وأمّا الاستدلال بسنته وعادته، فهو أيضًا طريق برهاني ظاهرٌ لجميع الخلق١.
_________________
(١) ١ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "انخراق العادات أمر معلوم بالحس والمشاهدة بالجملة، وقد أخبر في غير موضع أنه سبحانه لم يخلق العالم عبثًا وباطلًا، بل لأجل الجزاء، فكان هذا من سنته الجميلة، وهو جزاؤه الناس بأعمالهم في الدار الآخرة؛ كما أخبر به؛ من نصر أوليائه، وعقوبة أعدائه. فبعث الناس للجزاء هو من هذه السنة. وهو لم يُخبر بأن كل عادة لا تُنتقض، بل أخبر عن السنة التي هي عواقب أفعال العباد بإثابة أوليائه، ونصرهم على الأعداء. فهذه هي التي أخبر أنه لن يوجد لها تبديل ولا تحويل، كما قال: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ . ثمّ قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عند هذه الآية، وهي قوله جل وعلا: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [سورة فاطر، الآية ٤٣]: (وذلك لأنّ العادة تتبع إرادة الفاعل، وإرادة الفاعل الحكيم هي إرادة حكيمة، فتسوي بين المتماثلات، ولن يوجد لهذه السنة تبديل ولا تحويل، وهو إكرام أهل ولايته وطاعته، ونصر رسله والذين آمنوا على المكذبين. فهذه السنة تقتضيها حكمته سبحانه، فلا انتقاض لها، بخلاف ما اقتضت حكمته تغييره، فذاك تغييره من الحكمة أيضًا، ومن سنته التي لا يوجد لها تبديل ولا تحويل، لكن في هذه الآيات ردّ على من يجعله يفعل بمجرد إرادة ترجح أحد المتماثلين بلا مرجّح؛ فإنّ هؤلاء ليس عندهم له سنة لا تتبدّل، ولا حكمة تقصد، وهذا خلاف النصوص والعقول؛ فإنّ السنة تقتضي تماثل الآحاد، وأنّ حكم الشيء حكم نظيره، فيقتضي التسوية بين المتماثلات، وهذا خلاف قولهم) . الرد على المنطقيين ص ٣٩١.
[ ٢ / ٩٥٨ ]
وهم متفقون عليه؛ من يقول بالحكمة١؛ ومن يقول بمجرد المشيئة٢؛ فإنّه قد علم عادته سبحانه في طلوع الشمس، والقمر، والكواكب، والشهور، والأعوام، وعادته في خلق الإنسان، وغيره من المخلوقات، وعادته فيما عرفه الناس؛ من المطاعم، والمشارب، والأغذية، والأدوية، ولغات الأمم؛ كالعلم بنحو كلام العرب وتصريفه، والعلم بالطب وغير ذلك.
سنة الله في نصر الأنبياء وأتباعهم وإهلاك من كذبهم أو كذب عليهم
كذلك سنته تعالى في الأنبياء الصادقين وأتباعهم، وفيمن كذّبهم، أو كذب عليهم؛ فأولئك ينصرهم ويعزّهم، ويجعل لهم العاقبة المحمودة، والآخرون يهلكهم ويذلهم، ويجعل لهم العاقبة المذمومة٣؛ كما فعل [بقوم] ٤ نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وأصحاب مدين، وفرعون
_________________
(١) ١ وهم أهل السنة والجماعة الذين يثبتون الحكمة لله ﷾. ٢ وهم من ينفي الحكمة من أمثال الأشاعرة. ٣ وقال شيخ الإسلام ﵀ موضّحًا هذا المعنى: "كذلك سنته في الأنبياء الصادقين، وأتباعهم من المؤمنين، وفي الكذابين والمكذبين بالحقّ: أنّ هؤلاء ينصرهم، ويُبقي لهم لسان صدق في الآخرين، وأولئك ينتقم منهم، ويجعل عليهم اللعنة. فبهذا وأمثاله يُعلم أنه لا يؤيد كذّابًا بمعجزة لا معارض لها؛ لأنّ في ذلك من الفساد والضرر بالعباد ما تمنعه رحمته، وفيه من سوء العاقبة ما تمنعه حكمته، وفيه من نقض سنته المعروفة وعادته المطردة ما تُعلم به مشيئته". شرح الأصفهانية ٢٦١٥. فالشيخ ﵀ يُبيِّن أنّ الطرق كثيرة ومتنوعة في معرفة النبيّ من المتنبئ، والصادق من الكاذب. ومن هذه الطرق ودلائل النبوة على صدقهم: دلالة عاقبة الأنبياء ومتبعيهم، ونصرهم على أعدائهم، وإهلاك الله لمكذّبيهم. ولأهمية هذا الطريق، ودلالته على صدق الأنبياء، أكثر الشيخ ﵀ من إيراده في كتبه. انظر: الجواب الصحيح؛ فقد عقد فصلًا كاملًا في ذلك ٦٣٨٧-٤٢٥. وشرح الأصفهانية ٢٤٩٢-٤٩٦، ٥٠٠. وانظر ما سبق في كتاب النبوات، ص: ٢٣٩-٢٤٨، ٥٩٦، ٦١٢-٦١٧، ٦١٨-٦٢١، ٧٨٣-٧٨٦. ٤ ما بين المعقوفتين مكرّر في «خ» .
[ ٢ / ٩٥٩ ]
وقومه؛ وكما فعل بمن كذّب محمدًا؛ من قومه قريش، ومن سائر العرب، وسائر الأمم غير العرب؛ وكما فعل [بمن] ١ نصر أنبياءه وأتباعهم؛
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ المَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ﴾ ٢.
وقال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا في الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَومَ يَقُومُ الأَشْهَاد﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ القُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيد وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتهُم الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيب﴾ ٤
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قومُ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيتُ للكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِير﴾ ٥.
وقال تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُوا في الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [كَانُوا أَشَدَّ] ٦ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا [السُّوْأَى] ٧ أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ٨.
_________________
(١) ١ في «خ»: من. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ سورة الصافات، الآيات ١٧١-١٧٣. ٣ سورة غافر، الآية ٥١. ٤ سورة هود، الآيتان ١٠٠-١٠١. ٥ سورة الحج، الآية ٤٤. ٦ في «خ»: كانوا هم أشدّ. ٧ رسمت في «م»، و«ط»: السوء. ٨ سورة الروم، الآيتان ٩-١٠.
[ ٢ / ٩٦٠ ]
وقال تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُوا في الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ [كَانَ] ١ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًَا في الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ وَاق ذَلِكَ [بِأَنَّهُمْ] ٢ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللهُ إِنَّهُ قَوِيّ شَدِيدُ العِقَابِ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ والأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوه وَجَادَلُوا بِالبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَاب﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا في الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثارًَا في الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُون فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ [بِالبَيِّنَاتِ] ٥ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا [بِهِ] ٦ يَسْتَهْزِئُونَ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا [قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ [يَكُ] ٧ يَنْفَعُهُمْ إِيْمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا] ٨ سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكَافِرُون﴾ ٩.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًَّا وَلا
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٢ في «خ»: بأنه. ٣ سورة غافر، الآيتان ٢١-٢٢. ٤ سورة غافر، الآية ٥. ٥ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٦ ما بين المعقوفتين ساقط من «خ» . ٧ في «خ» رسمت: يكن. ٨ ما بين المعقوفتين مكرّر في «خ» . ٩ سورة غافر، الآيات ٨٢-٨٥.
[ ٢ / ٩٦١ ]
نَصِيرًا سُنَّة اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُورًَا اسْتِكْبَارًَا في الأَرْضِ وَمَكْر السَّيِّءِ وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلًا﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًَا لا يَلْبَثُونَ [خِلافَكَ] ٣ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ ٤.
[وقال تعالى] ٥: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَن الَّذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًَا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًَا قَلِيلًا إِذًَا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحَيَاةِ وَضِعْفَ المَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَينَا نَصِيرًَا﴾ ٦.
وقد قيل: آية الحاقة٧، وآية الشورى٨ تُبيِّن أنه لو افترى عليه [لعاقبه٩] ١٠، فهذه سنته في الكاذبين.
_________________
(١) ١ سورة الفتح، الآيتان ٢٢-٢٣. ٢ سورة فاطر، الآيات ٤٢-٤٣. ٣ في «خ»: خلفك. ٤ سورة الإسراء، الآية ٧٦. ٥ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٦ سورة الإسراء، الآيات ٧٣-٧٥. ٧ قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيل لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِين فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [سورة الحاقة، الآيات ٤٤-٤٧] . ٨ قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [سورة الشورى، الآية ٢٤] . ٩ انظر تفسير ابن كثير ٤١١٤-١١٧. ١٠ في «ط»: لعاقبة.
[ ٢ / ٩٦٢ ]
وحقيقة الاستدلال بسنته وعادته: هو اعتبار الشيء بنظيره؛ وهو التسوية بين المتماثلين، والتفريق بين المختلفين؛ وهو الاعتبار المأمور به في القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ في فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقَاتِلُ في سَبِيل اللهِ وَأُخْرَى كَافِرةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَينِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاء إِنَّ في ذَلِكَ لَعِبرَةً لأُولِي الأَبْصار﴾ ١، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي المُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولي الأَبْصَار﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرة لأُولي الأَلْبَابِ﴾ ٣.
وإنما تكون العبرة [به] ٤ بالقياس والتمثيل؛ كما قال ابن عباس في دية الأصابع: هنّ سواء٥، واعتبروها بدية الأسنان.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية ١٣. ٢ سورة الحشر، الآية ٢. ٣ سورة يوسف، الآية ١١١. ٤ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٥ أخرجه عن ابن عباس: البيهقي في السنن الكبرى ٨٩٣، كتاب الديات، باب الأصابع كلها سواء. وأخرجه أبو داود عن ابن عباس يرفعه إلى رسول الله ﷺ، أنه قال: "الأصابع سواء، والأسنان سواء، الثنية والضرس سواء، هذه وهذه سواء". سنن أبي داود ٢٤٩٤، كتاب الديات، باب ديات الأعضاء. وأخرجه البخاري في صحيحه - مختصرًا - ٦٢٥٢٦-٢٥٢٧، كتاب الديات، باب دية الأصابع. والترمذي في جامعه ٤١٣-١٤، كتاب الديات، باب ما جاء في دية الأصابع. وابن ماجه في سننه ٢٨٨٥، كتاب الديات، باب دية الأسنان ودية الأصابع. والدارمي في سننه ٢١٩٤، كتاب الديات، باب في دية الأصابع. وانظر المغني لابن قدامة ١٢١٣٢، ١٤٨-١٥١.
[ ٢ / ٩٦٣ ]
فإذا عرفت قصص الأنبياء، ومن اتبعهم، ومن كذَّبهم، وأنَّ متبعيهم كان لهم النجاة [والعاقبة] ١ والنصر والسعادة، [ولمكذّبهم] ٢ الهلاك والبوار، جعل الأمر في المستقبل مثلما كان في الماضي؛ فعلم أنّ من صدّقهم كان سعيدًا، ومن كذَّبهم كان شقيًا. وهذه [سنة الله] ٣ وعادته.
ولهذا يقول سبحانه في تحقيق عادته وسنته، وأنه لا ينقضها ولا يبدلها: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ في الزُّبُر﴾ ٤؛ يقول: فإذا لم يكونوا خيرًا منهم، فكيف ينجون من العذاب، مع مماثلتهم لهم، هذا بطريق الاعتبار والقياس، ثم قال: ﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾: أي معكم خبر من الله بأنه لا يعذبكم؟؛ فنفى الدليلين: العقلي، والسمعي، ثم ذكر قولهم: نحن جميعٌ منتصر، وإنَّا نغلب من يغالبنا، فقال تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُر﴾ ٥، وهذا ممّا [أنبأ به] ٦ من الغيب في حال ضعف الإسلام، واستبعاد عامة الناس ذلك٧، ثم كان كما أخبر.
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: العافية. ٢ في «م»، و«ط»: ولمكذّبيهم. ٣ في «خ»: الله سنة - تقديم وتأخير -. والمثبت من «م»، و«ط» . ٤ سورة القمر، الآية ٤٣. ٥ سورة القمر، الآية ٤٥. ٦ في «م»، و«ط»: أنبأه. ٧ نقل الطبري بسنده عن عكرمة أن عمر قال: لما نزلت: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ جعلتُ أقول: أيّ جمع سيهزم؟ فلما كان يوم بدر رأيت النبي ﷺ يثب في الدرع، ويقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ تفسير الطبري ٢٧١٠٨. وكذلك نقله ابن كثير عن ابن أبي حاتم بسنده إلى عكرمة، وفيه أن عمر ﵁ قال في آخره: فعرفت تأويلها يومئذ. تفسير ابن كثير ٤٢٦٦. وروى البخاري في صحيحه عن يوسف بن ماهك قال: إني عند عائشة أم المؤمنين ﵂ إذ قالت: (لقد أنزل على محمد ﷺ بمكة وإني لجارية ألعب: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ . صحيح البخاري ٤١٨٤٦، كتاب التفسير، باب: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ .
[ ٢ / ٩٦٤ ]
وقد قال للمؤمنين في تحقيق سنته وعادته: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيب﴾ ١، وقال لمحمد: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ٢، وقال: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُون أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَة كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ ٤.
وفي الصحيحين: عن [أبي هريرة] ٥ [﵁] ٦، عن النبي ﷺ أنه قال: "لتركبنّ سُنَنَ من كان قبلكم حذو القذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: نعم"٧.
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية ٢١٤. ٢ سورة فصلت، الآية ٤٣. ٣ سورة الذاريات، الآيتان ٥٢-٥٣. ٤ سورة البقرة، الآية ١١٩. ٥ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٦ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «ط» . وفي «م»: ﷺ. ٧ الحديث أخرجه البخاري عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري ﵄ ٣١٢٧٤، كتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل. مع اختلاف في ألفاظه. وكذلك أخرجه في ٦٢٦٦٩، كتاب الاعتصام، باب قول النبي ﷺ: "لتتبعن سنن من كان قبلكم". وأخرجه مسلم ٤٢٠٥٤، كتاب العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى. وابن ماجه في سننه ٢١٤٢٢، كتاب الفتن، باب افتراق الأمم. وأحمد في المسند ٢٣٢٧، ٤٥٠، ٥١١، ٥٢٧، ٣٨٤، ٨٩، ٩٤.
[ ٢ / ٩٦٥ ]
وفي الصحيحين: عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "ليأخذن أمتي ما أخذ الأمم قبلها شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع. قالوا: يا رسول الله! فارس والروم؟ قال: ومن النَّاس إلا هؤلاء"١.
وفي السنن: لما قال له بعض أصحابه: "اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. قال: الله أكبر قلتم كما قال [قوم] ٢ موسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة. ثم قال: إنه السنن لتركبن سنن من كان قبلكم" ٣.
وقال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ٤.
ولهذا احتج من احتج بسنة الله وعادته في مكذبي الرسل٥؛ كقول
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة ﵄، ٦٢٦٦٩، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي ﷺ: "لتتبعن سنن من كان قبلكم"، مع اختلاف في الألفاظ. وأخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ ٤٢٠٥٤، كتاب العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى. ٢ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٣ أخرجه الترمذي في جامعه ٤٤٧٥، كتاب الفتن، باب ما جاء: "لتركبن سنن من كان قبلكم"، وقال: حسن صحيح. وأحمد في المسند٥٢١٨. وابن حبان (الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان ٨٢٤٨) . والحاكم في المستدرك ٤٤٥٥، وقال: صحيح، ووافقه الذهبي. ٤ سورة آل عمران، الآية ١٣٧. ٥ كأنّ الشيخ ﵀ يُشير إلى احتجاج عثمان بن عفان ﵁ بهذه الآية؛ وهو ما أورده ابن كثير عن ابن أبي حاتم بسنده إلى ابن أبي ليلى الكندي، قال: كنت مع مولاي أمسك دابته، وأحاط الناس بعثمان بن عفان إذ أشرف علينا من داره فقال: ﴿وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾، يا قوم لا تقتلوني، إنكم إن قتلتموني كنتم هكذا. وشبّك بين أصابعه. تفسير ابن كثير ٢٤٥٧.
[ ٢ / ٩٦٦ ]
شعيب: ﴿ويَا قَوم لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلَ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَومَ صَالِح وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيد﴾ ١.
وقال مؤمن آل فرعون: ﴿يَا قَومِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ مِثْلَ دَأبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًَا لِلْعِبَاد﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ٣.
معنى الدأب
والدأب: العادة في ثلاثة مواضع٤، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ ولا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًَا وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّار كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ العِقَاب﴾ ٥.
قال ابن قتيبة٦ وغيره٧: الدأب: العادة، ومعناه: كعادة آل فرعون، يريد كفر اليهود٨ كلّ فريق بنبيّهم.
_________________
(١) ١ سورة هود، الآية ٨٩. ٢ سورة غافر، الآيتان ٣٠-٣١. ٣ سورة آل عمران، الآية ١١. وكذلك سورة الأنفال في الآيتين ٥٢، ٥٤. ٤ في سورة آل عمران، الآية ١٠، وفي سورة الأنفال، الآيتان ٥٢، ٥٤، وفي سورة غافر، الآية ٣١. ٥ سورة آل عمران، الآيتان ١٠-١١. ٦ هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، أبو محمد. من أئمة الأدب، ومن المصنفين المكثرين. ولد ببغداد، وسكن الكوفة، ثم ولي قضاء الدينور مدة، فنسب إليها، وتوفي ببغداد. وله كتب كثيرة مثل: تأويل مختلف الحديث، وعيون الأخبار، ومشكل القرآن، وتفسير غريب القرآن. ولد سنة ٢١٣، وتوفي سنة ٢٧٦؟. انظر: سير أعلام النبلاء ١٣٢٩٦. والأعلام ٤١٣٧. ٧ قال ابن الأنباري: والكاف في ﴿كدأب﴾: متعلقة بفعل مضمر، كأنه قال: كفرت اليهود ككفر آل فرعون. زاد المسير ١٣٥٥. ٨ زاد المسير ١٣٥٥. وقال ابن قتيبة بعد هذه العبارة: ككفر من قبلهم. وهذا المعنى الأول.
[ ٢ / ٩٦٧ ]
وقال الزجاج١: هو الاجتهاد، معناه: أي دأب هؤلاء، وهو اجتهادهم في كفرهم وتظاهرهم على النبي، كتظاهر آل فرعون على موسى٢.
وقال عطاء٣، والكسائي٤، وأبو عبيدة٥: كسنّة آل فرعون٦.
_________________
(١) ١ هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد السري الزجاج البغدادي الإمام، نحوي زمانه. له تآليف جمة، وكان من ندماء المعتضد، ومن أهل الفضل والدين المتين. توفي سنة ٣١١؟. انظر: الفهرست ٩٠-٩١. وتاريخ العلماء النحويين ص ٣٨-٤٠. وسير أعلام النبلاء ١٤٣٦٠. ٢ انظر زاد المسير ١٣٥٥، وهذا المعنى الثاني. ٣ هو عطاء بن أبي رباح القرشي، مولاهم. من كبار التابعين، كان ثقة فقيهًا عالمًا كثير الحديث. نشأ بمكة، وفاق أهلها في الفتوى. توفي سنة ١١٤؟. انظر: سير أعلام النبلاء ٥٧٨-٨٨. والبداية والنهاية ٩٣٠٦-٣٠٩. وتهذيب التهذيب ٧١٩٩-٢٠٣. والأعلام ٤٢٣٥. ٤ هو علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي، مولاهم الكوفي، الملقب بالكسائي. شيخ القراءة والعربية. كان من أعلم الناس بالنحو، وواحدهم في الغريب، وهو مؤدب الرشيد وابنه الأمين. توفي سنة ١٨٩؟. انظر: سير أعلام النبلاء ٩١٣١-١٣٤. وتهذيب التهذيب ٧٣١٣-٣١٤. وشذرات الذهب ١٣٢١. والأعلام ٤٢٨٣. ٥ هو معمر بن المثنى التميمي، مولاهم البصري. الإمام، العلامة، البحر، النحوي، صاحب التصانيف. ولم يكن صاحب حديث، وإنما له علم باللسان وأيام الناس. قال عنه الجاحظ: (لم يكن في الأرض أعلم بجميع العلوم منه، وكان أباضيًا شعوبيًا) توفي سنة ٢٠٩، أو ٢١٠؟. انظر: سير أعلام النبلاء ٩٤٤٥-٤٤٧. وتهذيب التهذيب ١٠٢٤٦-٢٤٨. وشذرات الذهب ٢٢٤-٢٥. والأعلام ٧٢٧٢. ٦ انظر: تفسير البغوي ١٢٨١. وتفسير ابن عطية ٨٩٠-٩١.
[ ٢ / ٩٦٨ ]
وقال النضر بن شميل١: "كعادة آل فرعون٢؛ يريد عادة هؤلاء الكفار في تكذيب الرسل وجحود الحق كعادة آل فرعون".
وقال طائفة٣: "نظم الآية: إنّ الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم عند حلول النقمة والعقوبة، مثل آل فرعون، وكفار الأمم الخالية أخذناهم فلن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم".
وفي تفسير أبي روق٤: عن الضحاك٥، عن ابن عباس: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾: قال: كصنيع آل فرعون٦.
_________________
(١) ١ هو النضر بن شميل بن خَرَشَة بن يزيد المازني التميمي، أبو الحسن. أحد الأعلام بمعرفة أيام العرب ورواية الحديث وفقه اللغة. ولد بمرو، وانتقل إلى البصرة مع أبيه سنة ١٢٨ وأصله منها، فأقام زمنًا، وعاد إلى مرو، فولي قضاءها، واتصل بالمأمون، فأكرمه وقربه، وتوفي بمرو. له كتب، منها: الصفات في صفات الإنسان والبيوت والجبال والإبل والغنم والطير والكواكب والزروع. توفي سنة ٢٠٣؟. انظر: سير أعلام النبلاء ٩٣٢٨. والأعلام ٨٣٣. ٢ انظر: تفسير البغوي ١٢٨١. ٣ انظر: تفسير الطبري ٣١٩٠. وتفسير ابن كثير ١٣٤٩. ٤ عطية بن الحارث، أبو روق الهمداني الكوفي، صاحب التفسير، صدوق، من الخامسة. تقريب التهذيب ١٦٧٧. ٥ هو الضحاك بن مزاحم الهلالي، أبو محمد صاحب التفسير. كان من أوعية العلم، وليس بالمجود لحديثه. وهو صدوق في نفسه. توفي سنة ١٠٢؟، وقيل: بعدها. انظر: سير أعلام النبلاء ٤٥٨٩-٦٠٠. وتهذيب التهذيب ٤٤٥٣-٤٥٤. والبداية والنهاية ٩٢٢٣. وشذرات الذهب ١١٢٤-١٢٥. والأعلام ٣٢١٥. ٦ انظر: تفسير الطبري٣١٩٠. وتفسير البغوي ١٢٨١. وتفسير ابن كثير ١٣٤٩ وفتح القدير ١٣٢٢.
[ ٢ / ٩٦٩ ]
قال ابن أبي [حاتم] ١: وروي عن مجاهد، والضحاك، وأبي مالك، وعكرمة، نحو ذلك٢.
قال: وروي عن الربيع بن أنس٣ كشبه آل فرعون٤.
وعن السدي قال: ذكر الذين كفروا كمثل الذين من قبلهم في [التكذيب] ٥ والجحود٦.
قلت: فهؤلاء جعلوا الشبيه في العمل؛ فإن لفظ الدأب يدلّ عليه:
قال الجوهري٧: دأب فلان في عمله، أي: جدَّ، وتعب دَأْبًَا ودُؤوبًا، فهو دَئِبٌ. وأدأبتُه أنا. والدائبان: الليل والنهار. قال: والدَّأْبُ يعني بالتسكين: العادة والشأن، وقد يُحَرَّكُ٨.
_________________
(١) ١ في «ط»: حاحم. ٢ انظر: تفسير الطبري٣١٩٠. وتفسير البغوي ١٢٨١. وتفسير ابن كثير ١٣٤٩ وفتح القدير ١٣٢٢. ٣ هو الربيع بن أنس بن أبي زياد البكري الخراساني المروزي. كان عالم مرو في زمانه، وقد سجن ثلاثين سنة. توفي سنة ١٣٩؟. انظر: سير أعلام النبلاء ٦١٦٩-١٧٠. وتهذيب التهذيب ٣٢٣٨-٢٣٩. ٤ انظر: تفسير الطبري ٣١٩٠. وتفسير ابن كثير ١٣٤٩. وفتح القدير ١٣٢٢. ٥ في «ط»: اتكذيب. ٦ تفسير الطبري ٣١٩٠-١٩١. ٧ هو إسماعيل بن حماد التركي الجوهري، أبو نصر. إمام اللغة. كان يحب الأسفار والتغريب. مات مترديًا من سطح داره سنة ٣٩٣؟ لأنه حاول الطيران، وصنع جناحين من خشب، وصعد داره، فخانه اختراعه، فسقط إلى الأرض قتيلًا. انظر: سير أعلام النبلاء ١٧٨٠-٨٢. ولسان الميزان ١٤٠٠-٤٠٢. وشذرات الذهب ٣١٤٢-١٤٣. والأعلام ١٣١٣. ٨ انظر الصحاح للجوهري ١١٢٣-١٢٤.
[ ٢ / ٩٧٠ ]
قال الفراء١: أصله من دأبت، إلا أن العرب حوّلت معناه إلى الشأن٢.
قلت: الزَّجَّاج جعل ما في القرآن من الدأب، الذي هو الاجتهاد٣. والصواب: ما قاله الجمهور؛ أنَّ الدأب - بالتسكين -: هو العادة، وهو غير الدأب بالتحريك؛ إذا زاد اللفظ زاد المعنى، والذي في القرآن مُسَكَّنٌ، ما علمنا أحدًا قرأه بالتحريك، وهذا معروف في اللغة؛ يقال: فلانٌ دَأْبُهُ كذا وكذا: أي هذا عادته وعمله اللازم له، وإن لم يكن في ذلك تعبٌ واجتهاد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ ٤، والدائب نظير الدائم، والباء والميم متقاربتان؛ ومنه: اللازب واللازم. قال ابن عطية٥: "دائبين، أي: متماديين، ومنه قول النبي ﷺ لصاحب الجمل الذي بكى وأجهش إليه: "إنَّ هذا الجمل شكى إلي أنك تُجيعه وتُدئبُه٦"٧؛ أي
_________________
(١) ١ هو يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الأسدي، مولاهم الكوفي، النحوي العلامة، صاحب التصانيف، أبو زكريا. له مشاركات في علوم كثيرة. توفي سنة ٢٠٧؟. انظر: سير أعلام النبلاء ١٠١١٨-١٢١. والبداية والنهاية ١٠٢٦١. وتهذيب التهذيب ١١٢١٢-٢١٣. والأعلام ٨١٤٥-١٤٦. ٢ انظر: الصحاح للجوهري١١٢٣-١٢٤. ولسان العرب١٣٦٩. وانظر: تفسير الطبري ٣١٩١ - ونقله عن السدي -. والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٢٩٥. ٣ انظر: زاد المسير ١٣٥٥. وانظر ما سبق، ص ١١٨٥ من هذا الكتاب. ٤ سورة إبراهيم، الآية ٣٣. ٥ هو أبو محمد عبد الحق بن الحافظ أبي بكر غالب بن عطية المحاربي الغرناطي. كان إمامًا في الفقه وفي التفسير وفي العربية، قوي المشاركة، ذكيًا فطنًا مدركًا، من أوعية العلم. ولد سنة ٤٨٠ هـ. وتوفي سنة ٥٤١ هـ، وقيل: ٥٤٢ هـ. سير أعلام النبلاء ١٩٥٨٧-٥٨٨. ٦ في تفسير ابن عطية: وتديبه. وقال ابن الأثير عند شرح غريب هذا الحديث: "أي تكده وتتعبه، دأبَ يدأبُ دأبًا ودُؤوبًا وأدأبته أنا". النهاية في غريب الحديث ٢٩٥. ٧ أخرجه الإمام أحمد في المسند ١٢٠٤، وكذلك في ص ٢٠٥. وأبو داود في سننه ٣٤٩-٥٠، كتاب الجهاد، باب ما يؤمر به من القيام على الدواب والبهائم.
[ ٢ / ٩٧١ ]
تديمه في العمل [له] ١ والخدمة٢". قال٣: "وظاهر الآية أن معناه دائبين في الطلوع والغروب، وما بينهما من المنافع للناس التي لا تحصى كثيرة٤"٥.
قال٦: "وحكى الطبري عن مقاتل بن حيان يرفعه إلى ابن عباس أنه قال: معناه دائبين في طاعة الله" ٧.
قال٨: "وهذا قول إن كان يراد به أن الطاعة: [انقيادهما للتسخير] ٩، فذلك موجود في [طاعة] ١٠ قوله: [و] ١١ ﴿سخَّر﴾ . وإن كان يراد أنها طاعة [مقدورة] ١٢، كطاعة العبادة من البشر، فهذا [بعيد] ١٣" ١٤.
_________________
(١) ١ في «خ»: والشرك. بدلًا من: له. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ في تفسير ابن عطية: في الخدمة والعمل. ٣ يعني ابن عطية في تفسيره. ٤ في تفسير ابن عطية: كثرة. ٥ تفسير ابن عطية ١٠٨٦. ٦ القائل هو ابن عطية. ٧ تفسير ابن عطية ١٠٨٦. وانظر تفسير الطبري ١٣٢٢٥. ٨ القائل هو ابن عطية. ٩ في تفسير ابن عطية: انقيادٌ منهما في التسخير. ١٠ ما بين المعقوفتين لا يُوجد في تفسير ابن عطية. وحذفه أولى. ١١ لا توجد الواو في تفسير ابن عطية. ١٢ في تفسير ابن عطية: مقصودة. ١٣ في تفسير ابن عطية: جيد. وقال محققه: "وفي نسخة: بدل جيد: بعيد. وهذا ما تقتضيه المقابلة، فلعل في هذه النسخة تصحيفًا". ١٤ تفسير ابن عطية ١٠٨٦.
[ ٢ / ٩٧٢ ]
قلت١: ليس هذا ببعيد، بل عليه دلت الأدلة الكثيرة، كما هو مذكور في مواضع٢.
وقالت طائفة، منهم البغوي: وهذا لفظه دائبين يجريان فيما يعود إلى مصالح [عباد] ٣ الله لا يفتران.
قال ابن عباس: دؤوبهما في طاعة الله٤.
ولفظ أبي الفرج: "دائبين في إصلاح ما يصلحانه من النبات وغيره، لا يفتران. قال: ومعنى الدؤوب: مرور [الشيء على] ٥ عادة جارية فيه"٦.
قلت: وإذا كان دأبهم هو عادتهم وعملهم الذي كانوا مصرين عليه، فالمقصود أن هؤلاء أشبهوهم في العمل، فيشبهونهم في الجزاء، فيحيق بهم ما حاق بأولئك. هذا هو المقصود ليس المقصود التشبيه في [الجزاء كقوله] ٧: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًَا
_________________
(١) ١ القائل هو شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. ٢ قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [سورة الحج، الآية ١٨] . وفي الصحيحين عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أتدري أين تذهب هذه الشمس"؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنها تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأمر، فيوشك أن يقال لها: ارجعي من حيث جئت". الحديث أخرجه البخاري في صحيحه كتاب التفسير، باب في تفسير قوله تعالى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾، حديث رقم ٤٤٢٨. ومسلم في صحيحه ١١٣٨-١٣٩، كتاب الإيمان، باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان. ٣ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٤ انظر تفسير البغوي ٣٣٦. ٥ في «خ»: الشيء في على. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٦ زاد المسير ٤٣٦٤. ٧ في «خ»: الجزاء مقصود كقوله. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ٢ / ٩٧٣ ]
وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّار [كَدَأْبِ] ١ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ العِقَاب﴾ ٢؛ أي فهؤلاء لا [تدفع] ٣ عنهم أموالهم وأولادهم عذاب الله إذ جاءهم، كدأب آل فرعون.
وكذلك قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيق ذَلكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ للعَبِيد﴾ ٤، [إلى قوله:] ٥ ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ ٦. فهذا كله يقتضي التشبيه في العذاب.
وأما الطائفة الأخرى: فجعلوا الدأب نفس فعل الرب بهم، وعقوبته لهم:
قال مكي بن أبي طالب٧: "الكاف [في] ٨ (كدأب) في [مواضع] ٩
_________________
(١) ١ في «خ» رسمت: كذاب. ٢ سورة آل عمران، الآيتان ١٠-١١. ٣ في «خ»: يدفع. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ سورة الأنفال، الآيتان ٥٠-٥١. ٥ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٦ سورة الأنفال، الآية ٥٤. ٧ مكي بن أبي طالب، حموش بن محمد بن مختار الأندلسي القيسي، أبو محمد. مقرئ، عالم بالتفسير والعربية، من أهل القيروان. ولد فيها، وطاف في بعض بلاد المشرق، ثم سكن قرطبة، وخطب وأقرأ بجامعها، وتوفي فيها. له كتب كثيرة، منها: مشكل إعراب القرآن، والكشف عن وجوه القراءات وعللها. ولد سنة ٣٥٥، وتوفي سنة ٤٣٧؟. انظر: سير أعلام النبلاء ١٧٥٩١. والأعلام ٧٢٨٦. ٨ في زاد المسير: من. ٩ في زاد المسير: موضع.
[ ٢ / ٩٧٤ ]
نصب نعت لمحذوف تقديره: [غيّرناهم] ١ [كما] ٢ غيّروا تغييرًا، مثل عادتنا في آل فرعون. ومثلها الآية الأولى، إِلاَّ أنّ الأولى للعادة في العذاب، تقديره: فعلنا بهم ذلك فعلًا مثل عادتنا في آل فرعون"٣.
وقد جمع بعضهم بين المعنيين، فقال أبو الفرج: " ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾: أي كعادتهم، والمعنى: [كذّب هؤلاء كما] ٤ كذَّب أولئك، فنزل بهم العذاب، كما نزل بأولئك" ٥.
قلت: الدأب: العادة، وهو مصدر يُضاف إلى الفاعل تارة، وإلى المفعول أخرى، فإذا أضيف إلى الفاعل، كان المعنى: كفعل آل فرعون، وإذا أضيف إلى المفعول، كان المعنى: كعادتهم في العذاب والمصائب التي نزلت بهم؛ يقال: [هذه] ٦ عادة هؤلاء لما فعلوه، ولما يصيبهم، وهي عادة الرب وسنته فيهم.
والتحقيق: أنّ اللفظ يتناول الأمرين [جميعًا] ٧.
وقد تقدم عن الفراء والجوهري: أنَّ الدأب: العادة والشأن٨، وهذا كقوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِين﴾ ٩:
_________________
(١) ١ في زاد المسير: غيّرنا بهم. ٢ في زاد المسير: لمّا. ٣ زاد المسير ٣٣٧١. ٤ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، و«م»، و«ط» . وهو من زاد المسير. ٥ زاد المسير ٣٣٧١. ٦ في «ط»: هذا. ٧ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٨ انظر: الصحاح للجوهري ١١٢٣. ٩ سورة آل عمران، الآية ١٣٧.
[ ٢ / ٩٧٥ ]
روى ابن أبي حاتم بالإسناد المعروف عن مجاهد: " ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾: [من] ١ الكفار، والمؤمنين [في] ٢ الخير والشر"٣.
وعن أبي إسحاق٤: "أي: قد مضت مني وقائع نقمة في أهل التكذيب لرسلي والشرك [بي] ٥ عاد، وثمود، وقوم لوط، وأصحاب مدين، [فَرُؤُوا٦ مثلات] ٧ قد مضت [مني] ٨ فيهم" ٩؛ فقد فسّرت السنن: بأعمالهم وبجزائهم.
قال البغوي: "معنى الآية: قد مضت، وسلفت مني [سنن] ١٠ فيمن كان قبلكم من الأمم الماضية الكافرة بإمهالي [واستدراجي] ١١ إياهم، حتى يبلغ الكتاب فيهم أجلي الذي أجلته لإهلاكهم وإدالة أنبيائي [عليهم] ١٢، ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾: أي
_________________
(١) ١ في تفسير الطبري: في. ٢ في تفسير الطبري: و. ٣ تفسير الطبري ٤١٠٠. وانظر: تفسير البغوي ١٣٥٤. ٤ هو عمرو بن عبد الله، من بني ذي يحمر بن السبيع، الهمداني الكوفي، أبو إسحاق السبيعي. من أعلام التابعين الثقات. كان شيخ الكوفة في عصره. أدرك عليًا، ورآه يخطب، وقال: رأيته أبيض الرأس واللحية. وكان من الغزاة المشاركين في الفتوح. عمي في كبره. ولد سنة ٣٣، وتوفي سنة ١٢٧؟. انظر: سير أعلام النبلاء ٥٣٩٢. والأعلام ٥٨١. ٥ في تفسير الطبري: في. ٦ في «م»، و«ط»: فروا. ٧ في تفسير الطبري: (فسيروا في الأرض تروا مثلات) . ٨ ما بين المعقوفتين ليس في تفسير الطبري. ٩ تفسير الطبري ٤١٠٠. ١٠ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، و«م»، و«ط» . وهو في تفسير البغوي. ١١ في «ط»: واستندراجي. ١٢ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، و«م»، و«ط» . وهو في تفسير البغوي.
[ ٢ / ٩٧٦ ]
[آخر] ١ المكذبين [منهم] ٢. قال: وهذا في [حزب واحد] ٣، يقول [﷿] ٤: فأنا أمهلهم وأستدرجهم حتى يبلغ أجلي الذي [أجلت من] ٥ نصرة النبي [ﷺ] ٦ وأوليائه، وهلاك أعدائه) ٧.
قلت: ونظير هذا: قوله تعالى: ﴿[أَفَلَمْ] ٨ يَسِيرُوا في الأَرْضِ فَتَكون لَهُمْ قُلُوبٌ [يَعْقِلُونَ] ٩ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُور﴾ ١٠، وقوله: ﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُوا في الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ [كَانُوا] ١١ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ١٢، وقوله في الآية الأخرى: ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثارًَا في الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُون فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ فَلَمَّا
_________________
(١) ١ عند البغوي: اخرنا من. ٢ ما بين المعقوفتين ليس في تفسير البغوي. ٣ عند البغوي: حرب أحد. ٤ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، و«م»، و«ط» . وهو في تفسير البغوي. ٥ عند البغوي: أجلته في. ٦ زيادة من تفسير البغوي. ٧ تفسير البغوي ١٣٥٤. ٨ في «خ»: أو لم. ٩ في «خ»: يعللون. ١٠ سورة الحج، الآية ٤٦. ١١ ما بين المعقوفتين ساقط من «م»، و«ط» . ١٢ سورة الروم، الآية ٩.
[ ٢ / ٩٧٧ ]
رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيْمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكَافِرُون﴾ ١.
فهذا كلّه يُبيِّن أن سنة الله وعادته مطردة، لا تنتقض في إكرام مصدقي الرسل، وإهانة مكذّبيهم٢.
_________________
(١) ١ سورة غافر، الآيات ٨٢-٨٥. ٢ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو يردّ على الفلاسفة في علومهم الفلسفية، مبيّنًا أن العاديات التي هي عامة علومهم الكلية منتقضة. أما سنة الله ﷾ فلا تنتقض بحال من الأحوال، يقول ﵀: "ولكن العادة التي لا تنتقض بحال: ما أخبر الله أنها لا تنتقض، كقوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلا مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب، ٦٠-٦٢] . وقال: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح، ٢٢-٢٣] . وقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر، ٤٢-٤٣] . فهذه سنة الله وعادته في نصر عباده المؤمنين إذا قاموا بالواجب على الكافرين، وانتقامه وعقوبته للكافرين الذين بلغتهم الرسل بعذاب من عنده أو بأيدي المؤمنين هي سنة الله التي لا توجد منتقضة قط. ولما قال قبل هذا: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب، ٣٨] لم يقل هنا ولن تجد؛ لأن هذه سنة شرعية لا ترى بالمشاهدة، بل تعلم بالوحي بخلاف نصره للمؤمنين، وعقوبته للمنذَرين، فإنه أمر مشاهد، فلن يوجد منتقضًا". الرد على المنطقيين ص ٣٩٠.
[ ٢ / ٩٧٨ ]