والاستدلال بالحكمة١: أن يعرف أولًا حكمته٢، ثمّ يعرف أنّ من
_________________
(١) ١ مسألة الحكمة: من أعظم المسائل التي خاض فيها المبتدعة في تعليل أفعال الله وأحكامه وصفاته. وقد ذكر الشيخ ﵀ أبياته المعروفة لمن سأله عن القدر، يُشير فيها إلى أنّها أصل حجة أهل الضلال في الخوض في هذه المسائل. يقول: وأصلُ ضلالِ الخلقِ في كلِّ فرقة هُو الخوضُ في فعل الإله بعلّةِ فإنّهمو لم يفهموا حكمة له فصاروا على نوع من الجاهلية فإنّ جميع الكون أوجب فعله مشيئة رب الخلق باري الخليقة مجموع الفتاوى ٨٢٤٦. ٢ الحكمة من صفات الله الذاتية؛ مثلها مثل الإرادة والمشيئة والكلام، فيُقال في الإرادة: إنّ الله ﷾ لم يزل مريدًا بإرادات متعاقبة، فنوع الإرادة قديم، وأما إرادة الشيء المعين فإنما يُريده في وقته. وهو سبحانه يقدّر الأشياء ويكتبها، ثم بعد ذلك يخلقها، فهو إذا قدّرها علم ما سيفعله، وأراد فعله في الوقت المستقبل، لكن لم يرد فعله في تلك الحال، فإذا جاء وقته أراد فعله. فالأول عزم، والثاني قصد. وكذلك الحكمة: صفة ذاتية، لم يزل الله حكيمًا، فإن كان الفعل المفضي للحكمة حادث النوع، كانت الحكمة كذلك، وإن قدّر أنه قام به كلام، أو فعل متعلق بمشيئته، وأنه لم يزل كذلك، كانت الحكمة كذلك، فيكون النوع قديمًا، وإن كانت آحاده حادثة. وقد أجمع المسلمون على أن الله موصوف بالحكمة، لكن تنازعوا في تفسير ذلك: فقال الأشاعرة والجهمية: الحكمة ترجع إلى علمه بأفعال العباد وإيقاعها على الوجه الذي أراده. ولم يثبتوا إلا العلم والإرادة والقدرة. وهم قد أطلقوا ألفاظها، ولكنهم لا يعنون بها معناها، بل يُطلقونها لأجل مجيئها في القرآن. وهم يثبتون أنه مريد، وينكرون أن تكون له حكمة يريدها، وأنه لم يخلق شيئًا لشيء، وأنكروا الأسباب والطبائع والقوى الموجودة في خلق الله وأمره والحكم المقصودة بذلك. وقال أهل السنة: بل هو حكيم في خلقه وأمره. والحكمة ليست مطلق المشيئة، إذ لو كان كذلك، لكان كلّ مريد حكيمًا. ومعلوم أن الإرادة تنقسم إلى محمودة ومذمومة، بل الحكمة تتضمن ما في خلقه وأمره من العواقب المحمودة، والغايات المحبوبة. والله سبحانه حكيم رحيم، وقد أخبر أنه لم يخلق المخلوقات إلا بحكمة، كما قال في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ . والله سبحانه له في كلّ ما يخلقه حكمة يحبها ويرضاها، وهو سبحانه أحسن كلّ شيء خلقه، وأتقن كل ما صنع، فما وقع من الشر الموجود في المخلوقات، فقد وجد لأجل تلك الحكمة المطلوبة المحبوبة المرضية، فهو من الله حسن جميل، وهو سبحانه محمود عليه، وله الحمد عل كل حال، وإن كان شرًا بالنسبة إلى بعض الأشخاص. فهو تعالى لم يزل عليمًا، فعالًا لما يريد، وأفعاله تعالى وإبداعه لمبتدعاته تابعة لحكمته، التي هي وضع الأشياء مواضعها، وتنزيل الأمور منازلها، فلم يخلق شيئًا عبثًا. فالحكمة فعله بعض الأشياء دون بعض، لاشتمال المفعول على ما يصلح أن يكون مرادًا للحكيم. فالله ﷾ يفعل لحكمة يحبها ويحصل بها محبوبه، فإنه لا يزال مراده الذي يحبه يحصل بفعله، وهو غني عن كل ما سواه، ورحمته لعبده، وإحسانه إليهم هو مما يُحبّه، وهو سبحانه إذا أمر العباد ونهاهم: أمرهم بما يحبه ويرضاه لهم، وهو يحبهم ويرضى عنهم إذا فعلوه؛ قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [سورة الزمر ٧] . لكن فرق بين ما يريد هو أن يخلقه لما يحصل من الحكمة التي يحبها، فهذا يفعله سبحانه، ولا بُدّ من وجوده، فإنّه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وبين ما يُريد من العباد أن يفعلوه، ويحبه إذا فعلوه، ويأمرهم به من غير مشيئة منه أن يخلقه؛ فإنّ المشيئة متعلقة بفعله، والأمر متعلق بفعل عبده المأمور، فالإرادة منه تارة تكون بمعنى المشيئة، وتارة تكون بمعنى المحبة. فهو سبحانه محمود على كل حال، له الملك وله الحمد في الدنيا والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون. انظر المصادر الآتية: مجموع الفتاوى ١٦١٣٠، ٢٩٧، ٣٠٣،، ١٧٩٥، ٩٩. ومجموعة الرسائل والمسائل ٥٢٤٢. ومنهاج السنة النبوية ١٤٤،، ٣١٦٨-١٧٧، ٢٠٧-٢٠٩، ٤٥. وبيان تلبيس الجهمية ١٢١٥. وكتاب الصفدية ١١٤٧. وشرح الأصفهانية ١٣٦٥-٣٦٨. ودرء تعارض العقل والنقل ٧٤٧٦-٤٧٧.
[ ٢ / ٩٠٤ ]
حكمته أنّه لا يُسوّي بين الصادق بما يظهر به صدقه، وبأن ينصره، ويعزّه، [ويجعل] ١ [له] ٢ العاقبة، ويجعل له لسان صدقٍ في العالمين. والكاذب عليه: يُبيّن كذبه، ويخذله، ويذله، ويجعل عاقبته عاقبة سوء، ويجعل له لسان الذمّ واللعنة في العالمين، كما قد وقع.
فهذا هو الواقع، لكن المقصود أن نبيّن أنّ ما وقع منه، فهو واجب الوقوع في حكمته، لا يجوز أن يقع منه ضدّ ذلك. فهذا استدلال ببيان أنه يجب أن يقع منه ما يقع، ويمتنع أن يقع منه ضده، وذلك ببيان أنّه حكيم، وأنّ حكمته توجب أن يُبيّن صدق الأنبياء وينصرهم، ويُبيّن كذب الكاذبين ويذلهم.
وكذلك يفعل باتباع النبيين، وبأعدائهم؛ كما أخبر بذلك في كتابه٣، وبيّن أنّ هذا حقّ عليه، يجب أن يفعله، ويمتنع أن يفعل ضدّه؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُمْ بِالبَيِّنَات فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًَّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ ٤، وكما قال: ﴿كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين مكرّر في «خ» . ٢ ما بين المعقوفتين ساقط من «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٣ قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [سورة غافر، الآية ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [سورة الصافات، الآيات ١٧١-١٧٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [سورة النحل، الآية ١١٦] . ٤ سورة الروم، الآية ٤٧.
[ ٢ / ٩٠٦ ]
وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ [قَوِيّ] ١ عَزِيزٌ﴾ ٢. وقوله: ﴿لأغلبنّ﴾: قَسَمٌ أقسم الله عليه، فهو جواب قسم، تقديره: والله لأغلبنّ أنا ورسلي.
وهذا يتضمن إخباره بوقوع ذلك، وأنّه كتب على نفسه ذلك، وأمر به نفسه، وأوجبه على نفسه؛ فإنّ صيغة القسم يتضمّن التزام ما [حلف] ٣ عليه؛ إمّا [حضًّا] ٤ عليه، وأمرًا به؛ وإمّا منعًا منه، ونهيًا عنه.
الوفاء باليمين وكفارته
ولهذا كان في شرع من قبلنا يجب الوفاء بذلك، ولا كفارة فيه٥. وكذلك كان في أول الإسلام.
ولهذا كان أبو بكر لا يحنث في يمين، حتى أنزل الله كفارة اليمين، كما ذكرت ذلك عائشة٦.
ولهذا أُمِر أيوب أن يأخذ بيده ضغثًا، فيضرب به، ولا يحنث٧؛ فإنّ ذلك صار واجبًا باليمين كوجوب المنذور الواجب بالنذر، يُحتذى به حذو الواجب بالشرع.
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: لقويّ. ٢ سورة المجادلة، الآية ٢١. ٣ في «خ»: خلق. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ في «خ»: خصًا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ قال ابن العربي: "قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ يدلّ على أحد وجهين؛ إما أن يكون أنه لم يكن في شرعهم كفارة، وإنما كان البر والحنث. والثاني: أن يكون صدر منه نذر لا يمين". الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٥١٤٠. ٦ إذ قالت ﵂: إنّ أبا بكر ﵁ لم يكن يحنث في يمين قطّ، حتى أنزل الله كفارة اليمين، فقال: "لا أحلف على يمين فرأيتُ غيرها خيرًا منها، إلا أتيت الذي هو خير، وكفّرت عن يميني". أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأيمان والنذور، باب قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ﴾ . ٧ قال تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [سورة ص، الآية ٤٤] .
[ ٢ / ٩٠٧ ]
والضرب بالضغث يجوز في [الحدود] ١ إذا كان المضروب لا يحتمل التفريق؛ كما جاء في الحديث٢.
ولو كان في شرعهم٣ كفارة، لأغنت عن الضرب مطلقًا.
لكن الإنسان قد يلتزم ما لا يعلم عاقبته، ثم يندم عليه، والرب تعالى عالمٌ بعواقب الأمور، فلا يحلف على أمرٍ ليفعلنّه، إلا وهو يعلم عاقبته.
واليمين موجبة٤، ولهذا قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ﴾ ٥. وكَتَبَ: مثل كَتَبَ، في قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ٦؛ فهي كتابة تتضمن خبرًا وإيجابًا.
_________________
(١) ١ في «ط»: الحدوث. ٢ وهو ما رواه أبو أمامة بن سهل بن حنيف أنّه أخبره بعض أصحاب رسول الله ﷺ من الأنصار أنه اشتكى رجل منهم حتى أضنى، فعاد جلدة على عظم. فدخلت عليه جارية لبعضهم، فهشّ لها، فوقع عليها، فلما دخل عليه رجال قومه يعودونه أخبرهم بذلك، وقال: استفتوا لي رسول الله ﷺ، فإني وقعت على جارية دخلت عليّ. فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ، وقالوا: ما رأينا بأحد من الناس من الضرّ مثل الذي هو به، لو حملناه إليك لتفسخت عظامه، ما هو إلا جلد على عظم. فأمر رسول الله ﷺ أن يأخذوا له مائة شمراخ، فيضربوه بها ضربة واحدة". أخرجه أبو داود في سننه ٤٦١٥-٦١٦، كتاب الحدود، باب إقامة الحدّ على المريض. وأحمد في المسند ٥٢٢٢. وابن ماجه في سننه ٢٨٥٩، كتاب الحدود، باب الكبير والمريض يجب عليه الحدّ. وقال محمد فؤاد عبد الباقي في تعليقه على ابن ماجه: "في الزوائد: مدار الإسناد على محمد بن إسحاق وهو مدلّس. وقد رواه بالعنعنة". وقال ابن حجر ﵀: "إسناد هذا الحديث حسن، ولكنه اختلف في وصله وإرساله". سبل السلام ٤٢٤. ٣ أي في شرع بني إسرائيل. ٤ أي واقعة ومتحققة. ٥ سورة المجادلة، الآية ٢١. ٦ سورة الأنعام، الآية ٥٤.
[ ٢ / ٩٠٨ ]
ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ في الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ ١.
وفي الحديث الصحيح الإلهي: "يا عبادي إني حرَّمتُ الظلم على نفسي وجعلتُهُ بينكم مُحَرَّمًَا فلا تَظَالَمُوا"٢.
وقد بسط هذا الأصل في مواضع؛ مثل الكلام في مسألة القادر المختار٣، ومسألة العدل والظلم٤، وغير ذلك٥.
فإنّ كثيرًا من المتكلمين يقول: إن القادر المختار لا يفعل إلا بوصف [الجواز٦] ٧، فيفعل الفعل في حال تردّده بين أن يفعل، وأن لا يفعل.
استطالة الفلاسفة على المتكلمين
ومنهم من يقول: يفعله مع رجحان أن يفعل رجحانًا لا ينتهي إلى حدّ الوجوب٨.
_________________
(١) ١ سورة هود، الآية ٦. ٢ سبق تخريج جزء منه في ص ٥٣٧. ٣ أما هذه المسألة: فقد تطرق لها الشيخ ﵀ في بيان تلبيس الجهمية ١٢٠٣-٢٠٦، وفي رسالة أقوم ما قيل، ضمن مجموعة الرسائل ٤-٥٣٢٩، وفي شرح الأصفهانية ٢٣٥١-٣٥٥، وفي درء التعارض ١٣٢٦،، ٩١٦٦. ٤ للشيخ ﵀ رسالة في معنى كون الربّ عادلًا وفي تنزهه عن الظلم، ضمن جامع الرسائل، المجموعة الأولى ص ١١٩-١٤٢. وانظر ص ٥٦٦ من هذا الكتاب. ٥ سبق أن ذكرنا كثيرًا من الإحالات على كتب شيخ الإسلام في هذه المسألة، انظر ص ٥٠٤ من هذا الكتاب. ٦ انظر: درء تعارض العقل والنقل ١٣٢٦،، ٤٢٩٠ إلى آخر الجزء،، ٩١٦٦، ١٩٢-١٩٣. وشرح الأصفهانية ١٣٥١. ٧ في «م»، و«ط»: الجوار. ٨ انظر: درء تعارض العقل والنقل ٣٦٣،، ٩١٧٠-١٧١، ١٩٣. وشرح الأصفهانية ١٣٥٢.
[ ٢ / ٩٠٩ ]
وهو قول محمد بن [الهيصم] ١ الكرامي٢، ومحمود الخوارزمي المعتزلي٣.
وبهذا استطال عليهم الفلاسفة٤، فقالوا: الربّ موجب؛ لأنّ الممكن لا يقع حتى يحصل المؤثر التامّ الموجب له٥.
_________________
(١) ١ في «خ»، و«م»، و«ط»: الهيضم. وهو خلاف الصواب. ٢ سبقت ترجمته. ٣ هو أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد الزمخشري الخوارزمي النحوي، صاحب الكشاف في التفسير، والمفصل في النحو. من أئمة المعتزلة، ومن الدعاة إلى مذهبهم. ومن علماء اللغة والتفسير. وكان مجاهرًا شديد الإنكار على المتصوفة، أكثر من التشنيع عليهم في الكشاف وغيره. ولد سنة ٤٦٧؟، وتوفي سنة ٥٣٨؟ في الجرجانية من قرى خوارزم. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ٢٠١٥١-١٥٦. وشذرات الذهب لابن العماد ٤١١٨-١٢١. والأعلام للزركلي ٧١٧٨. ٤ انظر درء تعارض العقل والنقل ٩١٥٠. ٥ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وهؤلاء المتفلسفة أنكروا على الأشعرية نفي الحكمة الغائية، وهم يلزمهم من التناقض ما هو أعظم من ذلك؛ فإنهم إذا أثبتوا الحكمة الغائية كما هو قول جمهور المسلمين، فإنهم يلزمهم أن يثبتوا المشيئة بطريق الأولى والأحرى، فإنّ من فعل المفعول لغاية يُريدها، كان مريدًا للمفعول بطريق الأولى والأحرى. فإذا كانوا مع هذا ينكرون الفاعل المختار، ويقولون: إنه علة موجبة للمعلول بلا إرادة، كان هذا في غاية التناقض فالعالم بما فيه من تخصيصه ببعض الوجوه دون بعض، دالّ على مشيئة فاعله، وعلى حكمته أيضًا، ورحمته المتضمنة لنفعه وإحسانه إلى خلقه..". درء تعارض العقل والنقل ٩١١١. وانظر: المصدر نفسه ٣٦٢، ٤١٦-٤١٨. وبيان تلبيس الجهمية ١١٧١، ٢١٤-٢١٥. وقال شيخ الإسلام ﵀ أيضًا: "وينبغي أن يعلم أنّ الذي سلّط هؤلاء الدهرية على الجهمية شيئان؛ أحدهما: ابتداعهم لدلائل ومسائل في أصول الدين تُخالف الكتاب والسنة، ويُخالفون بها المعقولات الصحيحة التي ينسرّ بها خصومهم أو غيرهم. والثاني: مشاركتهم لهم في العقليات الفاسدة من المذاهب والأقيسة، ومشاركتهم لهم في تحريف الكلم عن مواضعه؛ فإنهم لما شاركوهم فيه بعد تأويل نصوص الصفات بالتأويلات المخالفة لما اتفق عليه السلف وأئمتهم، كان هذا حجة لهم في تأويل نصوص المعاد وغيرها". بيان تلبيس الجهمية ١٢٢٣.
[ ٢ / ٩١٠ ]
والتحقيق: أنّ الرب يخلق بمشيئته وقدرته، وهو موجب لكلّ ما يخلقه بمشيئته وقدرته، ليس موجبًا بمجرّد الذات، ولا موجبًا بمعنى أنّ موجبه يقارنه؛ فإنّ هذا ممتنع. فهذان معنيان باطلان. وهو قادرٌ يفعل بمشيئته؛ فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن؛ فما شاءه وجب كونه، وما لم يشأ امتنع كونه١.
ولهذا قال كثيرٌ من النظار: إنّ الإرادة موجبة للمراد٢. وعلى هذا، فقولنا: يجوز أن يكون، ويجوز أن لا يكون: إنما هو جواز الشيء، بمعنى الشك في أيهما هو الواقع، وإلا ففي نفس الأمر أحدهما هو الواقع، ليس في نفس الأمر [ظنيًا] ٣ متردّدًا بين الوقوع وعدم الوقوع.
الإمكان الذهني
والإمكان الذهني: قد يُراد به عدم العلم بالامتناع، وقد يُراد به الشك في الواقع. وكلا النوعين عدم علم.
الإمكان الخارجي
والإمكان الخارجي: يُراد به أن وجوده في الخارج ممكن، لا ممتنع٤؛
_________________
(١) ١ انظر شرح الأصفهانية ١١٢٨، ٣٥١-٣٥٣. ٢ انظر: درء تعارض العقل والنقل ٩١٩٣. ٣ في «خ» كلمة غير واضحة، وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ وقال الشيخ ﵀ في الفرق بين الإمكان الذهني والإمكان الخارجي أيضًا: "والفرق بينهما أنّ الإمكان الذهني معناه عدم العلم بالامتناع، فليس في ذهنه ما يمنع ذلك. والإمكان الخارجي معناه: العلم بالإمكان في الخارج. والإنسان يُقدّر في نفسه أشياء كثيرة يجوزها، ولا يعلم أنها ممتنعة، ومع هذا فهي ممتنعة في الخارج لأمور أُخر". درء تعارض العقل والنقل ٣٣٥٨-٣٥٩. وانظر: التدمرية ص ٢٦٣. وانظر كلامًا مفصّلًا للمؤلف أيضًا عن الفرق بينهما في الجواب الصحيح ٦٤٠٤-٤٠٥. وقد سبق أيضًا التفريق بينهما من كلام المؤلف في هذا الكتاب، في ص ٢٢٧.
[ ٢ / ٩١١ ]
كولادة النساء، ونبات الأرض.
وأما الجزم بالوقوع وعدمه، فيحتاج إلى دليل.
وفي نفس الأمر ما ثَمّ إلا ما يقع، أو لا يقع.
والواقع لا بدّ من وقوعه، ووقوعه واجب لازم.
وما لا يقع فوقوعه ممتنع، لكن واجب بغيره، وممتنع لغيره:
وقوع ما قدره الله واجب من جهات
وهو واجب من جهات: من جهة علم الرب من وجهين، ومن جهة إرادته من وجهين، ومن جهة كلامه من وجهين، [ومن جهة كتابته من وجهين] ١، ومن جهة رحمته، ومن جهة عدله.
أمّا علمه: فما علم أنه سيكون، فلا بد أن يكون، وما علم أنه لا يكون، فلا يكون. وهذا مما يعترف به جميع الطوائف، إلا من ينكر العلم السابق؛ كغلاة القدرية٢ الذين تبرأ منهم الصحابة.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٢ قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - عنهم: "وغلاة القدرية يُنكرون علمه المتقدم وكتابته السابقة، ويزعمون أنه أمر ونهي، وهو لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه، بل الأمر أنف: أي مستأنف. وهذا القول أول ما حدث في الإسلام بعد انقراض عصر الخلفاء الراشدين، وبعد إمارة معاوية بن أبي سفيان في زمن الفتنة التي كانت بين ابن الزبير وبين بني أمية في أواخر عصر عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وغيرهما من الصحابة. وكان أول من ظهر عنه ذلك بالبصرة معبد الجهني، فلما بلغ الصحابة قول هؤلاء تبرءوا منهم، وأنكروا مقالتهم، كما قال عبد الله بن عمر لما أُخبر عنهم: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برءاء مني. وكذلك كلام ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وواثلة بن الأسقع، وغيرهم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وسائر أئمة المسلمين فيهم كثير، حتى قال فيهم الأئمة؛ كمالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وغيرهم: إن المنكرين لعمل الله المتقدم يكفرون. ثم كثر خوض الناس في القدر، فصار جمهورهم يقر بالعلم المتقدم، والكتاب السابق، لكن ينكرون عموم مشيئة الله، وعموم خلقه وقدرته، ويظنون أنه لا معنى لمشيئته إلا أمره؛ فما شاءه فقد أمر به، وما لم يشأه لم يأمر به. فلزمهم أن يقولوا: إنه قد يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء. وأنكروا أن يكون الله تعالى خالقًا لأفعال العباد، أو قادرًا عليها، أو أن يختصّ بعض عباده من النعم بما يقتضي إيمانهم به وطاعتهم له..". مجموع الفتاوى ٨٤٥٠-٤٥١. وانظر المصدر نفسه ٧٣٨٤-٣٨٥، ٨٢٢٨. وانظر ما سبق في هذا الكتاب، ص ٦٦٥.
[ ٢ / ٩١٢ ]
ومن جهة أنه يعلم ما في ذلك الفعل من الحكمة: فيدعوه علمه إلى فعله، أو ما فيه من الفساد، فيدعوه إلى تركه. وهذا يعرفه من يقرّ بأنّ العلم داع، ومن يقرّ بالحكمة.
ومن جهة إرادته: فإنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
ومن جهة حكمته، وهي الغاية المرادة لنفسها، التي يفعل لأجلها. فإذا كان مريدا للغاية المطلوبة، لزم أن يُريد ما يُوجب حصولها.
ومن جهة كلامه: من وجهين؛ من جهة أنه أخبر به، وخبره مطابق لعلمه؛ ومن جهة أنه أوجبه على نفسه، وأقسم ليفعلنّه. وهذا من جهة إيجابه على نفسه، والتزامه أن يفعله.
ومن جهة كتابته إياه في اللوح: وهو يكتب ما علم أن سيكون. وقد يكتب إيجابه والتزامه؛ كما قال: ﴿كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ ١، وقال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة المجادلة، الآية ٢١. ٢ سورة الأنعام، الآية ٥٤.
[ ٢ / ٩١٣ ]
فهذه عشرة أوجه١ تقتضي الجزم بوقوع ما سيكون، وأنّ ذلك واجبٌ [حتمٌ] ٢ لا بُدّ منه، فما في نفس الأمر جوازٌ يستوي فيه الطرفان؛ الوجود، والعدم، وإنّما هذا في ذهن الانسان، لعدم علمه بما هو الواقع. ثمّ من علم بعض تلك الأسباب، علم الواقع؛ فتارة يعلم لأنّه أخبر بعلمه؛ وهو ما أخبرت به الأنبياء بوقوعه؛ كالقيامة [والجزاء] ٣؛ وتارة يعلم من جهة المشيئة؛ لأنّه جرت به سنته الشاملة التي لا تتبدّل؛ وتارة يعلم من جهة حكمته، كما قد بسط في غير هذا الموضع٤.
_________________
(١) ١ والخلاصة: أنّ الجزم بوقوع ما قدّره الله ﷾ واجب من جهات عشر: من جهة علم الله ﷾ من وجهين؛ الأول: ما علمه الله أنه سيكون، فلابُدّ أن يكون. والثاني: ما علم الله ﷾ أنه لا يكون، فلا يكون. وكذلك من جهة إرادته سبحانه من وجهين؛ الأول: أنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. والثاني: من جهة حكمته سبحانه، وهي الغاية المرادة لنفسها التي يفعل لأجلها. وكذلك من جهة كلامه، من وجهين؛ الأول: من جهة أنه أخبر به، وخبره مطابق لعلمه. والثاني: من جهة أنه أوجبه على نفسه وأقسم ليفعلنّه. وكذلك من جهة كتابته إياه في اللوح المحفوظ من وجهين؛ الأول: كتابته ما علم أنه سيكون. والثاني: كتابته ما أوجبه على نفسه. وكذلك من جهة رحمته. وكذلك من جهة عدله. فهذه عشرة أوجه. ٢ في «ط»: حتى. ٣ في «ط»: الجزاء. ٤ انظر: درء تعارض العقل والنقل ٣٦٢-٦٩،، ٩١٩٢-١٩٦. وبيان تلبيس الجهمية ١١٩٧-٢١٣.
[ ٢ / ٩١٤ ]
الحكمة والعدل والرحمة تعلم بالعقل
والحكمة، والعدل، والرحمة، والعادة تُعلم بالعقل، كما قد عرف من حكمة الرب، وعدله، وسّنته.
ويُستدلّ بذلك على العلم، والخبر، والكتاب؛ كما أن العلم، والخبر، والكتاب [يُعلم] ١ بأخبار الأنبياء، ويُستدلّ بذلك على العدل، والحكمة، والرحمة.
الجهمية ينكرون الحكمة والعدل والرحمة
والجهمية المجبرة لا تجزم بثبوتٍ، ولا انتفاءٍ، إلا من جهة الخبر، أو العادة؛ إذ كانوا لا يثبتون الحكمة، والعدل، والرحمة في الحقيقة، كما قد بسط في غير موضع٢.
وحُكِيَ عن الجهم أنّه كان يخرج، فينظر الجَذْمَى٣، ثُمّ يقول: أرحم الراحمين يفعل هذا٤؟. يقول إنّه يفعل لمحض المشيئة، ولو كان يفعل بالرحمة لما فعل هذا.
وهذا من جهله لم يعرف ما في الابتلاء من الحكمة، والرحمة، والمصلحة.
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: تعلم. ٢ قال شيخ الإسلام ﵀: "والجهم بن صفوان ومن اتبعه ينكرون حكمته ورحمته، ويقولون: ليس في أفعاله وأوامره لام كي، لا يفعل شيئًا لشيء، ولا يأمر بشيء لشيء. وكثير من المتأخرين من المثبتين للقدر من أهل الكلام ومن وافقهم سلكوا مسلك جهم في كثير من مسائل هذا الباب، وإن خالفوه في بعض ذلك". مجموع الفتاوى ٨٤٦٦-٤٦٧. وانظر: المصدر نفسه ١٦١٣٠-١٣٣، ٢٩٧-٣٠٠. ومنهاج السنة ١١٤٢-١٤٥. وبيان تلبيس الجهمية ١٢١٤-٢١٧. وشرح الأصفهانية ٢٣٥٦-٣٥٧. ٣ الجُذام من الداء: مرض معروف سُمي بذلك لتجذُّم الأصابع وتقطُّعها. لسان العرب ١٢٨٧. ٤ انظر شفاء العليل لابن القيم ﵀ ص ٢٠٢.
[ ٢ / ٩١٥ ]
والمجبرة المثبتة للقدر متّبعون لجهم١، والقدرية النفاة مناقضون لهم٢، كما قد بُسط الكلام على ذلك في غير موضع٣.
العقلاء يستدلون بصفات الرب على ما يفعله
وما زال العقلاء يستدلّون بما علموه من صفات الرب على ما يفعله؛ [كقول] ٤ خديجة للنبي ﷺ لما قال لها: "لقد خشيت على نفسي"، فقالت: "كلاّ، والله لا يخزيك الله أبدًا، إنّك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتُقري الضيف، وتصدق الحديث، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق"٥.
فاستدلّت بما فيه من مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال على أنّ الله لا يخزيه.
ومنه: قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ ٦؛ فإنّ الشيطان إنما ينزل على ما يناسبه، ويطلبه، وهو يريد
_________________
(١) ١ وهم الأشاعرة. ٢ وهم المعتزلة. ٣ قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "والجهمي الجبري لا يثبت عدلًا ولا حكمة، ولا توحيد إلهيته، بل توحيد ربوبيته. والمعتزلي لا يثبت توحيد إلهيته، ولا عدلًا، ولا عزة، ولا حكمة، وإن قال إنه يثبت حكمة ما معناها يعود إلى غيره. فتلك لا تكون حكمة. فمن فعل لا لأمر يرجع إليه، بل لغيره، فهذا عند العقلاء قاطبة ليس بحكيم..". مجموع الفتاوى ٨٢١١. وانظر: المصدر نفسه ٨٣٥-٥٧، ٨٩-٩٣، ٣٧٧-٣٧٨، ١٧٩٩-١٠٠. ٤ في «ط»: كقوله. ٥ سبق تخريجه ص ٢٣٣. وانظر تعليق المؤلف ﵀ على هذا الحديث في: شرح الأصفهانية ٢٤٧٩-٤٨٦. والجواب الصحيح ٦٥١١-٥١٢. وكتاب الصفدية ١٢٢٥. ٦ سورة الشعراء، الآيتان ٢٢١-٢٢٢.
[ ٢ / ٩١٦ ]
الكذب والإثم، فينزل على من يكون كذلك. وبسط هذا له موضع آخر١.
الكلام في النبوة فرع على إثبات الحكمة
والكلام في النبوة فرعٌ على إثبات الحكمة التي يوجب فعل ما تقتضيه الحكمة، ويمتنع فعل ما [تنفيه٢] ٣، [فتقول] ٤: هو ﷾ حكيمٌ، يضع كلّ شيءٍ في موضعه المناسب له، فلا يجوز عليه أن يُسوّي بين جنس [الصادق] ٥ والكاذب، والعادل والظالم، والعالم والجاهل، والمصلح والمفسد، بل يُفرّق بين هذه الأنواع بما يناسب الصادق العادل العالم المصلح من الكرامة، وما يناسب الكاذب الظالم الجاهل المفسد من الهوان؛ كما قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَل الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالمُفْسِدِينَ في الأَرْضِ أَمْ نَجْعَل المُتَّقِينَ كَالفُجَّارِ﴾ ٦، وقال: ﴿أَفَنَجْعَل المُسْلِمِينَ كَالمُجْرِمِينَ﴾ ٧، وهذا استفهام انكار على من ظن ذلك، وهو يتضمّن تقرير المخاطبين، واعترافهم بأنّ هذا لا يجوز عليه، وأن ذلك بيِّنٌ معروف، يجب اعترافهم به، وإقرارهم به، كما يقال لمن ادّعى أمرًا ممتنعًا؛ مثل نعم كثيرة
_________________
(١) ١ انظر: الجواب الصحيح ٦٢٩٧-٣٠٢. وشرح الأصفهانية ٢٤٧٤-٤٧٧. وانظر ما سبق في هذا الكتاب، ص ١٩٠-١٩٢. ٢ قال شيخ الإسلام ﵀ وهو يناقش من ينفي حكمة الله، ويُجوّز عليه فعل كلّ شيء: "فإما أن يجوز عليه فعل كل شيء، وإما أن يكون متنزهًا عن بعض الأفعال. فإن قيل: إنه يجوز أن يصدر منه فعل القبيح، لم يؤمن منه تصديق المتنبئين الكذابين بالمعجزات، ولم يؤمن أيضًا الخبر المخالف لمخبره، فإن الكذب وتصديق الكاذب قبيح، وتجويز ذلك يُبطل النبوات وأخبار المعاد، وهذان تبطل بهما الملل". بيان تلبيس الجهمية ١١٦٢. ٣ في «خ»: ينفيه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ في «خ»: يقول. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ في «ط»: الصدق. ٦ سورة ص، الآية ٢٨. ٧ سورة القلم، الآية ٣٥.
[ ٢ / ٩١٧ ]
في موضع صغير، فيُقال له: أههنا كانت هذه النعم؛ أي هذا ممتنع [فاعترف] ١ بالحق. وإذا ادّعى على من هو معروف بالصدق والأمانة أنّه نقب داره، وأخذ ماله، قيل له: أهذا فعل هذا؟! .
ومنه: قوله: ﴿يَا عِيْسَى بنَ مريم أَأَنْتَ قُلتَ للنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿وَيَومَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًَا ثُمَّ يَقُولُ للمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ٣. ونظائره كثيرة.
ظن السوء بالله تعالى
وكذلك قوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلهم كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا [الصالحاتِ] ٤ سَوَاء مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ٥؛ فإنّ هذا استفهام إنكار على من حسب أنه يسوي بين هؤلاء وهؤلاء؛ فبَيَّن أنّ هذا الحساب باطل، وأنَّ التسوية ممتنعة في حقّه، لا يجوز أن يظنّ به، بل من ظنّ ذلك، فقد ظنّ بربّه ظنّ السوء، وذلك ظنّ أهل الجاهلية الذين يظنون بالله ظنّ السوء، فمن جوّز ذلك على الله، فقد ظنّ بربه ظنّ السوء.
وقوله تعالى فيما جرى يوم أحد: ﴿وَطَائِفَة قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونُ بِاللهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجَاهِلِيَّة﴾ ٦؛ فسَّره ابن عباس وغيره: بأنّهم ظنّوا أن الله لم يقدر ما جرى، وأنّه لا ينصر رسوله٧.
_________________
(١) ١ في «ط» " فاعتبرف. ٢ سورة المائدة، الآية ١١٩. ٣ سورة سبأ، الآية ٤٠. ٤ في «م»، و«ط»: السيئات. ٥ سورة الجاثية، الآية ٢٠. ٦ سورة آل عمران، الآية ١٥٤. ٧ انظر: تفسير الطبري ٤١٤١-١٤٣. وتفسير ابن كثير ١٤١٨. وفتح القدير للشوكاني ١٣٩١-٣٩٢. وتفسير السعدي ١٤٣٩-٤٤٠.
[ ٢ / ٩١٨ ]
فكما أنّ القدر يجب الإيمان به، ويُعلم أن كلّ ما كان، قد سبق به علم الرب، فكذلك يُعلم أنّه لا بُدّ أن ينصر رسله والذين آمنوا. وكما أنه لا يجوز أن يقع خلاف المقدّر، فلا يجوز أن لا ينصر رسله والذين آمنوا.
ومثله: قوله [تعالى] ١ فيما أنزله عام الحديبية، لمّا ظنّ ظانون أن الرسول وأتباعه لا يُنصرون، فقال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ المُنَافِقِينَ وَالمُنَافِقَاتِ وَالمُشْرِكينَ وَالمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَت مَصِيرًا﴾ ٢. وهذا يدلّ على أن هذا ظن سوء بالله، لا يجوز أن يظن به أنّه يفعل ذلك.
ومن ينفي الحكمة٣ يقول: يجوز عليه فعل كل شيء، وليس عنده ظنّ سوء بالله.
جوابان لمن يظن بالله ظن السوء
وإن قيل: لمّا أخبر أنه ينصره، كان ضدّ ذلك ظن سوء؛ لأنّ خبره لا يقع بخلاف مخبره؟ قيل: عن هذا جوابان:
[أحدهما] ٤: أنّ هؤلاء٥ يلزمهم تجويز إخلاف الوعد عليه؛ لأنّ هذا من باب الأفعال المقدورة، وهم يجوّزون كلّ مقدور، وإذا قيل: إخلاف الوعد قبيح، فهم ليس عندهم شيء قبيحٌ يُنزّهون الرب عنه.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٢ سورة الفتح، الآية ٦. ٣ المقصود بهم الأشاعرة. وانظر: بيان تلبيس الجهمية ١١٦٢. وشرح الأصفهانية ٢٦١٦-٦٢٤. وانظر أيضًا: الإرشاد للجويني ص ٣١٩، ٣٢٢. والمواقف للإيجي ص ٣٢٣، ٣٢٨، ٣٣٠، ٣٣١. ٤ في «خ»: إحداهما. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ وهم من ينفي الحكمة؛ من الأشاعرة، والجبرية، والفلاسفة.
[ ٢ / ٩١٩ ]
الثاني: أنه إذا علم أنّه يفعله ولو بالعلم الضروري، فإنّما ذلك لأنه واقع. ولو قُدِّر أنّ رجلًا ظنّ أنّ الله لا يفعل ما سيفعله ممّا ليس فيه ذم؛ مثل أن يظنّ أنّه يموت بعد شهر، لم يقل إنّ هذا ظنّ سوء، وإنّما يكون ظنّ سوء، إذا كان المظنون عيبًا قبيحًا، لا يجوز أن يضاف إلى المظنون به، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَت الأَبْصَارُ وَبَلَغَت القُلُوبُ الحَنَاجِر وَ[تَظُنُّونَ] ١ بِاللهِ [الظُّنُونَا] ٢﴾ ٣؛ فهذا ذمّ لمن ظنّ بالله [الظنونا] ٤
ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَل المُسْلِمِينَ كَالمُجْرِمِينَ مَالَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ٥، وهذا يقتضي أن هذا ممتنع عليه. ومن حكم بجوازه، فقد حكم حكمًا باطلًا جائرًا ممتنعًا، كالَّذين جوّزوا أن تكون له بنات، وهم يكرهون أن تكون لهم بنات، فيجوز على الله ما هو قبيح عندهم؛ قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ [للهِ] ٦ البَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًَّا وَهُوَ كَظِيم يَتَوَارَى مِنَ القَومِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ في التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ٧.
وممّا يُبيِّن حكمته، أن تقول: أفعاله المحكمة المتقنة دلّت على علمه.
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: يظنون. ٢ في «م»، و«ط» رسمت: الظنون. ٣ سورة الأحزاب، الآية ١٠. ٤ في «ط»: الظنون. ٥ سورة القلم، الآية ٣٥-٣٦. ٦ ما بين المعقوفتين ساقط من «خ» . ٧ سورة النحل، الآيات ٥٧-٥٩.
[ ٢ / ٩٢٠ ]
وهذا مما وقع الاتفاق عليه من هؤلاء؛ فإنّهم يُسلّمون أنّ الإحكام والإتقان يدلّ على علم الفاعل.
وهذا أمرٌ ضروريٌ عندهم، وعند غيرهم، وهو من أعظم الأدلة العقلية التي يجب ثبوت مدلولها.
معنى الإحكام والإتقان
والإحكام والإتقان إنّما هو أن يضع كلّ شيء في محلّه المناسب، لتحصل به الحكمة المقصودة منه؛ مثل الذي يُخيط قميصًا، فيجعل الطوق على قدر العنق، والكُمَّين على قدر اليدين؛ وكذلك الذي يبني الدار، يجعل الحيطان متماثلة ليعتدل السقف؛ والذي يصنع الابريق يُوسِّع ما يدخل منه الماء، ويُضيِّق ما يخرج منه.
وحكمة الرب في جميع المخلوقات باهرة، قد بهرت العقلاء، واعترف بها جميع الطوائف.
الفلاسفة يثبتون العناية والحكمة الغائية
والفلاسفة من أعظم الناس إثباتًا لها، وهم يُثبتون العناية، والحكمة الغائيّة، وإن كان فيهم من قَصَّر في أمر الإرادة والعلم١.
_________________
(١) ١ قال شيخ الإسلام ﵀ عن الفلاسفة: "إنهم معترفون بما هو مشهود معلوم من ظهور الحكمة التي في العالم التي يسمونها (العناية) . والفلاسفة من أعلم الناس بهذا، وأكثر الناس كلامًا فيما يوجد في المخلوقات من المنافع والمقاصد والحكم الموافقة للإنسان وغيره، وما يوجد من هذه الحكمة في بدن الإنسان وغيره، سواء كانوا ناظرين في العلم الطبيعي وفروعه، أو علم الهيئة ونحوه من الرياضي، أو العلم الإلهي، وأجل القوم الإلهيون. وقد تقدم ما ذكر في اعترافهم بأن هذه الموافقة ضرورة من قبل فاعل قاصد لذلك مريد. ولا ريب أن الاعتراف بهذا ضروري؛ كالاعتراف بأن المحدَث لا بُدّ له من محدِث، والممكن لا بُدّ له من مرجّح. فكما أن هناك مقدمتين؛ إحداهما: أن هنا حوادث مشهودة، والحادث لا بد له من محدث. والأولى حسية، والثانية عقلية بديهية ضرورية. وكذلك أن هاهنا ممكنات، والممكن لا بُدّ له من مرجّح واجب، فكذلك هاهنا مقدّمتان؛ إحداهما: أن هنا حكمًا أو منافع مطلوبة. والثانية: أنه لا بد لذلك من فاعل قاصد مريد. وهما مقدّمتان ضروريتان؛ الأولى حسية، والثانية عقلية؛ فإنّ الإحساس بالانتفاع كالإحساس بالحدوث، وإن كان في تفاصيل ذلك ما يعلم بالقياس أو الخبر. ثم هذه الحكم قد يعلم حدوثها، وقد يعلم إمكانها، كالأسباب". بيان تلبيس الجهمية ١٢٠٣-٢٠٤. وقال شيخ الإسلام ﵀ أيضًا عن الفلاسفة أنهم: "من أكثر الناس نظرًا في حكم الموجودات، وقد اعترفوا بما تقدّم من أن هذه الموافقة تعلم ضرورة أنها من قبل فاعل قاصد لذلك مريد، إذ ليس المراد أن تكون هذه الموافقة بالاتفاق، فعلم أن نفيهم بعد ذلك كونه فاعلًا مختارًا، تناقضٌ منهم". بيان تلبيس الجهمية ١١٨٢ وانظر: درء تعارض العقل والنقل ٩١١١.
[ ٢ / ٩٢١ ]
المتكلمون يثبتون الحكمة في مخلوقات الله
وكذلك المتكلمون١: كُلُّهم متّفقون على إثبات الحكمة في مخلوقاته، وإن كانوا في الإرادة، وفعله لغاية، متنازعين؛ وذلك مثلما في خلق الإنسان. وأدنى ذلك أنّ العين، والفم، والأذن فيها مياه ورطوبة؛ فماء العين مالح، وماء الفم عذب، وماء الأذن مُرّ.
فإنّ العين شحمة، والملوحة تحفظها أن تذوب. وهذه أيضًا حكمة تمليح ماء البحر؛ فإن له سببًا وحكمةً؛ فسببه سبوخة أرضه وملوحتها؛ فهي توجب ملوحة مائه؛ وحكمتها أنّها تمنع نتن الماء بما يموت فيه من الحيتان العظيمة؛ فإنّه لولا ملوحة مائه لأنتن، ولو أنتن لفسد الهواء لملاقاته له، فهلك الناس بفساده، وإذا وقع أحيانًا، قتل خلق كثير فإنّه يُفسد الهواء حتى يموت بسبب ذلك خلق كثير.
وماء الأذن مُرّ؛ ليمنع دخول الهوام إلى الأذن.
وماء الفم عذب؛ ليطيب به ما يأكله.
_________________
(١) ١ أهل الجدل والمناظرة، والمقصود بهم: الأشاعرة، والمعتزلة، والجهمية.
[ ٢ / ٩٢٢ ]
فلو جعل الله ماء الفم مرًا، لفسد الطعام على أكلته، ولو جعل ماء الأذن عذبًا، لدخل الذباب في الدماغ.
ونظائر هذا كثيرة، فلا يجوز أن يفعل بخلاف [ذلك] ١؛ مثل أن يجعل العينين في القدمين، ويجعل الوجه خشنًا غليظًا، كالقدمين؛ فإنّه كان يُفسد مصلحة النظر والمشي.
بل من الحكمة أنه جعل العينين في أعلى البدن، في [مقدّمه] ٢ ليرى بها ما أمامه، فيدري أين يمشي.
وجعل الرجل خشنة تصبر على ما تلاقيه من التراب وغيره.
والعين لطيفة يفسدها أدنى شيء، فجعل لها أجفانًا تغطيها، و[أهدابًا] ٣.
إثبات صفة العلم والإرادة والحكمة بالعقل
[فتقول] ٤: هذا ومثله من مخلوقات الربّ، دلّ على أنه قد أحكم ما خلقه، وأتقنه، ووضع كل شيء بالموضع المناسب له٥، وهذا يوجب العلم الضروري أنه عالم؛ فيميز بين هذا وبين هذا، حتى خص هذا بهذا، وهذا بهذا. وهو أيضًا يُوجب [العلم] ٦ الضروري بأنّه أراد تخصيص هذا بهذا، وهذا بهذا؛ فدلّ على علمه وإرادته. وهذا ممّا يُسلمونه، فتقول: [ودلّ] ٧ أيضًا على أنّه جعل هذا لهذا؛ فجعل ماء العين والبحر ملحًا للحكمة المذكورة، وجعل العين في أعلى البدن، وجعل لها أجفانًا للحكمة المذكورة.
_________________
(١) ١ مابين المعقوفتين ساقط من «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٢ في «ط»: مقدمة. ٣ في «خ» رسمت: أهذابًا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ في «خ»: فيقول. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ سبق أن ذكر الشيخ ﵀ هذه الحكم. انظر ص ٥٧٢-٥٧٣ من هذا الكتاب. ٦ ما بين المعقوفتين ساقط من «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٧ في «ط»: ودم.
[ ٢ / ٩٢٣ ]
وكذلك إذا أنزل المطر، وقت الحاجة إليه، عُلِم أنه أنزله ليحيي به الأرض.
وكذلك إذا دعاه الناس مضطرين، فأنزل المطر، عُلِم أنه أنزل ليُحيي الأرض لإجابة دعائهم، فلا يتصوّر أن يعلم أنّه أراد هذا لهذا١، ولا يُتصوّر الإحكام والإتقان، إلا إذا فعل هذا للحكمة المطلوبة.
فكان ما عُلم من إحكامه وإتقانه، دليلًا على علمه، وعلى حكمته أيضًا، وأنه يفعل لحكمة.
تناقض الفلاسفة الذين يثبتون الأحكام
والذين استدلّوا بالإحكام على علمه، ولم يثبتوا الحكمة٢، وأنه يفعل هذا لهذا، متناقضون عند عامّة العقلاء. وحذّاقُهم معترفون بتناقضهم؛ فإنّه لا معنى للإحكام إلا الفعل لحكمة مقصودة، فإذا انتفت الحكمة، ولم يكن فعله لحكمة، انتفى الإحكام. وإذا انتفى الإحكام، انتفى دليل العلم.
وإذا كان الإحكام معلومًا بالضرورة، [ودلالته على العلم معلومة بالضرورة] ٣، عُلم أن حكمته ثابتة بالضرورة، وهو المطلوب.
مقتضيات صفة العلم لله
وأيضًا فإذا ثبت أنه عالم، فنفس العلم يوجب أنه لا يفعل قبيحًا، ولا يجوز أن يفعل القبيح، إلاّ من هو جاهل، كما قد بسط في غير هذا
_________________
(١) ١ قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [سورة الشورى، الآية ٢٨]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة الروم، الآيات ٤٨-٥٠] . ٢ المقصود بهم الفلاسفة الذين يُثبتون العناية والإحكام (الحكمة الغائية) . انظر: درء تعارض العقل والنقل ٩١١١. وانظر ما سبق في هذا الكتاب ص ١٠٢٦. ٣ ما بين المعقوفتين مكرّر في «خ» .
[ ٢ / ٩٢٤ ]
الموضع١، [و] ٢ بُيِّن أنّ العالم يعلم ما الذي يصلح أن يفعل، وأنّ فِعلَ هذا، أولى من فعل هذا. وإذا كان مريدًا للفعل، وقد علم أن الفعل على هذا الوجه هو الأصلح، امتنع أن يريد الوجه الآخر.
والإنسان لا يريد القبيح إلا [لنقص] ٣ علمه. أمّا أن يفعل بلا علم، بل لمجرد الشهوة، أو يظنّ خطأ؛ فيظن أن هذا الفعل يصلح، وهو لا يصلح، فإنّما يقع القبيح في فعله لفعله مع الجهل البسيط أو المركب٤.
والربّ منزه عن هذا وهذا، فيمتنع أن يفعل القبيح.
إثبات الإرادة يستلزم إثبات الحكمة
وأيضًا فإنه قد ثبت أنه مريد، وأنّ الإرادة تخصص المراد عن غيره، وهذا إنّما يكون إذا كان التخصيص لرجحان المراد؛ إمّا لكونه أحب إلى المريد وأفضل عنده. فأما إذا ساوى غيره من كل وجه امتنع ترجيح الإرادة له، فكان إثبات الإرادة مستلزمًا إثبات الحكمة٥، [وإلا] ٦ لم تكن الإرادة.
فقد تبين ثبوت حكمته من جهة علمه، ومن جهة نفس أفعاله المتقنة المحكمة، التي تدل على علمه بالاتفاق.
وهذه أصول عظيمة من تصوّرها تصورًا جيدًا، انكشف له حقائق هذا الموضع الشريف٧.
_________________
(١) ١ انظر: مجموع الفتاوى ١٦١٣٠-١٣٣. وبيان تلبيس الجهمية ١١٧٨-١٨٤، ٢٠٣-٢٠٤. ودرء تعارض العقل والنقل ٣٦٣،، ٩١١١. ٢ ما بين المعقوفتين ساقط من «ط» . ٣ في «خ»: لفعل. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ سبق التعريف بهما. انظر ص ٧٦٣ من هذا الكتاب. ٥ انظر ما سبق في هذا الكتاب، ص ٥٠٦-٥٠٧. ٦ في «خ» رسمت: والم. ٧ وهو إثبات حكمة الله ﷾ التي نفاها المتكلمون والفلاسفة، وخاضوا في أفعال الله وأحكامه وصفاته بالباطل.
[ ٢ / ٩٢٥ ]
حكمة الله من لوازم ذاته
وإذا ثبت أنه حكيم، وأن حكمته لازمة لعلمه، ولازمة لإرادته، وهما لازمان لذاته، كانت حكمته من لوازم ذاته؛ فيمتنع أن يفعل إلا لحكمة وبحكمة، ويمتنع أن يفعل على خلاف الحكمة.
ومعلومٌ بصريح العقل أن العلم خير من الجهل، والصدق خير من الكذب، والعدل خير من الظلم، والإصلاح خير من [الإفساد] ١. ولهذا وجب [اتصافه تعالى بالرحمة، والعلم، والصدق] ٢، والعدل، والإصلاح، دون نقيض ذلك.
وهذا ثابت في خلقه وأمره؛ فكما أنه في خلقه عادلٌ حكيمٌ رحيمٌ، فكذلك هو في أمره وما شرعه من الدين، فإنه لا يكون إلا عدلًا، وحكمةً، ورحمةً، ليس هو كما تقول الجهمية المجبرة، ومن اتبعهم من أهل الكلام والرأي: إنّه يأمر العباد بما لا مصلحة لهم فيه إذا فعلوه، وإن ما أمر به لا يجب أن يفعل على حكمة، وينكرون تعليل الأحكام، أو يقولون إن علل الشرع أمارات محضة٣. فهذا كله باطلٌ، كما قد بسط في مواضع٤.
البراهين اليقينية على أن الله لا يفعل خلاف الحكمة والعدل ولا يسوي بين الصادق والكاذب
بل ما يأمر به مصلحة لا مفسدة، وحسن لا قبيح، وخير لا فساد، وحكمة وعدل ورحمة، والحمد لله رب العالمين؛ فإذا قُدّر رجلان ادعيا على الرب الرسالة، أو توليا على الناس، أو كانا من عرض الناس؛ أحدهما
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ساقط من «خ» . ٢ في «خ»: وجب اتصاف الرحمة بالعلم والصدق. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ انظر: الإنصاف للباقلاني ص ٧٤-٧٥. والمواقف للإيجي ص ٣١٤-٣١٥، ٣٢٣. وشرح جوهرة التوحيد للبيجوري ص ١٠٨. ٤ انظر: شرح الأصفهانية ٢٦١٨. ومجموع الفتاوى ٨٤٣٣-٤٣٤، ٤٦٦-٤٦٨ ومنهاج السنة ٣٨٨-٩٠، ١٧٧. وانظر ما سبق في هذا الكتاب، ص ٤٠٨-٤٠٩.
[ ٢ / ٩٢٦ ]
عالم صادق عادل مصلح، والآخر جاهل ظالم كاذب مفسد، ثم قُدِّر أنّ ذلك العالم العادل عوقب في الدنيا والآخرة، فأُذلّ في الدنيا، وقُهر، وأُهلك، وجُعل في الآخرة في جهنم، وذلك الظالم الكاذب الجاهل، أُكرم في الدنيا والآخرة، [و] ١ جُعل في الدرجات العلى، كان معلومًا بالاضطرار أنّ هذا نقيض الحكمة والعدل، وهو أعظم سفهًا وظلمًا من تعذيب ماء البحر وماء العين٢؛ فإن هذا غايته موت شخص أو النوع، وهذا أقل فسادًا من إهلاك خيار الخلق وتعذيبهم، وإكرام شرار الخلق وإهانتهم.
الأشاعرة يجوزون على الله عقلًا أن يسوي بين الصادق والكاذب.. وأن يعذب المؤمنين ولكن بالسمع لا بالعقل
وإذا كان هذا أعظم مناقضة للحكمة والعدل من غيره، وتبيَّن بالبراهين اليقينية أن الربّ لا يجوز عليه خلاف الحكمة والعدل، عُلم بالاضطرار أن الرب سبحانه لا يسوي بين هؤلاء وهؤلاء، فضلًا عن أن يفضّل الأشرار على الأخيار، وهو سبحانه أنكر التسوية؛ فقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلهم كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالحاتِ سَوَاء مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ [مَا يَحْكُمُونَ] ٣﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَل المُسْلِمِينَ كَالمُجْرِمِينَ مَالَكُمْ كَيْفَ [تَحْكُمُونَ] ٥﴾ ٦.
وقد جعل٧ من جوّز أن الله لا ينصر رسوله والمؤمنين في الدنيا والآخرة،
ويعذبهم في الآخرة في جهنم، وأن الفراعنة٨ يكرمهم في الدنيا
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ساقط من «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٢ أي يصير ماء البحر وماء العين عذبا صالحا للشرب. ٣ في «خ»: ما كانوا يعملون. ٤ سورة الجاثية، الآية ٢١. ٥ في «ط»: يحكمون. ٦ سورة القلم، الآية ٣٥-٣٦. ٧ أي الجبري. ٨ فرعون: اسم أعجمي. وقد استخدم في اللغة العربية، فقيل: تفرعن فلان: إذا تعاطى فعل فِرعون؛ كما يُقال: أبلس إبليس. ومنه قيل للطغاة: الفراعنة والأبالسة. انظر: المفردات للراغب الأصفهاني ص ٣٦٢. والمصباح المنير ص ٤٧٠.
[ ٢ / ٩٢٧ ]
والآخرة، والمنازع عنده لا فرق بين هذا وهذا بالنسبة إلى الرب وإلى إرادته وحكمته وعلمه، بل إنما عُلم وقوع أحدهما بمجرد الخبر١، لا لامتناع أحدهما، ووجوب الآخر.
_________________
(١) ١ بمعنى أن الأشعري يقول: علمت أن الله لا يُعذّب المؤمنين وينعم الكافرين بمجرد خبر النبي الصادق؛ وهي الدلالة السمعية المجردة. أما عقلًا: فيجوز أن يفعل الله كلّ مقدور، فيعذب هؤلاء وينعم هؤلاء، ويُسوي بين الصادق والكاذب، لكن بالدلالة الخبرية السمعية علمت أنه لا يفعل. انظر: اللمع للأشعري ص ٧١. والتمهيد للباقلاني ص ٣٨٥. وانظر ما سبق في هذا الكتاب ص ٥٦٦-٥٦٨. ولشيخ الإسلام ﵀ كلام حول هذا الموضوع، يقول فيه: "وأما مثبتة الصفات كابن كلاب والأشعري وغيرهما ممن يثبت الصفات ولا يثبت إلا واحدًا معيّنًا؛ فلا يُثبت إلا إرادة واحدة تتعلق بكل حادث، وسمعًا واحدًا معينًا متعلقًا بكل مسموع، وبصرًا واحدًا معينًا متعلقًا بكلّ مرئي، وكلامًا واحدًا بالعين يجمع جميع أنواع الكلام، كما قد عُرف من مذهب هؤلاء. فهؤلاء يقولون: جميع الحادثات صادرة عن تلك الإرادة الواحدة العين المفردة التي ترجح أحد المتماثلين لا بمرجح، وهي المحبة والرضا وغير ذلك. وهؤلاء إذا شهدوا هذا لم يبق عندهم فرق بين جميع الحوادث في الحسن والقبح إلا من حيث موافقتها للإنسان، ومخالفة بعضها له. فما وافق مراده ومحبوبه كان حسنًا عنده، وما خالف ذلك كان قبيحًا عنده، فلا يكون في نفس الأمر حسنة يحبها الله، ولا سيئة يكرهها، إلا بمعنى أن الحسنة هي ما قرن بها لذة صاحبها، والسيئة ما قرن بها ألم صاحبها، من غير فرق يعود إليه، ولا إلى الأفعال أصلًا. ولهذا كان هؤلاء لا يثبتون حسنًا ولا قبيحًا، لا بمعنى الملائم للطبع والمنافي له. والحسن والقبح الشرعي هو ما دلّ صاحبه على أنه قد يحصل لمن فعله لذة، أو حصول ألم له. ولهذا يجوز عندهم أن يأمر الله بكل شيء، حتى الكفر والفسوق والعصيان، وينهى عن كلّ شيء، حتى الإيمان والتوحيد. ويجوز نسخ كل ما أمر به بكل ما نهى عنه. ولم يبق عندهم في الوجود خير ولا شر، ولا حسن ولا قبيح إلا بهذا الاعتبار، فما في الوجود ضر ولا نفع. والنفع والضر أمران إضافيان، فربما نفع هذا ما ضرّ هذا". مجموع الفتاوى ٨٣٤٢-٣٤٤. وانظر: المصدر نفسه ٨٣٣٧-٣٥٥.
[ ٢ / ٩٢٨ ]
والخبر إنما هو خبر الأنبياء، وذلك موقوف على العلم بصدقهم، وهو يستلزم صدقهم.
وعلى أصله١ يمتنع العلم بصدقهم؛ فإنه يجوّز أن يسوي الله بين الصادق والكاذب على أصله؛ إذ كان يجوز عليه عنده كل مقدور.
وعنده لا يجوز أن يفعل فعلًا لحكمة، فلا يجوز على أصله أن يخلق الله آية ليدل بها على صدقهم٢.
وإذا قال٣: تجويز ذلك يقتضي أنه لا يقدر على خلق ما به يبين صدق الصادق، فلذلك منعت من ذلك لأنه يفضي إلى تعجيزه.
قيل له: إنّما يفضي إلى عجزه إذا كان خلق دليل الصدق ممكنًا. وعلى أصلك لا يمكن إقامة الدليل على [إمكانه] ٤؛ فإنّ الدليل يستلزم المدلول، ويمتنع ثبوته مع عدمه، وأيّ شيء قدّرتَه، جاز أن يخلقه على أصلك على يد الكاذب، وأنت لا تنزهه عن فعل ممكن٥.
_________________
(١) ١ انظر: منهاج السنة النبوية ٣٨٦-٩١. ٢ الأشاعرة ينفون أن يفعل الله شيئًا لأجل شيء، لأنهم ينفون حكمة الله ﷾. وانظر ما سبق في هذا الكتاب، ص ٦٥٣-٦٥٤. وانظر: الإرشاد للجويني ص ٣٢٦. والمواقف للإيجي ص ٢٣١. ٣ انظر: الإرشاد للجويني ص ٣٢٦-٣٢٧. والمواقف للإيجي ص ٢٤٢. وانظر اعتراض المعتزلة على الأشاعرة في شرح الأصول الخمسة لعبد الجبار ص ٥٦٤-٥٧١. وقد رد عليهم شيخ الإسلام ﵀ فيما مضى. وانظر له: الجواب الصحيح ٦٣٩٣ - ٤٠١. وشرح الأصفهانية ٢٦١٦- ٦٢٤. ٤ في «ط»: إمكان. ٥ انظر ما سبق ص ٢٤٥-٢٤٨ من هذا الكتاب.
[ ٢ / ٩٢٩ ]
وإذا قلتَ: أُنزّهه عن فعل ممكن يستلزم عجزه، كان هذا تناقضًا؛ فإن فعل الممكن لا يستلزم العجز، بل امتناع الممكن يستلزم العجز. وبيان ذلك أن يقال: ما خلقه على يد الصادق هو قادرٌ على أن يخلقه على يد الكاذب أم لا؟ .
فإن قلتَ: ليس بقادر، فقد أثبتَّ عجزه. وإن قلتَ: هو قادر على ذلك، فالمقدور عندك لا يُنزه عن شيء منه. وإن قلتَ: هذا المقدور أنزّهه عنه، لئلاّ يلزم عجزه، كان حقيقة قولك: أُثبت عجزه [لئلاّ أنفي] ١ عجزه؛ فجعلته عاجزًا لئلا [تجعله] ٢ عاجزًا، فجمعتَ بين النقيضين؛ بين إثبات العجز ونفيه.
وإنما لزمه هذا؛ لأنه لا ينزه الرب عن فعل مقدور، فاستوت المقدورات كلها في الجواز عليه عنده، ولم يحكم بثبوت مقدور إلا بالعادة، أو الخبر٣. والعادة يجوز انتقاضها عنده٤، والخبر موقوف على العلم بصدق المخبر، ولا طريق له إلى ذلك.
فتبيَّن أنّ كلّ من لم يُنزّه الرب عن السوء والسفه، ويصفه بالحكمة والعدل، لم يمكنه أن يعلم نبوة نبيّ، ولا المعاد، ولا صدق الرب في شيء من الأخبار.
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: لأنفي. ٢ في «خ»: يجعله. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ قد تقدمت هذه المناظرة بين شيخ الإسلام ﵀ والأشاعرة في ص ٥٨٨ من هذا الكتاب. ٤ الأشاعرة يُجوّزون أن يأتي الساحر والكاهن بمثل آيات الأنبياء، إلا أنه لا يدّعي النبوة، فيجوزون خرق العادات لغير الأنبياء. انظر: البيان للباقلاني ص ٩٤-٩٥. وانظر ما سبق في هذا الكتاب، ص ٢٥٩-٢٦٧، ٥٨١، ٥٨٦، ٩٩٠، ١٠٣٠-١٠٣٣، ١٠٦٦.
[ ٢ / ٩٣٠ ]
الطريقة الأولى عند الأشاعرة في دلالة المعجزة
فهذه طريقة من يجعل وجه دلالة المعجز على صدق الأنبياء، لئلا يلزم العجز١.
الطريقة الثانية
وأما الطريق الثانية، وهي أجود، وهي التي اختارها [أبو] ٢ المعالي٣ وأمثاله. فهو أن دلالة المعجز على التصديق معلوم بالاضطرار. وهذه طريقة صحيحة لمن اعتقد أنّه يفعل لحكمة.
وأما إذا قيل: إنه لا يفعل لحكمة، انتفى العلم الاضطراري. والأمثلة التي يذكرونها كالملك الذي [جعل] ٤ آية لرسوله أمرًا خارجًا عن عادته، إنّما دلت للعلم بأنّ الملك يفعل شيئًا لشيءٍ، فإذا نفوا هذا بطلت الدلالة٥.
دليل القدرة في إثبات النبوة
وكذلك دليل القدرة٦: هو دليل صحيح، لكن مع إثبات الحكمة؛ فإنّه سبحانه [وتعالى] ٧ قادر على أن يميز بين الصادق والكاذب؛ إذ كان
_________________
(١) ١ وهي الطريقة الأولى عند الأشاعرة؛ طريقة أبي الحسن الأشعري في دلالة المعجزة. انظر ما سبق، ص ٥٨٠-٥٨١. ٢ في «ط»: أو. ٣ انظر: الإرشاد للجويني ص ٣١٣، ٣٢٥-٣٣٠، ٥٨٥، ٦٤٢. ٤ في «خ»: جعله. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ انظر نقد شيخ الإسلام ﵀ لهذه الطريقة - الثانية - عند الأشاعرة، ومخالفتها لأصولهم، في: الجواب الصحيح ٦٣٩٧-٣٩٩. وشرح الأصفهانية ٢٦٢٣-٦٢٤. وانظر ما سبق في هذا الكتاب، ص ٢٧٨-٢٨٠، ٥٨١-٥٨٣، ٥٩٢، ٨٢١-٨٢٢، ١٠٦٤-١٠٦٥. ٦ انظر كلام شيخ الإسلام ﵀ عن دليل الضرورة والقدرة في إثبات النبوة، في درء تعارض العقل والنقل ٩٤-٠٤٥، ٥٢-٥٣. ٧ في «خ» رسمت: جعل. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ٢ / ٩٣١ ]
قادرًا على أن يهدي عباده إلى ما هو أدقّ من هذا، فهداهم إلى أسهل١.
[لكن] ٢ هذا٣ يستلزم إثبات حكمته ورحمته، فمن لم يثبت له حكمة ورحمة، امتنع عليه العلم بشيء من أفعاله الغائبة.
صفة الكلام لله والكلام النفسي عند الأشاعرة
وأيضًا: فآيات الأنبياء تصديق بالفعل، فهي تدلّ إذا عُلم أنّ من صدّقه الرب فهو صادق، وذلك يتضمن تنزيهه عن الكذب. وعلى أصلهم لا يعلم ذلك، فإنّ ما يخلقه من الحروف والأصوات عندهم هو مخلوق من المخلوقات، فيجوز أن يتكلم كلامًا يدلّ على شيء، وقد أراد به شيئًا آخر؛ فإنّ هذا من باب المفعولات عندهم.
والكلام النفسي٤ لا سبيل لأحدٍ إلى العلم به. فعلى أصلهم: يجوز
_________________
(١) ١ أي: إلى أسهل الطرق وأوضحها في ثبوت النبوة؛ لأنه كلما كان الناس إلى الشيء أحوج، فإن الله ييسره لهم منة منه وفضلًا. ٢ في «ط»: فكن. ٣ إشارة إلى دليل القدرة. ٤ الكلام من صفات الله الثابتة على ما يليق بجلاله سبحانه، وهو صفة ذاتية باعتبار نوع الكلام، وصفة فعل لتعلقه بمشيئة الله باعتبار أفراد الكلام. وقد ذهبت الكلابية والأشعرية إلى أنّ الله متكلم بكلام قائم بذاته أزلًا وأبدًا، لا يتعلق بمشيئته وقدرته، إن عُبّر عنه بالعربية كان قرآنًا، وإن عُبّر عنه بالعبرانية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلًا. ونفوا أن يكون الله متكلمًا بحرف وصوت زاعمين أن كلامه سبحانه نفسي. أما القرآن الكريم: فقد صرّحوا بأنه مخلوق محدث ليس كلام الله، بل هو عبارة عن كلام الله. وانظر مذهب الأشاعرة والكلابية في كلام لله والقرآن في: الإرشاد للجويني ص ٩٩. وأصول الدين للبغدادي ص ١٠٦-١٠٨. والمواقف للإيجي ص ٢٩٣، ٢٩٤. والبرهان للسكسكي ص ٣٧. وتحفة المريد شرح جوهرة التوحيد للباجوري ص ٩٤. وقال شيخ الإسلام ﵀: "والصواب الذي عليه سلف الأمة كالإمام أحمد، والبخاري صاحب الصحيح في كتاب خلق أفعال العباد، وغيره، وسائر الأئمة قبلهم وبعدهم: اتباع النصوص الثابتة، وإجماع سلف الأمة؛ وهو أن القرآن جميعه كلام الله حروفه ومعانيه، ليس شيء من ذلك كلامًا لغيره، ولكن أنزله على رسوله". مجموع الفتاوى ١٢٢٤٣-٢٤٤. وانظر: المصدر نفسه ١٢٦٩-٧٠، ١٦٢-١٧٤، ١٧١٦٥-١٦٦. وشرح الأصفهانية٢٣٤٠-٣٤٢. ودرء تعارض العقل والنقل ١٢٦٨. ومختصر الصواعق ٢٥١٢-٥١٣. وشرح الطحاوية ص ١٨٠.
[ ٢ / ٩٣٢ ]
الكذب في الكلام المخلوق العربي، وهو الذي يستدلّ به الناس، فلا يبقى طريق إلى العلم بأنّه صادق فيما يخلقه من الكلام.
أصول الأشاعرة السمعية
ولهذا تجد حذّاقهم في السمعيات١ إنّما يفرّون إلى ما عُلم بالاضطرار من قصد الرسول، لا إلى الاستدلال بالقرآن؛ فالقاضي أبو بكر عمدته أن يقول هذا ممّا وَقَفَنَا عليه الرسول، وعلمنا قصده بالاضطرار؛ كما يقول مثل ذلك في تخليد أهل النار٢، وفيما علمه من الأحكام؛ إذ كانوا لا يعتمدون
_________________
(١) ١ الأدلة السمعية المقصود بها: القرآن، والسنة، والإجماع. وما يثبتونه بهذه الأدلة هو من السمعيات. قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن الأشاعرة: (وهم يعتمدون في السمعيات على ما يظنونه من الإجماع، وليس لهم معرفة بالكتاب والسنة، بل يعتمدون على القياس العقلي الذي هو أصل كلامهم وعلى الإجماع) . انظر ما سبق في هذا الكتاب، ص ٧٠٩. وقال أيضًا عنهم: ".. إن مسائل ما بعد الموت ونحو ذلك: الأشعري وأتباعه ومن وافقهم من أهل المذاهب الأربعة.. يسمونها السمعيات، بخلاف باب الصفات والقدر، وذلك بناء على أصلين، أحدهما: أن هذه لا تعلم إلا بالسمع، والثاني: أن ما قبلها يعلم بالعقل". شرح الأصفهانية ٢٦٣١ وانظر: درء تعارض العقل والنقل ٨٩٥-٩٧. وما سبق في هذا الكتاب ص ٥٧٤-٥٧٨. ٢ أورد ذلك الباقلاني بأسلوب المحاورة، فقال: "فإن قال قائل: فهل يصحّ على قولكم هذا أن يؤلم الله سبحانه سائر النبيين، وينعم سائر الكفرة والعاصين من جهة العقل قبل ورود السمع؟ قيل له: أجل، له ذلك، ولو فعله لكان جائزًا منه غير مستنكر من فعله. فإن قال: فما الذي يؤمنكم من تعذيبه المؤمنين وتنعيمه الكافرين؟ قيل له: يؤمننا من ذلك توقيف النبي ﷺ، وإجماع المسلمين على أنه لا يفعل ذلك، وعلى أنه قد أخبر أخبارًا علموا قصده به ضرورة إلى أن ذلك لا يكون، ولولا هذا التوقيف والخبر لأجزنا ما سألت عنه". التمهيد للباقلاني ص ٣٨٥ -٣٨٦.
[ ٢ / ٩٣٣ ]
على القول المسموع؛ لا خبرًا، ولا أمرًا، فهم لا طريق [عندهم] ١ إلى التمييز بين ما يقع وما لا يقع؛ مثل التمييز بين كونه يثيب المحسن، ويعاقب المسيء، أو لا يفعله.
ففي الجملة: جميع أفعاله؛ من إرسال الأنبياء، ومجازاة العباد، [وقيام القيامة، لا طريق لهم إلى العلم بذلك إلا من جهة الخبر، وطريق الخبر] ٢ على أصلهم مسدود٣.
وهم يعلمون صدق الرسول، وصدق خبره معلومٌ في أنفسهم، لكن يناقض أصولهم.
لكن مع هذا هم واقفة فيما أخبرت به الرسل من الوعيد، فضعف علمهم بما أخبرت به الرسل، فصاروا في نقصٍ عظيم؛ في علمهم، وإيمانهم بما أخبرت به الرسل، وما أمرت به، وفي أصل ثبوت الرسالة. هذه السمعيات.
أصول الأشاعرة العقلية
وأما العقليّات: [فمدارها] ٤ على حدوث الجسم. وقد عرف فساد
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ساقط من «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٢ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٣ سبق مثل هذا في الكلام في ص ٢٨٠-٢٨٦، ٧٣١ من هذا الكتاب. ٤ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» .
[ ٢ / ٩٣٤ ]
أصلهم فيها١. فهذه أصولهم العقلية والسمعية.
وهم لا يعلمون أيضًا ما يفعله الرب من غير الخبر، إلا من جهة العادة.
العادة
والعادة يجوز عندهم نقضها بلا سبب ولا لحكمة٢، ويجوّزون أن تصبح الجبال يواقيت، والبحار زيبقًا.
فإذا احتجوا [بالعادات] ٣، فقيل لهم: عندكم يجوز نقضها بلا سبب ولا حكمة، أجابوا: بأن الشيء قد يعلم جوازه، ويعلم بالضرورة أنه لا يقع. وهذا أيضًا جمعٌ بين النقيضين.
العقل عند الأشاعرة
وهم يقولون: العقل هو: العلم بجواز الجائزات، وامتناع الممتنعات٤، ووجوب الواجبات؛ كالعلم بأنّ الجبل لم ينقلب ياقوتًا. ثمّ يجعلون هذا من الجائز، على أصلهم: ليس في الأفعال، لا واجب، ولا ممتنع، بل كلّ مقدورٍ، فإنّه جائز الوجود، وجائز العدم، لا يُعلم أحدُ الطرفين، إلاّ بخبرٍ، أو عادةٍ، لا بسبب يقتضيه، ولا حكمة تستلزمه. كما أنّ المرجّح له عندهم مجرّد الإرادة، لا بسبب ولا حكمة. وإذا علم جواز الشيء وعدمه، ولم يعلم ما يوجب أحدهما، [امتنع] ٥ أن يعلم بالضرورة ثبوت أحدهما.
_________________
(١) ١ وقد أبطل شيخ الإسلام ﵀ هذا الأصل في كثير من كتبه. وعلى سبيل المثال: في درء تعارض العقل والنقل (٧٧١-٧٤)، وفي بيان تلبيس الجهمية، وفي أول هذا الكتاب، انظر ص ٢٨٩-٣٠٦ منه. ٢ انظر: الجواب الصحيح ٦٤٠١. ٣ في «خ» رسمت: بالعبادات. وما اثبت من «م»، و«ط» . ٤ انظر: درء تعارض العقل والنقل ٩٤٩. والجواب الصحيح ٦٣٩٩-٤٠١. ٥ في «ط»: إتمنع.
[ ٢ / ٩٣٥ ]
والنّاس إنّما يعلمون أن الجبال لم تنقلب يواقيت، لعلمهم بأنّ هذا ممتنع، وأنّ الله إذا أراد قلبها يواقيت، أحدث أسبابا تقتضي ذلك١.
فأما انقلاب العادة بلا سبب: فهذا ممتنع عند العقلاء. وجميع ما خرق الله به العادة كان لأسباب تقتضيه، ولِحِكَمٍ فعل لأجلها٢، لم [تكن] ٣ ترجيحًا بلا مرجّح، كما يقوله هؤلاء، فهذا هذا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
_________________
(١) ١ قال شيخ الإسلام ﵀: "ليس كلّ ما عُلم إمكانه جُوّز وقوعه، فإنا نعلم أن الله قادر على قلب الجبال ياقوتًا، والبحار دمًا، ونعلم أنه لا يفعل ذلك". شرح الأصفهانية ٢٤٧١. ٢ وقد ردّ شيخ الإسلام ﵀ على هؤلاء الذين يُجوّزون نقض العادات بدون سبب ولا حكمة، فقال: "وكل ما وجد في العالم من خوارق العادات؛ آيات الأنبياء وغيرها، لم يأت منها شيء إلا بأسباب تقدمته؛ كآيات موسى؛ من مثل مصير العصا حية، كانت بعد أن ألقاها؛ إما عند أمر الله له بذلك لما ناداه من الشجرة ورأى النار الخارقة للعادة؛ وإما عند مطالبة فرعون له بالآية؛ وإما عند معارضة السحرة لتبتلع حبالهم وعصيهم. وكذلك سائر آياته، حتى إغراق فرعون كان بعد مسير الجيش، وضربه البحر بالعصا، وكذلك تفجّر الماء من الحجر كان بعد أن ضرب الحجر بعصاه واستسقاء قومه إياه وهم في برية لا ماء عندهم. وكذلك آيات نبينا ﷺ؛ مثل تكثير الماء، كان بوضع يده فيه، حتى نبع الماء من بين الأصابع؛ أي تفجّر الماء من بين الأصابع، لم يخرج من نفس الأصابع. وكذلك البئر كان ماؤها يكثر إما بإلقائه سهمًا من كنانته فيها، وإما بصبه الماء الذي بصق فيه. وكذلك المسيح كان يأخذ من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه، فيكون طيرًا بإذن الله، إلى أمثال ذلك. فأما جبل ينقلب ياقوتًا بلا أسباب تقدمت ذلك، فهذا لا كان ولا يكون. وكذلك نهر يطرد يصير لبنًا بلا أسباب تقتضي ذلك يخلقها الله، فهذا لا كان ولا يكون". الجواب الصحيح ٦٤٠٣-٤٠٤. وانظر: شرح الأصفهانية ٢٤٧٩. ٣ في «م»، و«ط»: يكن.
[ ٢ / ٩٣٦ ]
الرد على الأشاعرة في النبوات
الأشاعرة يوردون الشبهات ولا يستطيعون الرد عليها
ولو [لم] ١ يتعلق هذا بالإيمان بالرسول، وبما أخبر به الرسول، واحتجنا إلى أن نميز بين الصحيح والفاسد في الأدلة والأصول، لما ورد على ما قاله هؤلاء من هذه السؤالات، لم تكن بنا حاجة إلى كشف الأسرار. لكن: لمّا تكلموا في إثبات النبوة، صاروا يوردون عليها أسئلة في غاية القوة والظهور، ولا يجيبون عنها إلا بأجوبة ضعيفة٢، كما ذكرنا
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٢ انظر مثلًا ما قاله العلماء عن الرازي من أنه يورد الشبه، ولا يرد عليها، وأنه كان يقرر في مسائل كثيرة مذاهب الخصوم وشبههم بأتم عبارة، فإذا جاء إلى الأجوبة اقتنع بالإشارة. حتى قال فيه بعض علماء المغاربة: يورد الشبه نقدًا، ويحلّها نسيئة. انظر: ذيل الروضتين ص ٦٨. ولسان الميزان ٤٤٢٧-٤٢٨. ونقض التأسيس - مخطوط - ١٦-٧. وقد توعّد شيخ الإسلام ﵀ الأشاعرةَ في مناظرته لهم، إن لم يكفوا عن مخالفته أن يكشف أستارهم، ويبين عوار مذهبهم ومعتقدهم، ومخالفته لمعتقد السلف، فقال ﵀: (فلما اجتمعنا وقد أحضرت ما كتبته من الجواب عن أسئلتهم المتقدمة الذي طلبوا تأخيره إلى اليوم، حمدت الله بخطبة الحاجة - إلى أن قال: - وربنا واحد، ونبينا واحد، وأصول الدين لا تحتمل التفرق والاختلاف، وأنا أقول ما يوجب الجماعة بين المسلمين، وهو متفق عليه بين السلف، فإن وافق الجماعة فالحمد لله، وإلا فمن خالفني بعد ذلك كشفت له الأسرار، وهتكت الأستار، وبيّنت المذاهب الفاسدة التي أفسدت الملل والدول، وأنا أذهب إلى سلطان الوقت على البريد، وأعرفه من الأمور ما لا أقوله في هذا المجلس، فإن للسلم كلامًا وللحرب كلامًا. وقلت: لا شك أن الناس يتنازعون، يقول هذا أنا حنبلي، ويقول هذا أنا أشعري، ويجري بينهم تفرق وفتن واختلاف على أمور لا يعرفون حقيقتها". مجموع الفتاوى ٣١٨١-١٨٢. وانظر المصدر نفسه ٣١٨٨-١٨٩. وقد تقدّم بيان شيخ الإسلام ﵀ لسبب بسطه في الرد على هؤلاء في ص ٧٧٣-٧٧٦ من هذا الكتاب.
[ ٢ / ٩٣٧ ]
كلامهم١، فصار طالب العلم والإيمان والهدى من عندهم، - لا سيما إذا اعتقد أنهم أنصار الإسلام، [ونظّاره] ٢، والقائمون ببراهينه وأدلته - إذا عرف حقيقة ما عندهم، لم يجد ما ذكروه يدلّ على ثبوت نبوة الأنبياء، بل وجده يقدح في الأنبياء، ويورث الشك فيها أو الطعن، وأنها حجة تقدح في الأنبياء، و[تورث] ٣ الشك فيها، أو الطعن فيها، وأنها حجّة لمكذب الأنبياء أعظم مما هي حجّة لمصدق الأنبياء، فانسدّ طريق الإيمان والعلم، وانفتح طريق النفاق والجهل٤، لا سيما على من لم يعرف إلا ما قالوه.
_________________
(١) ١ قال شيخ الإسلام ﵀ يُخاطب المتكلمين، ويبين لهم ضعف أجوبتهم مع الفلاسفة، وينصحهم أن لا يدخلوا معهم في مناظرات لا ينتصرون فيها: "ومن العجيب أنّ المتكلمين المناظرين لهؤلاء وأمثالهم من أهل الكفر إذا أوردوا سؤالًا لا يكون المجيب متمكنًا من ذلك علمًا وبيانًا، ولا ينقطع بذلك الخصم، ولا يهتدي لنقص قوى إدراكه، أو سوء قصده، أو لاحتياج تحقيق ذلك إلى مقدمات متعددة وزمان طويل، وتقرير لتلك المقدمات بجواب ما ترد بها من ممانعة ومعارضة. فيتركوا أن يبدؤوهم من أول الأمر ببيان فساد هذه الحجة، وبيان تناقضهم، وأن قائلها يلزمه إذا قال بها أعظم مما أنكره. فإذا تبين له فسادها وللمتكلمين معه، حصل دفع هذا الشر وبطلان هذا القول وهذه الحجة. وهو المقصود في هذا المقام، ثم بيان الحق وتكميله مقامه آخر". بيان تلبيس الجهمية ١١٧١. وانظر: المصدر نفسه ١٨. والرد على المنطقيين ص ٢٧٣-٢٧٤. ٢ في «خ»: نظائره. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «خ»: يورث. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ يقول شيخ الإسلام ﵀ عن هؤلاء الذي يوردون الشبهات ولا يستطيعون الرد عليها: "ومما يعجب منه أن بعض المنكرين لمجادلة الكفار بناء على ظهور دلائل النبوة، نجده هو ومن يعظمه من شيوخه الذي يعتمد في أصول الدين على نظرهم ومناظرتهم، ويزعمون أنهم قرروا دلائل النبوة، قد أوردوا من الشبهات والشكوك والمطاعن على دلائل النبوة ما يبلغ نحو ثمانين سؤالًا، وأجابوا عنه بأجوبة لا تصلح أن تكون جوابًا في المسائل الظنية، بل هي إلى تقرير شبه الطاعنين أقرب منها إلى تقرير أصول الدين. وهم كما مثلهم الغزالي وغيره بمن يضرب شجرة ضربًا يزلزلها به، وهو يزعم أنه يريد أن يثبتها. وكثير من أئمة هؤلاء مضطرب في الإيمان بالنبوة اضطرابًا ليس هذا موضع بسطه. وهم مع ذلك يدّعون أنه قد ظهر عن أهل الكتاب ما لم يظهر عند شيوخ هؤلاء النظار، وينهون عن إظهار آيات الله وبراهينه التي هي غاية مطالب شيوخهم، وهم لم يعطوها حقها، إما عجزًا، وإما تفريطًا". الجواب الصحيح ١٢٤٣-٢٤٤.
[ ٢ / ٩٣٨ ]
والذي يفهم ما قالوه، لا يكون إلا فاضلًا، قد قطع درجة الفقهاء، ودرجة من قلّد المتكلمين، فيصير هؤلاء؛ إما منافقين؛ وإما في قلوبهم مرض، ويظنّ الظان أنه ليس في الأمر على نبوة الأنبياء براهين قطعية، ولا يعلم أن هذا إنما هو لجهل هؤلاء وأصولهم الفاسدة التي بنوا عليها الاستدلال وقدحهم في الإلهية، وأنهم لم ينزهوا الرب عن فعل شيء من الشرّ، ولا أثبتوا له حكمة ولا عدلًا، فكان ما جهلوه من آيات الأنبياء؛ إذ كان العلم بآيات الله، وما قصّه لخلقه من الدلائل والبراهين، مستلزمًا لثبوت علمه وحكمته ورحمته وعدله، فإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم.
وهم في الأصل إنما قصدوا الرد على القدرية الذين قالوا: إن الله لم يشأ كل شيء، ولم يخلق أفعال العباد١. وهو مقصود صحيح، لكن ظنوا أن هذا لا يتم إلا بجحد حكمته، وعدله، ورحمته، فغلطوا في ذلك.
المعتزلة غلطوا من جهات كثيرة
كما أنّ المعتزلة أيضًا غلطوا من جهات كثيرة، وظنّوا أنه لا تثبت حكمته، وعدله، ورحمته، إن لم يجحد خلقه لكل شيء، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ويجحد اتصافه بالكلام، والإرادة، وغير ذلك من أقوال المعتزلة٢، التي هي من أقوال هؤلاء؛ فإن هؤلاء٣ في الصفات
_________________
(١) ١ انظر: درء تعارض العقل والنقل ٨٤٦٩، ٤٧١، ٤٧٦. ٢ وقد أورد شيخ الإسلام ﵀ في كتابه منهاج السنة النبوية قول كل من الجهمية والمعتزلة في هذه المسائل. انظر: المنهاج ٣١٩٤-١٩٧. ٣ يعني الأشاعرة.
[ ٢ / ٩٣٩ ]
خيرٌ من المعتزلة، وفي الأفعال من بعض الوجوه١.
الغزالي ترك طريقة الأشاعرة في الاستدلال بالمعجزات على ثبوت النبوة
ولهذا لما ظهر للغزالي ونحوه [ضعّف] ٢ طريق الاستدلال بالمعجزات الذي سلكه شيوخه، وهو لا يعرف غيره؛ أعرض [عنها] ٣، وذكر أنه إنما علم ثبوت النبوة بقرائن تعجز عنها العبارة، وهي علوم ضرورية حصلت له على الطول. وجعل الدليل على النبوة هو العلم بأنّ ما جاء به حقّ من غير جهته.
وهذه طريق صحيحة قد سلك الجاحظ٤ نحوًا منها٥.
_________________
(١) ١ قال شيخ الإسلام ﵀ في معرض كلامه عن الضرارية والنجارية: "والكلابية والأشعرية خير من هؤلاء في باب الصفات؛ فإنهم يثبتون منه الصفات العقلية، وأئمتهم يثبتون الصفات الخبرية في الجملة وأما في باب القدر ومسائل الأسماء والأحكام فأقوالهم متقاربة..". ثم قال ﵀ عن المعتزلة: "وأما المعتزلة فهم ينفون الصفات، ويُقاربون قول جهم، لكنهم ينفون القدر، فهم وإن عظموا الأمر والنهي والوعد والوعيد وغلوا فيه، فهم يكذبون بالقدر، ففيهم نوع من الشرك في هذا الباب". التدمرية ص ١٩١، ١٩٣. وقال ﵀ عن الأشاعرة: "فإنهم أقرب طوائف أهل الكلام إلى السنة والجماعة والحديث، وهم يعدون من أهل السنة والجماعة عند النظر إلى مثل المعتزلة والرافضة، بل هم أهل السنة والجماعة في البلاد التي يكون أهل البدع فيها هم المعتزلة والرافضة ونحوهم". بيان تلبيس الجهمية ٢٨٧. وانظر درء تعارض العقل والنقل ٦٢٩٢. ٢ في «خ»: ضعيف. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٤ هو عمرو بن بحر بن محبوب، أبو عثمان الجاحظ البصري المعتزلي. متبحر ذو فنون، وصاحب تصانيف، وكان ماجنًا قليل الدين، له نوادر، أخباري علامة، وهو صاحب الطريقة الجاحظية من المعتزلة. توفي سنة ٢٥٥؟. انظر: سير أعلام النبلاء ١١٥٢٦-٥٣٠. وشذرات الذهب ٢١٢١. والأعلام ٥٧٤. ٥ وقد بسط شيخ الإسلام ﵀ القول في هذا الموضوع. انظر: درء تعارض العقل والنقل ٣٣٥٣-٣٥٤، ٩٤٦-٤٩، ونقل ﵀ عن الجاحظ قوله: "معرفة الله تقع ضرورة في طباع نامية عقب النظر والاستدلال، وأن العبد غير مأمور بها) . درء تعارض العقل والنقل ٧٣٥٤. وانظر: المصدر نفسه ٩٤٨.
[ ٢ / ٩٤٠ ]
النبوة التي يثبتها الغزالي هي نبوة الفلاسفة.
ولكن النبوة التي علمها أبو حامد هي النبوة التي [يثبتها] ١ الفلاسفة، وهي من جنس المنامات، ولهذا استدلّ على جوازها بمبدأ الطب والهندسة، ونحو ذلك٢.
وأمر النبوة أعظم من هذا بكثير، وتلك النبوة موجودة لخلق من الناس، فلهذا لا يوجد للنبوة عندهم ما تستحقه من التصديق والاحترام، ولا يعتمدون عليها في استفادة شيء من العلم الخبري، وهي الإنباء بالغيب وهي خاصة النبوة.
الرازي متردد بين نبوة الفلاسفة والأشاعرة
والرازي كلامه في النبوة متردد بين نبوة الفلاسفة، ونبوّة أصحابه هؤلاء٣، كما ترى٤، وليس في واحدٍ من الطريقين إثبات النبوة التي خصّ الله بها أنبياءه.
فلهذا ضعفت معرفة هؤلاء بالأنبياء، وضعف أخذ العلم من طريقهم، لا سيما وقد عارضوا كثيرًا ممّا جاء عنهم بالعقليات٥، ودخلوا فيما هو أبعد عن الهدى والعلم؛ من العقليات، والذوقيات التي من سلكها ضلّ ضلالًا بعيدًا.
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: تثبتها. ٢ وقد مضى استدلال الغزالي على إثبات النبوة بهذه الطريق. انظر ص ٢٢٨، ٧٣٢-٧٣٣، ٩٦٦ من هذا الكتاب. وانظر شرح الأصفهانية ٢٥٥٨. ٣ أي الأشاعرة. ٤ انظر اضطرابه في النبوات، وميله إلى أقوال الفلاسفة في: المباحث المشرقية ٢٥٢١-٥٢٢. وانظر: بيان تلبيس الجهمية ١١٢٢. وانظر اضطراب الأشاعرة في النبوة فيما مضى من هذا الكتاب، ص ٥٧٣-٥٧٦، ٦١٢، ٧٤٧-٧٥٣، ٩٥٤-٩٦٥. ٥ أي عارضوا ما جاء عن الأنبياء بعقلياتهم.
[ ٢ / ٩٤١ ]
وإنما ينجو من سلك منها شيئًا إذا لطف الله، فعرّفه السلوك [خلف] ١ طريق الأنبياء.
فمن لم يهتد بما جاءت به الأنبياء، فهو أبعد الناس عن الهدى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آيَاتِ اللهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًَا كَأَن لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًَا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ٢، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ وَيلٌ يَومَئِذٍ للمُكَذِّبِينَ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ ٣، ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٤.
اعتراف الرازي في آخر مصنفاته
ولهذا اعترف الرازي بهذا في آخر مصنفاته، حيث قال: (ولقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلًا، ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن؛ اقرأ في الإثبات: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ٥، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٦. واقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٧، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًَا﴾ ٨. ومن جرَّب مثل تجربتي، عرف مثل معرفتي) ٩.
_________________
(١) ١ في «ط»: خلق. ٢ سورة الجاثية، الآيات ٦-٩. ٣ سورة المرسلات، الآيات ٤٨-٥٠. ٤ سورة آل عمران، الآية ١٠١. ٥ سورة فاطر، الآية ١٠. ٦ سورة طه، الآية ٥. ٧ سورة الشورى، الآية ١١. ٨ سورة طه، الآية ١١٠. ٩ سبق ذلك مرارًا. انظر ما سبق في هذا الكتاب، ص ٣٥٧، ٤٧٨، ٦١٢، ٧٤٧.
[ ٢ / ٩٤٢ ]
أقوال المخالفين يستفاد منها في بيان فساد قول كل طائفة
[و] ١ أكثر الانتفاع بكلام هؤلاء، هو فيما يثبتونه من فساد أقوال سائر الطوائف وتناقضها.
وكذلك كلام عامة طوائف المتكلمين؛ يُنتفع بكلام كل طائفة في بيان فساد قول الطائفة الأخرى، لا في معرفة ما جاء به الرسول٢؛ فليس في طوائف أهل الأهواء والبدع من يعرف حقيقة ما جاء به الرسول، ولكن يعرف كل طائفة منه ما يعرفه، فليسوا كفارًا جاحدين [به] ٣، وليسوا عارفين به.
فلقد عرفت وما عرفت حقيقة ولقد جهلت وما جهلت حمولًا
وبسط هذه الأمور له موضع آخر٤، ولكن نبّهنا هنا على طريق الحكمة.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ساقط من «ط» . ٢ يذكر الشيخ ﵀ هذه القاعدة في الاستفادة من كلام الفرق والطوائف. وقد قال ﵀ أيضًا عن تناقض أقوال المعتزلة والأشاعرة، وأن كل فريق يرد على أدلة الفريق الآخر: "وهذا أعظم ما يستفاد من أقوال المختلفين الذين أقوالهم باطلة، فإنه يستفاد من قول كل طائفة بيان فساد قول الطائفة الأخرى، فيعرف الطالب فساد تلك الأقوال، ويكون ذلك داعيًا له إلى طلب الحق، ولا تجد الحق إلا موافقًا لما جاء به الرسول، ولا تجد ما جاء به الرسول إلا موافقًا لصريح المعقول، فيكون ممن له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد". مجموع الفتاوى ١٢٣١٤. وقال أيضًا: "عدم علمهم بما بعث الله به الرسول ﷺ، وعدم تحقيقهم لقواعد المعقول، فإن الأقوال المبتدعة لا بُدّ أن تكون مناقضة للعقل والشرع". شرح الأصفهانية ٢٣٣١. ٣ في «ط»: حه. ٤ انظر: مجموع الفتاوى ٢٢٢-٢٤، ٦٢٨٨، ٧٤٣٥-٤٣٦، ٨٢٩. ودرء تعارض العقل والنقل ١٣٢٦، ٤٢٠٦، ٧٣٥-٣٧، ٩٦٧-٦٨، ١٠٩٧. وبيان تلبيس الجهمية ٢١١٠-١١١. والرد على المنطقيين ص ٣١٠-٣١١.
[ ٢ / ٩٤٣ ]