فالذين سمّوا هذه الآيات: خوارق للعادات، وعجائب، ومعجزات، إذا جعلوا ذلك شرطًا فيها، وصفة لازمة لها، بحيث لا تكون الآيات إلا كذلك، فهذا صحيح١، وإن كانت هذه الأمور قد تجعل أمرًا عامًا؛ [فتكون] ٢ متناولة لآيات الأنبياء، وغيرها؛ كالحيوان٣ الذي ينقسم إلى إنسان، وغير إنسان.
وأما إذا جعلوا ذلك حدًّا لها، وضابطًا، فلا بُدّ أن يُقيّدوا كلامهم؛ مثل أن يقولوا: خوارق [العادات] ٤ التي تختص الأنبياء، أو يقولوا: خوارق عادات الناس كلّهم غير الأنبياء؛ فإن آياتهم لا بد أن تخرق عادة كلّ أمة من الأمم، وكل طائفة من الطوائف، لا تختص آياتهم يخرق عادة بلد معين، ولا من أرسلوا إليه، بل تخرق عادة جميع الخلق إلا الأنبياء؛ فإنها إذا كانت
_________________
(١) ١ سبق أن أوضح شيخ الإسلام ﵀ أقوال الناس في مسمّى خرق العادة، ومن يشترطه، ممن لا يشترطه. انظر ص ٩٩٠ من هذا الكتاب. ٢ في «خ»: فيكون. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ الحيوان: كلّ ذي روح، ناطقًا كان أو غير ناطق، مأخوذ من الحياة، يستوي فيه الواحد والجمع، لأنه مصدر في الأصل. المصباح المنير ص ١٦٠. ٤ في «م»، و«ط»: للعادات.
[ ٢ / ٨٤٨ ]
معتادة للأنبياء؛ مثل الخبر الصادق بغيب الله تعالى الذي لا يُعرف إلا من جهتهم.
فما كان معتادًا للأنبياء دون غيرهم فهو من أعظم آياتهم وبراهينهم، وإن كان معتادًا لهم، فإن الدليل هو: ما يستلزم المدلول عليه.
فإذا لم يكن ذلك معتادًا إلا لنبيّ، كان مستلزمًا للنبوة، وكان من أتى به لا يكون إلاّ نبيًا، وهو المطلوب.
بل لو كان مستلزمًا للصدق، ولا يأتي به إلا صادق، لكان المخبر عن نبوة نبيّ؛ إمّا نبوةُ نفسه، أو نبوةٌ غيرها.
وإذا كان كاذبًا، لم يحصل له مثل ذلك الدليل الذي [هو] ١ مستلزم للصدق.
ولا يحصل أيضًا لمن كذّب بنبوة نبيّ صادق؛ إذ هو أيضًا كاذب، وإنما يحصل لمن أخبر بنبوّة نبيّ صادق.
وحينئذٍ فيكون ذلك الدليل مستلزمًا للخبر الصادق بنبوّة النبي، وهذا هو المطلوب؛ فإن مدلول الآيات سواء سميت معجزات، أو غيرها، والخبر الصادق بنبوة النبي، ومدلولها: إخبار الله، وشهادته بأنه نبي، وأنّ الله أرسله؛ فقول الله: ﴿محمّد رسول الله﴾ ٢، وقوله: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ ٣، وقول كل مؤمن: إنه رسول الله٤؛ كلّ ذلك خبرٌ عن
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٢ سورة محمد، الآية ٢٩. ٣ في سورة الأعراف، الآية ١٥٨: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ . ٤ نطق المؤمن بأنّ محمّدًا رسول الله في مواطن كثيرة، منها على سبيل المثال: في الأذان، وبعد الانتهاء منه، وبعد الوضوء، وعند الدخول إلى المسجد، وفي التشهد الأول والثاني من الصلاة، وبعد الخروج من المسجد. وفي أماكن كثيرة، ليس هذا مكان حصرها. وقد جمع الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى المواضع التي يُصلّى فيها على رسول الله، ويُذكر في كتاب مستقلّ، اسمه: جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام (مطبوع) . وقال الشاعر: لو لم يقل إني رسول لكا ن شاهد في هديه ينطق. زاد المعاد ٤٢٤٥.
[ ٢ / ٨٤٩ ]
رسالته، وهذا هو مدلول الآيات.
وقد يكون مدلول الآيات نفس النبوة، التي هي مخبر هذا الخبر، ويكون الدليل مثل خبر من الأخبار، وهذا من جنس الأول١.
فما دلّ على نفس النبوة، دلّ على صدق المخبر بها، وما دلّ على صدق المخبر بها، دلّ عليها٢.
وأمّا نفس إخبار الربّ بالنبوة، وإعلامه بها، وشهادته بها؛ قولًا، وعملًا، فهو إخبارٌ منه بها، وهو الصادق في خبره؛ فإخباره هو دليلٌ عليها؛ فإنّه لا يقول إلا الحق، ولا يُخبر إلا بالصدق.
وأيضًا: فهو الذي أنشأ الرسالة، وإرساله بكلامه قد يكون إنشاءً للرسالة، وقد يكون إخبارًا عن إرساله؛ كالذي يرسل رسولًا من البشر، قد يرسله والناس يسمعون، فيقول له: اذهب إلى فلان فقل له كذا وكذا. وقد يرسله بينه وبينه، ثم يقول للناس: إني قد أرسلته، ويرسله بعلامات وآيات، يعرف بها المرسَل إليه صدقَه.
_________________
(١) ١ أي الخبر الصادق بنبوة النبيّ، الذي هو المدلول للآيات. ٢ أي نفس النبوة. والمقصود التلازم بين النبوة، وصدق النبيّ.
[ ٢ / ٨٥٠ ]
وكذلك: إذا وُصفت١ بأنّها معجزات، فلا بد أن يعجز كلّ من ليس بنبيّ، ولم يشهد للنبيّ بالنبوة؛ فيعجز جميع المكذبين للرسول، والشاكّين في نبوته من الجنّ والإنس.
وكذلك: إذا قيل: هي عجائب، والعجب٢: ما خرج عن نظيره، فلم يكن له نظير، فلا بُد أن يكون من العجائب التي لا نظير لها أصلًا عند غير الأنبياء؛ لا من الجن، ولا من الإنس.
[أما إذا] ٣ كان [ليست] ٤ لها نظير في شيء آخر، فهذا يؤيّد أنها من خصائص الأنبياء، ومن آياتهم.
الفرق بين النبي والمتنبئ
فهذا الموضع من فهمه فهمًا جيّدًا، تبيَّن له الفرقان في هذا النوع٥؛ فإنّ كثيرًا من الناس٦ يصفها بأنها خوارق، ومعجزات، وعجائب، ونحو
_________________
(١) ١ أي الآية والعلامة والبينة والبرهان. وقد سبق أن ذكر المؤلف ﵀ أن التسمية بالمعجزات حادثة، ولم تعرف في الكتاب والسنة بهذا الاسم. انظر ص ٩٤٢ من هذا الكتاب. ٢ سبق توضيح العجب. انظر ص ٩٩٤ من هذا الكتاب. ٣ في «م»، و«ط»: فإذا. ٤ في «م»، و«ط»: ليس. ٥ أي من الفرق بين النبي والمتنبئ، وبين الصادق والكاذب. فالشيخ ﵀ يؤكّد أنّ ما يخصّ الأنبياء من خوارق ومعجزات وعجائب، لا بُدّ أن يكون خارقًا ومعجزًا لغيرهم، فلا يستطيع الجنّ والإنس أن يأتوا بمثله. هذا هو الفرق الذي يُعرف به الأنبياء، وتُعلم به معجزاتهم. ٦ وهم الأشاعرة، حيث جعلوا جنس ما يأتي به النبيّ والوليّ والساحر واحدًا، إلاّ أنّ النبيّ يدّعي به النبوة ولا يعارض، والولي والساحر لا يدّعيان النبوة بذلك الخارق. والفرق بين الولي والساحر أنّ السحر لا يظهر إلا على فاسق، والكرامة لا تظهر على فاسق. وقد سبق بيان ذلك مرارًا. انظر ص ٩٥٦-٩٥٨ من هذا الكتاب. وانظر: البيان للباقلاني ص ٤٧-٤٩. والإرشاد للجويني ص ٣١٩، ٣٢٢-٣٢٣، ٣٢٨.
[ ٢ / ٨٥١ ]
ذلك، ولا يحقق الفرق بين من يجب أن يخرق عادته ومعجزه، ومن لا [يجب] ١ أن [تكون] ٢ في حقه كذلك.
فالواجب أن يخرق عادة كل من لم يُقرّ بنبوة الأنبياء؛ فلا يكون لمكذّب بنبوته و[ليست] ٣ لشاك.
وقولنا: يخرق عادتهم، هو من باب العادة التي تثبت بمرّة، ليس من شرط فسادها أن تقع غير مرّة، مع انتفاء الشهادة بالنبوة. بل متى وقعت مرّة واحدة مع انتفاء الشهادة بالنبوة، لم [تكن] ٤ مختصة بشهادة النبوة، ولا بالنبوة، فلا يجب أن تكون آية.
وقولنا: ولا يجب أن تخرق عادات الأنبياء، ولم [نقل] ٥: ولا يجوز أن تخرق عادات الأنبياء. بل قد تكون خارقة أيضًا لعادات الأنبياء.
أنواع آيات الأنبياء
وقد خُصّ بها نبي واحد؛ مثل أكثر آيات الأنبياء٦؛ فإنّ كلّ نبيّ خُصّ بايات، لكن لا يجب في آيات الأنبياء أن تكون مختصة بنبيّ٧، بل ولا يجب أن يختص ظهورها على يد النبي، بل متى اختصت به، وهي من
_________________
(١) ١ في «ط»: يحب - بالحاء المهملة. ٢ في «م»، و«ط»: يكون. ٣ في «م»، و«ط»: لا. ٤ في «خ»: (يكن) . وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ في «خ»: (يقل) . وما أثبت من «م»، و«ط» . ٦ فإبراهيم ﵇ خُصّ بالنار، وصالح خصّ بالناقة، وموسى بالعصا واليد، ونبيّنا محمد ﷺ خُصّ بالقرآن الكريم والأمثلة على ذلك كثيرة. ٧ فمثلًا إحياء الموتى: اشترك فيه أكثر من نبيّ. كما سبق بيانه في ص ٥٩٤-٦١١، ٧٣٣ من هذا الكتاب. وانظر: الجواب الصحيح ٣٣٥١، ٤١٧، ٥٤٣٤.
[ ٢ / ٨٥٢ ]
خصائصه، كانت آية له سواء وجدت قبل ولادته، أو بعد موته، أو على يد أحد من الشاهدين له بالنبوة١، فكل هذه من آيات الأنبياء.
الرد على من قال من شرط آيات الأنبياء أن تقارن دعوى النبوة
والذين قالوا: من شرط الآيات أن تقارن دعوى النبوة٢: غلطوا غلطًا عظيمًا، وسبب غلطهم: أنّهم لم يعرفوا ما يخص بالآيات، ولم يضبطوا خارق العادة بضابط يميّز بينها وبين غيرها، بل جعلوا ما للسحرة والكهّان، هو أيضًا من آيات الأنبياء، إذا اقترن بدعوى النبوة، ولم يُعارضه معارض.
وجعلوا عدم المعارض هو الفارق بين النبيّ وغيره، وجعلوا دعواه النبوة جزءًا من الآية٣، فقالوا: هذا [الخارق] ٤ إن وجد مع دعوى
_________________
(١) ١ هذه تُعدّ من الكرامات التي للأولياء. وقد سبق أن أوضح المؤلف ﵀ أنّ كلّ كرامة حصلت لوليّ تابع لنبيّ، فهي معجزة لذلك النبيّ، لأنّ ذلك ما حصل له إلا باتباعه لذلك النبيّ. ويجب أن نوضّح هنا: أنّ الأولياء لا يحصل على يديهم إلا آيات الأنبياء الصغرى. أما الكبرى فلا؛ مثل معراج الرسول ﷺ، والقرآن الكريم. ولكن الصغرى؛ مثل جنس تكثير الطعام والشراب فتحصل، لكن ليس بالمقدار والكيفية التي حصلت للنبيّ. وانظر ما سبق من كلام المؤلف ﵀ ص ٩٨٧ من هذا الكتاب. ٢ يقصد هنا الأشاعرة، كما هو واضح من تعليل المؤلف - ﵀ - فيما بعد، وإلا فالمعتزلة يشترطون أنّ الخارق يقارن دعوى النبوة. وقد تقدم ذلك. انظر ص ٩٨٧ من هذا الكتاب. وانظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ص ٥٦٩. والإرشاد للجويني ص ٣١٤، ٣٢٠. والبيان للباقلاني ص ٤٦-٤٧. وأصول الدين للبغدادي ص ١٧١. ٣ يقول الجويني: "المعجزة لا تدلّ لعينها، وإنما تدلّ لتعلقها بدعوى النبي والرسالة". الإرشاد ص ٣١٩. وانظر البيان للباقلاني ص ٤٧-٤٩. ٤ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» .
[ ٢ / ٨٥٣ ]
النبوة، كان معجزة، وإن وجد بدون دعوى النبوة، لم يكن معجزة١، فاحتاجوا لذلك أن يجعلوه مقارنًا للدعوى.
قالوا: والدليل على [ذلك: أنّ مثل] ٢ آيات الأنبياء يأتي في آخر الزمان، إذا [جاءت] ٣ أشراط الساعة، ومع ذلك ليس هو من آياتهم٤.
وكذلك قالوا في كرامات الأولياء٥.
أشراط الساعة من آيات الأنبياء
وليس الأمر كذلك، بل أشراط الساعة هي من آيات الأنبياء٦، من وجوه؛
منها: أنهم أخبروا بها قبل وقوعها، فإذا جاءت كما أخبروا، كان ذلك من آياتهم.
ومنها: أنهم أخبروا بالساعة، فهذه الأشراط مصدّقة لخبرهم بالساعة، وكلّ من آمن بالساعة آمن بالأنبياء، وكلّ من كذب الأنبياء كذّب الساعة، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًَّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ
_________________
(١) ١ انظر: البيان للباقلاني ص ٤٧-٤٩. والإرشاد للجويني ص ٣٢٤، ٣٣١. ٢ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٣ في «ط»: جاتئت. ٤ وعلل التفتازاني ذلك بقوله: "لأنّ ما يقع في الآخرة من الخوارق ليست بمعجزة، ولأنّ ما يظهر عند ظهور أشراط الساعة وانتهاء التكاليف لا يشهد بصدق الدعوى، لكونه زمان نقض العادات وتغير الرسوم". شرح المقاصد للتفتازاني ٥١٣. وانظر: البيان للباقلاني ص ٤٧-٤٨. وأصول الدين للبغدادي ص ١٧٠. ٥ انظر: الإرشاد للجويني ص ٣١٩. وأصول الدين للبغدادي ص ١٧٤-١٧٥. ٦ سبق أن أوضح شيخ الإسلام ذلك في ص ٥٩٧ من هذا الكتاب. وانظر عن إخباره ﷺ بالكثير من الغيوب الماضية والحاضرة والمستقبلة، ودلالة ذلك على نبوته، في الجواب الصحيح ٦٨٠-١٥٨.
[ ٢ / ٨٥٤ ]
إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَولِ غُرُورًَا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَلتَصْغَى إِليهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَليَرْضَوْهُ وَليَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلتُنْذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤمِنُونَ بِهِ﴾ ٢.
فكلّ من آمن بالآخرة فقد آمن بالقرآن، فإذا جاءت أشراط الساعة، كانت دليلًا على صدق [خبرهم أنّ الساعة حقّ، وأنّ القرآن حقّ، وكان هذا من الآيات الدالة على صدق ما جاء به الرسول] ٣؛ من القرآن، وهو المطلوب.
كل ما يكون خرق عادة لجميع الناس فهو من آيات الأنبياء
فلا يوجد خرق عادة لجميع الناس، إلا وهو من آيات الأنبياء٤.
وكذلك الذي يقتله الدجال، ثم يحييه، [فيقوم] ٥، فيقول: أنت الأعور الكذّاب الذي أخبرنا به رسول الله ﷺ، والله ما ازددت فيك إلا بصيرة. فيريد الدجال أن يقتله، فلا يقدر على ذلك.
الرجل الذي يقتله الدجال ثم يحييه من آيات الرسول ﷺ
فهذا الرجل بعد أن قتل وقام، يقول للدجال: أنت الأعور الكذّاب، الذي أخبرنا به رسول الله ﷺ، والله ما ازددت فيك بهذا القتل إلا بصيرة. ثم يريد الدجال أن يقتله، فلا يقدر عليه٦.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية ١١١-١١٣. ٢ سورة الأنعام، الآية ٩٢. ٣ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٤ هذه قاعدة وضابط في معرفة خصائص معجزات الأنبياء. ٥ في «ط»: فيقول. ٦ رواه الإمام البخاري في صحيحه ٦٢٦٠٨-٢٦٠٩، كتاب الفتن، باب لا يدخل الدجال المدينة. والإمام مسلم في صحيحه ٤٢٢٥٦، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب صفة الدجال وتحريم المدينة عليه، وقتله المؤمن وإحيائه.
[ ٢ / ٨٥٥ ]
فعجزه عن قتله ثانيًا، مع تكذيب الرجل له بعد أن قتله، وشهادته للرسول محمّد بالرسالة، هو من خوارق العادات، التي لا توجد إلاّ لمن شهد للأنبياء بالرسالة. وهذا الرجل هو من خيار أهل الأرض المسلمين.
فهذا الخارق الذي جرى فيه، هو من خصائص من شهد لمحمّد بالنبوة؛ فهو من اعلام النبوة، ودلائلها.
وكونه قُتِل أوّلًا أبلغ في الدلالة؛ فإنّ ذلك لم يزغه، ولم يُؤثّر فيه، وعلم أنّه لا يُسلّط عليه مرة ثانية، فكان هذا اليقين والإيمان، مع عجزه عنه، هو من خوارق الآيات.
ومعلومٌ أنّ قتله ممكنٌ في العادة، فعجزه عن قتله ثانيًا، هو الخارق للعادة.
ودلّ ذلك على أن إحياء الله له، لم يكن معجزة للدجال، ولا ليبين بها صدقه، لكن أحياه ليكذّب الدجال، وليبين أنّ محمّدًا رسول الله، وأنّ الدجّال كذّاب، وأنّه هو الأعور الكذاب، الذي أنذر به النبي ﷺ، حيث قال: "ما من نبي إلاَّ وقد أنذر أمته الأعور الدجال، وسأقول لكم فيه قولًا لم يقله نبي لأمته: إنّه أعور، وإنّ الله ليس بأعور، مكتوب بين عينيه: كافر [ك ف ر] ١، يقرأه كلّ مؤمن؛ قارىء، وغير قارىء"٢.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ليس في «م»، ولا «ط» . ٢ رواه البخاري في صحيحه ٦٢٦٠٧-٢٦٠٨، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال، مع اختلاف يسير. ومسلم في صحيحه ٤٢٢٤٥، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر ابن صياد، و٤٢٢٤٧-٢٢٤٨، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال وصفته وما معه.
[ ٢ / ٨٥٦ ]
وفي بعض الأحاديث الصحيحة: "واعلموا أنّ أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت"١.
فذكر لهم آيات ظاهرة يشترك فيها الناس، تبيّن لهم كذبه، فيما يدعيه من الربوبية؛ إذ كان كثير من الناس يجوّزون ظهور الإله في البشر؛ النصارى٢ وغير النصارى٣.
وما يأتي به الدجال، إنّما يحار فيه، ويراه معارضًا لآيات الأنبياء: من لم يحكّم الفرقان.
من أنكر خوارق الدجال وقال إنما هي خيال
فقومٌ يكذّبون أن يأتي بعجيب، ويقولون: ما معه إلا التمويه٤؛ كما
_________________
(١) ١ رواه الإمام مسلم في صحيحه ٤٢٢٤٥، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر ابن صياد. والترمذي في جامعه ٤٥٠٨، كتاب الفتن، باب ما جاء في الدجال. ٢ كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [سورة التوبة، الآية ٣٠] . ٣ مثل ملاحدة الصوفية الذين يقولون بالحلول والاتحاد؛ كقول ابن الفارض في ديوانه: لها صلواتي بالمقام أقيمها وأشهد فيها أنها لي صلّت كلانا مصلّ واحد ساجد إلى حقيقته بالجمع في كلّ سجدة وما كان لي صلى سواي ولم تكن صلاتي لغيري في أدى كلّ ركعة ديوان ابن الفارض ص ٣٤. وهم أخبث من النصارى واليهود كما صرّح بذلك شيخ الإسلام ﵀؛ لأنّ اليهود قالوا بالحلول الخاص، وهؤلاء قالوا بالحلول المطلق. انظر: جامع الرسائل والمسائل ١٩٣، ٩٤. والجواب الصحيح ٤٣١٥، ٤٩٧-٥٠٠. ٤ التمويه: هو التلبيس. ومنه قيل للمخادع: مموه. وقد موّه فلان باطله: إذا زيّنه وأراه في صورة الحقّ. والمموهة هي التي يكون ظاهرها مخالفًا لباطنها. تهذيب اللغة ٦٤٧٤. ولسان العرب ١٣٥٤٤. والتعريفات ص ٢٩٧.
[ ٢ / ٨٥٧ ]
قالوا في السحر والكهانة؛ مثل كثيرٍ من المعتزلة، والظاهرية؛ كابن حزم١.
وقومٌ٢ يقولون: لما ادعى الإلهية، كانت الدعوى معلومة البطلان، فلم يظهر الخارق؛ كما يقول ذلك القاضي أبو بكر٣، وطائفة. ويدّعون أن
_________________
(١) ١ ونقل ابن كثير ﵀ عن ابن حزم والطحاوي وغيرهما: (أن الدجال ممخرق مموه لا حقيقة لما يُبدي للناس من الأمور التي تشاهد في زمانه، بل كلها خيالات عند هؤلاء. وقال الشيخ أبو علي الجبائي شيخ المعتزلة: لا يجوز أن يكون كذلك حقيقة لئلا يشتبه خارق الساحر بخارق النبيّ) . النهاية في الفتن والملاحم ١١٦٤. وممن أنكر حقيقة خوارق الدجال: الماوردي انظر كتابه أعلام النبوة ص ٦٢. ومن المتأخرين الذين أنكروا حقيقة خوارق الدجال: الشيخ محمد رشيد رضا. انظر تفسيره تفسير المنار ٩٤٩٠. وقد ردّ على من أنكر حقيقة هذه الخوارق كثيرٌ من العلماء: منهم القاضي عياض، والنووي، وابن كثير، وابن حجر رحمهم الله تعالى. انظر: النهاية في الفتن والملاحم ١١٦٤-١٦٥. وفتح الباري ١٣١٠٣-١٠٥. وشرح النووي على مسلم ١٨٥٨-٥٩. ٢ وهم الأشعرية. انظر: أصول الدين للبغدادي ص ١٧٠، ١٧٤. ٣ انظر: البيان للباقلاني ص ١٠٤ - ١٠٥. وقال شيخ الإسلام ﵀: "والدجال لما ادعى الإلهية لم يكن ما يظهر على يديه من الخوارق دليلًا عليها؛ لأن دعوى الإلهية ممتنعة، فلا يكون في ظهور العجائب ما يدلّ على الأمر الممتنع". الجواب الصحيح ٣٣٥١. وقال أيضًا: "ولهذا أعظم الفتن فتنة الدجال الكذاب، لما اقترن بدعواه الإلهية بعض الخوارق، كان منها ما يدلّ على كذبه من وجوه، منها: دعواه الإلهية وهو أعور، والله ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كلّ مؤمن قارئ وغير قارئ، والله تعالى لا يراه أحد حتى يموت، وقد ذكر النبي ﷺ هذه العلامات الثلاث في الأحاديث الصحيحة، فأما تأييد الكذاب ونصره وإظهار دعوته دائمًا، فهذا لم يقع قط. فمن يستدلّ على ما يفعله الرب سبحانه بالعادة والسنة فهذا هو الواقع، ومن يستدلّ على ذلك بالحكمة، فحكمته تناقض أن يفعل ذلك؛ إذ الحكيم لا يفعل هذا، وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [سورة الفتح، الآيتان ٢٢-٢٣] . فأخبر أن سنة الله التي لا تبديل لها: نصر المؤمنين على الكافرين، والإيمان المستلزم لذلك يتضمّن طاعة الله ورسوله، فإذا نقض الإيمان بالمعاصي كان الأمر بحسبه كما جرى يوم أحد ) . الجواب الصحيح ٦٤١٩-٤٢٠. وانظر: المصدر نفسه ٥١٨٧، ومجموع الفتاوى ٢٠٤٥، وشرح الأصفهانية ٢٤٧٧، ٦٠٨.
[ ٢ / ٨٥٨ ]
النصارى اعتقدت في المسيح الإلهية؛ لكونه أتى بالخوارق، مع إقراره بالعبودية. فكيف بمن يدّعي الإلهية؟
ولكن هذا الخارق الذي يُظهره الله في هذا الرجل الصالح الذي طلب منه الدجّال أن يؤمن به، فلم يفعل، بل كذّبه، وقال: أنت الأعور الدجال الذي أخبرنا به النبيّ ﷺ، فقتله، ثمّ أحياه الله، فقال له: أنت الأعور الدجّال، فكذّبه قبل أن قُتِل، وبعد ما أحياه الله، وأراد الدجال قتله ثانية، فلم يُمكّن.
فعجزه عن قتله ثانيًا: من أعظم الخوارق، مع تكذيبه. وأما إحياؤه، مع تكذيبه له أولًا، وعجزه ثانيًا عن قتله، فليس بخارق.
فهذا إحياء معين، معه دلائل معدودة، تُبيّن أنّه من الآيات الدالة على صدق الرسول، لا على صدق الدجال، وتُبيّن بذلك أنّ الآيات جميعها تدلّ على صدق الأنبياء؛ فإنّ آيات الله مرة أو مرتين أو ثلاثًا، لا يشترط في ذلك تكرار، بل شرطها: أن لا يكون لها نظير في العالم لغير الأنبياء، ومن يشهد بالنبوة، ولم يوجد لغيرهم، كان [هذا] ١ دليلًا على أنّها مختصة بالأنبياء.
_________________
(١) ١ في «ط»: ذها.
[ ٢ / ٨٥٩ ]
ومن أطلق خرق العادة١، ولم يفسّره ويبينه، فلم يعرف خاصتها، بل ظن أن ما وجد من السحر والكهانة خرق عادة، أو ظن أنّ خرق [العادة] ٢ أن لا يعارضها معارض من المرسل إليهم.
خوارق المتنبئين من جنس خوارق السحرة
وكثير من المتنبئين الكذّابين أتوا بخوارق من جنس خوارق السحرة والكهّان، ولم يكن من أولئك القوم من أتى بمثلها، لكن قد عُلم أن في العالم مثلها، في غير ذلك المكان، أو في غير ذلك الزمان، وإنّما الخارق كما قال في القرآن: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًَا﴾ ٣.
التحدي بالقرآن الكريم
ولهذا قال في آيات التحدي: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفتريَات وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٤، وقال في تلك الآية: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ ٥.
فلم يكتف بعجز المدعوين، بل أمرهم أن يدعوا إلى معاونتهم كلّ من استطاعوا أن يدعوه من دون الله. وهذا تعجيز لجميع الخلق؛ الإنس، والجنّ، والملائكة.
وقال في البقرة: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٦؛ أي: ادعوا كلّ
_________________
(١) ١ وهم الأشاعرة الذين يجعلون جنس الخارق ليس هو المعجزة، وإنما المعجز هو دعوى النبوة، وعدم المعارضة، كما سبق بيانه ص ١٥٢-١٥٣، ٥٨٦-٥٨٧ من هذا الكتاب. ٢ ما بين المعقوفتين ساقط من «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٣ سورة الإسراء، الآية ٨٨. ٤ سورة هود، الآية ١٣. ٥ سورة هود، الآية ١٤. ٦ سورة البقرة، الآية ٢٣.
[ ٢ / ٨٦٠ ]
من يشهد لكم، فيوافقكم على أنّ هذا ليس من عند الله؛ ادعوا كل من لم يُقرّ بأنّ هذا منزّل من الله، فهذا تعجيزٌ لكل من لم يؤمن به. ومن آمن به، وبقي في ريب، [بل] ١ قد عُلم أنّه من عند الله.
وهذا التحدي في البقرة، وهي مدنية بعد يونس وهود. ولهذا قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُم في رَيْب﴾، وهناك٢ قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾؛ فهذا٣ تحدّي لكل مرتاب، وذاك٤ تحدي لكلّ مثل مكذب. ولهذا قيل في ذاك٥: ﴿مَن اسْتَطَعْتُمْ﴾ فإنه أبلغ، وقيل في هذا٦: ﴿شُهَدَاءَكُم﴾ .
وقد قال بعض المفسرين٧: ﴿شُهَدَاءَكُم﴾: آلهتكم، وقال بعضهم٨: من يشهد أنّ الذي جئتم به مثل القرآن.
والصواب: أن شهداءهم الذين يشهدون لهم؛ كما ذكره ابن اسحق٩
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: قل. ٢ أي في سورة يونس، الآية ٣٨، وسورة هود، الآية ١٣. ٣ الذي في سورة البقرة الآية ٢٣. ٤ الذي في سورة يونس ٣٨، وهود ١٣. ٥ في سورة يونس، وسورة هود. ٦ في سورة البقرة. ٧ انظر: زاد المسير لابن الجوزي ١٥١. وتفسير ابن كثير ١٥٩. ٨ انظر: تفسير الطبري ١١٦٧. وزاد المسير لابن الجوزي ١٥١. وتفسير ابن كثير ١٥٩. ٩ هو محمد بن إسحاق بن يسار، أبو بكر المطلبي بالولاء، المدني. من أقدم مؤرخي العرب من أهل المدينة. له السيرة النبوية، هذبها ابن هشام، زار الاسكندرية، وسكن بغداد، ومات بها. قال ابن حبان: "لم يكن أحد بالمدينة يقارب ابن إسحاق في علمه، أو يوازيه في جمعه، وهو من أحسن الناس سياقًا للأخبار". وكان جده يسار من سبي عين التمر. وقال عنه ابن حجر: "نزيل العراق، إمام المغازي، صدوق يدلس، ورمي بالتشيع والقدر، من صغار الخامسة، مات سنة خمسين ومائة، ويقال بعدها". انظر: تقريب التهذيب لابن حجر ٢٥٤. والأعلام للزركلي ٦٢٨.
[ ٢ / ٨٦١ ]
بإسناده المعروف عن ابن عباس، قال: ﴿شُهَدَاءَكُم﴾: من استطعتم من أعوانكم على ما أنتم عليه١.
وقال السدي٢، عن أبي مالك: ﴿شُهَدَاءَكُم من دون الله﴾: أي شركاءكم٣؛ فإنّ هؤلاء هم الذي يُتصوّر منهم المعارضة إذا كانوا في ريب منه.
أمّا من أيقن أنه من عند الله، فإنه يمتنع أن يقصد معارضته؛ لعلمه بأنّ الخلق عاجزون عن ذلك. والله تعالى شهد لمحمد بما أظهره من الآيات، فادعوا من يشهد لكم. وهؤلاء يشهدون من دون الله، لا يشهدون بما شهد الله به، فتكون شهادتهم [مضادة] ٤ لشهادة الله؛ كما قال: ﴿لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ انظر: تفسير الطبري ١١٦٦. وزاد المسير ١٥١. وتفسير ابن كثير ١٥٩. ٢ هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي الكبير، أبو محمد القرشي الكوفي. له أقوال في تفسير القرآن، اختلف في توثيقه، وقال الحافظ ابن حجر: صدوق يهم، ورمي بالتشيع من الرابعة، تابعي حجازي الأصل، سكن الكوفة، مات سنة ١٢٨؟. انظر: تقريب التهذيب ١٩٦، وتهذيب التهذيب ١٢١٣، وسير أعلام النبلاء ٥٢٦٤-٢٦٥، والأعلام ١٣١٧، والتفسير والمفسرون ١٧٩. ٣ انظر: تفسير ابن كثير ١٥٩. ٤ في «خ»: بأربعة. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ سورة النساء، الآية ١٦٦.
[ ٢ / ٨٦٢ ]
وقال: ﴿قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتَاب﴾ ١.
كما قال: ﴿شَهِدَ اللهُ أنَّه لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالملائِكَةُ وَأُوْلُوا العِلْمِ﴾ ٢.
وقد قلنا: يجوز أن تكون آياتهم خارقة لعادة جميع الخلق، إلاَّ للنبيّ، لكن لا يجب هذا فيها٣.
اعتراض وجواب المؤلف عليه
فإن قيل: قد ذكرتم أن آيات الأنبياء هي الخوارق التي تخرق عادة جميع الثقلين، فلا تكون لغير الأنبياء، ولغير من شهد لهم بالنبوة. وهذا كلامٌ صحيحٌ فصلتم به بين آيات الأنبياء، وغيرهم بفصلٍ مطّرد منعكس٤، بخلاف من قال: هي خرق العادة٥، ولم يُميّز بينها وبين غيرها، وتكلّم في خرق العادة بكلامٍ متناقضٍ؛ تارة يمنع وجود السحر والكهانة، وتارة يجعل هذا الجنس من الآيات، ولكن الفرق عدم المعارضة. لكن لم يذكروا الفرق في نفس الأمر، ونفس كونها معجزة، وخارقًا، وآية: لماذا كان؟ وما هو الوصف الذي امتازت به، حتى صارت آية ودليلا دون غيرها؟ فذكرتم الدليل، لكن لم تذكروا الحقيقة التي بها صار الدليل دليلًا.
قيل: لا بُد أن تكون مما يعجز عنها الإنس والجن؛ فإنّ هذين الثقلين بُعث إليهم الرسل؛ كما قال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا
_________________
(١) ١ سورة الرعد، الآية ٤٣. ٢ سورة آل عمران، الآية ١٨. ٣ تقدم ذلك مرارًا، في أول هذا الكتاب، وانظر ص ٩٩٢ منه. ٤ سبق ذلك. انظر ص ٣٠١ من هذا الكتاب. ٥ وهم الأشاعرة، كما سبق بيانه في ص ١٥١-١٥٣.
[ ٢ / ٨٦٣ ]
وَغَرَّتْهُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿[وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا] ٢ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذَابِ عَلَى الكَافِرِينَ﴾ ٣.
والإنس والجنّ منهم من آمن بالرسل، ومنهم من كذّبهم، فلا بُد أن يكون مما لا يقدر عليها جنس الإنس والجنّ.
ثمّ الكرامات [يخص] ٤ بها المؤمنين من الطائفتين٥، وأمّا آيات الأنبياء التي بها تثبت نبوتهم، وبها وجب على الناس الإيمان بهم، فهي أمرٌ [يخص] ٦ الأنبياء، لا يكون للأولياء، ولا لغيرهم، بل يكون من المعجزات الخارقة للعادات الناقضة لعادات جميع الإنس والجن غير الأنبياء.
فما كان الإنس أو الجن يقدرون عليه، فلا يكون وحده آية للنبي. أمّا ما تقدر عليه الملائكة: فذاك قد يكون من آياتهم؛ لأنهم لم يرسلوا إلى الملائكة٧، والملائكة لا تفعل شيئا إلا بإذن الله؛ فما تفعله الملائكة معهم، فهو بإذن الله، وهو ما خص به الأنبياء بخلاف الإنس والجن.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية ١٣٠. ٢ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٣ سورة الزمر، الآية ٧١. ٤ في «خ»: يختص. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ أي من الإنس والجنّ. ٦ في «خ»: يختص. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٧ انظر كلام شيخ الإسلام ﵀ المتقدم في هذا الكتاب، ص ١٧١. وانظر: البيان للباقلاني ص ١٠٢، ١٠٥.
[ ٢ / ٨٦٤ ]
كل ما استلزم نبوة الأنبياء فهو آية لهم
وخاصتها التي تمتاز بها عن غيرها: أن يكون آيةً، ودليلًا على نبوتهم؛ فكلّ ما استلزم نبوّتهم، فهو آية لهم، وما لا يستلزم نبوتهم، فليس بآية١، وليست مختصة بجنس من الموجودات، بل تكون في جنس العلم، والإخبار بغيب الرب الذي اختص به، و[تكون] ٢ في جنس القدرة، والتصرف، والتأثير في العالم٣، وهي مقدورة للرب، فله سبحانه أن يجعلها في أي جنس كان من المقدورات.
تنوع آيات الأنبياء
ولهذا تنوعت آيات الأنبياء، بل النبيّ الواحد تتنوع آياته، فليس القرآن الذي هو قول الله وكلامه من جنس انشقاق القمر، ولا هذا وهذا من جنس تكثير الطعام، والشراب؛ كنبع الماء من بين الأصابع.
وهذا كما أنّ آيات الرب الدالّة على قدرته، ومشيئته، وحكمته، وأمره، ونهيه، لا تختص بنوعٍ، فكذلك آيات أنبيائه. فهذا مما ينبغي أن يعرف. ولكن خاصتها أنها لا تكون إلا مستلزمة لصدق النبي، وصدق الخبر بأنه نبي٤، فلا تكون لمن يكذّبه قط.
كرامات الأولياء من آيات الأنبياء الصغرى
ولا يقدر أحدٌ من مكذبي الرسل أن يأتي بمثل آيات الأنبياء، وأمّا
_________________
(١) ١ هذا ضابط به تميّز الآية من غيرها. ٢ في «خ»: (يكون) . وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ أشار الشيخ رحمه الله تعالى إلى أنواع المعجزات. انظر ما سبق ص ١٧١. وانظر: مجموع الفتاوى ١١٢٩٨-٢٩٩، ٣٢٣-٣٢٤. وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ آيات الرسول ﷺ المتعلقة بالقدرة والفعل والتأثير، وذكر لها أنواعًا كثيرة، مؤيدًا ذلك بكثرة الأمثلة. وقد أطال النفس في سرد ذلك وتوضيحه. انظر الجواب الصحيح ٦١٥٩-٣٢٣. وانظر أيضًا قاعدة في المعجزات والكرامات ص ٩-٢١. ٤ من خاصة المعجزة.
[ ٢ / ٨٦٥ ]
مصدّقوهم١ فهم معترفون بأن ما يأتون به هو من آيات الأنبياء، مع أنه لا تصل آيات الأتباع إلى مثل آيات المتبوع مطلقًا٢، وإن كانوا قد يشاركونه في بعضها؛ كإحياء الموتى، وتكثير الطعام، والشراب٣؛ فلا يشركونه في القرآن، وفلق البحر، وانشقاق القمر٤؛ لأن الله فضل الأنبياء على غيرهم، وفضل بعض النبيين على بعض. فلا بُد أن يمتاز الفاضل بما لا يقدر المفضول على مثله؛ إذ لو أتى بمثل ما أتى، لكان مثله، لا دونه.
_________________
(١) ١ أي مصدّقوا أتباع الأنبياء، وهم الأولياء. ٢ كما مرّ معنا أنّ كرامات الأولياء هي من آيات الأنبياء الصغرى، لا يصلون إلى الكبرى، وحتى الصغرى تكون من جنس آيات الأنبياء، لكن ليس بالقدر والكيفية. انظر ص ١٥١، ٨٥٧-٨٦٠ من هذا الكتاب. وانظر ما سيأتي ص ١٢١٩. ٣ مرّ معنا فيما سبق. انظر ص ١٥٠-١٥١. ٤ لأنها من آيات الله الكبرى التي يختص بها الأنبياء.
[ ٢ / ٨٦٦ ]