١- ما يدل بنفسه
٢- ما يدل بدلالة الدال به
والدليل الذي هو الآية والعلامة ينقسم إلى ما يدلّ بنفسه، وإلى ما يدلّ بدلالة الدالّ به؛ فيكون الدليل في الحقيقة هو الدالّ به الذي قصد أن يدلّ به. وقد جعل ذلك علامةً وآيةً ودليلًا.
والذي يدلّ بنفسه١ يُعلَم أنّه يدلّ بنفسه، وإن لم يُعلم أنّ أحدًا جعله دليلًا، وإن كان في نفس الأمر كلّ مخلوقٍ قد جعله الله آية ودلالة.
وهو سبحانه عليمٌ مريدٌ، فلا يمكن أن يُقال: لم يرد بالمخلوقات أن تكون أدلة له، ولا أنّها ليست دليلًا يجعلها أدلة، كما قد يطلقه طائفة من النّظّار. ولكن يستدلّ بها مع عدم النظر في كونها جعلت أدلة؛ كما قد يطلقه؛ إذ كان فيها مقاصد كثيرة غير الدلالة.
الأدلة العقلية والأدلة الوضعية
والذي جعلها دليلًا؛ وهو الله، جعل ذاتها يستدلّ بها، مع قطع النظر عن [كونها] ٢ هي دليلًا؛ فما من مخلوقٍ، إلا ويمكن الاستدلال به على
_________________
(١) ١ هذا القسم الأول، ويذكره هنا بالتفصيل. وسيأتي ذكره للقسم الثاني لاحقًا في بداية الفصل، ص ٩١٦. ٢ في «خ»: كونه. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ٢ / ٧٣٧ ]
الخالق، والمحدَث نفسه يُعلم بصريح العقل أنّ له محدِثًا.
وهذه الأدلة التي [تدلّ] ١ بنفسها قد تُسمّى الأدلة العقلية، ويسمّى النوع الآخر٢ الأدلة الوضعية؛ لكونها إنّما دلّت بوضع واضع.
والتحقيق: أنّ كلاهما عقلي، إذا نظر فيه العقل علم مدلوله٣.
لكنّ هذه تدلّ بنفسها، وتلك تدلّ بقصد الدالّ بها؛ فيعلم بها قصده. وقصده هو الدالّ بها؛ كالكلام؛ فإنّه يدلّ بقصد المتكلم به، وإرادته، وهو يدلّ على مراده، وهو يدلنا بالكلام على ما أراد، ثم يستدلّ بإرادته على لوازمها؛ فإن اللازم أبدًا مدلولٌ عليه بملزومه.
والآيات التي [تدلّ] ٤ بنفسها مجرّدة نوعان؛
منها: ما هو ملزومٌ مدلولٌ عليه بذاته، لا يمكن وجود ذاته دون وجود لازمه المدلول عليه؛ مثل دلالة المخلوقات على الخالق.
_________________
(١) ١ في «خ»: يدلّ. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ الذي يدلّ بدلالة الدالّ به. وقد سبق تقسيم شيخ الإسلام ﵀ هذا للأدلة إلى عقلية، ووضعية. راجع ص ٢٦٧، ٣٩٣-٣٩٧ من هذا الكتاب. ٣ وقد شرح شيخ الإسلام ﵀ هذه العبارة في موضع آخر، فقال: "تدبّرت عامّة ما يذكره المتفلسفة والمتكلمة، والدلائل العقلية، فوجدت دلائل الكتاب والسنة تأتي بخلاصته الصافية عن الكدر، وتأتي بأشياء لم يهتدوا لها، وتحذف ما وقع منهم من الشبهات والأباطيل مع كثرتها واضطرابها - إلى أن قال ﵀ -: كلّ علم عقليّ أمر الشرع به، أو دلّ عليه، فهو شرعيّ أيضًا؛ إمّا باعتبار الأمر، أو الدلالة، أو باعتبارهما جميعًا". مجموع الفتاوى ١٩٢٣٢-٢٣٣. وانظر: المصدر نفسه ٢٤٦، ٦١،، ١٦٢٥١-٢٥٣، ٢٦٠-٢٦٤،، ١٩٢٢٨-٢٣٤. ودرء تعارض العقل والنقل ٥٢٧٠-٢٧١. ٤ في «خ»: يدلّ. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ٢ / ٧٣٨ ]
ومنها: ما هو مستلزم له مدّة طويلة، أو قصيرة؛ [فتدلّ] ١ عليه تلك المدة؛ مثل نجوم [السموات] ٢؛ فإنّه يستدلّ بها على الجهات، والأمكنة، وعلى غيرها من النجوم، وعلى الزمان ماضيه وغابره، ما دام العالم على هذه الصورة؛ قال تعالى: ﴿وَأَلْقَى في الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًَا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا في ظُلُمَاتِ البَرِّ وَالبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ٤.
ثم قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي [أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ] ٥ فَمُسْتَقَرّ وَمُسْتَوْدَع قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ ٦، ثم قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًَا﴾، إلى قوله: ﴿إِنَّ في ذَلِكُمْ [لآيَاتٍ] ٧ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٨، وقوله: ﴿وَأَلْقَى في الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًَا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلامَاتٍ﴾ ٩؛ هي علامات ألقاها في الأرض، وهذا قول الأكثرين١٠؛ قالت طائفة: هي معالم الطرق يُستدلّ بها بالنهار،
_________________
(١) ١ في «خ»: فيدلّ. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ في «خ»: السّمات. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ سورة النحل، الآيتان ١٥ ١٦. ٤ سورة الأنعام، الآية ٩٧. ٥ في «خ»: أنزل من السماء ماءً. وهو خطأ، والصواب ما أُثبت في «م»، و«ط» . ٦ سورة الأنعام، الآية ٩٨. ٧ ما بين المعقوفتين ساقط من «خ» . ٨ سورة الأنعام، الآية ٩٩. ٩ سورة النحل، الآيتان ١٥ ١٦. ١٠ انظر: تفسير الطبري ٨٩١.
[ ٢ / ٧٣٩ ]
ويستدلّ بالنجم بالليل؛ وقالت طائفة: هي الجبال، وهي أيضًا مما يُستدلّ به١، ولهذا سمّاها الله أعلامًا في قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الجَوَارِ في البَحْرِ كَالأَعْلام﴾ ٢، ﴿فَبأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ٣؛ أي كالجبال. والأعلام جمع عَلَم، والعَلَم: ما يعلم به كالعلامة. [ومنه] ٤: أعلام الطرق المنصوبة٥، ومنه: يُقال لدلائل النبوة: أعلام النبوة، ويقال للراية المرفوعة: إنّها علم٦، وأنّها
_________________
(١) ١ قال أبو الفرج بن الجوزي ﵀ عند تفسيره لهذه الآيات: قوله تعالى: ﴿وَعَلامَاتٍ﴾: فيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها معالم الطريق بالنهار، وبالنجم هم يهتدون بالليل؛ رواه العوفي عن ابن عباس. والثاني: أنها النجوم أيضًا؛ منها ما يكون علامة لا يُهتدى به، ومنها ما يُهتدى به؛ قاله مجاهد، وقتادة، والنخعي. والثالث: الجبال؛ قاله ابن السائب، ومقاتل. زاد المسير لابن الجوزي ٤٤٣٦. وانظر: تفسير الطبري ٨٩١-٩٢. وتفسير القرطبي ١٠٦١. ٢ سورة الشورى، الآية ٣٢. ٣ لعلّ الشيخ ﵀ أراد ذكر الآية التي في سورة الرحمن؛ وهي قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [سورة الرحمن، الآيتان ٢٤-٢٥] . ٤ ما بين المعقوفتين ساقط من «ط» . ٥ قال الأزهري ﵀: "ويقال لما يُبنى في جواد الطريق؛ من المنار التي يستدل بها على الطريق أعلام، واحدها علمٌ. والعَلَم: الراية التي إليها يجتمع الجند. والعلم: علم الثوب ورقمه في أطرافه. والمعلم: ما جعل علامة وعلمًا للطرق والحدود؛ مثل أعلام الحرم، ومعالمه المضروبة عليه". تهذيب اللغة للأزهري ٢٤١٨-٤١٩. وانظر: لسان العرب لابن منظور ١٢٤١٩. ٦ الراية: العلم، لا تهمزه العرب، والجمع رايات. ويقال رييت الراية: أي ركزتها. لسان العرب ١٤٣٥١-٣٥٢. وقال أيضًا: والعلم: الراية التي تجتمع إليها الجند. وقيل: هو الذي يقعد على الرمح. لسان العرب ١٢٤٢٠.
[ ٢ / ٧٤٠ ]
جُعلت علامة لصاحبها وأتباعه. والعالَم [بالفتح] ١ مثل الخاتَم٢: ما يعلم به؛ كما أن الخاتم ما يختم به، وهو بمعنى العالَم٣. ويسمّى كل صنفٍ من المخلوقات عالَمًَا٤؛ لأنّه عَلَمٌ وبرهان على الخالق تعالى، بخلاف العالِم بالكسر؛ فإنه الذي يَعْلَم٥؛ كالخاتِم بالكسر فإنّه الذي يختم٦؛ قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وخاتِمَ٧ النَّبِيِّين﴾ ٨؛ لأنّه ختمهم؛ كما يُسمّى الماحي، والحاشر، والعاقب٩. وقد قُرِىء: ﴿وَخَاتمَ﴾ ١٠؛ أي خُتِمُوا به.
_________________
(١) ١ في «ط»: بالفت. ٢ أي على وزنه. ٣ انظر: تهذيب اللغة ٧٣١٣. ولسان العرب ١٢١٦٣. والمفردات للراغب ص ٥٨١. ٤ انظر: تهذيب اللغة ٢٤١٦. ولسان العرب ١٢٤٢٠-٤٢١. والمفردات للراغب ص ٥٨٢. والقاموس المحيط ص ١٤٧٢. ٥ العالِم: هو الذي يعمل بما يعلم. انظر: تهذيب اللغة ٧٤١٦. ٦ انظر: تهذيب اللغة ٧٣١٥-٣١٦. ولسان العرب ١٢١٦٣. ٧ وهي قراءة الجميع ما عدا عاصم. انظر: الغاية في القراءات العشر للحافظ النيسابوري ص ٢٣٩. وزاد المسير ٦٣٩٣) . ومعنى (خاتِم) بالكسر: أنّه ختم النّبيِّين. ٨ سورة الأحزاب، الآية ٤٠. ٩ عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه أنّ رسول الله ﷺ قال: "إنّ لي أسماء، أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قَدَمَيَّ، وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد"، وقد سماه الله رؤوفًا رحيمًا. رواه الإمام مسلم في صحيحه واللفظ له ٤١٨٢٨، كتاب الفضائل، باب في أسمائه ﷺ. وهو عند الإمام البخاري في صحيحه ٦٤٠٤. ١٠ وهي قراءة عاصم وحده. انظر: الغاية في القراءات العشر للحافظ النيسابوري ص ٢٣٩. وزاد المسير لابن الجوزي ٦٣٩٣. ومعنى (خاتَم) بالفتح: آخر النبيِّين.
[ ٢ / ٧٤١ ]
فالجبال: أعلامٌ١، وهي علاماتٌ لمن في البّر والبحر، يُستدلّ بها على ما يُقاربها من الأمكنة؛ فإنّه يلزم من وجودها وجوده، وهي لا تزال دالّة ما دامت موجودة، ومدلولها موجودًا، وهي أثبت من غيرها؛ فقد يكون عندها قرية وسكّان؛ فيكون علمًا عليهم، ثم قد [تخرب] ٢ القرية، ويذهب السكّان؛ فتزول الدلالة لزوال الملزوم.
وهذا كلّه ممَّا يُبيِّن أنّ الدليل قد يكون معينًا، بل الآيات كلّها معيّنة، و[أنّه] ٣ يكون مطابقًا ملازمًا لمدلوله، ليس أحدهما أعمّ من الآخر؛ كالثريا٤ مع الدبران، وكالجدي مع بنات نعش٥، ونحو ذلك.
_________________
(١) ١ انظر: تهذيب اللغة للأزهري ٢٤١٨. ٢ في «خ»: يخرب. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «م»، و«ط»: أن. ٤ الثريا: هي المنزلة الأولى من منازل القمر الثماني والعشرين التي يتخذها القمر محطات له أثناء دورانه حول الأرض. وتتألف مجموعة الثريا من مئات النجوم، غير أن العدد الذي من الممكن مشاهدته بالعين المجردة قد لا يتعدى تسع نجوم، منها ست واضحات، وثلاث لا تُرى إلا بصعوبة. وإذا شوهدت الثريا من خلال المرقب ظهرت نجومها متفرقة غير متراصة". جريدة الجزيرة، العدد ٨٣٩٥، شهر يونيو عام ١٩٩٦ م. ٥ وتسمّى هذه بكواكب البابانيت، وهي التي لا ينزل بها شمس ولا قمر، إنّما يُهتدى بها في البرّ والبحر، وهي شامية، ومهبّ الشمال منها، أوّلها القطب، وهو كوكب لا يزول، والجدي والفرقدان، وهو بين القطب، وفيه بنات نعش الصغرى". لسان العرب ١٣٤٦. وقد ذكر الشيخ ﵀ الاستدلال بالكواكب على جهة الكعبة، وغيرها. انظر: الرد على المنطقيين ص ١٦٣. والجدي: كوكب إلى جنب القطب، تعرف به القبلة، ويقال له جدي الفرقد. وبنات نعش الكبرى: هي مجموع سبعة كواكب شديدة اللمعان، على صورة علامة ضخمة للاستفهام؟ نُشاهدها جهة القطب الشمالي، ويقربها سبعة أخرى، تُسمّى بنات نعش الصغرى التي منها النجمة القطبية. والثريا: هي أول نجوم شدة الصيف، وبعدها بثلاثة عشر يومًا يظهر الدبران، وهو نجم أحمر مضيء.
[ ٢ / ٧٤٢ ]
فتبيَّن غلط من ذكر أنّه يحصر الأدلّة١.
فيقال: إما أن يُستدلّ بالعام على الخاص، أو بالخاصّ على العام، أو
_________________
(١) ١ وقد ردّ شيخ الإسلام ﵀ على المنطقيين، وبيَّن أن حصرهم العلم على القياس قولٌ بغير علم؛ فقال ﵀: "قولهم: إنّه لا يعلم شيء من التصديقات إلا بالقياس الذي ذكروا صورته ومادّته: قضية سلبية نافية، ليست معلومة بالبديهة، ولم يذكروا على هذا السلب دليلًا أصلًا؛ فصاروا مدّعين ما لم يُبيِّنوه، بل قائلين بغير علم؛ إذ العلم بهذا السلب متعذّر على أصلهم. فمن أين لهم أنه لا يمكن أحدًا من بني آدم أن يعلم شيئًا من التصديقات - التي ليست عندهم بديهية - إلا بواسطة القياس المنطقي الشمولي الذي وضعوا مادّته وصورته". الرد على المنطقيين ص ٨٨. ومما قاله شيخ الإسلام ﵀ في ردّه على حصرهم العلم في الدليل والقياس: "فنقول هذا الذي قالوه إما أن يكون باطلًا، وإما أن يكون تطويلًا يُبعد عن الطريق على الطالب المستدلّ، فلا يخلو عن خطأ يصدّ عن الحقّ، أو طريق طويل يتعب صاحبه حتى يصل إلى الحق، مع إمكان وصوله بطريق قريب، كما كان يمثله بعض سلفنا، بمنزلة من قيل له: أين أذنك؟ فرفع يده فوق رأسه رفعًا شديدًا، ثم أدارها إلى أذنه اليسرى، وقد كان يمكنه إلى اليمنى، أو اليسرى من طريق مستقيم. وما أشبه هؤلاء بقول القائل: أقام يعمل أيامًا رَوِيَّتَه وشَبَّه الماء بعد الجهد بالماء وقول الآخر: وإني وإني ثمّ إني وإنّني إذا انقطعت نعلي جعلتُ لها شِسعًا وما أحسن ما وصف الله به كتابه بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء ٩] . فأقوم الطرق إلى أشرف المطالب: ما بعث الله به رسوله. وأما طريق هؤلاء: فهي مع ضلالهم في البعض، واعوجاج طريقهم، وطولها في البعض الأخرى إنّما يوصلهم إلى أمر لا يُنجي من عذاب الله، فضلًا عن أن يوجب لهم السعادة، فضلًا عن حصول الكمال للأنفس البشرية بطريقهم) . الرد على المنطقيين ص١٦٢. وانظر المصدر نفسه ص ٣١٦.
[ ٢ / ٧٤٣ ]
بأحد الخاصين على الآخر. والأول هو القياس الشمولي١، والثاني هو الاستقراء٢، والثالث هو التمثيل٣.
_________________
(١) ١ وقد وضّح شيخ الإسلام ﵀ المراد بالقياس الشمولي؛ فقال أولًا موضّحًا معنى القياس: "والقياس في اللغة تقدير الشيء بغيره، وهذا يتناول تقدير الشيء المعين بنظيره المعين، وتقديره بالأمر الكلي المتناول له ولأمثاله؛ فإنّ الكلي هو مثال في الذهن لجزئياته. ولهذا كان مطابقًا موافقًا له". ثمّ ذكر ﵀ حقيقة القياس الشمولي؛ فقال: إنّه "انتقال الذهن من المعين إلى المعنى العام المشترك الكلي المتناول له ولغيره، والحكم عليه بما يلزم المشترك الكلي بأن ينتقل من ذلك الكلي اللازم إلى الملزوم الأول؛ وهو المعين؛ فهو انتقال من خاصّ إلى عامّ، ثم انتقال من ذلك العام إلى الخاص؛ من جزئي إلى كلي، ومن ذلك الكلي إلى الجزئي الأول، فيحكم عليه بذلك الكلي. ولهذا كان الدليل أخص من مدلوله الذي هو الحكم..) . الرد على المنطقيين ص ١١٩. ٢ وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ تعريف أهل المنطق للاستقراء؛ فقال: "قالوا: والاستدلال بالجزئيات على الكلي هو الاستقراء. فإن كان تامًا، فهو الاستقراء التام؛ وهو يُفيد اليقين. وإن كان ناقصًا لم يفد اليقين. فالأول: هو استقراء جميع الجزئيات، والحكم عليه بما وجد في جزئياته. والثاني: استقراء أكثرها، وقد يكذب؛ كقول القائل: الحيوان إذا أكل حرّك فكّه الأسفل؛ لأنه استقريناها فوجدناها هكذا، فيقال له: التمساح يحرّك الأعلى". الرد على المنطقيين ص ١٥٩-١٦٠. وانظر أيضًا المصدر نفسه ص ٦، ٢٠١، ٢٠٨. ٣ وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ حقيقة قياس التمثيل؛ فقال: "وأما قياس التمثيل: فهو انتقال الذهن من حكم معين لاشتراكهما في ذلك المعنى المشترك الكلي؛ لأن ذلك الحكم يلزم ذلك المشترك الكلي، ثم العلم بذلك الملزوم لا بُدّ له من سبب إذا لم يكن بيّنا، فهنا يتصور المعينين أولًا، وهما الأصل والفرع، ثم ينتقل إلى لازمهما؛ وهو المشترك، ثم إلى لازم اللازم، وهو الحكم. ولا بُدّ أن يعرف أن الحكم لازم المشترك، وهو الذي يُسمّى هناك قضية كبرى، ثم ينتقل إلى إثبات هذا للملزوم الأول المعين". الرد على المنطقيين ص ١٢١.
[ ٢ / ٧٤٤ ]
وقد بيَّنا ما في هذا الكلام من الغلط؛ في حصره، وفي حكم أقسامه؛ فإنّ هؤلاء المقسمين للأمور العامة كثيرًا ما يغلطون في هذا وهذا؛ إذ كان المقسم يجب أن يستوفي جميع الأقسام، ولا يُدخل فيها ما ليس منها؛ كالحادّ١. وهم يغلطون فيها كثيرًا؛ لعدم إحاطتهم بأقسام المقسوم؛ كما يقسّمون أقسام الموجودات، أو أقسام مدارك العلم، أو أقسام العلوم، أو غير ذلك، وليس معهم دليل على الحصر، إلاَّ عدم العلم. وحصر الأقسام في المقسوم هو من الاستقراء.
ثمّ إذا حكموا على تلك الأقسام بأحكام فقد يغلطون أيضًا؛ كما قد ذُكِر هذا في غير هذا الموضع٢؛ مثل غلط من حصر الأدلة في هذه الأنواع؛ من أهل المنطق، ومن تبعهم.
_________________
(١) ١ الحادّ: هو الذي يقول بالحدّ، ويدّعيه. وقد ردّ شيخ الإسلام ﵀ على قول أهل المنطق: "أنّ التصوّرات غير البديهية لا تنال إلا بالحدّ"، وناقشهم مناقشة طويلة استغرقت من كتابه الردّ على المنطقيين صفحات طويلة (من ص ٧-٥٢)، ومما قاله ﵀ عن صناعة الحدّ: "هذه صناعة وضعية اصطلاحية، ليست من الأمور الحقيقية العلمية، وهي مع ذلك مخالفة لصريح العقل، ولما عليه الوجود في مواضع، فتكون باطلة، ليست من الأوضاع المجردة؛ كوضع أسماء الأعلام، فإنّ تلك فيها منفعة، وهي لا تخالف عقلًا ولا وجودًا. وأما وضعهم فمخالف لصريح العقل والوجود، ولو كان وضعًا مجردًا لم يكن ميزانًا للعلوم والحقائق؛ فإنّ الأمور الحقيقية العلمية لا تختلف باختلاف الأوضاع والاصطلاحات؛ كالمعرفة بصفات الأشياء، وحقائقها؛ فالعلم بأنّ الشيء حيّ، أو عالم، أو قادر، أو مريد، أو متحرك، أو ساكن، أو حسّاس، أو غير حسّاس ليس هو من الصناعات الوضعية، بل هو من الأمور الحقيقية الفطرية التي فطر الله تعالى عباده عليها؛ كما فطرهم على أنواع الإرادات الصحيحة، والحركات المستقيمة ". الرد على المنطقيين ص ٢٦. ٢ لاحظ مصادر الحاشية التالية.
[ ٢ / ٧٤٥ ]
وقد بسط هذا في مواضع١.
وذلك: مثل قولهم: الدليل إما أن يستدل بالعام على الخاص، أو بالخاص على العام، أو بأحد الخاصين على الآخر؛ فإنّ الدليل أولًا لا يكون قطّ أعمّ من المدلول عليه؛ إمّا مساويًا له، وإمّا أخصّ منه؛ فإنّ الدليل ملزومٌ للمدلول عليه، والملزوم حيث تحقّق، [تحقّق] ٢ اللازم، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم؛ فحيث تحقّق الدليل، تحقّق المدلول عليه٣. فإذا
_________________
(١) ١ ذكر شيخ الإسلام ﵀ بطلان حصر الأدلة في القياس، والاستقراء، والتمثيل، في مواضع عديدة من كتبه، وفصّل ذلك في كتابه القيم: «الرد على المنطقيين»، وانظر فيه على سبيل المثال المواضع التالية: ص ٦، ٨٨، ١١٦-١٢٠، ١٥٩-١٦٥، ٢٠٠-٢١٤، ٢٣٣-٢٣٥، ٢٤٥، ٢٤٦، ٢٩٦-٢٩٨، ٣١٦-٣١٧، ٣٤٨-٣٦٤. ومما قاله رحمه الله تعالى: "إنّ ما ذكروه من حصر الدليل في القياس، والاستقراء، والتمثيل: حصرٌ لا دليل عليه، بل هو باطل. وقولهم أيضًا إنّ العلم المطلوب لا يحصل إلا بمقدمتين لا يزيد ولا ينقص: قولٌ لا دليل عليه، بل هو باطل. واستدلالهم على الحصر بقولهم: إما أن يستدلّ بالكلي على الجزئي، أو الجزئي على الكلي، أو بأحد الجزئين على الآخر، والأول هو القياس، والثاني هو الاستقراء، والثالث هو التمثيل. يُقال: لم تقيموا دليلًا على انحصار الاستدلال في هذه الثلاثة، فإنكم إذا عنيتم بالاستدلال بجزئيّ على جزئي قياس التمثيل، لم يكن ما ذكرتموه حاصرًا، وقد بقي الاستدلال بالكلي على الكلي الملازم له، وهو المطابق له في العموم والخصوص، وكذلك الاستدلال بالجزئي على الجزئي الملازم له، بحيث يلزم من وجود أحدهما وجود الآخر، ومن عدمه عدمه، فإنّ هذا ليس ممّا سمّيتموه قياسًا، ولا استقراء، ولا تمثيلًا، وهذه هي الآيات..". الرد على المنطقيين ص١٦٢-١٦٣. ٢ ما بين المعقوفتين ساقط من «ط» . ٣ وقال شيخ الإسلام ﵀ في موضع آخر في توضيح الدليل: "فليس من ضرورة الدليل أن يكون أعمّ أو أخصّ، بل لا بُدّ في الدليل من أن يكون ملزومًا للحكم، والملزوم قد يكون أخصّ من اللازم، وقد يكون مساويًا له، ولا يجوز أن يكون أعمّ منه، لكن قد يكون أعمّ من المحكوم عليه الموصوف الذي هو موضوع النتيجة المخبر عنه". الرد على المنطقيين ص ٣٤٨.
[ ٢ / ٧٤٦ ]
كان مساويًا له، أو أخصّ، كان حيث تحقّق المدلول؛ كما أنّه حيث تحقق ما هو ناطق النطق الذي يختص الإنسان، تحقّق الإنسان، وتحقّق أيضًا ما هو أعمّ من الإنسان؛ وهو ثبوت حيوان، وجسم حسّاس [نام] ١ متحرّك بالإرادة؛ بمعنى أنّه تحقّق مطلق هذا الجنس، وإلاَّ فلم يوجد شيء أعمّ من الإنسان بمجرّد وجوده، لكن وجد من صفاته ما يشبّه به غيره، ويصحّ إطلاقه عليه، وعلى غيره؛ وهو مسمّى الجسم، والحيوان، ونحو ذلك.
وكذلك إذا وجد آية، [أو خبر] ٢ يدلّ على الإيجاب، أو التحريم، لزم ثبوت الإيجاب أو التحريم. وقد ثبت الإيجاب والتحريم بآية أخرى، أو خبر آخر، فلهذا قيل: الدليل يجب طرده، ولا يجب عكسه٣.
و[إذا] ٤ كان الدليل لا يكون أعمّ من المدلول عليه، فقولهم: إمّا أن يستدل بالعام على الخاص: إنّما أرادوا به القياس الشمولي٥ الذي هو مقدمتان: صغرى، وكبرى٦؛ كقولنا: النبيذ المتنازع فيه مسكر، وكل
_________________
(١) ١ في «خ»: يأتى. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ في «خ»: احبر. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ سبق توضيح هذه القاعدة ص ٣٠١ من هذا الكتاب. وانظر إضافة لما سبق: الرد على المنطقيين ص ١١، ١٧، ٢٠٩. ٤ في «م»، و«ط»: إذ. ٥ سبقت الإشارة إلى ذلك قريبًا. انظر ص ٨٧٣ من هذا الكتاب. وانظر أيضًا: الرد على المنطقيين ص ٦، ١٥٩. ٦ وقد أبطل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قولهم هذا بأنّ الاستدلال لا بُدّ فيه من مقدّمتين، وقرّر ﵀ أنّ الاستدلال بمقدمتين لا يلتزمه إلا أهل المنطق. انظر: الرد على المنطقيين ص ١٦٧-١٧٥، ١٨٧-١٩٤.
[ ٢ / ٧٤٧ ]
مسكر حرام، أو كل مسكر خمر؛ كما ثبت في صحيح مسلم عن ابن عمر عن النبيّ ﷺ أنّه قال: "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام"١؛ بيَّن أنّ المسكر موصوف بأنّه خمر، وبأنّه حرام، ولم يقصد القياس الشمولي؛ وهو أن يستدلّ على أن المسكر حرام؛ فالرسول ﷺ أجلّ من هذا شرعًا وعقلًا؛ فإنّه بكلامه يثبت الأحكام، وغيره إذا قال: كل مسكر خمر أو حرام، احتاج أن يستدلّ عليه، وأما هو فيستدلّ بنفس كلامه.
الدليل قد يكون أكثر من مقدمة
والنظم الشمولي المنطقي لا يوجد في كلام فصيح، بل هو طويل لا يحتاج إليه؛ كما قد بسط في مواضع٢، وبُيِّن أن الدليل قد يكون مقدمة واحدة، وقد يكون مقدمتين، وقد يكون ثلاث مقدمات، وأربع، وأكثر؛ بحسب ما يحتاج إليه المستدلّ الطالب لدلالة نفسه، أو الطالب ليدلّ غيره٣؛ فإنّه قد لا يحتاج إلاَّ إلى مقدمة واحدة؛ مثل من عرف أنّ الخمر حرام، لكن لم يعرف أنّ كل مسكر هو خمر. فإذا عرف بالنصّ أنّ كلّ مسكر
_________________
(١) ١ رواه الإمام مسلم في صحيحه ٣١٥٨٧، كتاب الأشربة، باب بيان أنّ كلّ مسكر خمر، وأنّ كلّ خمر حرام. ٢ انظر ردّ شيخ الإسلام ﵀ على قولهم: "بأنّه لا بُدّ في كلّ علم نظري من مقدّمتين"، وكذلك ردّه على تمثيلهم: "كلّ مسكر خمر، وكلّ خمر حرام، فكل مسكر حرام" في: الردّ على المنطقيين ص ١١٠-١١٦، ١٦١-١٦٢، ١٩٠، ١٩١، ٢٤٥-٢٤٦. وكذلك في نقض المنطق ص ٢٠٠-٢٠٩. وانظر كلام شيخ الإسلام ﵀ عن القياس، وقوله عنه أنّه إما كلام باطل، أو طريق طويل لا يخلو من الخطأ، في: الردّ على المنطقيين ص ١٦٢، ٣١٦، ومجموع الفتاوى ٩٢٤، ٢٨-٣٤. ٣ وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ اختلاف حال الناس في عدد المقدمات المحتاج إليها، وضرب أمثلة للاستدلال بمقدمة، أو بمقدمتين، أو بمقدمات، في: الرد على المنطقيين ص ١٦٨-١٦٩.
[ ٢ / ٧٤٨ ]
خمر، عرف أنّ كل مسكر حرام، وكان علمه موقوفًا على مقدّمة واحدة، بخلاف من لم يكن عرف بعد أنّ الخمر حرام؛ فيحتاج إلى مقدمة ثانية. ثم إن كان عرف أنّ محمدًا رسولُ الله بنصوصه المتواترة، [كفاه ذلك] ١. وإن كان لم يقرّ بنبوته، احتاج إلى مقدمة ثالثة؛ وهو الإيمان بأنّه رسول الله، لا يقول على الله إلا الحق، ويذكر له من دلائل النبوة وأعلامها ما يعرف به ذلك؛ فيهتدي إن كان طالب علم، و[تقوم] ٢ عليه الحجة إن لم يكن.
كذلك: فقول هؤلاء٣ في مثل هذا٤: أنَّا استدللنا بالعام على الخاص:
[لبسٌ] ٥ عظيم؛ فإن المدلول عليه؛ وهو [تحريم] ٦ النبيذ المتنازع فيه مثلًا، وإن كان أخصّ من تحريم المسكر والخمر.
فالدليل ليس هو القضية العامة، بل [هي] ٧ الدليل: أنّ النبيذ المتنازع فيه مسكرٌ؛ وهو إحدى المقدمتين، وهذه قضية خاصة أخصّ من مسمى المسكر؛ فإنّ المسكر يتناول المتفق على تحريمه، والمتنازع فيه؛ وهذا هو الحد الأوسط٨، وهو المتكرر في المقدمتين الذي هو محمول
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ليس في «خ» . وهو في «م»، و«ط» . ٢ في «خ»: يقوم. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ أي أهل المنطق. ٤ في قياسهم النبيذ على الخمر بجامع الإسكار بين الاثنين. ٥ في «ط»: ليس. ٦ في «ط»: يحريم. ٧ ما بين المعقوفتين ليس في «م»، و«ط» . ٨ قال شيخ الإسلام ﵀ يوضّح هذا: "وذلك أنّ قياس الشمول مؤلف من الحدود الثلاثة؛ الأصغر، والأوسط، والأكبر. والحدّ الأوسط فيه هو الذي يُسمّى في قياس التمثيل علة ومناطًا وجامعًا ومشتركًا ووضعًا ومقتضيًا، ونحو ذلك من العبارات. فإذا قال في مسألة النبيذ: كلّ نبيذ مسكر، وكل مسكر حرام، فلا بُدّ له من إثبات المقدمة الكبرى، وحينئذ يتمّ البرهان. وحينئذ فيمكنه أن يقول: النبيذ مسكر، فيكون حرامًا قياسًا على خمر العنب بجامع ما يشتركان فيه من الإسكار؛ فإنّ الإسكار هو مناط التحريم في الأصل، وهو موجود في الفرع" إلى آخر ما قال ﵀ في هذه المسألة. انظر الرد على المنطقيين ص ١١٦-١١٧.
[ ٢ / ٧٤٩ ]
في الصغرى، موضوع في الكبرى؛ فالاستدلال وقع [بإسكاره] ١ على أنّه خمرٌ، ومحرم. ومسكر النبيذ المتنازع فيه أخصّ من مسمّى المسكر، والخمر.
والمقدّمة الثانية: الكبرى؛ وهي قولنا: وكلّ مسكر خمر: ليست هي الدليل، بل لا بدّ من الصغرى معها، وهي خاصة.
فالمدلول عليه إن كان تحريم النبيذ المتنازع فيه، فهذا إنما يدل على تحريمه: أنّه مسكر، وليس [إسكاره] ٢ أعمّ منه، بل يلزم من ثبوت [إسكاره] ٣، ثبوته؛ فإنّ ثبوت الموصوف بدون الصفة ممتنع؛ [فإسكاره] ٤ دلّ على تحريمه، وليس تحريمه أعمّ من [إسكاره] ٥، بل جنس [الإسكار] ٦ والحرام أعمّ من هذا المسكر، [وهذا] ٧ المحرم.
لكن هذا العام ليس هو الدليل بدون الخاص، بل قوله: كل مسكر حرام: يدلّ على تحريم كلّ مسكرٍ مطلقًا، من غير تعيين؛ فيكون [الإسكار] ٨ مستلزمًا للتحريم، والمسكر أخص من الحرام.
_________________
(١) ١ في «خ»: بسكره. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ في «خ»: سكره. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «خ»: سكره. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ في «خ»: فسكره. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ في «خ»: سكره. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٦ في «خ»: السكر. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٧ في «م»، و«ط»: فهذا. ٨ في «خ»: السكر. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ٢ / ٧٥٠ ]
a وهذا استدلال بالخاصّ على العام؛ فوجود المسكر أخصّ من وجود الحرام، حيث كان [سكر] ١ كان الحرام موجودًا، وليس إذا كان الحرام موجودًا يجب وجود المسكر؛ لأنّ المحرّمات كثيرة؛ كالدم، والميتة، ولحم الخنزير٢.
فالحد الأوسط؛ وهو المسكر دلّ على ثبوت الأعم؛ وهو التحريم، من الأخص في الأخص؛ وهو النبيذ المتنازع فيه. فالمدلول عليه التحريم، وهو أعمّ من المسكر؛ فهو استدلال بالخاصّ على العام، لكن المعنى العامّ الكلّي لا يوجد في الخارج عامًّا كليًّا، بل معيّنًا؛ فهو استدلال على نوع من أنواعه؛ وهو التحريم الثابت في النبيذ المتنازع فيه، وهذا أخص من مطلق التحريم؛ كما أنّ مسكره أخص من مطلق المسكر.
ومن هنا ظنّوا أنّهم استدلوا بالعامّ على الخاص؛ حيث استدلّوا بتحريم كلّ مسكر على تحريم هذا المسكر. وليس الأمر كذلك، بل الذي دلّ على تحريم هذا المسكر ليس هو مجرد القضية العامة الكلية، بل لا بُدّ معها من قضية أخص منها جزئية؛ مثل قولنا: هذا النبيذ مسكر. وبهذا الخاص يعلم ثبوت ذلك لا بمجرد [العامّ] ٣.
والدليل هنا ليس هو أعم من المدلول عليه، ولا يمكن ذلك قط.
وأما قولهم: إن الاستدلال بالخاص على العام، هو الاستقراء٤. فمجرد الخاصّ إن لم يستلزم العامّ، لا يدل عليه. والمستقرئ إن لم يحصر
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: مسكر. ٢ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ . [البقرة، ١٧٣] . ٣ ما بين المعقوفتين ساقط من «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٤ تقدمت الإشارة إلى ذلك قريبًا. انظر ص ٨٩٤ من هذا الكتاب.
[ ٢ / ٧٥١ ]
الإفراد، لا يعلم أنّ ذلك المعنى شامل لها. فما استدل بخاص على عام، [بل بعام] ١ مثله مطابق له.
وقولهم في قياس التمثيل: إنّه استدلال بخاصّ على خاصّ٢، ليس كذلك؛ فإنّ مجرّد ثبوت الحكم في صورة، لا يستلزم ثبوته في أخرى، إن لم يكن بينهما قدر مشترك، ولا يثبت بذلك حتى يقوم دليل على أنّ ذلك المشترك مستلزم للحكم.
والمشترك٣: هو الذي يُسمّى في قياس التمثيل: الجامع٤، والوصف٥، والعلة٦، والمناط٧، ونحو ذلك. فإن لم يقم دليل على أن الحكم متعلق به، لازم له، لم يصح الاستدلال.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٢ تقدمت الإشارة إلى ذلك قريبًا. انظر ص ٨٩٤-٨٩٥ من هذا الكتاب. ٣ المشترك: عبارة عن لفظ واحد، يدلّ على أشياء فوق واحد، باعتبار جهة واحدة؛ كلفظ العين، ونحوه. انظر: المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين للآمدي ص ٥١. ٤ الجامع: اسم من أسماء المشترك، وهو معنى واحد، يدلّ على اتّحاد العلة في أشياء مشتركة. انظر: تسهيل المنطق للشيخ عبد الكريم مراد ص ٥٥. ٥ الوصف: عبارة عما دلّ على الذات باعتبار معنى هو المقصود من جوهر حروفه؛ أي يدلّ على الذات بصفة؛ كأحمر؛ فإنّه بجوهر حروفه يدلّ على معنى مقصود؛ وهو الحمرة. فالوصف والصفة مصدران؛ كالوعد والعدة. والمتكلمون فرقوا بينهما؛ فقالوا: الوصف يقوم بالواصف، والصفة تقوم بالموصوف، وقيل: الوصف هو القائم بالفاعل. التعريفات للجرجاني ص ٢٥٢. ٦ العلة قد تُطلق، ويُراد بها العلة الفاعلية، والعلة المادية، والعلة الصورية، والعلة الغائية. وقد تقدّمت التعاريف لهذه في ص ٤٣٤ من هذا الكتاب. وانظر: المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين لللآمدي ص ١٢٢-١٢٣. ٧ هو الوصف المعلّل للحكم. مثال ذلك: تحريم شرب الخمر؛ لقوله ﷺ: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام"؛ فنستنبط المناط بالرأي والنظر؛ فنقول: حرمت الخمر لكونها مسكرًا، والإسكار هو العلّة، فيُقاس على هذه العلة، ويُطلق الوصف المعلّل للحرمة، وهو ما يُعرف بالمناط. انظر: المستصفى في علم الأصول للغزالي ٢٢٣٣.
[ ٢ / ٧٥٢ ]
وهذا١ المشترك في قياس التمثيل هو الحدّ الأوسط في قياس الشمول بعينه.
فالمعنى في القياسين: واحدٌ٢، ولكنّ التأليف والنظم متنوّع إذا أراد أن يثبت تحريم النبيذ بقياس الشمول، [قال] ٣: هذا هو حرام؛ لأنّه شراب مسكر؛ فيكون حرامًا، قياسًا على المسكر من العنب. فالدليل هو المسكر، وهو المشترك، وهو الحد الأوسط.
ثم لا يكفي ذلك حتى يُبيّن أنّ العلة في الأصل، هي المشترك؛ فيقول: وعصير العنب حَرُمَ؛ لكونه مسكرًا. وهذا الوصف موجود في الفرع الذي هو صورة النزاع، فيجب اشتراكهما في التحريم.
وقوله: إنّه [حَرُمَ] ٤؛ لكونه مسكرًا: هي المقدمة الكبرى في قياس الشمول؛ وهي قولنا: كلّ مسكر حرام؛ فثبت أنّ علة التحريم هي [السكر] ٥؛ إما بالنص؛ وهو قوله: "كلّ مسكر حرام"؛ وإما بدلالة القرآن؛ وهو أنّه يُوقع العداوة والبغضاء، ويصدّ عن ذكر الله، وعن
_________________
(١) ١ في «ط»: وهذا ومنه. و(ومنه) زائدة. ٢ انظر كلام المؤلف رحمه الله تعالى في حقيقة قياس التمثيل، والموازنة بينه وبين قياس الشمول، وبيان أنّهما متلازمان، وأنّه يمكن جعل قياس الشمول قياس تمثيل، وأنّ قياس الشمول مبناه على قياس التمثيل. انظر: الرد على المنطقيين ص ١١٦-١١٧، ١٢٠-١٢١، ٢٢٠، ٢٤٥-٢٤٦، ٣١٧، ٣٥٣، ٣٦٤. ٣ في «ط»: قاف. ٤ في «م»، و«ط»: حرام. ٥ في «خ»: المسكر. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ٢ / ٧٥٣ ]
الصلاة؛ وإما بالمناسبة؛ وإما بالدوران١؛ وإما [بالسبر] ٢ والتقسيم٣؛ كما قد عُرِف في موضعه٤، وهو نظير ما يُستدلّ به على ثبوت القضيّة الكبرى.
ثمّ الدليل قد يكون قطعيًا، وقد يكون ظنيًّا؛ لخصوص المادّة، لا تعلّق لذلك بصورة القياس. فمن جعل قياس الشمول هو القطعي، دون قياس التمثيل [فقد] ٥ غلط؛ كما أنّ من جعل مسمّى القياس هو التمثيل، دون الشمول، فلم يفهم معناه.
_________________
(١) ١ وهو قياس الدور، وهو عبارة عن أخذ النتيجة، مع عكس إحدى مقدّمتي قياسها، لاستنتاج عين المقدمة الأخرى؛ كما لو قيل: كلّ إنسان ناطق، وكلّ ناطق ضاحك، فكلّ إنسان ضاحك. ثمّ عكس الأمر، وأخذت النتيجة، وهي: كل إنسان ضاحك، وجعلت مقدّمة أولى، وعكست المقدمة الصغرى، فصارت كلّ ضاحك ناطق، فيلزم عنه: كل إنسان ناطق؛ وهو عين المقدمة الكبرى إلخ. انظر: المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين للآمدي ص ٦٨-٧١؛ فقد أطال النفس في بيان ذلك جدًا. وانظر الرد على المنطقيين لابن تيمية ص ٢٣٥. ٢ في «خ»: بالسير. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ السبر والتقسيم: هو حصر الأوصاف في الأصل، وإلغاء البعض، ليتعيَّن الباقي للعِلِيَّة؛ كما يُقال: علة حرمة الخمر: إما الإسكار، أو كونه ماء العنب، أو المجموع. وغير الماء، وغير الإسكار لا يكون علة بالطريق الذي يُفيد إبطال علة الوصف؛ فتعيَّن الإسكار للعلّة. انظر: التعريفات للجرجاني ص ١١٦-١١٧. والرد على المنطقيين لابن تيمية ص ٢١٠. ٤ انظر: الردّ على المنطقيين ص ١١٧. ٥ في «ط»: فقط.
[ ٢ / ٧٥٤ ]
والذي عليه جمهور العلماء أنّ كلًا منهما قياس، قد يكون قطعيًّا، وقد يكون ظنيًّا١.
وطائفة يقولون: اسم القياس لا يستعمل إلا في الشمول؛ كما يقوله ابن حزم، ومن يقوله من المنطقيين.
وطائفة٢ يقولون: لا يستعمل حقيقة إلا في التمثيل، ومن هؤلاء من يقول: ليس في العقليات قياس.
وهذا مبسوطٌ في مواضع٣،
_________________
(١) ١ ذكر شيخ الإسلام ﵀ تنازع الناس في مسمى القياس؛ فقال: "وقد تنازع الناس في مسمّى القياس؛ فقالت طائفة من أهل الأصول: هو حقيقة في قياس التمثيل، مجاز في قياس الشمول؛ كأبي حامد الغزالي، وأبي محمد المقدسي، وغيرهما. وقالت طائفة: بل هو بالعكس: حقيقة في الشمول، مجاز في التمثيل؛ كابن حزم، وغيره. وقال جمهور العلماء: بل هو حققيقة فيهما، والقياس العقلي يتناولهما جميعًا. وهذا قول أكثر من تكلّم في أصول الدين وأصول الفقه وأنواع العلوم العقلية. وهو الصواب، وهو قول الجمهور من أتباع الأئمة الأربعة". الرد على المنطقيين ص ١١٨-١١٩. وانظر: المصدر نفسه ص ٦، ٣٦٤. ومجموع الفتاوى ٩٢٥٩. ٢ وهو قول طائفة من أهل الأصول؛ كأبي حامد الغزالي، وأبي محمد المقدسي، وغيرهما؛ كما نصّ على ذلك شيخ الإسلام ﵀ في كتابه الرد على المنطقيين ص ١١٨. وانظر: المستصفى في علم الأصول للغزالي ٢٣٢٤-٣٢٥. ٣ وقد ردّ شيخ الإسلام ﵀ على من قال لا قياس في العقليات، وإنما هو في الشرعيات؛ فقال ﵀: "ومن قال من متأخري أهل الكلام والرأي؛ كأبي المعالي، وأبي حامد، والرازي، وأبي محمد المقدسي، وغيرهم: إنّ العقليات ليس فيها قياس، وإنما القياس في الشرعيات، ولكن الاعتماد في العقليات على الدليل، والدالّ على ذلك مطلقًا. فقولهم مخالف لقول جمهور نظّار المسلمين، وبل وسائر العقلاء؛ فإنّ القياس يستدلّ به في العقليات، كما يستدلّ به في الشرعيات؛ فإنه إذا ثبت أنّ الوصف المشترك مستلزم للحكم، كان هذا دليلًا في جميع العلوم. وكذلك إذا ثبت أنّه ليس بين الفرع والأصل فرق مؤثر، كان هذا دليلًا في جميع العلوم، وحيث لا يستدلّ بالقياس التمثيلي، لا يستدلّ بالقياس الشمولي. وأبو المعالي ومن قبله من نظار المتكلمين لا يسلكون طريقة المنطقيين، ولا يرضونها، بل يستدلون بالأدلة المستلزمة عندهم لمدلولاتها من غير اعتبار ذلك" وقد أطال شيخ الإسلام ﵀ النفس في تقرير ذلك، انظر: الرد على المنطقيين ص ١١٨، ١١٣.
[ ٢ / ٧٥٥ ]
والمقصود [هنا] ١: التنبيهٌ على جنس الأدلة.
وأيضًا: فالدليل قد يكون مطابقًا للمدلول عليه، ملازمًا له، ليس أعمّ منه، ولا أخصّ منه؛ كالكواكب التي في السماء المتلازمة التي يستدلّ بكلّ منها على الآخر؛ وكالناطقيّة، والإنسانية التي يُستدلّ بثبوت كلّ منهما على ثبوت الآخر.
وهذا خارج عن تقسيمهم؛ فإنّ هذا ليس استدلالًا بعامّ على خاصّ، ولا بخاصّ على عامّ، ولا بخاصّ على نظيره بطريق التمثيل، بل هو استدلال بأحد المتلازمين على الآخر، قد [يكونان] ٢ عامَّين وخاصَّين؛ فالكواكب خاصة، [والعام] ٣ [كالاستدلال] ٤ بالحيوانية على الحس والحركة، إلا أنّه استدلال بعام على عامّ ملازم له. وكذلك الاستدلال بكونه جسمًا على وجود جنس العرض، والاستدلال بوجود جنس العرض على وجود جنس الجسم: هو استدلال بأحد العامين المتلازمين على الآخر.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٢ في «خ»: يكونا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ في «خ»: والاستدلال. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ٢ / ٧٥٦ ]
والمقصود هنا١: أنّ هذه المعيّنات؛ كالنجوم، والجبال، والطرق، وأعلام الطرق: كلّها آيات، وأعلام، وعلامات على ما هو لا زم لها في العادة.
وكذلك قد يستدلّ على منزل الشخص بما هو ملازم؛ من دور الجيران، والباب، وغير ذلك، وشجرة هناك، وغير ذلك من العلامات التي يذكرها الناس يستدلّون بها، ويدلّون غيرهم بها.
وسُمِّيَت الجبال أعلامًا؛ لأنّها مرتفعة عالية، والعالي يظهر، ويُعلم، ويُعرف قبل الشيء المنخفض، ولهذا يوصف العالي بالظهور؛ كقوله: ﴿[فَمَا اسْتَطَاعُوا] ٢ أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ ٣، ويقال ظهر الخطيب على المنبر. ومنه قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "وأنت الظاهر فليس فوقك شيء" ٤؛
_________________
(١) ١ وقد أشار شيخ الإسلام ﵀ إلى مثل هذا الموضوع - وهو الاستدلال بالكلي على الكلي، وبالجزئي على الجزئي الملازم له - ومثّل لذلك بأمثلة، منها: الاستدلال بطلوع الشمس، على النهار، ومنها الاستدلال بالكواكب على جهة الكعبة وغيرها، وكذلك الاستدلال بالأمكنة على المواقيت والأمكنة، وأيضًا الاستدلال بالجبال والأنهار، والاستدلال بالكعبة على جهات الأرض، والاستدلال بالأبنية والأشجار ثمّ قال رحمه الله تعالى: "فهذا وأمثاله استدلال بأحد المتلازمين على الآخر، وكلاهما معين جزئي، وليس هو من قياس التمثيل". انظر: الرد على المنطقيين ص ١٦٣-١٦٥. ٢ وهي قراءة الجمهور. انظر: الغاية في القرءات العشر للحافظ النيسابوري ص ٢٠٠. ٣ سورة الكهف، الآية ٩٧. قال ابن الجوزي ﵀ في تفسير قوله: ﴿أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾: أي يعلوه؛ يقال: ظهر فلان فوق البيت؛ إذا علاه. والمعنى: ما قدروا أن يعلوه لارتفاعه وإملاسه. زاد المسير لابن الجوزي ٥١٩٤. ٤ جزء من حديث رواه الإمام مسلم في صحيحه ٤٢٠٨٤، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع. وأحمد في مسنده ٢٣٨١. وأبو داود في سننه ٤٤٢٦، كتاب الأدب، باب ما يقول عند النوم. والترمذي في جامعه ٥٤٧٢، كتاب الدعاء، باب ما جاء في الدعاء إذا أوى إلى فراشه. وابن ماجه في سننه ٢١٢٥٩-١٢٦٠، ١٢٧٤-١٢٧٥، كتاب الدعاء، باب دعاء رسول الله ﷺ.
[ ٢ / ٧٥٧ ]
فأدخل معنى العلو في اسمه الظاهر؛ لأنّ الظاهر يعلو، والعالي يظهر. وكذلك العالي يُعرف قبل غيره، ومنه قيل: عُرف الديك: أصله فُعل؛ بمعنى مفعول؛ أي معروف؛ كما يقال: كُره؛ بمعنى مكروه، ومنه الأعراف؛ وهي: أمكنة عالية بين الجنّة والنار١. وقد قيل في قوله: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ﴾ ٢: إن العلامات هي النجوم؛ منها: ما يكون علامة لا يهتدي به، ومنها: ما يهتدى به٣. وقول الأكثرين أصحّ٤؛ فإنّ العلامات كلّها
_________________
(١) ١ قال تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ..﴾ [الأعراف، ٤٦] . والأعراف في اللغة: المكان المشرف. قال ابن عباس ﵄: "الأعراف سورٌ له عرفٌ كعرف الديك. تفسير القرطبي ٧١٣٥. وقد ذكر القرطبي ﵀ عشرة أقوال للعلماء في المراد بأصحاب الأعراف. انظر: تفسير القرطبي ٧١٣٥-١٣٦. ٢ سورة النحل، الآية ١٦. ٣ وذكر ابن الجوزي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [سورة النحل ١٦] أنّ المراد بالنجم أربعة أقوال: أحدها: أنّه الثريا، والفرقدان، وبنات نعش، والجدي؛ قاله السدي. والثاني: أنّه الجدي، والفرقدان؛ قاله ابن السائب. والثالث: أنّه الجدي وحده، لأنّه أثبت النجوم كلها في مركزه؛ ذكره الماوردي. والرابع: أنّه اسم جنس، والمراد جميع النجوم. زاد المسير ٤٤٣٦. وانظر تفسير القرطبي ١٠٦١. ٤ قال أبو جعفر النحاس ﵀: والذي عليه أهل التفسير، وأهل اللغة سواء أنّ النجم هاهنا بمعنى النجوم. معاني القرآن الكريم لأبي جعفر النحاس ٤٦١. وعليه تحمل القراءات: (وبالنُّجْم)، و(وبالنُّجُم)، و(بالنُّجوم)؛ فيكون (النجم) اسم جنس، ويُراد به جميع النجوم. انظر زاد المسير لابن الجوزي ٤٤٣٦.
[ ٢ / ٧٥٨ ]
يهتدى بها١، ولأنّه قد قال: ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًَا وَسُبُلًا [لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] ٢ وَعَلامَاتٍ﴾ ٣. [فهذا] ٤ كلّه ممَّا ألقاه في الأرض، وهو منصوب ب (ألقى)، أو بفعل من جنسه؛ كما قال بعضهم؛ أي وجعل في الأرض أنهارًا؛ لأن الإلقاء من جنس الجعل٥.
وبسط ما في هذا من إعراب و[معان] ٦ له مقام آخر.
لفظ العلامات
والمقصود هنا: ذكرُ العلامات. والعلامات يدخل فيها ما تقدم من الرواسي والسبل؛ فإنّ كونها رواسي وسبلًا يسلكها الناس، غير كونها علامات. والعطف قد يكون لتغاير الصفات مع اتحاد الذات؛ كقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ ٧، وأمثاله. فكيف إذا كانت العلامات تتناول هذا وغيره؟؛ فإنّ الجبال أعلام، وهي علامات؛ وكذلك الطرق يستدلّ بها السالك فيها. ولهذا يسمّى الطريق إمامًا؛ لأنّ السالك يأتمّ به. وكذلك يسمّون ما يستدلّ به المستدل طريقًا ومسلكًا. ويقال: لأصحاب هذا القول
_________________
(١) ١ انظر جامع البيان للطبري ١٤٩١. ٢ ما بين المعقوفتين ليس في «خ» . ٣ سورة النحل، الآيتان ١٥-١٦. ٤ في «م»، و«ط»: وهذا. ٥ انظر: معاني القرآن الكريم لأبي جعفر النحاس ٤٦١. ٦ في «خ»: معاني. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٧ سورة الأعلى، الآيتان ٢-٣.
[ ٢ / ٧٥٩ ]
عدّة طرق، ومسالك؛ حتى [أطلقوا] ١ [على] ٢ ما يُصنّف من الاحتجاج على مسائل النزاع: طريقة؛ لأنّه فيه أدلة المصنّف على موارد النزاع. ومن هذا الباب الاستدلال على المرض بعلامات له، والاستدلال بالأصوات؛ فإن كانت كلامًا، كانت الدلالة قصديّة إراديّة، قصد المتكلم أن يدلّ بها، وهي دلالة وضعية عقلية؛ وإن كانت غير كلام، كانت الدلالة عقليّة طبعيّة؛ كما يستدل بالأصوات التي هي بكاء، وانتحاب، وضحك، وقهقهة، ونحنحة، وتنخّم، ونحو ذلك، على أحوال المصوت٣.
ومن الدلائل: الشعائر؛ مثل شعائر الإسلام الظاهرة، التي [تدلّ] ٤ على أن الدار دار الإسلام؛ كالأذان، والجُمَع، والأعياد.
وفي الصحيحين: عن أنس - ﵁ قال -: "كان رسول الله ﷺ إذا غزا قوما لم يغز حتى يصبح، فإن سمع أذانًا أمسك، وإن لم يسمع أذانًا أغار بعدما يصبح". هذا لفظ البخاري٥، ولفظ مسلم٦: "كان يغير
_________________
(١) ١ في «خ» كتب: صنّفوا. وجُعل عليها علامة. وفي الهامش كتب: لعله سمّوا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٣ سبق نحو هذا الكلام في ص ٦٤٩ من هذا الكتاب. ٤ في «خ»: يدلّ. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ انظر صحيح البخاري ١٢٢١، كتاب الأذان، باب ما يحقن بالأذان من الدماء. وانظر أيضًا سنن أبي داود ٣٩٨، كتاب الجهاد، باب في دعاء المشركين. ٦ انظر صحيح مسلم ١٢٨٨، كتاب الصلاة، باب الإمساك عن الإغارة على قوم في دار الكفر إذا سمع فيهم الأذان. وفي آخره: فنظروا فإذا هو راعي معزى. وانظر: مسند الإمام أحمد بن حنبل ٣٢٦٣.
[ ٢ / ٧٦٠ ]
إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان؛ فإن سمع أذانًا أمسك، وإلا أغار. فسمع رجلا يقول: الله أكبر الله أكبر. فقال رسول الله ﷺ: "على الفطرة". ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله. فقال: "خرجت من النار".
وعن عصام المزني١، قال: كان النبي ﷺ إذا بعث السرية يقول: "إذا رأيتم مسجدًا، أو سمعتم مناديًا، فلا تقتلوا أحدًا". رواه أبو داود٢، والترمذي٣، وابن ماجه٤.
ومن هذا النوع: دلائل الجهات. ومنه: دلائل القبلة؛ يستدل عليها بالنجوم، والشمس، والقمر، والرياح، والطرق، وغير ذلك من الدلائل؛ كما قد ذكر الناس ما ذكروه من دلائل القبلة.
_________________
(١) ١ ذكر البخاري أنّ له صحبة، وأورده ابن حجر في الإصابة - في القسم الأول - وذكر حديثه الذي رواه الترمذي، والنسائي - في الكبرى - وغيرهما. الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ٢٤٨٠-٤٨١. ٢ سنن أبي داود ٣٩٨-٩٩، كتاب الجهاد، باب في دعاء المشركين، وفيه: (مؤذنًا) بدل: (مناديًا) . ٣ سنن الترمذي ٤١٢٠، كتاب السير، باب ما جاء في الدعوة قبل القتال، وقال: هذا حديث غريب، وفيه: (مؤذنًا) بدل: (مناديًا) . وفي نسخة أخرى للترمذي قال: (حسن غريب) . انظر: هامش سنن أبي داود ٣٩٩. ٤ لم أجده عند ابن ماجه - بعد البحث - وإنما وجدته عند الدارمي في سننه ٢٢٨٧، كتاب السير، باب الإغارة على العدو. وقد أورد مجد الدين ابن تيمية - جدّ المؤلف رحمهما الله - في المنتقى ٢٧٧٠-٧٧١ هذه الأحاديث الثلاثة بنصها في كتاب الجهاد والسير، باب الكف وقت الإغارة عمّن عنده شعار الإسلام، وقال عن الأخير: رواه الخمسة إلا النسائي. ويعني بقوله (إلا النسائي)؛ أي في سننه، وإلا فقد رواه في السنن الكبرى؛ كما أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر في الإصابة (٢٤٨١)، والحافظ المنذري في الترغيب والترهيب، وقال: حسن غريب.
[ ٢ / ٧٦١ ]