فصل
ودليل الشيء مشروط بتصور المدلول عليه، فلا يعرف آيات الأنبياء إلا من عرف ما اختُصّ به الأنبياء، وامتازوا به عما [سواهم] ١.
اشتقاق كلمة النبي
والنبوة مشتقّة من الإنباء.
والنبيّ فعيلٌ، وفعيل قد يكون بمعنى فاعل؛ أي منبي، وبمعنى مفعول؛ أي منبأ٢.
وهما هنا متلازمان؛ فالنبي الذي [ينبىء] ٣ بما أنبأه الله به، والنبي الذي نبّأه الله، وهو [منبأ] ٤ بما أنبأه الله به.
عصمة الأنبياء
وما أنبأه الله به لا يكون كذبًا، وما أنبأ به النبي عن الله [لا يكون] ٥ يطابق كذبًا؛ لا خطأً، ولا عمدًا، فلا بُدّ أن يكون صادقًا فيما يخبر به عن الله؛ يُطابق خَبَرَهُ مَخْبَرَهُ، لا تكون فيه مخالفة؛ لا عمدًا، ولا خطأً.
_________________
(١) ١ في «خ»: سماهم. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ سبق أن ذكر شيخ الإسلام ﵀ مسألة اشتقاق كلمة (النبيّ)، ورجّح فيها - ﵀ - أنّها فعيل بمعنى مفعول. انظر: ص ٨٢٥-٨٢٧ من هذا الكتاب. وانظر: مجموع الفتاوى ١٠١٩٠. ٣ في «خ»: ينبأ. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ في «خ»: نبيًا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ في «خ» شُطب على (لا يكون) للدلالة على حذفها، كما عرف من منهج الناسخ ولا يستقيم ذلك.
[ ٢ / ٨٧٣ ]
وهذا معنى قول من قال: هم معصومون فيما يبلغونه عن الله١.
_________________
(١) ١ من خصائص الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين: أنّهم معصومون فيما يُخبرون به عن الله تعالى. وأما العصمة في غير ما يتعلّق بتبليغ الرسالة، فللناس نزاع في ذلك. والذي عليه جمهور أهل العلم: عصمة الأنبياء عن الكبائر دون الصغائر، وأنّهم معصومون من الإقرار على الذنوب مطلقًا، وأنّهم إن وقع منهم زلاّت من جنس ذلك، فإنهم يتداركونها بالتوبة والإنابة، ثم يرتقون إلى منزلة أعلى من المنزلة التي كانوا عليها قبل الذنب. يقول شيخ الإسلام ﵀ موضحًا مسألة عصمة الأنبياء: "فإنّ القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر: هو قول أكثر علماء الإسلام، وجميع الطوائف، حتى إنه قول أكثر أهل الكلام؛ كما ذكر أبو الحسن الآمدي أنّ هذا قول أكثر الأشعرية، وهو أيضًا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يُوافق هذا القول". مجموع الفتاوى ٤٣١٩. وقال أيضًا عن أهل السنة: هم متفقون على أنهم لا يقرون على خطأ في الدين أصلًا، ولا على فسوق، ولا كذب. ففي الجملة: كل ما يقدح في نبوتهم وتبليغهم عن الله، فهم متفقون على تنزيههم عنه. وعامة الجمهور الذين يُجوّزون عليهم الصغائر يقولون إنهم معصومون من الإقرار عليها، فلا يصدر عنهم ما يضرّهم. كما جاء في الأثر: كان داود بعد التوبة خيرًا منه قبل الخطيئة، والله ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [سورة البقرة، الآية ٢٢٢]، وإنّ العبد ليفعل السيئة، فيدخل بها الجنة) . منهاج السنة ١٤٧٢. وقال أيضًا ﵀: " أن يقال: إنّ الله ﷾ لم يذكر من نبي من لأنبياء ذنبًا، إلا ذكر توبته منه. ولهذا كان الناس في عصمة الأنبياء على قولين: إما أن يقولوا بالعصمة من فعلها، وإما أن يقولوا بالعصمة من الإقرار عليه، لا سيما فيما يتعلق بتبليغ الرسالة، فإنّ الأمة متفقة على أنّ ذلك معصوم أن يقرّ فيه على خطأ، فإنّ ذلك يناقض مقصود الرسالة ومدلول المعجزة ". إلى أن قال ﵀: "واعلم أنّ المنحرفين في مسألة العصمة على طرفي نقيض، كلاهما مخالف لكتاب الله من بعض الوجوه؛ قومٌ أفرطوا في دعوى امتناع الذنوب حتى حرّفوا نصوص القرآن المخبرة بما وقع منهم من التوبة من الذنوب، ومغفرة الله لهم، ورفع درجاتهم بذلك. وقومٌ أفرطوا في أن ذكروا عنهم ما دلّ القرآن على براءتهم منه، وأضافوا إليهم ذنوبًا وعيوبًا نزههم الله عنها، وهؤلاء مخالفون للقرآن، وهؤلاء مخالفون للقرآن. ومن اتبع القرآن على ما هو عليه من غير تحريف كان من الأمة الوسط، مهتديًا إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين..". مجموع الفتاوى ١٥١٤٧-١٥٠. وانظر المصدر نفسه ٤٣١٩-٣٢١،، ١٠٢٨٩ - ٢٩٥. ومنهاج السنة النبوية ١٤٧٠-٤٧٤. والجواب الصحيح ٦٢٩٨-٢٩٩. وأضواء البيان ٤٥٢٢، ٥٣٨.
[ ٢ / ٨٧٤ ]
لكن لفظ الصادق، وأنّ النبيّ صادق مصدوق: نطق به القرآن١، وهو مدلول الآيات والبراهين.
ولفظ العصمة في القرآن، جاء في قوله: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ٢؛ أي من أذاهم٣.
فمعنى هذا اللفظ في القرآن: هو الذي يحفظه الله عن الكذب خطأً وعمدًا.
_________________
(١) ١ ومن الآيات التي ورد بها صفة الصدق للأنبياء: قوله تعالى: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [سورة يس، الآية ٥٢]، وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [سورة مريم، الآية ٤١]، وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [سورة مريم، الآية ٥٤]، وقوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ..﴾ [سورة يوسف، الآية ٤٦، وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [سورة مريم، الآية ٥٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ [سورة البقرة، الآية ١٠١] . وقد تكلم الشيخ ﵀ عن عاقبة النبي ومتبعيه، وحال مكذبيه، وأن النصر والسعادة وحسن العاقبة للرسول ولمن آمن به، والبلاء والعذاب، وسوء العاقبة لمن كذبهم وخالفهم. انظر: شرح الأصفهانية ٢٤٩٦-٥٠٠. والجواب الصحيح ٦٣٨٧-٣٩٣. ٢ سورة المائدة، الآية ٦٧. ٣ انظر: تفسير الطبري ٤٣٠٩. وتفسير البغوي ٢٥٢.
[ ٢ / ٨٧٥ ]
التعبير عن حقائق الإيمان بعبارات القرآن أولى من غيرها
والتعبير عن حقائق الإيمان بعبارات القرآن، أولى من التعبير عنها بغيرها؛ فإن ألفاظ القرآن يجب الإيمان بها، وهي تنزيل من حكيم حميد.
والأمة متفقة عليها، ويجب الإقرار بمضمونها قبل أن تفهم، وفيها من الحكم والمعاني ما لا تنقضي عجائبه.
والألفاظ المحدثة فيها إجمال واشتباه ونزاع.
ثمّ قد يُجعل اللفظ حجة بمجرده، وليس هو قول الرسول الصادق المصدوق، وقد يُضطرب في معناه. وهذا أمرٌ يعرفه من جرّبه من كلام الناس.
فالاعتصام بحبل الله يكون بالاعتصام بالقرآن والإسلام١،
_________________
(١) ١ شيخ الإسلام ﵀ هنا يقعّد قاعدة مهمة في اتخاذ القرآن الكريم إمامًا، وقائدًا؛ فهو كلام الله تعالى، المتعبّد بتلاوته، وكل حرف يقرأ فيه بعشر حسنات، فهو كلام العليم الخبير، الذي يعلم ما في الصدور. وله - ﵀ - كلام طيب حول هذا المعنى في مناظرته حول العقيدة الواسطية ٤١٦٥. وله ﵀ أيضًا كلام نفيس في موضع آخر، يحضّ فيه على التمسك بالقرآن الكريم، والاعتصام به، ويُبيّن أن السلف ﵏ لما اعتصموا به لم يضلّوا.. يقول ﵀: "وكان من أعظم ما أنعم الله به عليهم: اعتصامهم بالكتاب والسنة، فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان: أنه لا يُقبل من أحد قط أن يعارض القرآن لا برأيه، ولا ذوقه، ولا معقوله، ولا قياسه، ولا وجده؛ فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات، والآيات البينات أن الرسول جاء بالهدي ودين الحق، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم، فيه نبأ من قبلهم، وخبر ما بعدهم، وحكم ما بينهم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، فلا يستطيع أن يزيغه إلى هواه، ولا يُحرّف به لسانه، ولا يخلق عن كثرة الترداد، فإذا ردّد مرة بعد مرة، لم يخلق، ولم يمل كغيره من الكلام، ولا تنقضي عجائبه، ولا تشبع منه العلماء، من قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم. فكان القرآن هو الإمام الذي يُقتدى به، ولهذا لا يُوجد في كلام أحد من السلف أنه عارض القرآن بعقل ورأي وقياس، ولا بذوق ووجد ومكاشفة، ولا قال قط قد تعارض في هذا العقل والنقل ". مجموع الفتاوى١٣٢٨-٢٩.
[ ٢ / ٨٧٦ ]
كما قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًَا﴾ ١.
ومتى ذكرت ألفاظ القرآن والحديث، وبُيِّن معناها بيانًا شافيًا، [فإنّها] ٢ لا [تنتظم] ٣ جميع ما يقوله الناس من المعاني الصحيحة، وفيها زيادات عظيمة لا توجد في كلام الناس، وهي محفوظة مما دخل في كلام الناس من الباطل؛ كما قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ٦، وقال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ الحَكِيم﴾ ٧. وفيه من دلائل الربوبية، والنبوة، والمعاد ما لا يوجد في كلام أحدٍ من العباد؛ ففيه أصول الدين المفيدة لليقين٨؛
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية ١٠٣. ٢ في «خ»: إنها. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «م»، و«ط»: تنظم. ٤ سورة الحجر، الآية ٩. ٥ سورة فصلت، الآيتان ٤١-٤٢. ٦ سورة هود، الآية ١. ٧ سورة لقمان، الآية ٢. ٨ كثيرًا ما يذكر شيخ الإسلام ﵀ هذه الأصول في مواضع عديدة من كتبه، من ذلك قوله موضّحًا هذه الأصول: "الأصل الأول: يتضمن إثبات الصفات، والتوحيد، والقدر، وذكر أيام الله في أوليائه وأعدائه، وهي القصص التي قصها على عباده، والأمثال التي ضربها لهم. والأصل الثاني يتضمن تفصيل الشرائع، والأمر والنهي، والإباحة، وبيان ما يجبه الله وما يكرهه. والأصل الثالث: يتضمن الإيمان باليوم الآخر، والجنة والنار، والثواب والعقاب. وعلى هذه الأصول الثلاثة مدار الخلق، والأمر، والسعادة، والفلاح، موقوفة عليها، ولا سبيل إلى معرفتها إلا من جهة الرسل؛ فإن العقل لا يهتدي إلى تفاصيلها ومعرفة حقائقها، وإن كان يُدرك وجه الضرورة إليها من حيث الجملة..". مجموع الفتاوى ١٩٩٦. وقال في موضع آخر: "أصول الدين إما أن تكون مسائل يجب اعتقادها، ويجب أن تذكر قولًا، أو تعمل عملًا؛ كمسائل التوحيد، والصفات، والقدر، والنبوة، والمعاد، أو دلائل هذه المسائل..". درء تعارض العقل والنقل ١٢١. وانظر: مجموع الفتاوى ٣٢٩٤-٢٩٦،، ١٩٩٦-٩٧. وشرح الأصفهانية ٢٦٢٩.
[ ٢ / ٨٧٧ ]
وهو أصول دين الله ورسوله، لا أصول دين محدث، ورأي مبتدع.
وقد يكون معصومًا على لغة القرآن: بمعنى أن الله عصمه من الشياطين؛ شياطين الإنس والجن، وأن يُغيّروا ما بُعث به، أو يمنعوه عن تبليغه؛
فلا يكتم، ولا يكذب؛ كما قال تعالى: ﴿عَالِمِ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًَا إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًَا لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًَا﴾ ١؛ فهو يسلك الوحي من بين يدي الرسول ومن خلفه. وهذا في معنى عصمته من الناس؛ فهو المؤيّد، المعصوم بما يحفظه الله من الإنس والجن، حتى [يبلغ] ٢ رسالات ربّه كما أمر، فلا يكون فيها كذب ولا كتمان.
لفظ النبي يتضمن معنى الإعلام والإخبار
ولفظ الإنباء: يتضمَّن معنى الإعلام والإخبار٣، لكنّه في عامّة موارد استعماله أخصّ من مطلق الإخبار؛ فهو يستعمل في الإخبار بالأمور الغائبة المختصة، دون المشاهدة المشتركة:
_________________
(١) ١ سورة الجنّ، الآيات ٢٦-٢٨. ٢ في «خ»: تبلغ. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ سيأتي توضيح ذلك.
[ ٢ / ٨٧٨ ]
كما قال: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ [بِمَا] ١ تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ﴾ ٢.
وقال: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾ ٣.
وقال: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ ٤.
وقال: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَأِ العَظِيمِ الَّذِي هُمْ فيه مُخْتَلِفُونَ﴾ ٥.
وقال: ﴿وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ في الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلاَّ [قَلِيلًا] ٦﴾ ٧.
وقال: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ ٨.
وقال: ﴿لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرّ﴾ ٩.
وقال: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١٠، إلى قوله: ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ١١.
وقوله: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا [لَنْ نُؤْمِنَ
_________________
(١) ١ في «خ»: مما. ٢ سورة آل عمران، الآية ٤٩. ٣ سورة التحريم، الآية ٣. ٤ سورة ص، الآيتان ٦٧-٦٨. ٥ سورة النبأ، الآيات ١-٣. ٦ في «خ»: قيليلا. ٧ سورة الأحزاب، الآية ٢٠. ٨ سورة ص، الآية ٨٨. ٩ سورة الأنعام، الآية ٦٧. ١٠ سورة البقرة، الآية ٣١. ١١ سورة البقرة، الآية ٣٣.
[ ٢ / ٨٧٩ ]
لَكُمْ] ١ قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٢؛ فهذا في خطاب المنافقين، ولم يقل: والمؤمنون؛ لأنهم لم يكونوا يُطلِعون المؤمنين على ما في بطونهم. [وهذا] ٣ بخلاف قوله: ﴿يَؤْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ ٤؛ فإنها أمور مشهودة، يعرفها الناس، لكن العجب كون الأرض [تُخبر] ٥ بذلك، فالعجب في المخبر، لا في الخبر؛ كشهادة الأعضاء٦.
وقال: ﴿قُلْ آلذَّكَرَينِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَم مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٧٨.
وجمع النبي: أنبياء؛ مثل وليّ وأولياء، ووصيّ وأوصياء، وقويّ
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ساقط من «م»، و«ط» . ٢ سورة التوبة، الآية ٩٤. ٣ في «خ»: (قال وهذا) . وكتب الناسخ على (قال) علامة، ولعلها للدلالة على الحذف. ٤ سورة الزلزلة، الآيتان ٤-٥. ٥ في «خ»: يخبر. وما أثبت من «م»، و"ط. ٦ قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [سورة فصلت، الآيتان ٢٠-٢١] . ٧ سورة الأنعام، الآية ١٤٣. ٨ وقع في «خ» تكرار لبعض ما سبق؛ فقد كُتب بعد قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: وقال: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾، وقال: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إلى قوله: ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ . ثم قال بعد هذا الكلام: (وجمع النبي أنبياء..) .
[ ٢ / ٨٨٠ ]
وأقوياء. ويُشبهه حبيب وأحبّاء١؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَالَت اليَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ ٢.
ف (فعيل): إذا كان معتلًا، أو مضاعفًا، جمع على أفعلاء، بخلاف حكيم وحكماء، وعليم وعلماء.
معنى النبي في اللغة
وهو من النَّبَأ. وأصله الهمزة٣، وقد قُرىء به، وهي قراءة نافع، يقرأ النبيء٤، لكن لما كثر استعماله ليّنت همزته، كما فعل مثل ذلك في: الذريّة، وفي البرية٥.
وقد قيل: هو من النَّبْوَةِ؛ وهو العلوّ؛ فمعنى النبي: المُعَلّى، الرفيع المنزلة٦.
_________________
(١) ١ انظر: القاموس المحيط للفيروزأبادي ص ٦٧. ٢ سورة المائدة، الآية ١٨. ٣ انظر: لسان العرب ١١٦٢. ومفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص ٧٩٠. ٤ وهذا مما انفرد به نافع، وباقي القراء بخلافه. انظر: سراج القارئ المبتدي للقاصح العذري ص ١٥١. وانظر أيضًا لسان العرب ١١٦٣. ٥ قال ابن بري: "ويجوز فيه تحقيق الهمز وتخفيفه، يُقال: نَبَأَ، ونَبَّأَ، وأنبَأَ. قال سيبويه: ليس أحد من العرب إلا ويقول: تنبَّأ مسيلمة بالهمز، غير أنهم تركوا الهمز في النبي، كما تركوه في الذرية والبرية والخابية، إلا أهل مكة، فإنهم يهمزون هذه الأحرف ولا يهمزون غيرها، ويُخالفون العرب في ذلك، قال: والهمز في النبيء لغة رديئة، يعني لقلة استعمالها، لا لأن القياس يمنع من ذلك. وقال الزجاج: القراءة المجمع عليها في النبيين والأنبياء: طرح الهمز. وقد همز جماعة من أهل المدينة جميع ما في القرآن من هذا، واشتقاقه من نَبَأَ وأَنبَأَ؛ أي أخبر، والأجود ترك الهمز". لسان العرب ١١٦٢-١٦٣. وانظر: مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص ٧٩٠. ٦ انظر: لسان العرب ١١٦٣. ومفردات القرآن للراغب ص ٧٩٠. والقاموس المحيط ص ٦٧.
[ ٢ / ٨٨١ ]
والتحقيق: أنّ هذا المعنى داخلٌ في الأول، فمن أنبأه الله، وجعله مُنْبِئًَا عنه، فلا يكون إلا رفيع القدر عليًّا.
وأما لفظ العلو والرفعة: فلا يدل على خصوص النبوة؛ إذ كان هذا يوصف به من ليس بنبي، بل يوصف بأنه الأعلى؛ كما قال: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ ١.
هل لفظ النبي مهموز أم لا؟
وقراءة الهمز٢ قاطعةٌ بأنّه مهموز.
وما رُوي عن النبي ﷺ أنّه قال: "أنا نبي الله ولست بنبيء الله": فما رأيت له إسنادًا؛ لا مسندًا، ولا مرسلًا٣، ولا رأيته في شيء من كتب الحديث، ولا [السير] ٤ المعروفة، ومثل هذا لا يعتمد عليه.
واللفظان٥ مشتركان في الاشتقاق الأكبر؛ فكلاهما فيه النون والباء، وفي هذا الهمزة، وفي هذا [الحرف] ٦ المعتل.
لكنّ الهمزة أشرف، فإنّها أقوى، قال سيبويه: هي نبوّة من الحلق، تشبه التهوّع، فالمعنى الذي يدلّ عليه، ويُمكن أن تلين، [فتصير] ٧ حرفًا معتلًا، فيُعبّر عنه باللفظين، بخلاف المعتل؛ فإنّه لا يُجعل همزة.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية ١٣٩. ٢ وهي قراءة نافع التي سبقت الإشارة إليها قريبًا. ٣ ذكره ابن منظور نقلًا عن سيبويه. انظر: لسان العرب ١١٦٢. ومفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني ص ٧٩٠. والنهاية في غريب الحديث ٥٣. وشرح الأصول الخمسة لعبد الجبار المعتزلي ص ٥٦٧. ٤ في «خ»: اليسير. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ النبيّ، والنبيء. ٦ في «خ»: الخرق. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٧ في «خ»: فيصير. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ٢ / ٨٨٢ ]
فلو كان أصله نبيّ؛ مثل: عليّ [و] ١ ولي، لم يجز أن يقال بالهمز؛ كما لا يُقال: عليء، ووصيء، ووليء - بالهمز -.
وإذا كان أصله الهمز، جاز تليين الهمزة، وإن لم يكثر استعماله؛ كما في لفظ: خبيء وخبيئة.
وأيضًا: فإنّ تصريفه: أنبأ ونبَّأ، يُنبىء وينبِّىء بالهمزة، ولم يُستعمل فيه نَبَا يَنْبُو، وإنّما يُقال: النبوة، [و] ٢ في فلان نبوة عنَّا: أي مجانبة.
فيجب القطع بأنّ النبيّ مأخوذٌ من الإنباء، لا من النَّبْوَة٣. والله أعلم.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ساقط من «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٢ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٣ شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يُوضّح هنا الأصل اللغوي لمعنى النبوة. والنبي في اللغة: مشتق من واحد من ثلاثة أمور: أولًا- مشتق من النبأ، وهو الخبر، والجمع أنباء، قال تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ﴾، وقال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ . ثانيًا- من النَّبْوة، أو النباوة، وهي الارتفاع عن الأرض؛ أي أنّه أشرف على سائر الخلق، فاصله غير مهموز. ثالثًا- مأخوذ من النبيء، وهو الطريق الواضح. انظر: لسان العرب ١١٦٢-١٦٤. والقاموس المحيط ص ٦٧. ومفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني ص ٧٨٨-٧٩٠. وشيخ الإسلام ﵀ أشار هنا إلى المعنى الأول، والثاني، ورجّح أن النبيّ مشتق من النبأ؛ الذي هو الخبر، وليس من النبوة الذي هو الارتفاع. وعلل ذلك بأنّ من أنبأه الله، وجعله منبأ عنه، فلا يكون إلا رفيع القدر عليًّا، بخلاف لفظ العلوّ والرفعة، فلا يدلّ على خصوص النبوة، إذ كان هذا يُوصف به من ليس بنبي.
[ ٢ / ٨٨٣ ]