية: "وذلك أنّ رجلين دخلا على داود؛ أحدهما صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الحرث: إنّ هذا أرسل غنمه في حرثي، فلم يبق من حرثي شيئًا، فقال له داود: اذهب، فإنّ الغنم كلها لك. فقضى بذلك داود. ومرّ صاحب الغنم بسليمان، فأخبره بالذي قضى به داود. فدخل سليمان على داود، فقال: يا نبي الله إنّ القضاء سوى الذي قضيت. فقال: كيف؟ فقال سليمان: إنّ الحرث لا يخفى على صاحبه، ما يخرج منه في كلّ عام، فله من صاحب الغنم أن يبيع من أولادها وأصوافها وأشعارها حتى يستوفي ثمن الحرث؛ فإنّ الغنم لها نسل في كلّ عام. فقال داود: قد أصبت القضاء كما قضيت. ففهّمها الله سليمان". تفسير الطبري ١٧٥١-٥٢.
[ ٢ / ٧١٦ ]
الفرق بين الرسول والنبي
فالأنبياء ينبئهم الله؛ فيُخبرهم بأمره، ونهيه، وخبره. وهم يُنبئون المؤمنين بهم ما أنبأهم الله به من الخبر، والأمر، والنهي. فإن أُرسلوا إلى كفار يدعونهم إلى توحيد الله، وعبادته وحده لا شريك له، ولا بُدّ أن يكذّب الرسلَ قومٌ؛ قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُون﴾ ١، وقال: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ٢؛ فإنّ الرسل تُرسَل إلى مخالفين؛ فيكذّبهم بعضهم.
وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا يُوحَى٣ إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ القُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا في الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوا أَفَلا [تَعْقِلُونَ] ٤ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُنْجِي٥ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بأْسُنَا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِين﴾ ٦.
_________________
(١) ١ سورة الذاريات، الآية ٥٢. ٢ سورة فصلت، الآية ٤٣. ٣ كذا في «خ»، و«م»، و«ط»: يُوحَى، وهي قراءة الأصل. وقرأ حفص عن عاصم: نُوحِي بالنون وكسر الحاء. انظر: الغاية في القراءات العشر للنيسابوري ص ١٨١. وزاد المسير لابن الجوزي ٤٢٩٥. والوافي في شرح الشاطبية في القراءات السبع لعبد الفتاح القاضي ص ٢٩٧. ٤ في «خ»: يعقلون. ٥ كذا في «خ»، و«م»، و«ط»: فنُنْجِي بنونين؛ الأولى مضمومة، والثانية ساكنة، والياء ساكنة، وهي قراءة ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، وحمزة، والكسائي. وقرأ حفص، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، ويعقوب: فنُجِّيَ بنون واحدة مضمومة، وتشديد الجيم، وياء مفتوحة. انظر: الغاية في القراءات العشر للنيسابوري ص ١٨١. وزاد المسير لابن الجوزي ٤٢٩٦. والوافي في شرح الشاطبية في القراءات العشر لعبد الفتاح القاضي ص ٢٩٧. ٦ سورة يوسف، الآيتان ١٠٩-١١٠.
[ ٢ / ٧١٧ ]
وقال: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ ١.
فقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ ٢: دليلٌ على أن النبيّ مرسل، ولا يسمى رسولًا عند الإطلاق؛ لأنّه لم يرسل إلى قوم بما لا يعرفونه، بل كان يأمر المؤمنين بما يعرفونه أنّه حقّ؛ كالعالِم، ولهذا قال النبيّ ﷺ: "العلماء ورثة الأنبياء" ٣.
ليس من شروط الرسول أن يأتي بشرع جديد
وليس من شرط الرسول أن يأتي بشريعة جديدة؛ فإنّ يوسف كان على ملة إبراهيم، وداود وسليمان كانا رسولين، وكانا على شريعة التوراة٤؛
_________________
(١) ١ سورة غافر، الآية ٥١. ٢ سورة الحج، الآية ٥٢. ٣ أخرجه أبو داود في سننه ٤٥٧، ٥٨، كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم، رقم ٣٦٤١. والترمذي في جامعه ٥٤٨-٤٩، كتاب العلم، باب فضل الفقه على العبادة. وابن ماجه في سننه ١٨١، في المقدمة، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، رقم ٢٢٣. وقد صحّحه الألباني في (صحيح سنن الترمذي ٢٣٤٢)، و(صحيح سنن ابن ماجه ١٤٣)، وحسّن سنده في (صحيح الترغيب والترهيب ١٣٣، ح ٦٨)، وفي (مشكاة المصابيح ١٧٤، رقم ٢١٢) . ٤ تعددت الأقوال في الفرق بين النبيّ والرسول، وكلّها لا تخلو من مناقشة، ولا تسلم من اعتراضات ترد عليها. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فروقًا كثيرة بين النبيّ والرسول، وهذه الفروق مبنيّة على الكتاب والسنة؛ فخرج تفريقه بين النبيّ والرسول من أرجح التفريقات، ومن أسلمها من الانتقادات. ويمكن تلخيص هذه الفروق فيما يلي:
(٢) النبيّ: هو من يُنبئ بما أنبأ الله به، ولا يُسمّى رسولًا عند الإطلاق؛ لأنه لم يُرسل إلى قوم بما لا يعرفونه، بل كان يأمر المؤمنين بما يعرفونه أنه حقّ؛ كالعالم. ولهذا قال النبيّ ﷺ عن العلماء: "العلماء ورثة الأنبياء"؛ إذ النبيّ يعمل بشريعة من قبله. فالأنبياء يأتيهم وحي من الله بما يفعلونه ويأمرون به المؤمنين الذين عندهم، لكونهم مؤمنين بهم؛ كما يكون أهل الشريعة الواحدة يقبلون ما يبلغه العلماء عن الرسول. وكذلك أنبياء بني إسرائيل يأمرون بشريعة التوراة، وقد يوحى إلى أحدهم وحي خاص في قضية معينة، ولكن كانوا في شرع التوراة كالعالم الذي يفهمه الله في قضية ما معنى يُطابق القرآن. فالأنبياء يُنبئهم الله؛ فيخبرهم بأمره، ونهيه، وخبره، وهم ينبئون المؤمنين بهم ما أنبأهم الله من الخبر، والأمر، والنهي.
(٣) الرسول: هو من أنبأه الله وأرسله إلى من خالف أمره، ليبلغه رسالة ً من الله إليه؛ فهو رسول. فالرسل: من أُرسلوا إلى كفار يدعونهم إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له. ولا بُدّ أن يُكذّب الرسلَ قومٌ؛ قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾، وقال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾؛ فإنّ الرسل ترسل إلى مخالفين، فيكذبهم بعضهم. والرسول يُسمّى رسولًا على الإطلاق؛ لأنّه يُرسل إلى قوم بما لا يعرفونه. وليس من شرط الرسول أن يأتي بشريعة جديدة؛ فإنّ يوسف ﵇ كان رسولًا، وكان على ملة إبراهيم ﵇، وداود وسليمان ﵉ كانا رسولين، وكانا على شريعة التوراة. وانظر أقوال العلماء مفصّلة في هذه المسألة، في: تفسير الطبري ١٧١٨٩. وأعلام النبوة للماوردي ص ٣٧-٣٨. والفرق بين الفرق للبغدادي ص ٣٤٢. والشفا للقاضي عياض ١٢٥١. وشرح المقاصد للتفتازاني ٢١٧٣. وتفسير القرطبي ١٢٥٤. وزاد المعاد لابن القيم ١٤٣. وطريق الهجرتين له ص ٣٤٩. وشرح الطحاوية ص ١٦٧. وأنوار التنزيل وأسرار التأويل ٤٥٧. ولوامع الأنوار البهية ١٤٩. وأضواء البيان للشنقيطي ٥٧٣٥. ورحلة الحج له ص ١٣٦-١٣٧.
[ ٢ / ٧١٨ ]
قال تعالى عن مؤمن آل فرعون: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ في شَكّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا
_________________
(١) ١ سورة غافر، الآية ٣٤.
[ ٢ / ٧١٩ ]
إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًَا وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًَا﴾ ١.
الإرسال اسم عام
والإرسال: اسمٌ عامٌ يتناول إرسال الملائكة، وإرسال الرياح، وإرسال الشياطين، وإرسال النار؛ قال تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿جَاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا أُوْلِي أَجْنِحَةٍ﴾ ٣؛ فهنا جعل الملائكة كلهم رسلًا. والملك في اللغة: هو حامل الألوكة؛ وهي الرسالة٤. وقد قال في موضع آخر: ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاس﴾ ٥.
فهؤلاء الذين يرسلهم بالوحي؛ كما قال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًَا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ [بُشْرًَا] ٧ بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ ٨، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ ٩.
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآيتان ١٦٣-١٦٤. ٢ سورة الرحمن، الآية ٣٥. ٣ سورة فاطر، الآية ١. ٤ انظر: لسان العرب ١٠٤٩٦. ومفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني ص ٧٧٦. ٥ سورة الحج، الآية ٧٥. ٦ سورة الشورى، الآية ٥١. ٧ في «خ»: نشرًا. ٨ سورة الأعراف، الآية ٥٧. ٩ سورة مريم، الآية ٨٣.
[ ٢ / ٧٢٠ ]
لكن الرسول المضاف إلى الله: إذا قيل: رسول الله، فُهِم مَنْ يأتي برسالة من الله؛ من الملائكة، والبشر؛ كما قال: ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاس﴾ ١، وقالت الملآئكة: ﴿يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ ٢.
وأما عموم الملائكة، والرياح، والجنّ: فإنّ إرسالها [لتفعل] ٣ [فعلًا] ٤، لا [لتبلغ] ٥ رسالةً، قال تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمُ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًَا وَجُنُودًَا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًَا﴾ ٦.
فرسل الله الذين يبلّغون عن الله أمره ونهيه: هي رسل الله عند الإطلاق. وأما من أرسله الله ليفعل فعلًا بمشيئة الله وقدرته: فهذا عامٌ يتناول كلّ الخلق؛ كما أنهم كلّهم [يفعلون] ٧ بمشيئته، وإذنه المتضمّن لمشيئته، لكنّ أهل الإيمان يفعلون بأمره، ما يحبه ويرضاه، ويعبدونه وحده، ويطيعون رسله، والشياطين يفعلون بأهوائهم، وهم عاصون لأمره، متبعون لما يسخطه، وإن كانوا يفعلون بمشيئته وقدرته.
وهذا كلفظ [البعث] ٨: يتناول البعث الخاص؛ البعث الشرعي؛
_________________
(١) ١ سورة الحج، الآية ٧٥. ٢ سورة هود، الآية ٨١. ٣ في «خ»: ليفعل. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ في «خ»: فلا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ في «خ»: ليبلغ. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٦ سورة الأحزاب، الآية ٩. ٧ في «ط»: يعفلون. ٨ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» .
[ ٢ / ٧٢١ ]